فرق ومذاهب\العدد مائة - شوال 1432 هـ
النسوية والردة إلى العصر الوثني
السبت 3 سبتمبر 2011

فاطمة عبد الرءوف – باحثة مصرية

خاص بالراصد

من الملاحظ في عالم الأفكار أن هناك مساحة زمنية تفصل بين ما يدور في واقعنا من نقاش وحوار وأطروحات فكرية وبين ما يدور في الغرب، فحالة التبعية الثقافية والفكرية التي وقع فيها الكثير من مثقفينا المتغربين منذ أكثر من قرن تفصلها مسافة زمنية لا تقل بحال عن ثلاثة عقود، وبالتالي يمكننا قراءة واقع الأفكار الغربي في اللحظة الراهنة لندرك المسار الذي سيتبعه مثقفونا في السنوات القادمة، حيث لا يمتلكون رؤية نقدية واضحة لما يطرح هناك من أفكار ولا يمتلكون أدوات خاصة تمكنهم من ذلك، وغاية ما يقومون به في هذا أمران: أولهما توظيف اللغة العربية في طرح الفكرة المستوردة، وغالبا ما يتم ذلك بأسلوب غائم وذلك لمنح القارىء شعورا بأن ثمة جديداً ومهماً بحاجة للتعمق فيه، ومن جهة أخرى لا يصطدمون مباشرة بمشاعر وفطرة القارىء المسلم العربي.

والأمر الآخر هو محاولة تعريب النماذج والأحداث لخلق مناخ ثقافي يمنح هذه الأفكار شيئاً من التقبل أو التطبيع.

 يبدو الفكر النسوي نموذجاً جيداً للأطروحة السابقة فبينما لا يزال معظم معتنقي الفكر النسوي العرب يروجون لفكرة المساواة المطلقة ودعم مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية وبعض التغيرات النوعية في الحياة الاجتماعية، دون الخروج الصريح على تعاليم ومبادئ الشريعة الإسلامية بل بالالتفاف حول الشريعة نفسها من خلال ما أطلقوا عليه (إعادة قراءة النص القرآني من منظور نسوي) بخلاف أصحاب الفكر الأصلي من الماركسيين الغربيين الذين دخلوا في مواجهة مباشرة مع الدين فجميع الأديان السماوية بزعمهم تدعم الفكر الذكوري الأبوي وتهمش المرأة بل هي السبب الرئيس في الوضع المهين المزري الذي عاشته النساء لأجيال طويلة.

لقد تماهى الفكر النسوي مع فلسفة ما بعد الحداثة ليصنعا معا واقع الفكر الغربي بالثورة على الدين وإعلان موت الإله وتمجيد الفكر الإلحادي، لكن حتى ضمير الإنسان الغربي لم يتقبل هذا الفكر الشاذ لكن العودة للمسيحية لم تعد ممكنة بعد هذا التراث البشع لآباء الكنيسة، فحصلت خلخلة وتخبط في فكر ما بعد الحداثة، فارتد الكثير من الغربيين إلى الأديان الوثنية القديمة التي تعبد أصناما محسوسة وتتعدد فيها الآلهة، وأصبح الفكر البدائي هو النموذج الأعلى الذي يمكن تمثله وهذا بالضبط ما وصل إليه الفكر النسوي في الغرب في الوقت الراهن، وهو المستقبل المظلم الذي ينتظر مثقفينا من دعاة وأنصار الفكر النسوي ما لم تحدث مراجعة فكرية عميقة تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح وتنحاز لشريعتنا وعقيدتنا وفقا لآليات قراءة صادقة لا متحيزة ولا ملتفة.

الوثنية الجديدة

(تهدف الوثنية الجديدة إلى بعث وإحياء الوثنية القديمة بأشكالها المتعددة فتظهر الوثنية الجديدة تارة بأنها تعتقد بتعدد الآلهة لأن الاعتقاد في إله واحد يتنافى مع التعددية والنسبية اللتين شدد عليهما فكر ما بعد الحداثة في الغرب، وتارة أخرى تتخذ من السحر والكهانة القديمة وقراءة الطالع والكف والحظ وممارسة الأفعال الجنسية والرقص والموسيقى الصاخبة طقوسا)([1]) إن حالة التخبط والتيه التي يعيشها الإنسان الغربي مرهقة للروح التي تقوده لمثل هذا العبث الذي يحاول أن يضفي عليه شيئاً من المنطق وظلال من الإجلال، فهو يسعى لاختراع دين جديد يشبع ولو حيزاً صغيراً من الظمأ الروحي الذي يعانيه وفي الوقت ذاته يشبع شهواته ويخدم أفكاره، وهو ما توصلت إليه دعاة النسوية المتطرفات أن تتحول النسوية من نظرية أو فلسفة إلى دين يتم اعتناقه. دين للنساء فقط، دين يعيد العصر الأمومي الذي يبذلون جهودا خارقة للترويج له حيث تتصالح الطبيعة مع المرأة فهما يحملان روحا أنثوية واحدة وتعبد فيه إلهة ربة، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

هذه الاعتقادات تنمّ عن أمرين:

الأول: الجهل المطلق بعقيدة الإسلام وصِفات الله عز وجل التي وصف بها نفسه في القرآن الكريم فليس معنى استخدام الضمير )هو( أنه سبحانه وتعالى مذكر فهو (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى: 11) ولقد سخِر القرآن من هذه التصورات الساذجة لمن جعل الملائكة إناثا ولمن جعل له سبحانه وتعالى بنين وبنات، فهو سبحانه وتعالى الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

الثاني: أن هذا الفكر قد اشتط للغاية وتطرف لأقصى مدى فلم يعد الأمر إنصاف الأنثى بل عبادتها ومن ثم امتزج بهذه الدعوة الرغبة في القضاء على الذكر وتطهير العالم منه([2]).

أصبح هناك علم جديد اسمه علم اللاهوت النسوي له عالمات ينظرن له ويبشرن به (تذهب سالي ماكفيجش عالمة اللاهوت النسوي إلى ضرورة تجسيد الإلهة/ الأنثى واعتبار أن هذا العالم كله جسد لها.

أما الفيلسوفة وعالمة اللاهوت النسوية الشهيرة ماري ديلي فتذهب إلى أن تحرير المرأة الحقيقي يأتي أولاً من إسقاط الفكر الذكوري عن المعتقدات والرسالات والممارسات الدينية واستبدال هذا الفكر بدين وثني نسوي جديد تكون فيه الإلهة الأنثى هي المعبودة الوحيدة)([3]).

قد يتصور القارئ الكريم أنه ثمة مبالغة أو تهويل للتحذير من خطورة انتشار هذا الفكر ولكن هذا الفكر الشاذ يجد طريقه بسرعة ليتحول لأمر ممكن واتخذت الدعوة إليه أشكالاً فنية حتى تقترب أكثر من وجدان الإنسان، والأخطر من ذلك أن هذه الأفكار تقدَّم للأطفال الصغار حتى يتشربوها ولقد شاهدت بنفسي فيلماً مدبلجاً على قناة أطفال عربية شهيرة جدا يطلب فيها المعلم من التلاميذ أن يجسدوا له روح الوجود ويظل التلاميذ يفكرون ويحاولون حتى يخرج أحدهم بألوهة (إلهة أنثى) وهي عبارة عن صنم لامرأة بدائية عارية حيث يحتفي به المعلم ويطلب من التلاميذ أن يتأملوا ألوهة ويشعروا بها([4]).

العقيدة والعبادة

تحدثت عالمات اللاهوت النسوي والمبشرات بدين المرأة الجديد عن الصفات المقدسة للإلهة الأنثى وعن كيفية الإيمان بها والشعائر التي تأمر بها:

* هذه الإلهة المزعومة رمز الحب والخصوبة والسلام وهي تجسد بأنثى عارية لها نهدان كبيران.

* هذه الإلهة تحيط بنا في كل مكان فهي مبثوثة في الطبيعة ذاتها التي دمرها الذكور بسيطرتهم وعجرفتهم.

* هذه الإلهة عالمة بكل شيء ولا تخطىء أبدا.

* لا بد من التبشير بهذه الإلهة ونشر تعاليمها.

* أن تقع في حب الإلهة فهذا هو عين الإيمان ولن تحتاج إلى طقوس كتلك الموجودة في الأديان.

* تتقرب إلى الإلهة بما تحبه ألا وهو الرقص والغناء والممارسات الجنسية المثلية، فهي تحب النساء اللاتي يمارسن الجنس مع بعضهن البعض، وممارسة الشذوذ هو من الطقوس اليومية([5]).

* دين الإلهة الأنثى يجمع بين أديان كثيرة، فهو يجمع بين البوذية والمسيحية والطاوية (عقيدة تجمع بين الكونفوشيوسية والهندوسية والبوذية) واليهودية وعقائد السيخ والهندوسية والإسلام.

* تطالب هذه الإلهة المزعومة المعتنِقات لها بأن يأكلن الحبوب والخضروات والفواكه في معظم الأوقات وهي لا تحرم أكل اللحوم وعندما يأكلن اللحوم فعليهن أن يشكرن الحيوان ويصلين له.

* كما تطالب بتخصيص مكان في البيت لعبادة الإلهة الأنثى ثلاث مرات عند الشروق ووقت الذروة وعند الغروب.

* يجب تعليم الأطفال العبادة اليومية للإلهة الأنثى ويجب الاهتمام بالاحتفالات والأعياد التي ترضى عنها.

كانت تلك أهم الأفكار والتعاليم التي أوردتها عالمات اللاهوت النسوي حول هذه الإلهة التي اخترعنها ووضعن تعاليمها، ووصل الأمر ببعض المبشرات بهذه الديانة الجديدة إلى الزعم بأن الإلهة الأنثى توحي إليهن كتلك المبشرة النسوية النشطة (آنا ليفيا بليرابل) التي نصّبت من نفسها رسولة، وهذا نموذج من الوحي الذي أوحته الإلهة الأنثى إلى رسولتها.. تقول الإلهة المزعومة:

(متى تحتاج إلى أي شيء تفضله عندما يكتمل القمر سوف تجدني في مكان ما تهيم روحي عليه. أنا ملكة كل حكيم وسوف تتحررون من العبودية وعندما تكونون أحرارا ستتخلصون من كل الطقوس الدينية فتغنون وتقيمون الاحتفالات وترقصون وتعزفون الموسيقى وتحبون كل هذا في وجودي أما أنا فإن روحي وبهجتي وسروري على هذه الأرض وقانوني هو الحب لكل الموجودات.

 إنني السر الذي يفتح الباب للشباب، إنني كاس نخب الحياة الذي يمدكم بالخلود، إنني مصدر المعرفة الأبدية وحياة ما بعد الموت، إنني واهبة السلام والحرية والرعاية، وأجمع حولي هؤلاء الذين رحلوا من قبل ولا أطلب أن تفعلوا لي شيئا أو تقدموا لي قرابين لأنني أم كل شيء وإن حبي يعم الأرض كلها.

 إنني جمال الأرض الخضراء والقمر الأبيض بين النجوم، وإنني سر الماء، كما أدعو لروحك أن تسمو وتأتي إلي لأنني روح الطبيعة التي تعطي الحياة للكون كل الأشياء تأتي مني وتعود إلي. إن الحب والسعادة هي طقوسي الدينية وينبغي أن يكون بداخلك جمال وقوة وطاقة ورحمة وشرف وتواضع وبهجة ووقار.. وأنت الذي تبحث عني لتعرفني)([6]).

هذه الترهات الملفقة التي اتخذت طابعا شعريا وخليطاً من الأفكار الدينية القديمة والإنسانية العامة والنسوية الشاذة أصبحت وحيا جديدا، فيا للكذب والادّعاء ويا لمستقبل البشرية المظلم وهي تتخبط من تيه إلى تيه وكلما آمل المصلحون أنها تقترب من النضج انتكست مرة أخرى وها هي في عصر العلم تنتكس إلى الوثنية البدائية.

فمتى يعرف العالم عظمة الإسلام ومبادءه العظيمة وعقيدته الصافية وشريعته العادلة؟ 

 



[1] - نقلا عن كتاب "الحركة الإسلامية وخلخلة المجتمعات الإسلامية".. بحث الدكتور خالد قطب ص 38، 39.

 [2] - هذه المشاعر تم تصديرها لنا ويتم الترويج لها، مثلا نجد في مجلة حواء المصرية تحقيقاً بعنوان "عندما تحكم النساء العالم" واستطلاع رأي عن "عالم بلا رجال".

[3] - الحركة الإسلامية وخلخلة المجتمعات الإسلامية، ص42.

 [4] - لمزيد من التفاصيل راجع مقال: الطفل المسلم وتربية الكارتون لكاتبة هذه السطور.

[5] -  هناك علاقة وثيقة بين انتشار الفكر النسوي والانحرافات الخلقية خاصة الشذوذ الجنسي جديرة بأن يخصص لها مبحث مستقل.

 [6] -  الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإسلامية ص 46.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: