فرق ومذاهب\العدد مائة وواحد - ذو القعدة 1432 هـ
سلسلة رموز الفكر العلماني المعاصر
الأربعاء 28 سبتمبر 2011

 

 

 17- أدونيس

 

أسامة الهتيمي – كاتب مصري

خاص بالراصد

 من المحاولات الماكرة التي تستهدف تنفير أبناء الأجناس والأعراق غير العربية من الإسلام هو القول بأن الإسلام لم يأتِ إلا لرفع شأن القومية العربية فوق كل القوميات، فالقرآن لم ينزل إلا بلسان عربي مبين، ونبي الإسلام عربي، وبيت الله الحرام الذي وجبت زيارته على كل مسلم ومسلمة يقع في أرض عربية ومن ثم فإن غير العرب من بقية أجناس الأرض وأعراقهم يأتون في درجة ثانية بعد العرب فهو في البداية والنهاية دين العرب لا غيرهم.

ونفث هؤلاء سمومهم في كل مكان يستهدفون إثارة الناس من أجل التمحور حول أصولهم العرقية بما صاحب ذلك من تقليل بل وتحقير لأهمية الرابطة الدينية والعقدية التي تتجاوز حدود العرقيات والأجناس وبما ينتهي بهم إلى تهميش الدين كلية وحصره فيما يخص علاقة العبد بربه وبما يعني بوضوح أن هذه الدعوة ما هي إلا أداة من أدوات العلمانية المقيتة التي ترى في الدين عدوها الأوحد.

ويعد المتشاعر السوري علي أحمد سعيد إسبر المتسمى بـ "أدونيس" واحداً من هؤلاء الذين لعبوا على وتر إحياء هذه العرقيات في مواجهة القومية العربية التي تصور ظلما وبهتانا أنها تدثرت بالإسلام من أجل القضاء على الانتماءات القومية الأخرى على الرغم من إدراكه هو نفسه قبل غيره أن الإسلام جاء ليقضي على كل انحياز لقومية مهما كانت وأنه اعتبر أن التطرف في هذا الانحياز عنصرية وجاهلية مرفوضة بل وضد الإسلام، فالانتماء للإسلام ليس لاعتبارات بقومية والأفضلية في الإسلام ليس لأبناء قومية دون أخرى: "لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى" فمناط المفاضلة بين الناس ليس عرقهم ولا لونهم ولا لسانهم ولكن مناط المفاضلة هو طاعة الله وتقواه والقرب منه.

كما يدرك "أدونيس" وغيره أن الإسلام لم يأت ليحارب الثقافات أو الحضارات الأخرى بل إنه احترمها كما احترم ما كان عليه العرب قبل الإسلام شريطة أن يكون ما عليه العرب وما عليه غيرهم ليس مما يتعارض ويتنافى مع ما جاء به الإسلام من توحيد وقيم سامية تسمو بالإنسان إلى درجة احترام إنسانيته التي خلقه الله عليها فلا تهبط به إلى حياة وسلوك الأنعام.

 النشأة والبداية

ولد السوري النصيري (علي أحمد سعيد إسبر) المسمى بأدونيس في الأول من يناير عام 1930م بقرية قصابين التابعة لمدينة جبلة في سوريا، وقد تسمى بـ"أدونيس" احتجاحا على اسمه العربي ومحاولة للانتساب العرقي فأدونيس هو أحد الآلهة الفينيقية وهو الاحتجاج الذي أكده أدونيس بتسمية أبنائه بأسماء غير عربية أيضا فقد أسمى ابنتيه أرواد ونينار.

وبحسب المصادر التاريخية فإن أدونيس لم يلتحق بمدرسة نظامية حتى سن الثالثة عشرة من عمره غير أن والده تكفل بتحفيظه القرآن الكريم فضلا عن عدد كبير من القصائد العربية القديمة وهو ما كان سببا لالتفاته للبحث في الشعر العربي.

وجاء استكمال أدونيس لدراسته محض مصادفة إذ اختير عام 1944م، وكان صغير السن حينئذ، لإلقاء قصيدة وطنية من شعره أمام شكري القوتلي، رئيس الجمهورية السورية، فنالت قصيدته الإعجاب فأرسلته الدولة إلى المدرسة العلمانية الفرنسية في طرطوس فقطع مراحل الدراسة قفزاً وتخرج من جامعة دمشق متخصصاً في الفلسفة سنة 1954م.  

التحق أدونيس بالخدمة العسكرية بعد التخرج مباشرة غير أنه قضى عاما واحدا في السجن بلا محاكمة بسبب انتمائه السياسي للحزب السوري القومي الاجتماعي الذي أسسه ورأسه أنطوان سعادة.

وما أن تم الإفراج عن أدونيس في بداية عام 1956م حتى غادر سوريا متجها إلى لبنان حيث التقى بالشاعر يوسف الخال وأصدرا معاً مجلة "شعر" في مطلع عام 1957 ثم أصدر أدونيس مجلة "مواقف" عام 1969 والتي استمر صدورها حتى عام 1994م.

وقد تمكن أدونيس خلال إقامته في لبنان من استكمال دراسته الجامعية حتى حصل على درجة الدكتوراة في الأدب عام 1973م من جامعة القديس يوسف.

لفتت أفكار أدونيس وآراؤه الغريبة نظر الجامعات الغربية إذ وجدت فيه كعادتها، مع نظرائه،  ضالتها حيث السعي وراء تأصيل مفاهيم وقيم العلمانية والحداثة المزعومة فتكررت منذ فترة مبكرة دعوة أدونيس كأستاذ زائر إلى العديد من هذه الجامعات والمراكز البحثية في فرنسا وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وغيرها فضلا عن اختياره لمنحه العديد من الجوائز الدولية التي بات معلوما أنها لا تمنح إلا لمتبني أفكار بعينها.  

جوائز منحت له:

الجائزة الكبرى ببروكسل عام 1986م، جائزة الشعر السوري اللبناني، جائزة منتدى الشعر الدولي في بيتسبورغ 1971، جائزة جان مارليو للآداب الأجنبية 1993، جائزة فيرونيا سيتا دي فيامو 1994، جائزة ناظم حكمت 1995، جائزة البحر المتوسط للأدب الأجنبي، جائزة المنتدى الثقافي اللبناني 1997، جائزة الإكليل الذهبي للشعر 1998، جائزة نونينو للشعر 1998، جائزة ليريسي بيا 2000، جائزة غوته (2011). في حين تم ترشيحه العديد من المرات لنيل جائزة نوبل غير أنه لم يحصل عليها.

 كتبه ومؤلفاته

لأدونيس العديد من الكتب والمؤلفات أهمها:

كتاب القصائد الخمس 1979. أغاني مهيار الدمشقي 1988. كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل 1988. المسرح والمرايا 1988. أبجدية ثانية 1994. الكتاب I 1995. الكتاب II 1998. الكتاب III 2002. تنبّأ أيها الأعمى 2003. تاريخ يتمزّق في جسد امرأة 2007.

ومن دراساته:

مقدمة للشعر العربي 1986. زمن الشعر 2005. الثابت والمتحول: بحث في الإبداع والاتباع عند العرب. تأصيل الأصول. صدمة الحداثة وسلطة الموروث الديني. صدمة الحداثة وسلطة الموروث الشعري. الصوفية والسوريالية 1992. النص القرآني وآفاق الكتابة 1993. النظام والكلام 1993.

 أدونيس والدين

يحدد أدونيس وبوضوح شديد موقفه من الدين إذ يقول في كتابه الثابت والمتحول: "إن الخطوة الأولى في تحرير الإنسان هي في تحريره من الدين"، فالدين عند أدونيس ليس إلا قيودا تحد من حرية الإنسان ومن ثم فإن تحقيق حريته يستلزم بالضرورة التخلص من هذه القيود.

وهذا الموقف من الدين موقف ثابت لدى أدونيس تأكد كثيرا في كتبه ودراساته ومحاضراته فأدونيس امتداد للمنظومة الفلسفية الغربية التي تستمد معاييرها الفكرية من سلطة البشر واستقلالية الإنسان والتي ألغت الدين ورفضت معاييره وأن تكون له المرجعية في أي جانب من جوانب الحياة الإنسانية فهو لا يفتأ يردد أن الطريق الوحيد اليوم أمام العرب والمسلمين للإقلاع الحضارى هو تبني طريق العلمانية الغربية لأن العرب اليوم منقرضون حضاريًّا طالما أنهم يصرون على قراءة الحاضر بفتاوى الماضي لأن الفقيه ـ على رأى أدونيس ـ انتهى دوره.

وفي مقارنة له بين المجتمعات الغربية وبين المجتمعات العربية الإسلامية يرى أدونيس أن الأولى قد حققت الحداثة والديمقراطية بعد فصل الكنيسة عن الدولة، أما المجتمعات العربية الإسلامية فقد فشلت في تحقيق ما أنجزته الدول الغربية بسبب تحويل الوحي إلى مؤسسة سلطوية تخضع لثقافة الإلغاء والإخضاع للفرد وتهميش الرأى النقدي المخالف للسلطة أو معاقبة أصحابه.

وبناء على هذا الموقف فإن أدونيس لا يتردد مطلقا في أن يُخضع الوحي لعملية نقدية مساويا بينه وبين النصوص الأدبية البشرية، بل إنه يعتبر أن التراث، ويدخل فيه القرآن والسنة النبوية،  نتاج تاريخي فرض نفسه على الأمة ويجب التخلص منه والثورة ضده، يقول: "فما قيل وعمل في الماضي في مجال الثقافة ليس شيئا مطلقا يجب تكراره والعلم به وإنما هو نتاج تاريخي أي نتاج يتجاوزه التاريخ من حيث أنه تعبير عن تجربة محددة لا تتكرر في مرحلة لا تتكرر هكذا يتضح أن طرح الارتباط بالتراث إنما تقوم به الفئات الوارثة المسيطرة".

وكان من بين مواقفه الغريبة أن أبدى أدونيس امتعاضه الشديد أن تخرج مظاهرات الشعب السوري ضد النظام السوري بزعامة بشار الأسد من المساجد في البلاد فأكد في زاويته الأسبوعية بصحيفة الحياة اللندية أنه "ضد الثورة التي تخرج من عتبات الجوامع" وهو الموقف الذي اعتبره البعض موقفا متعاليا لأدونيس لا يخلو من التناقض والحسابات الإيديلوجية المتعالية التي كان يزعم أنه أول من حاربها.

وفي هذا الصدد أيضا فإن أدونيس كتب رسالة وجهها إلى الرئيس السوري تحت عنوان: "رسالة مفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد" لم يكن يشغله فيها نضال السوريين وما قدموه من تضحيات لأجل تحقيق الحرية للبلاد والشعب السوري الذي عانى على مدار العقود الماضية من الظلم والانتهاكات التي مارستها الأجهزة الأمنية السورية بقدر ما كان ينشغل أدونيس بدعوة الناس إلى أهمية أن يتم الفصل بين هو ما هو ديني وبين ما هو سياسي بحسب تعبيره في رسالته التي نشرتها صحيفة السفير اللبنانية.

كما يطرح أدونيس مقدمة هامة يخرج منها بنتيجة خطيرة جدا إذ يرى أن الوحي صار مصدر المعرفة والتراث في الأخذ منه والاقتداء به، يقول: "صار الوحي الديني مصدر المعرفة ومعيار التعبير وصحة العبارة صار المرجعية في التطور والفهم والتقويم في جميع الميادين". ومن ثم وبحسب أدونيس فإن نقد الوحي وهذه المرجعية يجب في فلسفة أدونيس أن يبدأ أولا قبل نقد أي شيء آخر وإلا فإن انطلاقة في المستقبل بدون هذا العمل يصبح عنده عبئا يقول أدونيس: "وعبثا نحاول أن ننقد الكتابة العربية بقديمها وحديثها وأن نفهمها إذ لم ننطلق بدئيا من النص الديني الأول الذي أسسها وصارت ذاكرة لها ومن القيم والعلاقات التي أرساها هذا  التأسيس".

وهنا يعلق أحد الباحثين الإسلاميين، وهو الأستاذ طارق منينه، على كلام أدونيس فيقول: "إن الكتابة العربية الإسلامية التي انطلقت من الإسلام وخرجت منه القديمة والحديثة ليس لنقدها قيمة إلا إذا أخضع مؤسسها ومقيمها ومحركها والذي كان الأصل والأساس والمرجع والعماد لها للنقد والهدم! .. فهذا هو العدو الأكبر لكل انطلاقة علمانية لا تنظر إلى الدين على أنه شيء ولا إلى الأخلاق على أنها شيء ولا إلى العلاقة بين الجنسين التي أسسها الدين وحافظ عليها الإسلام على أنها شيء يذكر!.. إن أدونيس يدعو لفهم القرآن لا للانطلاق منه إلى عالم أفضل ولكن للانطلاق إلى عالم بلا "قرآن" وبلا "تراث" يدعو إلى هذا "التراث" وبتعبير الدكتور نصر أبوزيد في دراسته عن فكر أدونيس قال: إنه يفهمه لكي يهدمه".  

ويستتبع ذلك الموقف أن يشحذ أدونيس كل قوته من أجل تشويه صورة القرآن الكريم فهو يرى مثلا أنه لا وجود لنص في القرآن الكريم يحقق وجود المرأة كذات مستقلة عن التوابع فهي في القرآن ليست حرة أو سيدة مصيرها، وأن المرأة يوم القيامة في الجنة لا وجود لها كذات وإنما هي مجرد حورية للاستمتاع، والقرآن في زعم أدونيس لم يفصل في هذه القضية ولم يعط للمرأة الحرية والتقدير كما يدعي البعض. 

 أدونيس شاعرا

يتفق الكثير من النقاد والأدباء – ليس من الإسلاميين فحسب بل ومن غيرهم أيضا - على أن أدونيس امتداد لشعراء العرب الإباحيين كعمر بن أبي ربيعة وبشار بن برد وأمرئ القيس وأبي نواس، فهو يقول عن أبي نواس إنه ((بُودْلِيرُ)) العرب وهو ما دفع الأديب والناقد الإسلامي الدكتور عدنان النحوي إلى أن يعلق على ذلك بقوله ": فَمَا بَالُ كَاتِبنا مُغْرَمٌ بِتَشْبِيهِ شُعَرَاءِنا بِالسَّاقِطينَ فِي دِيَارِ الْغَرْبِ.. وَلَو بُعِثَ أَبُو نُواس وَسَمِعَ هَذَا التّشْبِيهَ وعَرَفَ منْ هُوَ ((بُودْلِير)) لَقَذَفَ الْكَلاَمَ فِي وَجْهِ صَاحِبِهِ ولَتَابَ وَأَنَابَ. اهـ [ الحَدَاثَةُ فِي مَنظور إيماني ص 27].

ويقول أدونيس أيضا: "أبو نواس شاعر الخطيئة لأنه شاعر الحرية". ويستطرد: "هَكَذَا أبُو نواس فَصَلَ الشعر عنِ الأخلاق والدين إنه الإنسان الذي لا يواجه الله بِدين الجماعة وإنما يواجهه بدينه هو".

كذلك يعد أدونيس واحدا من رواد الحداثة التي تسعى إلى التخلص من كل القيم والمبادئ الدينية وتدعو إلى الانحلال والعبثية فقد كان أدونيس بكتاباته العراب الأول لهذه الحداثة.

يقول ربيع بن المدني الأديب، أحد الباحثين الإسلاميين: "إلَى هَذَا الْحَدِّ وَصَلَتْ أَفْكَارُ الْحَدَاثَةِ عِنْدَ (أَدُونِيس) بِحَيْثُ صَارَ إِلْغَاءُ الْمَاضِي وَإِلْقَاءُ تَبِعَة الْحَاضِر عَلَيْهِ مَدْخَلاً ضَرُورِيّاً لِتَأْسِيسِ الْعَصْرِ الْجَدِيدِ الّذِي يُرِيدُهُ. إِنَّهُ عَصْرٌ بِلاَ إسْلام وَلَمْ يَقُلْ لَنَا لِمَاذَا يَرْفُضُ الْمَاضِي وَلِمَاذَا عَدَّهُ ((مَمْلَكَة الْوَهْمِ وَالْغَيْبِ الّتِي تَتَطَاوَلُ وَتَسْتَمِرُّ))".

ويضيف :" إِنَّهُ مُقْتَنِعٌ تَمَاماً أَنَّ (الْحَدَاثَةَ) لاَبُدَّ أنْ تُزِيلَ الإسْلاَمَ دُونَ تَقْدِيمِ أَسْبَابٍ مَنْطِقِيةٍ أوْ جَوْهَرِيَّةٍ وَمَرْجِعُهُ فِي ذَلِكَ ماَ يَقُولُهُ (لِينِين) وَ(هِيغِل) ..أيْ إِنَّ مَرْجِعِيتَهُ العَقَدِيَة وَالْفِكْريَة هيَ (الْمَارْكْسية) كَما يَرَاهَا صُنَّاعُهَا وَعُشَّاقُهَا.. وَلَمَّا كانتِ (الْمَارْكْسيةُ) نَقْداً لِمَا هُوَ سَائِدٌ وهَدْمٌ لَهُ فَلاَ بدّ أنْ ننقدَ - كمَا يُرِيدُ أدُونِيسُ – مَا هُوَ سَائِدٌ عنْدَنَا وَنَهْدمهُ لِنَبْنيَ ((الْعَالَمَ الْجَدِيدَ)) عَلَى أنْقَاضِ الْعَالَمِ الْقَدِيمِ الّذي يقُومُ فِي جَوْهَرِهِ – ثَقَافَةً وَحَياةً – عَلَى الدّينِ ، وَلِذَا يَسْتَشْهِدُ (أَدونيس) بِمَقُولَةِ ((مَارْكس لَعَنَهُ اللهُ)): "نَقْدُ الدّينِ شَرْطٌ لِكُلِّ نَقْدٍ" وَهَذا النّقْدُ أَسَاسُ بِنَاءِ الْعَصَرِ الْجَدِيدِ.. أي العَصْر الْمَاركْسِي ..اهـ بتصرّف [صفحات مطوية من التاريخ ج 1ص 31 ]".

ويقول الدكتور حلمي القاعود: "لا حاجة إلى استدعاء شعر أدونيس وتقديم النماذج التي تحمل رموزا وأفكاراً تعبر وتشير إلى طبيعة حداثته ومنهجة لأني سأكتفي بقراءة عابرة لمجلته (مواقف) التي أصدرها في بيروت أواخر عام 1968 عقب هزيمة 1967 ففيها من فكره الواضح وسلوكه الصريح ما يكفينا عناء تفسير شعره أو تأويله.. إنها المانفيستو الذي يعبر عن الرجل ومنهج الحداثة في أرضيته الفكرية وطلائه الأدبي.. وأقول أيضا لا حاجة بي إلى ترديد ما قيل عن الرجل ونشأته وتكوينه الثقافي وانتماءاته الطائفية وولائه لمن رعوه علميا وأدبيا، فهذه أيضا قد تدخل في سياق التأويل الذي يثير من الجدل أكثر مما يثير من الاتفاق.

 إننا سنقرأ ما كتبه أدونيس في مجلته (مواقف) مذيلا بتوقيعه وخط يده.. في أول عدد من مواقف يفتتحه أدونيس بمقدمة قصيرة منها: نلتقي في مواقف كوكبة من أصدقاء تحتضن أصواتنا وأصوات الخلاقين جميعا، تقاسمنا لكي تنمو وتستمر، خبزنا اليومي. إنها تعبير عنا وجزء منا وتكملة لنا. إنها لذلك حقيقة ورمز تفجر جيل عربي اختبر ما في الحياة العربية من تصدع وخلل قرر أن يبحث من جديد، وأن يكتشف ويبني من جديد".

ويعلق الدكتور القاعود علي ذلك بقوله :"إلى هنا يبدو كلام أدونيس مقبولا لأنه يتحدث عن موقف ويرصد حالة ويعبر عن غاية ولكنه بعدئذ يبدأ في كشف أوراقه تدريجيا حيث يتكلم عن التدمير والرفض..: هكذا تطمح مواقف إلى أن تكون استباقا، كل استباق إبداع الإبداع، هجوم ما نرفضه وإقامة ما نريده، الحضارة إبداع: ليست استخدام الأدوات بقدر ما هي ابتكار الأدوات كذلك الثقافة ليست استعمال اللغة بقدر ما هي تجديد اللغة وخلقها المستمران".

ثم يستمر في حديثه الذي يكشف عن غايته الرافضة المدمرة: "المعرفة، إذن هجوم، هي ما لم نعرفه بعد، وليست الحرية إذن حق التحرك ضمن المعلوم المقنن وحسب، إنها إلى ذلك وقبله، حق البحث والخلق والرفض والتجاوز، إنها ممارسة ما لم نمارسه بعد: تلك هي مواقف".

ويكشف عن الجذر الحقيقي لمنهجه الهادف إلى نسف الثوابت نسفا كاملا فيصف (مواقف) قائلا: "إنها مناخ للمجابهة. إنها فعل المجابهة، تزول في هذا الفعل هالة القداسة. لن تكون هناك موضوعات مقدسة لا يجوز بحثها. لن تكون هناك حقائق ينبغي إخفاؤها أو تجاهلها أو التغاضي عنها. هذا الفعل يتخطى كل تكريس، كل نهائية، كل سلطوية، إنه النقد الدائم وإعادة النظر الدائمة. إنه الطوفان المتلاحق الذي يغسل ويضيء كل شيء".  

 من نماذج شعره

ولأدونيس العديد من القصائد التي عدها الباحثون والنقاد مخالفة لقواعد الإسلام ومبادئه ومن نماذج ذلك:

قوله: كاهنة الأجيال قولي لنا شيئا عن الله الذي يولد

قولي أفي عينيه ما يعبد

وقوله: مات إله كان من هنا يهبط من جمجمة السماء

وقوله: لا الله أختار

وقوله: اعبر اعبر فوق الله والشيطان

وقوله: يا أرضنا يا زوجة الإله والطغاة

وقوله: نمضي ولا نصغي لذلك الإله.. تقنا إلى رب جديد سواه

 أدونيس والقومية العربية       

لا يحتاج موقف أدونيس الكاره للعربية والعرب أية محاولة للإثبات فتغيير اسمه العربي والتسمي باسم أدونيس كان إشارة ذات دلالة تفسر ما جاء بعدها من مواقف وكتابات أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن الرجل ليس فقط منحازا لقوميته الفينيقية إن صحت وإنما هو في حالة عداء صريح للعربية وهو العداء الذي كان أحد ما ورثه عن أستاذه أنطوان سعادة، الذي حمل أدونيس الكثير من أفكاره رغم تركه لحزبه في مرحلة مبكرة من حياته عام 1960.

وعن ذلك يقول الأستاذ أنور الجندي: "وقد حمل أدونيس كل مفاهيم أنطون سعادة فِي كَراهيَة العروبة والإسلام واحتقار الواقع المعاصر والدعوة إلى تغييره وإحياء تراث الفينيقية القديم باعتبار فينيقيا هي الفردوس المفقود عند القوميين السوريين".

وينقل الدكتور سيد العفاني في كتابه "أعلام وأقزام في ميزان الإسلام" عن الناقد رجاء النقاش قوله: "أدونيس يكره مصر العربية ويكره العروبة كلها فأدونيس نشأ في أحضان الحزب القومي السوري الذي أسسه أنطون سعادة في لبنان في الثلاثينيات، وهذا الحزب بشهادة جميع الباحثين الجادين المحايدين في تاريخه وفكره هو حزب فاشي عنصري معادٍ أشد العداء للعرب والعروبة ويرفض أي ارتباط جوهري بين مصر والعرب وقد كان اتصال أدونيس بأنطون سعادة والحزب القومي السوري قويًّا، وأنطون سعادة هو الذي اختار لأدونيس اسمه المستعار بدلًا من اسمه الأصلي علي أحمد سعيد".  

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: