سطور من الذاكرة\العدد مائة واثنان - ذو الحجة 1432 هـ
من تاريخ الحركات الإسلامية مع الشيعة وإيران (11)
السبت 29 أكتوبر 2011

خيانة محور الممانعة للمخيمات الفلسطينة في لبنان

توقظ خطيب المسجد الأقصى!!

أسامة شحادة – كاتب أردني

خاص بالراصد

 

الشيخ أسعد بيوض التميمي رحمه الله - خطيب المسجد الأقصى سابقًا ومن مؤسسي حركة الجهاد الإسلامي بيت المقدس – ممن خُدع بشعارات الخميني البراقة بنصرة القدس والمستضعفين، لكنه سرعان ما اكتشف زيف هذه الشعارات حين استنجد بالخميني لرفع الظلم والقتل عن الفلسطينيين في لبنان من قبل الشيعة بقيادة حركة أمل، وقد سطر تجربتَه ابنُه محمد أسعد بيوض التميمي- الكاتب المعروف- في مقال بعنوان "هل الثورة الإيرانية إسلامية أم مذهبية قومية؟" قال فيه: "عندما انتصرت الثورة الإيرانية في نهاية عقد السبعينيات من القرن المنصرم استبشر المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها خيراً وظنوا أن فجر الإسلام قد بزغ من جديد وأن تحرير فلسطين أصبح قاب قوسين أو أدنى فالتفوا حولها يحفونها بعقولهم وأفئدتهم ومشاعرهم.. لكن وللأسف سرعان ما تبين الكذب والخداع والتضليل وأن هذه الشعارات ماهي إلا ذر للرماد في العيون للتغطية على الصبغة القومية الفارسية والمذهبية الصفوية لهذه الثورة.. وبفضل الله أن والدي رحمه الله افترق مع هذه الثورة فورًا عندما اكتشف حقيقتها المذهبية القومية المتعصبة, وبأنه كان على خطأ عندما ظن بها خيراً, فكان من أشد أنصارها.. وتم هذا الافتراق بعد جلسة شهدت نقاشا صريحاً وواضحا من قبل والدي مع بعض قيادة الثورة, وكيف أن ظنه بهذه الثورة قد خاب, وأن جميع المنطلقات التي انطلق منها في موقفه المُؤيد لها قد ثبت فشلها، وأنها وهم, وأنه لن يموت إلا على عقيدته السلفية وحُب أبي بكر وعمر، وكنتُ شاهداً على هذه الجلسة".

ومما يؤكد هذه العلاقة افتتاحية الموقع الشخصي للشيخ أسعد بيوض التميمي فقد جاء فيها ما يلي: "ولقد بلغت ذروه جهاد الإمام المجاهد بتأسيسه لحركه الجهاد الإسلامي (الفلسطينية) في نهاية عقد السبعينات وبداية الثمانينات من القرن المنصرم والتي تآمرت عليها إيران بأن شقّتها.. وكان هذا الفعل بمثابة طعنة من الخلف بعد أن كان الشيخ يقف إلى جانب الثورة الإيرانية من أول يوم معتبراً إياها ثورة في الفكر الشيعي ولا يجوز الحكم عليها قبل تجربتها والتعرف عليها عن قرب.. ولكن للأسف الشديد كانت تجربة مرة حيث اكتشف الإمام المجاهد بعد حين بأن الثورة الإيرانية ما هي إلا ثوره طائفية مذهبية بخلفية قومية لا زالت تحمل الحقد الدفين على أبي بكر وعمر وجميع الصحابة وأهل السنة لذلك حصل بينه وبين إيران انفكاك لا رجعة فيه من عام 1991".

ورغم تراجع التميمي عن مواقفه المؤيدة للإيران، لا زالت القيادة الحالية لحركة الجهاد للأسف موالية للنظام الإيراني بقيادة خامنئي كما تبدى هذا في مشاركة د. رمضان شلح، الأمين العام للحركة، في مؤتمر الصحوة الإسلامية الأول ومؤتمر دعم الانتفاضة الخامس بطهران في شهر 9/2011، ومن كلمات شلح بحق خامنئي قوله: "القائد خامنئي (حفظه الله) نعتبره نموذجًا للقيادة الإسلامية التي غابت منذ قرون عندما ضربت العلمانية عالمنا الإسلامي، وأصبح ما يسمى بالفصل بين السياسة والدين سائدًا، وغابت القيادة الإسلامية التي تتولى الحفاظ على الدين"([1]).

 

مأساة المخيمات الفلسطينية توقظ التميمي:

يحدثنا محمد التميمي عن تجربة والده الشخصية في مأساة ومجزرة المخيمات الفلسطينية في لبنان وكيف أنها كانت السبب في يقظة والده مِن وهْم مصداقية الثورة الخمينية، ففي مقاله "ماذا يجري في لبنان؟؟؟ هل هو مشروع إيراني شيعي مذهبي صفوي أم حزب الله؟!" كتب يقول: "لقد قام هذا المجرم (يقصد نبيه بري) قائد ميليشيا حركة أمل الشيعية بتطويق مخيمات بيروت والواقعة في الضاحية الجنوبية (صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة) وقصفها بجميع أنواع الأسلحة لمدة ثلاث سنوات من 1984 إلى 1987 ومن شدة هذا الحصار الإجرامي اضطر الفلسطينيون أن يأكلوا القطط والفئران والجيف وأن يشربوا بولهم, ورغم وجود قوات حزب الله بجوار هذه المخيمات في الضاحية الجنوبية إلا انها لم تحرك ساكنا أو تتدخل لوقف المجازر أو إرسال الطعام والشراب لهم بل كانت متواطئة مع المجرم بري بالتزامها الصمت, ومع ذلك فإن (قوات هذا المجرم لم تستطع أن تقتحم هذه المخيمات) ولقد ذهب والدي رحمه الله (الشيخ أسعد بيوض التميمي يرافقه غازي الحسيني ابن الشهيد عبد القادر الحسيني) إلى إيران في ذلك الحين (عام 1986) من أجل أن يطلُب من الخميني أن يتدخل لوقف المجازر التي يرتكبها الشيعة في لبنان ضد الشعب الفلسطيني بإصدار فتوى تحرم قتل الفلسطينيين, ولكن (الخميني) رفض" !!    

 

قصة أكل القطط:

ورغم ذلك، فالرواية التي ذكرها محمد التميمي غير دقيقة!! إذ أن الحقيقة هي أن الدعم الشيعي الذي قُدم للفلسطينيين في المخيمات تجاه المجاعة ونفاد الطعام منه بسبب الحصار والقنص الشيعي لسكانه الفلسطينيين، هو فتوى شيعية بجواز أكل القطط والفئران!!

ذلك أن حركة أمل قامت بحصار المخيمات الفلسطينية ومنعت عنها الطعام والشراب، رغم أن حركة أمل تررعت في أحضان حركة فتح التي دربتها وسلحتها، فكان جزاؤها كما قال الشاعر:

أُعلمه الرمـاية كل يوم                   فلما اشـتـد ساعـده رمانى

وكم علمته نظم القوافي                  فلمّا قال قافيةً هجـــانـي

 

ولما ضاق الحال بأهل المخيمات "عقد اجتماع جماهيري في مسجد المخيم، وقرر الأهالى أكل لحم القطط والكلاب والحمير إن وجدت، وطالبوا إمام المسجد بإصدار فتوى بذلك. ووجهوا برقية إلى سماحة الشيخ محمد حسين فضل الله والشيخ مهدي شمس الدين الزعيمين الروحيين للطائفة الشيعية، والشيخ حسن خالد الزعيم الروحي للطائفة السنية، والشيخ محمد أبو شقرا الزعيم الروحي لطائفة الدروز، ويطلبون منهم إصدار فتوى رسمية وعلنية بهذا الشأن، وأن يتوجهوا مع نفر من المشايخ والعلماء والمؤمنين إلى المخيم ليروا بأعينهم الأطفال الرضع الذين يشارفون على الموت جوعا بعدما جف الحليب في صدور الأمهات، ويشاهدون حجم المآسي والدّمار الذي لحق بالناس وممتلكاتهم"([2]).

ولأن المجرم شيعي فإن المسؤولية الأدبية تقع على عاتق القيادات الشيعية الدينية والسياسية بالدرجة الأولى، وهنا نجد أن محمد حسين فضل الله يجيب على سؤال "ما رأيكم في الفتوى التي صدرت بشأن اللاجئين الفلسطينيين في أكل القطط والكلاب حيث أنه ذهب البعض بالقول بأنكم تجوزون ذلك للاضطرار؟   

 ج: طبعا الإعلان عن هذه الفتوى كان إعلاناً سياسياً أكثر منه شرعياً. أنا سألت فى ذلك الوقت فى أيام حرب المخيمات بأنه لو فرضنا أنه اضطر. يعنى كانت وكالة الصحافه الفرنسية سألت فى ذلك الوقت أنه لو فرضنا أنه صار هناك اضطرار إلى أكل لحم الميتة أو لحم القطط والكلاب بحيث الإنسان يموت إذا فرضنا ماكو شيء كلية أنا قلت لهم هذا أمر ليس واقعيا، يعني نحن نعرف أن الوضع بالمخيمات الفلسطينية ليس بهذا المستوى من الخطورة ولكن لو حدث ذلك فنحن فى الإسلام نقول (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) المضطر يجوز له أن يأكل اللحم الذى حرمه الله طبعا هم كتبوا القسم الثاني من الجواب ولم يذكروا القسم الأول"([3]).

وهنا يتضح أن فضل الله لا يدين هذا الحصار ولا يراه مشكلة!! بل يعتقد أن المخيمات لا تزال تتحمل مزيداً من الحصار وأن الوضع ليس بهذا المستوى من الخطورة!!

وتذكر أن هذا الحوار جاء بعد مأساة المخيمات بعدة أشهر وأنه جرى في أرض الحرمين الشريفين!! ولكنه تعاطفاً مع أهل المخيمات يفتي لهم بجواز ذلك إذا لزم الأمر!! أما أن يكون له موقف في الدفاع عن المحاصرين أو إدانة المعتدين فهذا لا يمكن أن يخطر له على بال، وللعبرة هذا حال المعتدل والعاقل في الشيعة !!

 وحين تتابع وصف نوفل ممدوح (والذي قاد معركة تحرير قرية مغدوشة لفك الحصار عن المخيمات)، للحصار الذي تعرضت له المخيمات والمشاركين فيه، تجد نفسك اليوم بعد ربع قرن أمام نفس المجرمين الذين يحاصرون المسلمين في درعا وحماة والرستن وغيرها من المدن والقرى السورية التي ثارت على إجرام نظام الأسد الطائفي!!

يقول نوفل: "السوريون لم يسمحوا لنا بإدخال رغيف خبز واحد لأي من المخيمات المحاصرة، ولم يساعدنا حزب الله والإيرانيون".

ومما يرويه نوفل أنّ اجتماعًا عقد في بيت أحد الإسلاميين السنّة مع رجال دين شيعة "ما لا يقل عن عشرة مشايخ". ومعهم "الوفد الإيراني: الأخ المؤمن أبو أحمد يعمل في سفارة الجمهورية الإسلامية في دمشق، وآخر يعمل في سفارة إيران في دمشق"، وأن المتحدث الفلسطيني قال لهم "أعطونا الأمان لمخيماتنا. الخليفة عمر بن الخطّاب أعطى الأمان للنصارى في القدس يوم فتحها، طالبهم بالجزية وأعطاهم الأمن والأمان على أملاكهم وأعراضهم. أعطونا الأمان لمخيماتنا وإذا أردتم الجزية على نساء فلسطين وأطفالها وشهدائها فنحن جاهزون لدفع الجزية لكم وللبطل نبيه بري".

ويكشف نوفل عن الخيانة الروسية للمخيمات الفلسطينية – كما حدث دائما ويحدث اليوم في سوريا - :" قلت لنفسي إنّ إدخال سيارة تموين للرشيدية وأخرى للبرج وثالثة لشاتيلا ليست قضية استراتيجية يعجز السوفييت عن انتزاعها من السوريين، والحجج التي يسوقونها لنا ليست مقنعة، ولو كانوا راغبين في ذلك لما تعذّر عليهم تحقيق هذه المسألة الصغيرة، علاقتهم مع السوريين حميمة ولا أظن أنّ السوريين سيرفضون لدولة عظمى مثل هذا الطلب البسيط".

 

ها هي الأحداث تتجدد، فالنظام السوري والنظام الإيراني وحزب الله وروسيا يتحالفون لقمع وقتل الشعب السوري المسالم الذي يبحث عن كرامته وحريته، ولكن هذا الحلف الشرير دائماً يكون قاتلاً للشعوب الباحثة عن ذلك.

فهل يتعظ المخدوعون بإيران وحزب الله والنظام السوري وروسيا من هذه الدماء التي نزفت قديماً في المخيمات الفلسطينية وغيرها وتنزف اليوم في كل سوريا، أم أنهم لا يتعلمون ويتعظون إلا إذا سالت دماؤهم بخيانة جديدة من هؤلاء الأشرار.

 

 



[1] - لمزيد من التوسع في علاقة حركة الجهاد بإيران والشيعة انظر دراستي: "حركة الجهاد الإسلامي والهوى الشيعي الإيراني"، في موقع الراصد نت.

[2] - مغدوشة، قصة الحرب على المخيمات في لبنان، لممدوح نوفل، ص 149. والكتاب يكشف النقاب عن دعم حركة فتح وخاصة أبو جهاد لقيادات حزب الله في بداياته، طمعاً أن يكون الحزب أفضل حالاً من حركة أمل التي غدرت بالفلسطينيين!!

[3] - حوارات في الحرمين الشريفين، الإمام السيد حسين فضل الله، مطبوعات مجلة الموسم ص 580، وهو موجود.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: