فرق ومذاهب\العدد مائة وثلاثة - محرم 1433 هـ
سلسلة رموز الفكر العلماني المعاصر
السبت 26 نوفمبر 2011

 

18- حسين مروة

أسامة الهتيمي – كاتب مصري

خاص بالراصد

تظل تلك العبارة الصريحة التي تفوّه بها مستر جلادستون، رئيس الوزراء البريطاني في عهد الملكة فيكتوريا، وذلك خلال إحدى جلسات مجلس العموم البريطاني والتي قال فيها وهو ممسك بالقرآن الكريم: "إنه ما دام هذا الكتاب بين أيدي المصريين فلن يقر لنا قرار في تلك البلاد" تظل هذه العبارة بليغة ودقيقة تعكس المخطط الذي كان ولا يزال يستهدف علاقة المسلمين بالقرآن الكريم باعتباره الكتاب الموحد لهم والمحرض دائما على مجاهدة أعداء الله والأمة الإسلامية.

كما يمكن وبلا أدنى مبالغة الاسترشاد بهذه العبارة في تفسير الكثير من المخططات الثقافية والفكرية الغربية في المنطقة العربية والإسلامية فالأساس هو الإيقاع بالمسلمين في فخ الكفر وإبعادهم عن مبادئ دينهم كما بعدوا هم، يقول الله تعالى: "ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء" وفي ذلك يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه (شبهات حول الإسلام): "فقد كانت السياسة المطلوبة هي توهين عرى الدين ونزع قداسته من نفوس أهله وتشويه صورته في أفكارهم وضمائرهم لينسلخوا منه وينفروا من التمسك بأحكامه وآدابه حتى يستطيع المستعمرون أن يستقروا في هذه البلاد".

ولقد كان من أهم الوسائل لتنفيذ هذا المخطط هو الترويج لكون أن ما جاء به القرآن الكريم وتضمنته آياته لا يختلف إلى حد كبير عما طرحته النظريات الوضعية البشرية، بل إن النظريات الوضعية الحديثة تتفوق على الآيات القرآنية من حيث أنها معاصرة تواكب تطور الأحداث والأفكار ومن ثم فهي صالحة للتطبيق في الوقت الحاضر في حين أن ما قدمه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة نظريات ومناهج قديمة لا تتجاوز في طرحها حدود الزمان والمكان المحدودين.

من هنا فإن أصحاب كل نعرة وكل فلسفة - حتى لو كانت شاذة وساقطة - أرادوا لفلسفتهم الذيوع والانتشار بين أبناء الأمة العربية والإسلامية حرصوا على أن يبحثوا في القرآن والسنة والتاريخ الإسلامي عن كل ما يمكن أن يدعم نظرياتهم ويتفق معها ليعلنوا أن ما جاءوا به هو مما يتفق مع القرآن ولا يخالفه فزعم الرأسماليون أن المنهج القرآني لا يرفض الرأسمالية فهو يؤيد ويحمي الملكية الخاصة، في حين ذهب الاشتراكيون إلى أن الإسلام حرص على تطبيق العدالة الاجتماعية، ومثلهم ادّعى الليبراليون أن الإسلام جاء بالحرية والإعلاء من قيمة الفرد، في حين لم يكف الشيوعيون عن ترديد مادية الإسلام التي تدعو إلى ما يدعون إليه غاضين الطرف عن تلك التناقضات البينة والعميقة بين هذه الأفكار المختلفة وبين ما جاء به الإسلام إذا ما طرحت رؤيته كاملة دون ابتسار.

والحقيقة أن هؤلاء يدركون جيدا أن ما يطرحونه ليس إلا كونه حيلة أرادوا بها خداع الجماهير العربية والإسلامية لانتزاع إيمانهم بالمنهج الرباني وإغوائهم بالاعتقاد في مناهج وضعية لا يربط بينها وبين الإسلام سوى قشور سطحية لا تتجاوز حدود كونها شعارات براقة أبعد ما تكون عن حقيقة هذه المناهج وما تهدف إليه.

وبكل أسف فقد انطلت هذه الحيلة على البعض من أبناء هذه الأمة فلم يترددوا في حمل هذه  البضاعة الفاسدة المغشوشة بل إنهم سارعوا يحملونها ويروجوا لها لتختلط الأمور وتشتد الفتنة ويقع في الفخ الكثير والكثير.

ويعد حسين مروة، الناقد والباحث اللبناني، واحدا من أهم هؤلاء الذين حملوا وزر ذلك الإغواء بعد أن تورط في الدعاية للشيوعية الماركسية التي كان يراها كغيره من الشيوعيين العرب المنهج الأمثل الذي يمكن أن ينتقل بالعرب من الجهل والتخلف إلى التطور والنهضة.

النشأة والبداية

ولد الدكتور حسين مروة عام ????م في قرية حداثا في جنوب لبنان بحسب السجلات الرسمية ولكن مروة روى أن تاريخ ميلاده الحقيقي هو العام ????م.

تلقى مروة تعليمه الأولي في لبنان ثم أرسله والده الشيخ علي مروة والذي كان آنذاك واحدا من علماء الشيعة في الجنوب اللبناني إلى العراق عام 1924 لدراسة العلوم الإسلامية في جامعة النجف وهو الفعل الذي كان يحرص على تحقيقه أغلب كبراء الشيعة اللبنانيين من العلماء والأغنياء.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن مروة أنهى دراسته في النجف عام 1938م والعراق يومئذ يرزح تحت نير الاحتلال البريطاني الذي كانت تقاومه مجموعة من الأحزاب السياسية العراقية من مختلف الاتجاهات ومن بينها أحزاب يسارية.

بدأت اهتمامات مروة بالكتابة الأدبيّة منذ سنوات دراسته الأولى في العشرينات فكتب المقالة والقصة والنقد والبحث كما كتب بعض الشعر.  

وعلى الرغم من دراسة مروة للعلوم الشرعية في النجف إلا أن مجرد اطلاعه على "البيان الشيوعي" الذي أعاره له حسين محمد الشبيبي، أحد مؤسسي الحزب الشيوعي العراقي، عام 1948م كان كفيلا بأن يكون نقطة تحول كبيرة في مسار توجهات وحياة مروة كلها إذ أصبح بين يوم وليلة أحد الشيوعيين المؤمنين والمدافعين عما تطرحه الماركسية ومن ثم فقد شارك أدبياً وإعلامياً وعملياً في أنشطة الحزب الشيوعي العراقي وكان له دور في إسقاط معاهدة بورتسموث التي كانت قد وقعتها الحكومة البريطانية مع حكومة العراق الملكية.

غير أن الدور الذي لعبه مروة لم يمنع نوري السعيد الذي عاد إلى الحكم في العراق عام ???? من اتخاذ قرار بإبعاد مروة من العراق فوراً مع عائلته ونزع الجنسية العراقية التي كان قد اكتسبها أثناء مكوثه أكثر من عشرين عاماً في العراق.

واصل مروة نشاطه الأدبي والسياسي بعد عودته مجددا إلى لبنان ففي عام 1950م تعرف على فرج الله الحلو وأنطون ثابت ومحمد دكروب فتعاونوا على تأسيس مجلّة "الثقافة الوطنية" التي أصبح مروة مديراً لتحريرها إلى جانب دكروب في الوقت الذي كان يكتب أيضا مقالا يوميا تحت عنوان ""مع القافلة" في جريدة الحياة وهو المقال الذي استمر لنحو سبع سنوات متواصلة.

وفي عام 1951 وبعد أقل من عامين لعودته للبنان انتظم مروة رسمياً في الحزب الشيوعي اللبناني ثم انضم إلى قوات أنصار السلم (تجمع الأحزاب الشيوعية العربية لتحرير فلسطين) عام 1952 ثم تدرج تنظيميا في الحزب لينتخب عام 1965 كعضو في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني وبعدها انتخب أيضا عضواً في المكتب السياسي للحزب.

وعلى المستوى الثقافي أيضا تولى مروة رئاسة تحرير مجلّة "الطريق الثقافيّة" من عام 1966 حتى شباط/ فبراير 1987، تاريخ اغتياله، كما كان عضوا في مجلس تحرير مجلّة "النهج" الصادرة عن مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي في حين درس مادة فلسفة الفكر العربي في الجامعة اللبنانية في بيروت. 

كتبه ومؤلفاته

ولحسين مروة العديد من الكتب الأدبية والنقدية والفلسفية ومنها: دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي، تراثنا كيف نعرفه، النزاعات المادية في الفلسفة العربية والإسلاميّة (ثلاثة أجزاء)، من النجف دخل حياتي ماركس، ولدت شيخاً وأموت طفلاً (سيرة ذاتية).

قصة الاغتيال

هناك تباين كبير في تحديد الجهة المسئولة عن اغتيال مروة ففي حين يذهب البعض ويؤكد أن حركة أمل اللبنانية الشيعية هي المسئولة عن هذه العملية يذهب آخرون إلى أن المسئولية تقع على عاتق حزب الله قبل أن يتولى أمانته العامة حسن نصر الله.

وتشير أغلب المصادر التاريخية إلى أن اغتيال مروة تم في منزله بسلاح كاتم للصوت وأن اغتياله جاء في إطار سلسلة من التصفيات الجسدية لعدد من رموز الأحزاب الشيوعية في لبنان. 

مروة والسوفييت

كانت الأحزاب الشيوعية العربية وغيرها في كل مكان تحظى بالدعم والعناية السوفيتية حيث تعتبر هذه الأحزاب أداتها النافذة في الترويج لنظرياتها وأفكارها السياسية والاقتصادية ومن ثم فإن حسين مروة كان من الشخصيات العربية التي كان لها تقديرها في موسكو إلى الدرجة التي منحته إحدى جامعاتها شهادة الدكتوراة الفخرية والتي لا تمنح بطبيعة الحال إلا لمن ساهم فكريا وثقافيا في ترسيخ ما يريده السوفييت.

وقد جاءت هذه الدكتوراة الفكرية أيضا تتويجا للجهد المضني الذي بذله حسين مروة على مدار عشر سنوات من أجل إنجاز دراسة فكرية كلفه بها الحزب الشيوعي اللبناني حيث أرسله لموسكو لبحث النزعات المادية في الفكر الفلسفي الإسلامي لتثمر رحلته العلمية كتابا حمل نفس العنوان قدم منه جزأين ولم يتسنّ له تقديم المجلد الثالث حيث اغتيل قبل إتمامه.

النزعات المادية

ولعل الكتاب الأهم الذي يكشف عن فكر حسين مروة هو كتابه "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" والذي جاء كما ذكرنا سالفا ثمرة تكليف من الحزب الشيوعي اللبناني فهذا الكتاب وبحسب عبارة مروة في مقدمته للكتاب: "يقدم طريقة في التعامل مع التراث الفكري العربي الإسلامي تعتمد منهجية علمية لا تزال تخطو خطواتها الأولى إلى المكتبة العربية من قبل المؤلفين العرب منذ العصر الوسيط الذي صدر عنه تراثنا الفكري بمختلف أشكاله حتى الحقيقة الراهنة من عصرنا ظلت دراسة هذا التراث رهن النظرات والمواقف المثالية والميتافيزيقية التي تتفق جميعها بمختلف مذاهبها وتياراتها على خط عام مشترك تحكمه رؤية أحادية الجانب للمنجزات الفكرية في العصر العربي – الإسلامي الوسيط أي رؤية هذه المنجزات في استقلالية مطلقة عن تاريخها بمعنى أن هذه الرؤية ظلت ظاهرة عن كشف العلاقة الواقعية الموضوعية غير المباشرة بين القوانين الداخلية لعملية الإنجاز الفكري بين القوانين العامة لحركة الواقع الاجتماعي ولذا بقي تاريخ الفكر العربي – الإسلامي تاريخا ذاتيا سكونيا أو "لا تاريخيا" لقطع الصلة بجذوره الاجتماعية أي بتاريخه الحقيقي الموضوعي".

وينظر مروة بكثير من الحذر في القول بالإنجاز الذي حققه التراث الإسلامي إذ يرى أن الحكم على هذا التراث جاء من قبل فصل تام بين ما قدمه وبين الحيثيات الاجتماعية والتاريخية التي نتج خلالها ومن ثم فإن تاريخ الفكر العربي هو تاريخ سكوني، وإزاء هذا فإن مروة يرى أن "المنهج المادي التاريخي وحدَه القادر على كشف تلك العلاقة ورؤية التراث في حركيته التاريخية واستيعاب قيمه النسبية وتحديد ما لا يزال يحتفظ منها بضرورة بقائه وحضوره في عصرنا كشاهد على أصالة العلاقة الموضوعية بين العناصر التقدمية والديمقراطية من تراثنا الثقافي وبين العناصر التقدمية الديمقراطية من ثقافتنا القومية في الحاضر".

ثم يحاول مروة تفسير اعتزاز العرب والمسلمين بالتراث ثم التفات عدد من المفكرين العرب والمسلمين إلى التعامل معه بشكل تقدمي ثوري فيقول: "منذ أخذت تتشكل المشاعر القومية لدى الجماهير العربية بشكل اعتزاز قومي بالماضي أخذ ينعكس هذا الاعتزاز في الأدب وأشكال الفكر الأخرى تطلعا إلى تراث هذا الماضي بمنجزاته الثقافية المختلفة ولكن هذا التطلع بدأ بمحاولات تتجه إلى تقليد أساليب التراث والتعصب له والتفاخر به على نحو من المبالغة المفرطة وبعث أصوله تعليما ونشرا وشرحا، أي تكراره مشوها دون إضافة أو تطوير أو إعادة نظر في أساليبه ومضامينه لذلك كانت الرجعة إلى التراث حركة بدائية رجعية بأسلوبها تقدمية بدوافعها كتعبير عن التحفز القومي لمواجهة التحديات الاستعمارية القديمة (التركية) ثم الجديدة (الإمبريالية الغربية).

 وبعد الحرب العالمية الأولى.. إذ تحولت حركة النهضة الفوقية إلى حركة تحرر وطني تتعمق في الأرض الجماهيرية شيئا فشيئا بدأت حركة التطلع إلى التراث تتحول أيضا من كونها تكراراً محضا للتراث الثقافي إلى كونها حركة لإعادة النظر، لا في منجزات هذا التراث فقط بل لإعادة النظر كذلك في النظريات العنصرية الاستعمارية الأوروبية حول تراث الشعوب المستعمرة "الكومبرادور" وهذه النظريات التي كانت ترمي إلى استصغار شأن التاريخ والثقافة القوميين لهذه الشعوب بل قطع علاقاتها بها وإفراغ ماضيها من كل ما يعطيها حق الاعتزاز به كما ترمي إلى إبراز هذه الشعوب أنها قاصرة عرقيا وتاريخيا أن يكون لها حق الانتماء إلى أسرة الشعوب القادرة على إنتاج حضارة أو ثقافة لا ماضيا فقط بل حاضرا ومستقبلا كذلك".

بين الشيوعية والإسلام

لا يعد وصف حسين مروة بالشيوعي اتهاما كان يرفضه هو قبل مماته أو يرفضه أحد من أتباعه في الوقت الحالي إذ يحلو للبعض حتى الآن أن يصفه بالشيخ الماركسي وكأن هذا لا يتعارض مع ذاك بل إنه شخصيا كتب من بين كتبه كتابا يسرد فيه قصة تحول أحلامه وأحلام والده من أن يكون عالما في الدين إلى كاتب وأديب يتبنى الفكر الماركسي.

ولولا أن المقام ضيق لعرضنا كل ما كتبه مروة في كتابه هذا غير أنه يمكن الاستشهاد ببعض العبارات التي جاءت فيه والتي تكشف إلى أي مدى انبهر مروة بماركس والشيوعية والاشتراكية العلمية.

فنجده في إحدى الفقرات يشيد ببعض الكتاب الشيوعيين الذين ساهموا في تحوله الفكري بحسب عبارته فيقول :"إسماعيل مظهر وشبلي شميل هذان هما الأصل والأساس في تحولاتي الفكرية الأولى نوعياً وجذرياً فأثرهما الأعمق في تكويني المنهجي والنظري يرتبط بقراءاتي المثابرة والجادة والممتعة لهما في السنوات الأولى لعهد التحرر من كابوس "المهنة" أي ما بين عامي 1925- 1927 ولست أنسى هنا سلامة موسى وأثره بي في ذلك العهد بما كان لكتاباته الفكرية – الاجتماعية حينذاك من اتصال ما بالفكر الاشتراكي الطوباوي ومجلة "المقتطف" بما كانت تعنى به من إضفاء للطابع العلمي الغالب على مجمل ما تنشره وقتئذ ولا غير المقتطف من المجلات ولا الكتب الكثيرة الأخرى التي يعسر تعدادها الآن".

وفي موضع آخر يقول مروة: "وأخذت أقرأ العلم الماركسي دفعة دفعة. ذات مرة دفع لي الرفيق الشهيد "الشبيبي" بنسخة من "البيان الشيوعي" على سبيل الإهداء شرط أن أقرأها أكثر من مرة.. ولكي أستحق شرف هذا الإهداء عشت مع البيان الشيوعي في هذه النسخة العزيزة يومين كاملين متتاليين ثم رجعت إليه منشرح الصدر مفعماً بفرح المعرفة بأضوائها الجديدة الكاشفة. بقيت محتفظاً بهذه النسخة من "البيان الشيوعي" بحرص شديد وباعتزاز عميق حتى فوجئت يوماً باختفائها فحزنت كثيرا وبقي حزني يتجدد كلما تجددت ذكرى هذا الاختفاء".

وهنا يجب أن نتوقف مع مروة الذي انشرح صدره بقراءة البيان الشيوعي وحزن حزنا شديدا لفقدانه ونسأله إلى أي المنهجين تنتمي.. هل تنتمني للفكر الماركسي الشيوعي أم إلى المنهج الإسلامي؟

إنه لا يمكن مطلقا القول بتبني المنهجين معا في آن واحد فكلاهما يتعارض مع الآخر بغض النظر عن تلك المزاعم التي أسلفناها آنفا من القول بأن المنهجين متفقان فذلك بالأساس قول زور وبهتان لا يمت للحقيقة بأية صلة فالحديث عن إمكانية أن يكون المرء شيوعيا وفي ذات الوقت مسلما يصلي ويصوم ويحج ويقيم الأذكار قول ترفضه الشيوعية نفسها قبل الإسلام فالإسلام مع رفضه المطلق للشيوعية كنظرية شمولية لا يرفض أن ينشأ على أساس مبادئه أي نظام تطبيقي يلبي الحاجات المتجددة للجماعة الإسلامية ما دام هذا لا يخالف الأصول الإسلامية لكن الأمر الواقع أن الشيوعية لا تلتقي مع الأصول الإسلامية وإن التقت معها عرضا في بعض جزئياتها وأنه لا يستطيع مجتمع مسلم يملك النظام الأفضل أن يعدل عنه إلى الشيوعية أو غيرها من النظم كالرأسمالية أو الاشتراكية المادية ولو شابهته في بعض التفصيلات لأن الله عز وجل يقول له صراحة: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" ولم يقل: ومن لم يحكم بمثل ما أنزل الله أو بشبيه بما أنزل الله!   

وفي هذا الإطار يتساءل الأستاذ محمد قطب في كتابه "شبهات حول الإسلام" قائلا: وهل نستطيع حقا أن نكون شيوعيين ثم نظل مسلمين؟

ويجب قائلا: "إننا إذا طبقنا الشيوعية – الاقتصادية كما يسمونها – فلابد أن نصطدم مع الإسلام من الوجهة التصورية والوجهة العملية كلتيهما ولا مناص من هذا الاصطدام.. فأما من الوجهة التصورية فهناك عدة أمور يكفي أن نذكر منها:

أن الشيوعية قائمة على فلسفة مادية بحتة لا تؤمن إلا بما تراه الحواس فقط وكل ما لا تدركه الحواس فهو خرافة لا وجود لها أو على الأقل شيء ساقط من الحساب، يقول إنجلز: "إن حقيقة العالم تنحصر في ماديته" ويقول الماديون: "إن العقل ما هو إلا مادة تعكس الظواهر الخارجية" ويقولون كذلك إن ما يسمونه الروح "ليست جوهرا مستقلا وإنما هي من نتاج المادة" وهكذا نعيش مع الشيوعية في جو مادي خالص يسخر بالروحانيات ويعتبرها حقائق غير علمية والعقيدة الإسلامية تأبى أن تنحصر في هذا المحيط الضيق الذي يهبط بكرامة الإنسان ويحوله من كائن رفيع يسير على الأرض بجسمه وهو يتطلع  إلى السماء بروحه وفكره إلى مخلوق مادي حيواني كل همه إشباع المطالب الأساسية التي حددها كارل ماركس بالغذاء والمسكن والإشباع الجنسي.

ولا يقولن أحد: إننا غير مقيدين بهذه الفكرة المادية ولا ملزمين بها إذا أخذنا الاقتصاد الشيوعي إذ ستظل لنا عقائدنا وإلهنا ورسلنا وروحانياتنا والاقتصاد كيان منفصل عن كل هؤلاء.

 لا يقولن ذلك أحد لأن الشيوعيين أنفسهم هم الذين قرروا استحالته إذ ربطوا ربطا وثيقا بين النظام الاقتصادي وبين العقائد والأفكار والفلسفات المصاحبة له على أساس أن النظام الاقتصادي هو الذي ينشئ العقائد والأفكار والفلسفات وإذن فلا يمكن لنظام اقتصادي قائم على فلسفة مادية صريحة (كما يقرر إنجلز وماركس) أن ينشئ فلسفة روحية أو ينسجم مع فلسفة روحية.

والشيوعيون - مثلا – يؤمنون بالمادية الجدلية وبأن صراع المتناقضات هو وحده العنصر الكامن وراء التطور الاقتصادي والبشري من الشيوعية الأولى إلى الرق إلى الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الشيوعية الثانية والأخيرة ويقرنون قيام الشيوعية الاقتصادية بصحة هذا المنطق الجدلي ويربطون ربطا "عمليا" بين هذا وذاك وهذه المادية الجدلية لا مكان فيها لتدخل الله في خط سير البشرية ولا مكان للرسل ورسالاتهم لأن هذه الرسالات – في وهمهم – لا يمكن أن تجيء سابقة للتطور الاقتصادي ولا منشئة له وإنما هي تجيء فقط في مكانها المرسوم من هذا التطور وبهذا تفقد قيمتها التوجيهية من وجهة النظر الإسلامية.

وفضلا عن ذلك فهذه المادية الجدلية التي تحصر أسباب كل التطورات البشرية في تغير وسائل الإنتاج تعجز عن تفسير ظهور الإسلام ذاته فأي شيء كان قد تغير في وسائل الإنتاج في الجزيرة العربية أو في العالم أجمع قبل الإسلام فكان من نتيجته بعثة محمد صلى الله عليه وسلم بنظامه الجديد؟!

كيف إذن يمكن التوفيق بين هذه النظرة وتلك؟ وكيف لا تتأثر عقائد المسلمين الذين يؤمنون برعاية الله لخلقه وإرشاده لهم على يد رسله وبأن الإسلام لم يكن خاضعا للضرورات الاقتصادية.. كيف لا تتأثر عقائدهم حين نأخذ بنظام اقتصادي نقول في كل مرحلة من مراحل تطوره إنه يتطور حسب صراع المتناقضات الذي لا مجال فيه لله، ولا محرك له غير الضرورات الاقتصادية؟

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: