سُنّة العراق وخيار الأقاليم
السبت 26 نوفمبر 2011

 عبد الحميد الكاتب – كاتب عراقي

 

خاص بالراصد

أثار إعلان محافظة صلاح الدين إقليما اقتصادياً وإدارياً جدلاً واسعاً، وانقسم المراقبون والمتابعون في الخارج بين مؤيد ومعارض، بخلاف أبناء المحافظات السنية الذين تحركهم حاجتهم ومصالحهم بعيداً عن الشعارات المضخمة واللافتات التي شذت عن الواقع والبيئة المضطربة المتغيرة.

وهذا الاضطراب الحاصل عند المثقفين والمحللين منشؤه عدم الإيمان بوجود صراع طائفي في العراق، والنظر إلى الحالة العراقية برؤية سطحية تقليدية لا تُقر لها بشيء من الخصوصية، ولا تتوقف عند التغيرات المتلاحقة والتطورات المتسارعة وإنما تكتفي بحفنة من الشعارات المكرورة  والمطلقة والتي لا تقترب من الواقع العراقي مطلقاً، ومع أن هذه الفئة ثبت فشلها في قراءة الواقع العراقي عدة مرات وأنها تعيش في عالم افتراضي لا يمتُّ للحقيقة بصلة إلا أنها تواصل تخوين المقابل والطعن في النوايا والتشكيك في الغايات والمقاصد.

أسباب إعلان الإقليم

سأبدأ بعرض مختصر للأحداث التي مهّدت لهذا الإعلان منذ الاحتلال وحتى يومنا هذا، ثم أعرض الأسباب التي أعلنها مجلس محافظة صلاح الدين في (27/10/2011):

- بعد سقوط النظام العراقي وجد "العرب السنة" أنفسهم معزولين ومحارَبين، حيث تم تصويرهم من قبل الشيعة والأميركان على أنهم أقلية مستبدة، ولذلك كانت الحرب على وجودهم في العراق مُعدة مسبقاً، وزاد من حدة الحنق الأمريكي والشيعي تبني السنة لخيار المقاومة المسلحة التي واجهت الاحتلال والنظام الجديد بشراسة، مما دفعهم إلى اعتزال العمل السياسي والمدني الذي فرض عليهم مزيداً من العزلة والتهميش.

- اتجهت الأمور إلى انفراج نسبي بعد ظهور قوات الصحوة السنية التي تصدت لاعتداءات القاعدة والمليشيات الشيعية وأسهمت في إيجاد هدوء وأمن نسبيين في المحافظات السنية بعد جولات من التطهير الديني خلال عامي 2006 و2007.

- اتجه السنة لمزيد من فك العزلة وكسر الأطواق والقيود السابقة فشاركوا في الانتخابات المحلية (مجالس المحافظات) في كانون الثاني/ يناير 2009، و(البرلمانية) آذار/ مارس 2010، وحققوا مكاسب جيدة مقارنة بالهيمنة الشيعية المطلقة خلال الفترة السابقة.

- كل التجارب السابقة كانت تتمحور حول سُبل استعادة العرب السنة لحقوقهم والحفاظ على وجودهم القوي في عراق بات للشيعة الكلمة الأولى فيه، مما استدعى تغيراً في السلوك والتعامل المنطقي الذي يحاول تقليل الخسائر وتعظيم المكاسب قدر المستطاع.

وفي الوقت الذي حاول السنة فيه تدارك أنفسهم واستعادة وجودهم الفاعل في الساحة كان رئيس الوزراء نوري المالكي يعكف على بناء دكتاتوريته! ولم تتوقف الحرب الدينية على السنة بعد ضرب جيش المهدي ربيع عام 2008 بل استمرت بوجه جديد ولكن تحت لباس عسكري رسمي وقانوني، وتواصلت الاغتيالات والاعتقالات وكثر الحديث عن معتقلات سرية وقوات تابعة لمكتب المالكي تمارس سلطتها في كل مكان، وارتفعت حتى الأصوات الشيعية المنددة بالدكتاتورية الجديدة وتفرد حزب الدعوة باتخاذ القرارات، وبالتهميش والإقصاء الذي طال بعض القوى الشيعة لا سيما بعد انتخابات 2010، ووجد السنة أنفسهم مرة أخرى في عزلة جديدة بالرغم من مشاركتهم القوية في انتخابات آذار/ مارس الأخيرة.  

بعد هذا كان من الطبيعي أن يلجأ السنة لخيار الإقليم بعد طغيان المركز ومنعهم حقوقهم الدستورية، وإلى هذا يشير تصريح طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية حيث قال: (ناخبو "العراقية" يتذمرون من الوضع الراهن مع تواصل استهدافهم بين الحين والآخر، وهو ما جعل البعض يطرح فكرة تشكيل الإقليم السنّي كنتيجة للشعور بالظلم وليس رغبة في الانكفاء)([1]).

وإذا نظرنا في أسباب إعلان محافظة صلاح الدين سنجد ما يؤيد كلام الهاشمي:

1-عدم إعطاء الحكومة المركزية للمحافظة الصلاحيات الدستورية والقانونية المطابقة لمجالس المحافظات وفق القانون 21 لسنة 2008، ومنح المحافظة استحقاقها من المخصصات المالية وفق الدرجات الوظيفية المقررة للمحافظات.

2- سياسة الإقصاء والتهميش والاعتقالات العشوائية المستمرة دون سبب قانوني.

3- الاستملاكات الضخمة والمستمرة حول مرقد الإمامين العسكريين في سامراء لأسباب طائفية، والتي تؤدي إلى تغييرات ديموغرافية في المدينة، مما يتعارض مع أحكام الدستور.

4- فقدان التوازنات للمناصب الحكومية والأجهزة الأمنية وتعدد القيادات الأمنية المرتبطة بالمركز، والتي تنفذ سياسات المركز دون الرجوع إلى الحكومة المحلية.

5- عدم تحقق المصالحة الوطنية التي وعدت الحكومة بها بالرغم من وجود وزارة لهذا الغرض والتعاون الكلي من قبل حكومة صلاح الدين مع الحكومة المركزية طيلة هذه المدة ([2]).

وقد سبق إعلان إقليم صلاح الدين قرارات باجتثاث وإبعاد ما يزيد على 140 أستاذاً من جامعتي تكريت والموصل، وفق قانون المساءلة والعدالة، وأعقب هذا القرار حملة اعتقالات واسعة لأعضاء في حزب البعث وضباط في الجيش السابق اتهموا لاحقاً بالتخطيط لانقلاب ضد السلطة.

واللافت في أسباب الإعلان التصريح بطائفية الحكومة ودكتاتوريتها وهذا ما صدم الشيعة وجعلهم يُجمعون على رفض الإقليم الجديد لا سيما مع تشجع المحافظات السنية الأخرى لتحركات مماثلة، بل ذهب المالكي بعيداً في اتهامه الإقليم بمحاولة بإيواء البعثيين للانقضاض على السلطة.

وهنا لا بد من وقفة مع معارضي الإقليم فهم لا يُبالون بالمعاناة السنية ولا يعرضون أي بديل للخروج من الأزمة، لأنهم يرون الأمور بشكلها المعكوس فهم يدعون لوحدة الصف الوطني والتلاحم من أجل طرد الاحتلال مع علمهم أن الشيعة لن يقنعوا بغير الهيمنة الكاملة على العراق، والأكثر من هذا أنهم يحاولون خداع الجمهور السني وتضليله باستخدام خطاب كخطاب المالكي ومقتدى الصدر وشركائهم في بناء الدكتاتورية الجديدة، وهذه ليست المرة الأولى التي يلتقي فيها بعض السنة مع خصومهم المفترضين في الحكومة والمليشيات فقد اجتمعوا معهم على رفض مشروع "قوات الصحوة" كما أن كلا الطرفين كان يدفع باتجاه إقصاء السنة وإبعادهم عن المشاركة السياسية، وهذا ما أثار شبهات كثيرة حول مصداقية الأصوات السنية المدعية الحرص على وحدة العراق والمقاومة والمشروع الوطني!

فالأمر في المحصلة غير مرتبط بأجندات خارجية أو مشاريع صهيونية وأطماع غربية بتقسيم العراق، فهل المالكي ومقتدى الصدر وغيرهم من معارضي الإقليم أصبحوا اليوم السد المنيع أمام المخططات المشبوهة!! إن ربط إعلان إقليم صلاح الدين بالمشاريع الصهيونية الرامية لتقسيم العراق وتفكيكه وإضعافه هو كحديث المحور الإيراني عن المقاومة والممانعة التي حصدت رقاب الآلاف من السوريين!!  

والبعض الآخر يحاول أن يطعن في أهداف الداعين لتشكيل الأقاليم ويعزو سبب ذلك لمصالحهم المادية ومكاسبهم المالية، وهذا الأمر كذّبته الأسباب المعلنة من قبل حكومة صلاح الدين.

وقد أحست بعض فصائل المقاومة العراقية بهذا الأمر ونبهت إلى أن معارضي التقسيم والإقليم والفدراليات لا ينطلقون من حرص على العراق وشعبه وإنما يلجؤون إلى هذا التشويش والخوض في المزايدات لفقدانهم أي رؤية واقعية أو برنامج صالح للتطبيق في البيئة العراقية، حيث كتب د.محمد الفارس عضو المكتب السياسي لجماعة أنصار السنة مقالاً جاء فيه: (هناك من يقول إن مناهضي الاحتلال لم يبق لهم ما يراهنون عليه ويناورون به سوى هذه الورقة فهم في خسارة مستمرة وفي تراجع مستمر وفي ابتعاد عن الساحة ملموس لذلك فمعارضتهم للتقسيم ووقوفهم بوجهه محاولة منهم لإبقاء وجود لهم ولإيجاد تبرير لبقائهم في ساحة المعارضة، فبحسب هذه الجهة فإن معارضة المناهضين ليست مقصودة لذاتها وإنما هي محاولة للبقاء والحفاظ على مطلق الوجود والتعليل لهذه الوجهة قد تكون مع الأسف قوية وهي مبنية على أن من أراد تغيير واقع فلا بدّ أن يكون مقتنعاً بالتغيير اًولاً وأن يكون مطبّقاً له ثانياً في واقعه العملي.

 وبالرجوع إلى حال مناهضي الاحتلال يجدهم حقيقة وواقعاً منقسمين فيما بينهم لا يتفقون على رأي ولا يجتمعون في مشروع موحّد ولا يثق بعضهم ببعض مع محاولة البعض لاستغلال الآخرين فهل يرجى من مثل هؤلاء أن يكونوا قادرين أو صادقين في رفضهم للتقسيم ومعارضتهم له وبناءً عليه فإن البعض يرى أن معارضة التقسيم من قبل بعض المناهضين هدفه محاولة تصدّر البعض وتزعّمهم على الغير)([3]).

وليس عجباً أن يتبنى السنة المعارضون لفكرة الأقاليم مواقف سلبية ضد الثورتين السورية والليبية، فالأفكار التي يحملونها تدعوهم للانكفاء وفسح المجال للعبث والتخريب الإيراني بحجة عدم التورط بمشاريع الاقتتال الطائفي والتقسيم المذهبي وخدمة الغرب والمشروع الصهيوني بالفتن الداخلية، في الوقت الذي تقوم فيه إيران وأعوانها بحروب إبادة طائفية تحت بصر العالم كله!!

وبعلم أو بجهل وسذاجة انخرط السنة المعارضون للأقاليم (التيار البعثي وجماعة علماء ومثقفي العراق) في موجة الهجوم على تركيا واتهامها بدعم مشاريع الفدرالية عبر دعم بعض السياسيين السنة كأسامة النجيفي رئيس البرلمان، وطارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية، وتأتي هذه الهجمة على تركيا في ظل مواقفها الإيجابية من الثورة السورية الضاغطة على نظام الأسد التي أغاظت النظام الإيراني وأخرجته عن صوابه.

لا يُقدّم المدافعون عن الأقاليم السنية صورة وردية عن الواقع الجديد والمستقبل المزهر ولا ينكرون الصعوبات والتحديات التي سيواجهونها، فالإقليم هو شكل آخر من أشكال المقاومة السنية للطغيان والتسلط الإيراني على العراق، ولذا وجدنا المالكي وحلفاءه في التيار الصدري يتهمون مشروع الأقاليم بنفس التهم التي كانت تُوجه للمقاتلين السنة في صفوف المقاومة (إعادة الحكم البعثي) وبالتالي اضطهاد الشيعة!

ومن هنا فإن إجماع الشيعة على رفض الأقاليم السنية لا يأتي بمعزل عن التغيرات التي تشهدها المنطقة لا سيما الانتفاضة السورية ضد الحكم الطائفي المتحالف مع إيران، وقد توالت تصريحات قادة شيعة العراق المحذرة من عواقب انتصار الثورة السورية والتي قابلتها اتهامات سنية لمخابرات النظام السوري بزعزعة أمن المنطقة العربية، فتضعضع المشروع الإيراني في المنطقة بعد انهيار نظام الأسد سيدفع إيران لتعزيز نفوذها في العراق وزيادة الضغط على الدول العربية بالضغط على السُنة في العراق، واستقلال الإقليم الجزئي لن يتيح لحكومة المالكي بسط نفوذها وإطلاق يدها في المناطق السنية.

ربما سيواجه هذا المشروع عراقيل كثيرة وتحديات متتالية لكنه سيضع قادة السنة (سياسيين أو شيوخ عشائر) الذين التقت مصالحهم مع المالكي في دائرة الضوء ليصبحوا مكشوفين أمام الجماهير، كما أنه سيفضح محاولات الاختراق الشيعي (الأمني والسياسي والثقافي) للمناطق السنية، ومما يساعد على كشف هذه المؤامرة القمع الحكومي المتواصل والمتمثل بالاعتقالات والاغتيالات وقرارات الاجتثاث.

 

 



[1] - حوار مع صحيفة الحياة (13/3/2011).

[2] - هذه الاسباب صرّح بها أمين عام مجلس محافظة صلاح الدين نيازي معمار أوغلو في مؤتمر صحافي عقده الخميس 27/10/2011.

[3] - من مقال (تقسيم العراق بين المعارض والمؤيد.. إلى أين؟).

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: