فرق ومذاهب\العدد مائة وواحد - ذو القعدة 1432 هـ
العنف ضد المرأة .. قراءة في إشكاليات الفكر النسوي
الأربعاء 28 سبتمبر 2011

 فاطمة عبد الرؤوف – باحثة مصرية

 خاص بالراصد

تعد قضية العنف ضد المرأة واحدة من أهم القضايا التي شغلت الفكر النسوي وتم تدشينها باعتبارها القضية الأولى للنساء في العالم وتم تحديد مفهوم هذا العنف بطريقة بالغة التطرف كما تم تقديم توصيات عالمية إلزامية لحل هذه القضية بطريقة لا تقل تطرفا.

لا أحد ينكر أن هناك عنفا يقع على النساء في مختلف أنحاء الأرض وهو عنف ذو جذور تاريخية بدليل تلك الحملة القوية التي شنها القرآن الكريم على عرب الجاهلية الذين وصل بهم العنف ضد النساء حد القتل والحرمان من الحياة لأنهن بزعمهم مظنة الفقر والعار حتى أن القرآن الكريم ربط بين الأهوال الكونية التي تحدث يوم القيامة وبين الأهوال التي يقوم بها الإنسان، وضرب بذلك مثلا قتل الإناث ـ أعلى درجات العنف المتصورة ـ ( وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت) [التكوير8-9].

ولا تزال النساء حتى اللحظة الراهنة يعانين من العنف الذي يصل لحد القتل، يحدث ذلك في قلب المدنيات الغربية المتحصنة بالفكر النسوي، فليس هناك من ينكر وجود العنف ولكن الإشكالية تكمن في تعريف العنف ضد النساء تحديدا؟ ما هي درجاته؟ ما هي أسبابه؟ كيف يمكن علاجه؟ 

تعريفات متطرفة

المتتبع للتعريفات النسوية ذات الطابع الأممي/ العلمانى يلحظ أمرين بالغي الأهمية:

الملاحظة الأولى: أن هذه التعريفات تبدأ بداية مطاطية غائمة تستخدم مصطلحات عامة وكلمات شبه محايدة ثم تبدأ في مؤتمرات لاحقة بتقديم توضيحات أكثر وكلمات أكثر تحديدا ولا تلبث إلا قليلا وبعد أن تطمئن لتحقيق درجة من النجاح وفقا للخطة المرسومة في إضافة أبعاد أخرى أكثر تطرفا.

الملاحظة الثانية: أنها دائما ما تمزج بين قضايا صحيحة إنسانيا ومنطقيا وقضايا أخرى شاذة وكأنما تستمد شرعيتها باقترانها بتلك القضايا الصحيحة، وتعد قضية العنف ضد النساء واحدة من أوضح الأمثلة التي تؤكد هذه الخطة في تمرير تلك الآراء الشاذة، ولنأخذ بعض التعريفات التي جاءت في الوثائق الدولية كدليل على ذلك:

 يعرف "الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد النساء" في مادته الأولى العنف كالتالي([1]): "يقصد بالعنف ضد النساء أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل أن ينجم عنه أذى أو معاناة جسمية أو نفسية للمرأة، بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية سواء أوَقع ذلك في الحياة العامة أو الخاصة"، كما نص الإعلان في المادة الثانية منه على وجوب أن يشمل العنف ضد المرأة (دون أن يقتصر على ذلك) الجوانب التالية: أعمال العنف الجسدي والجنسي والنفسي الذي يقع في إطار الأسرة والعنف المتصل بالمهر (استعمال الصداق كثمن للزوجة) والاغتصاب في إطار العلاقة الزوجية وبتر الأعضاء التناسلية للإناث (الختان) وغيره من الممارسات التقليدية المؤذية للمرأة داخل أو خارج العلاقة الزوجية.

يلاحظ هنا الربط بين قضايا مسلّم بصحتها كأعمال العنف الجسدي وقضايا شوهت كالمهر الذي هو هدية تقدير وإعزاز للعروس وتحويله لثمن سلعة، وبين مصطلح يستخدم للمرة الأولى وهو الاغتصاب داخل العلاقة الزوجية، وهو أمر مثير للدهشة فكيف يكون اغتصاباً وفي الوقت نفسه داخل العلاقة الزوجية فمعنى إقامة علاقة زوجية هو رضى كل من الزوج والزوج بإقامة علاقة جنسية شريفة مع الطرف الآخر، فلو أن الزوجة تشعر ببعض الفتور فهل يسمى ذلك تحرشا واغتصابا؟ أمر غير مفهوم على الإطلاق، وعلى الرغم من ذلك وجد هذا المصطلح انتشارا كبيرا في أدبيات الفكر النسوي ومن ثم المواثيق والاتفاقات الدولية. حتى أن منظمة العفو الدولية وجهت دعوة صريحة لاستحداث قوانين لمحاكمة الأزواج الذين يغتصبون زوجاتهم!!

تفاصيل أخرى

تتضح تفاصيل أخرى عن الخداع عبر التوسع في مفهوم العنف ضد النساء أو العنف المنزلي أكثر في تعريف منظمة الصحة العالمية وهو: "كل سلوك يصدر في إطار علاقة حميمة يسبب ضررا أو آلاما جسيمة أو نفسية أو جنسية لأطراف تلك العلاقة ويتعلق الأمر مثلا بالتصرفات التالية:

- أعمال الاعتداء الجسدي، كاللكمات والصفعات والضرب بالأرجل.

- أعمال العنف النفسي كاللجوء إلى الإهانة والحط من قيمة الشريك، وإشعاره بالخجل، ودفعه إلى الانطواء وفقدان الثقة بالنفس.

- أعمال العنف الجنسي، ويشمل كل أشكال الاتصال الجنسي المفروضة تحت الإكراه، وضد رغبة الآخر، وكذا مختلف الممارسات الجنسية التي تُحدث الضرر لطرف العلاقة.

- العنف الذي يشمل مختلف التصرفات السلطوية المستبدة والجائرة، كعزلة الشريك عن محيطه العائلي وأصدقائه، ومراقبة حركاته وأفعاله، والحد من أية إمكانية لحصوله على مساعدة أو على معلومات من مصدر خارجي".

فبينما تبدو الصورة ضبابية في تعريف ذلك العنف النفسي الذي يدفع للانطواء فهو أمر غير قابل للقياس ولا يمكن وضع قانون خاص به، وبالمقابل هل ينطبق هذا على الزوجة التي تحرم زوجها من حقه الطبيعي في الإشباع فتمارس عليه العنف النفسي الذي قد يفضي به إلى الكبت أو الرذيلة؟!

ولكن الكلمات تبدو أكثر تعبيرا في الحديث عن العنف الجنسي الذي يبدأ بالحديث عن الإكراه وينتهي للحديث عن مجرد عدم الرغبة، فلو أن زوجة لا تشعر برغبة في الممارسة الجنسية ثم خشيت أن يغضب زوجها أو تلجئه إلى محرم أو حتى خشيت من عصبيته معها فهي في وضع المغتصبة المهدر حقها!!!

قوانين الاحتمال

لم يتم بحث قضية العنف في المؤتمرات الدولية بطريقة علمية محايدة بل كانت واقعة تحت جماعات الضغط النسوي المتطرفة التي كانت تضع البنود وفقا لقوانين الاحتمال التي كانت تتخيلها فلقد جاء تعريف العنف في وثيقة بكين 1995: "أي عمل من أعمال العنف القائم على الجندر يترتب عليه أو من المحتمل أن يترتب عليه أذى بدني أو جنسي أو نفسي أو معاناة للمرأة بما في ذلك التهديد بالقيام بأعمال من هذا القبيل أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواءٌ حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة ، وبناءً على ذلك يشمل العنف ضد المرأة ما يلي، على سبيل المثال:

- أعمال العنف البدني والجنسي والنفسي التي تحدث في الأسرة، بما في ذلك الضرب والاعتداء الجنسي على الأطفال الإناث في الأسرة المعيشية، وأعمال العنف المتعلقة باغتصاب الزوجة، وختان الإناث، وغير ذلك من التقاليد الضارة بالمرأة، وأعمال العنف بين غير المتزوجين، وأعمال العنف المتعلقة بالاستغلال (البند 113 بكين).

فلو أن هناك اعتداء جنسياً على الذكور ألا يستحق وضع بند خاص ويلاحظ أيضا الربط بين الاعتداء الجنسي على الأطفال واغتصاب الزوجات وعدم الحديث عن معايير معتمدة تحدد متى نعتبر هذه التقاليد والثقافات ضارة، والشيء الذي لم يسبب ضرراً من يستطيع أن يقرر أنه من المحتمل أن يسبب ضرراً؟؟

وصاية على النساء

من الملاحظ أيضا على مثل هذه التقارير والتعريفات الأممية هو فرض وصاية فكرية وثقافية على جماهير النساء باعتبارهن لا يعرفن مصلحتهن الحقيقية، فالديمقراطية لا يتم التعامل معها إلا عندما تحقق ما يرغبون فيه، فلو كانت الأغلبية الساحقة من النساء لا تتجاوب مع الفكر النسوي فسوف يتم ضرب الحائط بآراء النساء ففي "تقرير اليونيسيف عن العنف المنزلي، يونيو 2000" وتحت عنوان "الاستغلال الجنسي والاغتصاب في العلاقات الحميمة" قالوا: "إن الاعتداء الجنسي والاغتصاب بين الأزواج لا يعد جريمةً في معظم الدول، كما أن النساء في العديد من المجتمعات لا تعتبر الجنس الإجباري اغتصابًا إذا كانوا متزوجين أو يعيشون كالأزواج، المشكلة هنا أن المرأة بمجرد أن توقِّع على عقد الزواج فإن الزوج له الحق اللامحدود في الاتصال الجنسي مع زوجته؛ لذلك فإن بعض الدول قد اتجهت لسن تشريعات ضد الاغتصاب الزوجي، بالرغم من أن شروط بعض القوانين تضمن إحداث تقدم، فإن تحقيق ذلك غالبًا ما يكون صعبًا على النساء لتجميع وحشد براهين وقوانين إثبات الجريمة".

ويعدد التقرير عوامل ارتكاب العنف المنزلي:

ثقافية:

 1. التصنيف الجندري اجتماعيًا (كأن الجندر أمر مقدس).

2. التعريف الثقافي لأدوار الجنسين (وصاية ثقافية).

3. توقعات الأدوار بين الجنسين في العلاقات (إعادة تخطيط الحياة الاجتماعية).

4. الإيمان بازدياد ميراث الرجل عن المرأة (مع تجاهل أن هذا في حالات محددة يطالب فيها الرجل بالنفقة وحده).

5. القيم التي تعطي للرجل حقوقًا تعلو على النساء والفتيات (ماهية هذه القيم وما هي الواجبات المنوطة به في المقابل من ذلك).

6. مفهوم أن الأسرة هي محور خاص تحت تحكم وسيطرة الرجل (تشويه لمفهوم القوامة).

7. تقاليد الزواج (الهجوم غير المبرر على المهر).

8. الموافقة على العنف كوسيلة لفض النزاع (لم يتم تعريف المقصود بالعنف تحديدا).

اقتصادية:

 1. الاعتماد الاقتصادي للمرأة على الرجل (هدم حقوق المرأة).

2. القوانين المميزة بخصوص الميراث وحقوق الملكية وإعالة المطلقة والأرملة (عدم فهم لفلسفة الميراث).

تشريعية:

 1. المكانة الأقل للمرأة في التشريعات، سواء القوانين المكتوبة أو الممارسات (المساواة التماثلية المطلقة).

2. القوانين المتعلقة بالطلاق، الوصاية على الأطفال، الإعالة والميراث (تدخل إجباري في صميم الحياة الأسرية).

3. التعريفات القانونية للاغتصاب والإيذاء الجنسي المنزلي (تدخل في أعمق الخصوصيات الإنسانية ولَيّ لأعناق الحقائق).

بين العنف المزيف والحقيقي

لعل المتابع والمدقق للتعريفات الواردة في السطور السابقة لن يجد كبير عناء في اكتشاف كم التعنت والتوسع في استخدام مصطلح وتعبير العنف بحيث تصبح الحياة الزوجية بالغة التعقيد كما يلاحظ كم التحيز الثقافي والمعرفي في النظر لهذه القضية وتبني وجهة نظر غربية/ علمانية وفرضها على جميع الناس رغم مخالفة شريعتنا ومن ثم ثقافتنا، ولعل اعتبار إنفاق الرجل على زوجته لوناً من ألوان ممارسة العنف دليل لا يقبل الشك على مثل هذا التعسف والتحيز وقلب الأمور البدهية بحيث يصبح التكريم إهانة تستحق العقاب!!

هناك إذن خطة محكمة لإلباس المزيف ثوب الحقيقة الصادقة التي لا تقبل الجدل وهو ما يصرح به (البند 124- أ بكين):

- إدانة العنف ضد المرأة والامتناع عن التذرع بأي عرف أو تقليد أو اعتبار ديني تجنبًا للوفاء بالتزاماتها والقضاء عليه، كما هو مبيَّنٌ في إعلان القضاء على العنف ضد المرأة.

- تمكين النساء اللواتي يُمارَس العنف ضدهن من الوصول إلى آليات العدالة وكذلك على النحو المنصوص عليه في القوانين الوطنية، وسائل الانتصاف عاجلة وفعالة ترفع عنهن الأذى الذي يلحق بهن، وإعلامهن بحقوقهن الخاصة بالتماس التعويض من خلال الآليات.

لذلك تبدو الحاجة ماسة وملحة لمواجهة هذه المخططات المنظمة عن طريق نقدنا الذاتي الذي لا يخشى من مواجهة أي أخطاء مجتمعية ولا يسرف في جلد الذات الحضارية ويرتكز بصورة أساسية على شريعتنا بمبادئها السامية ونظرتها الصادقة لواقع الإنسان ولو تأملنا كيف واجه النبي صلى الله عليه وسلم قضية العنف ضد النساء في المجتمع الإسلامي لوضعنا أيدينا على المبادئ الحاكمة في مواجهة هذه المشكلة.

ـ فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة واجبة الاتباع (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) [الأحزاب 21]، لم يمارس أي عنف جسدي أو لفظي وكان عندما يغضب يُعرف ذلك في وجهه، وكان رحيما لينا يحب الرفق في الأمر كله.

ـ عندما ذهبت فاطمة بنت قيس تستشير الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر خطبتها من أبي جهم رفضه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يضع العصا عن عاتقه (كناية عن الضرب وعنف السلوك)، فالرجل العنيف بحاجة لإعادة تأهيل وفق القيم السلوكية الإسلامية الراقية حتى يُقبل كزوج.

ـ  نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ضرب النساء فهو سلوك غير مقبول فيه امتهان للنساء، ولكن هناك تعقيدات كثيرة في السلوك البشري فبعض الرجال لا يمتلكون المهارات اللازمة للتعبير عن الغضب فيتعاملون بعنف، وبعض النساء يستشعرن أنوثتهن بالتعامل العنيف بعض الشيء وهي حالات مثبتة علمياً في الطب النفسي.

 ومن المعلوم أن تغيير المنكر لا ينبغي أن يترتب عليه منكر أكبر ولاشك أن هدم بنيان الأسرة هو من أكبر المنكرات لذلك فقد أذن الرسول في الضرب بصورة جزئية مؤقتة حتى يستطيع الرجال التمثل به تماما في سلوكياته ويكونون من الأخيار الذين لا يمارسون هذا السلوك، فقد روى أحمد والنسائي وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تَضْرِبُوا إِمَاء اللَّه "فَجَاءَ عُمَر فَقَالَ: قَدْ ذَئِرَ النِّسَاء عَلَى أَزْوَاجهنَّ, فَأَذِنَ لَهُمْ فَضَرَبُوهُنَّ, فَأَطَافَ بِآلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاء كَثِير فَقَالَ : لَقَدْ أَطَافَ بِآلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعُونَ اِمْرَأَة كُلّهنَّ يَشْكِينَ أَزْوَاجهنَّ, وَلا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَاركُمْ"، فالذي يمارس العنف لا يمكن بحال أن يكون إنسان خير وهو بحاجة لتعليم وتربية وتهذيب ولكن لا يصل الأمر إلى حد هدم بيته.

أما عن آية (فاضربوهن) فهي ليست للوجوب ولكن للإباحة، وذلك لتنوع السلوك البشري تنوعا كبيرا([2])، قال عطاء: "لا يضربها وإن أمرها ونهاها فلم تطعه، ولكن يغضب عليها. قال القاضي: هذا من فقه عطاء، فإنه من فهمه بالشريعة ووقوفه على مظان الاجتهاد علم أن الأمر بالضرب هاهنا أمر إباحة، ووقف على الكراهية من طريق أخرى في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن زمعة: "إني لأكره للرجل يضرب أمته عند غضبه، ولعله أن يضاجعها من يومه".

 


 


[1]  - جميع نصوص المواد الأممية المتعلقة بقضية العنف ضد المرأة نقلا عن بحث المهندسة كاميليا حلمي: دور القيم في مواجهة العنف المنزلي.

 [2] - من الأهمية بمكان الاسترشاد  برأي علماء النفس والأدباء في قضية حاجة بعض النساء أحيانا لشيء من الشدة في التعامل وسعادتهن بذلك ومدى اقتراب ذلك من الحالة الطبيعية أو المرضية.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: