فرق ومذاهب\العدد مائة وأربعة - صفر 1433 هـ
سلسلة رموز الفكر العلماني المعاصر 20 أمين الخولى
الأحد 25 ديسمبر 2011

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

خاص بالراصد

يحلو لي أن أبدأ مقالي عن الشيخ أمين الخولي بالعبارة التي أوردها الدكتور أحمد محمد سالم في مقدمة كتابه "الجذور العلمانية في الفكر التجديدي عند أمين الخولي" والتي قال فيها: "ومن هنا كان لا بد من إعادة النظر في فكر الشخصيات التي يقترب فيها الإسلام من العلمانية أو العلمانية من الإسلام ولعل شخصية الشيخ أمين الخولي أحد أبرز هذه الشخصيات التي حاولت أن تقرب بين الديني – المدني والروحي – الزمني".

وتكمن أهمية هذه العبارة في كونها تلخيصا بليغا للدور الفكري الذي قام به الشيخ أمين الخولي حيث استند لأفكاره وأطروحاته الفكرية وما زال الكثير من المحسوبين على التيار العلماني والتأويلي الذي يسعى إلى تفريغ الإسلام من مضمونه وحصره اضطراريا وليس اقتناعا في طقوس وعبادات.

كما تكمن خطورة أفكار الخولي في كونه شيخا معمما ينتمي لأهم وأكبر مؤسسة دينية وهي الأزهر ومن ثم فإن لأفكاره صدى وتأثيراً كبيرين خاصة وقد كان للرجل جهد نضالي وإصلاحي إبان فترة الاحتلال البريطاني لمصر لا يغفله أي منصف دارس لتلك المرحلة بل ويحظى بإعجابه.

من القرية للمجمع

ولد أمين إبراهيم عبد الباقي عامر إسماعيل يوسف الخولي في الأول من مايو عام 1895 في قرية شوشاس في مركز أشمون بمحافظة المنوفية – دلتا مصر – لأسرة مصرية متوسطة الحال حيث كان يعمل والده مزارعا وقد حرص على تحفيظ ابنه القرآن الكريم وهو ما تم له إذ تمكن أمين من حفظه وهو ابن عشر سنوات ليلتحق بمدرسة لافيسوني في القاهرة ثم مدرسة المحروسة ثم مدرسة القضاء الشرعي التي تخرج فيها بتفوق عام 1920 وهو ما أهله للتعيين بها مدرسا.

لكن وبعد ثلاث سنوات فقط من قيامه بالتدريس بمدرسة القضاء الشرعي اختارت الحكومة المصرية آنذاك الشيخ الخولي ليكون إماما للسفارة المصرية في روما والتي استقر بها نحو ثلاث سنوات أيضا انتقل بعدها للمفوضية المصرية في برلين عام 1926م ليعود بعد عام واحد من نقله لبرلين إلى القاهرة مرة أخرى لوظيفته في القضاء الشرعي.

وعلى الرغم من كون الخولي لم يحصل على درجتي الماجستير أو الدكتوراة إلا أنه وفي عام 1928 انتقل ليعمل في قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول وظل بها حتى ترأس القسم عام 1946م.

هذا وقد تقلد الخولي العديد من المناصب والمواقع الثقافية الهامة ففي عام 1953 عين مستشارا لدار الكتب كما عمل مديراً عاما للثقافة حتى خرج إلى المعاش أول مايو/ أيار عام 1955 ثم اختير عضوا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1966م وهو نفس العام الذي توفي فيه.

الدور الوطني

استطاع الطالب أمين الخولي أن يجذب بذكائه ونبوغه انتباه ناظر مدرسة القضاء الشرعي الشيخ عاطف بركات ابن شقيقة سعد زغلول الذي كان معجبا به جدا فقربه منه غير أن بركات اعتقل مع زغلول في 8 مارس 1919م وتم نفيه معه إلى جزيرة سيشل وهو ما كان سببا رئيسيا في اشتعال ما سمي تاريخيا بثورة 1919م وهنا برز دور الخولي النضالي حيث حمل علم مدرسة القضاء الشرعي وقاد المظاهرة إلى (الأزهر) فحاصرهم حكمدار القاهرة بجنوده وهددهم بإطلاق الرصاص إذا لم يتفرقوا إلا أن الطالب أمين تقدم إليه قابضا على العلم وكاشفا صدره قائلا (ها أنا ذا) وتماسك الطلاب وتراجع الحكمدار وانسحب الجنود وسارت المظاهرة تهتف للاستقلال وتطالب بالإفراج عن سعد زغلول ورفقائه وعندما وصلت المظاهرة إلى ميدان باب الحديد (رمسيس حاليا) قاد "الخولي" المظاهرة إلى حي الفجالة.

وهكذا فقد كان للخولي مواقف نضالية أخرى امتدت حتى بعد ثورة 23 يوليو التي رفض الكثير من قراراتها فما كانت النتيجة إلا أن تم إبعاده عن الجامعة وإحالته للعمل في دار الكتب.

المؤثرات الفكرية

الناظر في سيرة أمين الخولي يلحظ أن هناك أمرين كان لهما أشد الأثر في بناء شخصيته الفكرية:

الأول: علاقته بعاطف بركات ومن ثم بقيادات ثورة 1919م الذين كانوا يمثلون التيار الوطني في هذا الوقت وهو تيار كانت تتركز رؤيته إلى الإسلام على اعتبار أنه المنظم لمجموعة القيم الأخلاقية والمبادئ الاعتقادية الخاصة بالمجتمع المصري وليس باعتباره أيضا مشروعا نهضويا وحضاريا بل وحاكما لهذا المجتمع وهي بكل أسف كانت نظرة أغلبية العاملين في العمل السياسي آنذاك إلا من قلة تمثلت في بعض الأحزاب كالحزب الوطني الذي أسسه وتزعمه مصطفى كامل.

الثاني: سفر الخولي وإقامته لسنوات في أوروبا حيث تعلم الإيطالية ثم الألمانية وقد كتب بهما العديد من المقالات وهو ما يشير إلى مدى تأثر الرجل بالأجواء الثقافية في أوروبا في فترة كانت تعاني فيها مصر من الاحتلال والاستبداد وهو ما أكده الكاتب الشيعي زكي الميلاد في مقالة له بعنوان "أمين الخولي والمجددون في الإسلام" إذ يقول: "وقد بقيت هذه الرحلة إلى إيطاليا وألمانيا في ذاكرة الخولي وشكلت محطة تركت تأثيرات في وعيه وشخصيته وفي تكويناته الفكرية والثقافية".

النشوء والارتقاء

ولعل أبرز ما يكشف عن أثر الحياة الأوروبية في فكر الخولي هو تبنيه بل والدفاع عن نظرية النشوء والارتقاء "الدارونية" التي صاحب طرحها جدلا فكريا واسعا ليس في أوربا فحسب بل وفي البلدان العربية والإسلامية أيضا.

والغريب أن الخولي كان من قلة قليلة ممن يحسبون على مؤسسة الأزهر الذين تحمسوا لهذه النظرية على الرغم من أن هذه النظرية كانت الباب الرئيس الذي استغله الإلحاديون والماديون في التأصيل والترسيخ لأفكارهم المادية وهو ما وسع من دائرة الكفر والإلحاد.

والأغرب أن الخولي تجاوز حدود قناعته بالنظرية الدارونية إلى تدريس النظرية في جامعة الأزهر ففي عام 1927 وبعد تكليفه بتدريس مادة الأخلاق في كلية أصول الدين قام الخولي بتأليف محاضرات في الأخلاق جمعت في كتابه عن الخير وقد أعطى الخولي للنظرية مساحة كبيرة في محاضراته.

كان الخولي يرى أن مذهب النشوء والارتقاء "هو مذهب طبيعي يتصدى للبحث في الحياة ونشوء الأنواع وكيف تم ذلك ولكنه يقرر أيضا نواميس طبيعية مطردة تجري على المعنويات جريانها على الماديات فعم تطبيعه سائر فروع المعرفة الإنسانية ومظاهر الحياة البشرية المختلفة"

وبحسب الخولي فإن مبادئ الدارونية تعني أن الانتخاب الطبيعي قوة دائمة الفعل في استخراج التغايرات العرضية في العوالم العضوية كافة نافية ما كان منها مضرا مبقية على ما كان مفيدا صالحا بما يلائم طبيعة حالات الحياة المحيطة ووفقا لمبادئ الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح وتناحر الأحياء ينشأ بعض الأنواع من بعض وعلى هذا فليس بين الأنواع فروق ثابتة ولا هي ظهرت على الأرض هكذا منذ خلقت والإنسان في جملة الأحياء لم يكن هكذا منذ خلق بل هو دائم التحول والتغير منذ القدم وقد مر بأحوال مختلفة حتى انتهى منها إلى الحالة الحاضرة.

ويدافع الخولي عن نظرية التطور ويرى أن الخلاف الذي حدث في الغرب حولها ومهاجمة رجال الدين لها كان بسبب ما جاء في التوراة من تفصيل عمليات الخلق والإيجاد في ستة أيام وظهور الأحياء نوعا نوعا".

ويؤكد الخولي على أن دارون وأتباعه من الدارونيين لم ينكروا الألوهية ولهذا فالنظرية لا تخالف الإسلام فيقول: "إن لا مارك رأس الباحثين المحدثين لا ينكر وجود الله بل يسلم ويقرر أنه الذي خلق الأصل وجعل فيه هذه القابلية للتطور.. ثم هذا دارون مؤسس المذهب يؤثر عنه أنه يقول بأنه يستحيل على العقل الرشيد أن يخالجه الشك في أن هذا العالم الفسيح بما فيه من الآيات البالغة وتلك الأنفس الناطقة المفكرة يصدر عن صدفة عمياء وهذا المذهب لا يخالف الإسلام لأنه ليس فيه إنكار للإله ونحن لا ننكر أن من القوم ماديين يرفضون التأليه والألوهية ويعللون ظهور العالم والأحياء فيه بما يقال في فكرة النشوء لكن ذلك شيء ليس من أصول المذهب ولا مقرراته ولا تلحقه تبعته بل المذهب كما قال العالم الطبيعي توماس هكسلي يستحيل نقض الألوهية بمقتضاه".

ثم يستند الخولي إلى نصوص لعلماء مسلمين تحدثوا عن فكرة النشوء في محاولة منه لتأصيل النظرية إسلاميا فينقل عن ابن مسكويه (421 هـ) ما قاله في كتابه (الفوز الأصغر) حيث قال: "إن المعادن لتصل آخرها بأول النبات والنبات متصل آخره بأول الحيوان والحيوان يتصل آخره بأحط الإنسان ثم لا يزال الإنسان يترقى حتى يصل إلى درجة الملائكة في أشخاص المختارين.

نظرية متهافتة

وهنا نرانا مدفوعين للبدء في ردنا على انحياز الخولي لهذه النظرية من آخر ما استعرضناه وهو قول ابن مسكويه وهو الرأي الذي كما هو واضح من عبارة ابن مسكويه ذو علاقة بالجانب الخلقي والسلوكي وليس بجانب الخلقة كما أشارت النظرية الدارونية فليس أحط الحيوانات تطورا لأعلى النبات وليس أعلى البشر متصلا بدرجة الملائكة على مستوى الخلق فهذا من مادة وذاك من مادة أخرى.

وقد فند العلم الحديث نظرية دارون فيقول أوستن كلارك: "لا توجد علامة واحدة تحمل على الاعتقاد بأن أياً من المراتب الحيوانية الكبرى ينحدر من غيرها. إن كل مرحلة لها وجودها المتميز الناتج عن عملية خلق خاصة متميزة. لقد ظهر الإنسان على الأرض فجاء وفي نفس الشكل الذي تراه عليه الآن". كما يقول ستيوارت تشيس: "أيد علماء الأحياء جزئياً قصة آدم وحواء كما ترويها الأديان وأن الفكرة صحيحة في مجملها "في حين أبطل باستور أسطورة التوالد الذاتي وكانت أبحاثه ضربة قاسية لنظرية داروين.

والأهم أن الكثير ممن تبنوا هذه النظرية تراجعوا عن أهم أفكارها وإن كانوا حرصوا على الوفاء لأصلها ولهذا أطلق عليهم أصحاب نظرية الداروينية الحديثة والذين أقروا بأن قانون الارتقاء الطبيعي قاصر عن تفسير عملية التطور واستبدلوا به قانوناً جديداً أسموه قانون التحولات المفاجئة أو الطفرات وخرجوا بفكرة المصادفة كما اعترفوا بأن هناك أصولاً عدة تفرعت عنها كل الأنواع وليس أصلاً واحداً كما كان سائداً في الاعتقاد بالإضافة إلى إقرارهم بتفرد الإنسان بيولوجياً رغم التشابه الظاهري بينه وبين القرد وهي النقطة التي سقط منها داروين ومعاصروه.

معركة خلف الله

كانت أفدح سقطات أمين الخولي هي موقفه من محمد أحمد خلف الله الذي كان الخولي المشرف على رسالته للدكتوراة في كلية الآداب فالخولي لم يكن مشرفا فقط على هذه الدراسة التي كان يمكن أن يتبرأ منها ومما جاء فيها بل إن الخولي اتخذ موقف الدفاع عن الطالب خلف الله ومن ثم فقد كان دفاعه أيضا عما تضمنته هذه الرسالة من أفكار عدها العلماء خروجا صريحا على الثوابت الإسلامية.

وكانت معركة خلف ورسالة "القصص في القرآن" واحدة من أبرز المعارك الفكرية والدينية والثقافية في أربعينيات القرن الماضي فالرسالة التي كانت بإشراف الخولي  شارك في مناقشتها كل من الأستاذين أحمد أمين وأحمد الشايب وقد كتب كل منهما تقريراً عنها.. فكتب أحمد أمين بأنها لا تصلح لضعف منهجها العلمي، أما الشايب فرأي أن بها شيئاً يمس الدين لأن خلف الله قال فيها إن القصص القرآني لم يراع الحقيقة التاريخية وأن المقصود منه غرض فني فلسنا ملزمين بتصديق حقائق هذا القصص وإنما نقدر فيه الغاية الفنية.

ويضيف الشايب في تقريره إن خلف الله يقول إن القصص مستمد من مصادر أخرى غير عربية كالتوراة والأدب اليوناني والأدب الفارسي وأن فيه أساطير لا أساس لها.

وبناء على ما تقدم فقد رأى الشايب أنه لا يجوز أن تعرض رسالة تتضمن هذه الآراء للمناقشة في لجنة الدكتوراة وهو ما استفز الخولي فكتب تقريرا مقابلا لتقرير الشايب أكد خلاله أنه متضامن مع الطالب ومع كل حرف في الرسالة وأنه لا ينبغي الوقوف أمام حرية الفكر.

وقد أثار موقف الخولي الداعم لهذه الرسالة لغطا كبيرا دفع بالكثير من العلماء والكتاب إلى مهاجمة وانتقاد الخولي وصل في بعضه إلى حد تكفيره.

وكان من أكثر المفارقات المثيرة التي كشفها الشيخ عبد الفتاح بدوي المدرس بكلية اللغة العربية بالأزهر وقتها أن الشيخ أمين الخولي الذي يرفض موقف الشايب والعلماء من رسالة خلف الله ويطالبون برفضها ويعدها ضد حرية الرأي والتعبير برغم ما جاء فيها من مخالفات هو نفسه الذي كان عضوا في مجلس تأديب عقدته الجامعة لفصل طالب الدراسات العليا كمال منصور بسبب مقال رأي كتبه في جريدة البلاغ عن موقف الجامعة من الدكتور طه حسين.

غير أنه وبكل أسف فقد بقيت هرطقات خلف الله المتخلفة والمخالفة تجد من يتبناها بعدما فتح الخولي الباب أمامها فتجد أمثال نصر أبوزيد – تلميذ خلف الله – ليروج لها ويفتن بها بعضا من طلاب العلم الذين كان قدرهم أن كانوا تلامذة له في كلية الآداب بجامعة القاهرة إلى أن ينتبه له المخلصون فيطرد ويكفر فتتلقفه أووربا وترعاه ليواصل مسيرة الضلال والإضلال.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: