سطور من الذاكرة\العدد مائة وأربعة - صفر 1433 هـ
صفحات من تاريخ الباطنية (1)
الأحد 25 ديسمبر 2011

 

 

 

"ميمون القدّاح" يؤسِس الفكر الباطني

 

نوفل الجبلي – باحث يمني
خاص بالراصد
تمهيد
جاء الإسلام بنوره الساطع ليُبدد ظلمة الكفر والإلحاد، وأقبَلَ الدين الحنيف يَلفُّ أرجاء المعمورة بسماحته وتشريعاته الربانية العظيمة؛ فتجمع الناس حوله، ودخلوا فيه أفواجاً، وعَلَت كلمةُ الله، ونُكِسَت راية الشرك والطغيان في كثير من الأرض التي دانت بالإسلام وللإسلام.. كل هذا شكّل تراكماتٍ كبيرةً من الحقد والحَنَق في صدور الأعداء على هذا الدين العظيم، ولهذا سعى أعداؤه بخيلهم ورجلهم وسخّروا طاقاتِهم وأفكارَهم الحاقدة للعمل ضد كل ما هو إسلامي.. ولنا في التاريخ عظة وعبرة..
في هذه السطور سيكون الحديث عن إحدى أقدم المحاولات الخبيثة لهدم تعاليم الإسلام ومحو تشريعاته، واستبدالها بأخرى ظالمة غاشمة لا تمت للدين بصلة؛ وهي محاولة لنشر وإقامة دول العقيدة الباطنية في أرجاء العالم الإسلامي.
 وقبل الحديث عن هذه العقيدة العجيبة لا بد من الحديث عن مؤسسيها، والذين يقول عنهم الغزالي: "تشاوَر جماعة من المجوس والمزدكية([1])، وشرذمة من الثنوية الملحدين([2])، وطائفة كبيرة من ملحدة الفلاسفة المتقدمين، وضربوا سهام الرأي في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نالهم من استيلاء أهل الدين، وينفِّس عنهم كربة ما دهاهم من أمر المسلمين، حتى أخرسوا ألسنتهم عن النطق بما هو معتقدهم من إنكار الصانع وتكذيب الرسل وجحد الحشر والنشر والمعاد إلى الله في آخر الأمر"([3]).. ولنا أن نتخيل ماهية العقيدة الناتجة عن تشاوُر واجتماع أمثال هؤلاء.
وكان من أبرز مؤسسي الدعوة الباطنية الإسماعيلية رجلٌ يُدعى ميمون القداح، وابنه عبد الله أو عبيد الله. وسنتعرف على بدايات تأسيس هذه الدعوة..
 
من هو ميمون القداح؟
جاء ذكره في بعض الكتب التاريخية؛ ومن أبرزها كتاب (كشف أسرار الباطنية) للحمادي اليماني([4]):
أن ميمون القداح يهودي، من يهود مدينة بالشام يقال لها "سَلمية"([5])، وقد كان يعتقد اليهودية ويُظهر الإسلام وكان من أحبار اليهود ومن أهل الفلسفة، وكان يتردد على جعفر الصادق ويدّعي أنه من شيعته.. وقد كان حريصاً على هدم الشريعة المحمدية؛ لِما ركّب الله في اليهود من عداوة الإسلام وأهله، فلم يرَ وجهاً يدخل به على الناس حتى يردهم عن الإسلام ألطف من التظاهر بحب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ظهر أيام قرمط البقار([6]).. وقد اجتمعا وعملا ناموساً ([7]) يدعوان إليه، وقد كانت أول مراسلة بينهما سنة إحدى وستين ومائة للهجرة (161هـ)([8]).
وقيل إن ميمون القداح هو من نسل ديصان الثنوي، ويكنّى بأبي شاكر في بعض الكتب([9])، الذي تنسب إليه الثنوية، وأنه فارسي مجوسي من الأهواز، تظاهر بالإسلام والتشيع والدعوة لآل البيت، فقُبض عليه وأودع سجن الكوفة في أواخر عهد المنصور، وبعد خروجه من السجن ادعى أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق.
وقال عنه ابن الأثير: "أبو شاكر ميمون بن ديصان، صاحب كتاب الميزان في نصرة الزندقة"([10]).. وقال عن عقيدة ميمون وأصحابه: "ألقوا إلى من وثقوا به أنّ لكلّ شيء من العبادات باطناً، وأنّ الله تعالى لم يوجب على أوليائه، ومن عرف الأئمّة والأبواب، صلاة، ولا زكاة، ولا غير ذلك، ولا حرّم عليهم شيئاً، وأباحوا لهم نكاح الأمّهات والأخوات، وإنّما هذه قيود للعامّة ساقطة عن الخاصّة، وكانوا يظهرون التشيّع لآل النبيّ، صلى الله عليه وسلم، ليستروا أمرهم، ويستميلوا العامّة، وتفرّق أصحابهم في البلاد، وأظهروا الزهد والعبادة، يغرون الناس بذلك وهم على خلافه"([11]).
وسمي بالقداح لأنه كان يعالج العيون ويقدحها([12]).
و"العبيديون" هم من نسل ميمون القداح، وتسموا بالعبيديين نسبة إلى ابنه عبيدالله، والذين قامت لهم دولة في بلاد مصر والمغرب.
 
البدء في تنفيذ المخطط الباطني..
خرج ميمون وابنه إلى الكوفة، بعد أن ادعى زوراً وبهتاناً أنه محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ([13])، مع أن إسماعيل بن جعفر مات صغيراً ولم يتزوج!!
 وأقاما بالكوفة مدة يدعوان فيها إلى معتقدهما، حتى استجاب لهم تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، أرسلهم ميمون يبشرون بدعوته إلى عدة أقطار من الدولة الإسلامية، يدعون تحت لواء ابنه عبيدالله الذي ظل ماكثاً عند أبيه في الكوفة، والذي ادعى المهدية فيما بعد..
أما أبرز الذين انخدعوا بدعوتهما فهم: علي بن الفضل الجدني اليماني، وأبو القاسم الحسن بن حوشب المُسمى بالمنصور، وهذان قاما بمهمة نشر الفكر الباطني الإسماعيلي في بلاد اليمن، وأبو سعيد الجنابي صاحب الأحساء والبحرين، وأبو عبد الله الشيعي الذي أُرسل إلى بلاد المغرب، والمُقنّع عطاء الخراساني فيما وراء النهر من خراسان.. وغيرهم([14])..
ولكل واحد من هؤلاء تاريخ أسود منفصل عن الآخر، لكن ما يجمعهم هو الدعوة إلى الضلالة والجهالة، وتحليل المُحرّمات، وانتهاك الحُرُمات، بل إن منهم من ادّعى الألوهية، وقاموا بارتكاب أشنع الجرائم في حق المسلمين؛ ومن ذلك: قتل حُجّاج البيت العتيق، وسرقة حجر الكعبة الأسود، واستباحة بيت الله الحرام، وقتل النساء والأطفال، وتحليل نكاح الأب لابنته، والرجل لأخته وأمه، وشرب الخمر.. وغيرها من الجرائم النكراء التي لطخوا بها صفحات تاريخهم المخزي، والتي تتماشى مع معتقدهم الباطني الفاسد..
وبهؤلاء النفر قامت للباطنية دول في أقطار مختلفة منها: دولتهم في اليمن والتي سرعان ما انتهت في بدايتها وتحولت إلى السرية حتى قامت لهم الدولة الصليحية بعد فترة من الزمان، وفي البحرين، وقد تزعمها أبو سعيد الجنابي والذي نسب الملك إلى نفسه وخلَعَ عبيد الله بن ميمون، وفي بلاد المغرب العربي وهي الدولة الفاطمية وأبرز دولهم والتي تداولها ملوك من نسل ميمون القداح..
وفي الحقيقة فقد اختلف أهل التاريخ في تحديد نشأة الباطنية تحديداً دقيقاً؛ وذلك لأسباب من أهمها: الغموض الذي كان يكتنف أصحاب هذه العقيدة، وذلك أنهم كانوا يعملون في تنظيمات سرية، ولا يظهرون إلا بعد أن تتوفر لهم العوامل المناسبة للظهور، ومن الأسباب أيضاً أنهم لجؤوا إلى استخدام التقية كوسيلة تغطي قبائح معتقداتهم، كما أن أصحاب الباطنية أنفسهم اختلفوا في تحديد تاريخ معين لنشأة فكرهم المنحرف.
 
معتقدات فاسدة..
وقد تستّر دعاة هذه العقيدة بعدة أقنعة حتى يصلوا إلى ما يريدون، ومنها: التظاهر بالإسلام وحب آل البيت والانتصاف لهم، وقاموا بتأويل النصوص تأويلات تتنافى مع ما يقرره الإسلام، وإظهار التشيع، إذ أنهم وجدوا من دعوى حب أهل البيت والنياحة على مظلوميتهم مدخلاً مناسباً لتمرير أفكارهم إلى عقول الناس.
كما إن أبرز ما يميز عقيدتهم: دعواهم بأن النصوص لها ظاهر وباطن، والظاهر قشور والباطن لبّ، والعاقل يأخذ اللبّ ويترك القشور. وبهذا حرّفوا الدين أيّما تحريف، وعطّلوا كافة أحكامه وتشريعاته.
هذا بالإضافة إلى المعتقدات الأخرى الفاسدة مثل: إنكار صفات الله وقولهم: إن الله موجود وغير موجود، فلا يوصف بشيء مطلقاً، وأن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ناسخ لشريعة الإسلام، وأن القرآن والوحي عامة فيض يفيض من العقل الكلي على كل شخص لديه استعداد لتقبله، كما أنهم ينكرون البعث والقيامة ويؤمنون بالتناسخ، والاعتقاد بتأثير بعض الكواكب على الكون.
كما إن أصحاب هذه العقيدة يتميزون بالإباحية والشيوعية الجنسية والمالية، والإمام هو الذي يحكم في كل ذلك([15]).
وبهذه العقائد والأفكار والتصورات انطلقوا في مختلف الأقطار الإسلامية، يدّعون الدين والزهد، ويتغطون بغطاء الورع والتقوى، حتى تمّ لهم ما أرادوا من جمع للأموال وتجنيد للرجال، فأماطوا اللثام عن كل القبائح والآثام، ودعوا إلى كل الرذائل في جهرة من نهار، دون إخفاء أو إسرار..
 ولكن الله غالب على أمره ولو كره المبطلون..
فوائد مما سبق:
·        أهل الباطل في كل زمان ومكان لا ينطلقون إلا وِفق أجندة معينة ومحددة يدعون إليها وينافحون من أجلها..
·   إن ما تفعله بعض الدول المعاصرة، والتي تمضي على خُطى "ابن سبأ" وأخيه في دين اليهودية "ميمون القداح"، والتي تفرّخ رؤوساً جُهّالاً، يُملون عليهم أساطيرهم وإفكهم ، ومن ثَمَّ يرسلونهم إلى بلدان الإسلام ليبشِّروا بما أُملِيَ عليهم، ويدعون إلى راية جاهلية؛ هو شبيه بما فعله دعاة ميمون .. فما أشبه اليوم بالبارحة.
·   لا غرابة إن وجدنا في هذه الأزمان من يتخذ من حب آل البيت الأطهار وادعاء مظلوميتهم تبريراً لقتل وكراهية المسلمين، فإن فعلهم هذا ما هو إلا استمرار لمخطط العقول اليهودية الحاقدة التي أسست هذه الأفكار وروّجت لها.
 
 

[1]- المزدكية: ديانة فارسية قديمة، أسسها الداعية الفارسي (مزدك) وإليه نسبت. تقول هذه الديانة بمبدأين: الخير والشر، والنور والظلام..
[2]-  الثنوية: مذهب قديم، كان أصحابه يعتقدون أن للعالم أصلين هما: النور والظلمة.
[3]- كتاب فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي.
[4]-هذا الكتاب هو المرجع الأساسي في هذه المقالة، حيث إن صاحبه كان ممن يعتقدون الباطنية وقد خبرهم وعايشهم، وهو من الكتب القليلة التي تحدثت عن نشأة الباطنية ومعتقداتها.
[5]- تقع شمال شرق حماة.
[6]-وهو أحد المؤسسين لعقيدة الباطنية واشتهر أتباعه بالقرامطة.
[7]-الناموس: السر المكتوم الذي لا يظهر إلا لخلصان الرجل.
[8]- انظر "كشف أسرار الباطنية للحمادي".
[9]- انظر "تاريخ إفريقية والغرب" لابن باديس.
[10]-  انظر (الكامل) لابن الأثير.
[11]-  المرجع السابق.
[12]-  انظر (المختصر في أخبار البشر) لأبي الفداء. ويرى أبو الفداء وغيره من المؤرخين أن (القداح) لقب يطلق على عبدالله بن ميمون، وهو غير عبيدالله.
[13]-وقد ذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية، وغيره من العلماء والمؤرخين أمثال: الخطيب البغدادي والذهبي، ونفوا انتساب هذين الرجلين إلى شجرة أهل البيت..
[14]-انظر كتاب كشف أسرار الباطنية للحمادي، بتحقيق الأكوع. وسيتم الحديث عن لمحات من تاريخ كل شخصية في مقالات قادمة إن شاء الله.
[15]-انظر "أصول الفرق والأديان والمذاهب الفكرية" لسفر الحوالي.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: