سطور من الذاكرة\العدد مائة وخمسة - ربيع الأول 1433 هـ
صفحات من تاريخ الباطنية (2)
الأحد 22 يناير 2012

 -"علي بن الفضل" و"ابن حوشب" يُبشِّران بالباطنية في اليمن (1-3)

 نوفل الجبلي – باحث يمني

خاص بالراصد

تمهيد

لبلاد اليمن أهمية تاريخية عظيمة نظراً لما تتمتع به من مقومات حضارية وبشرية قلَّ وجودها في بلاد أخرى؛ ولهذا فقد تطلع أهل البدع والأهواء وأصحاب الدعوات الهدَّامة إلى التواجد في تلك البلاد القوية بتضاريسها الوعرة وحصونها المنيعة وجبالها الشامخة، وحرصوا على بث سمومهم بين أهلها المعروفين بالقوة والمنعة والشجاعة والبسالة.

ولطالما نظر مؤسسو الدعوة الباطنية (القرمطية الإسماعيلية) إلى اليمن على أنها المكان المناسب لنشر معتقداتهم وبسط نفوذهم وإقامة دولتهم، وكان ميمون وهو أحد أبرز المؤسسين يقول: "إن الدين يماني والحكمة يمانية، وكل أمر مبدؤه من قبل اليمن، فإنه يكون ثابتاً لثبوت نجمه، وذلك أن إقليم اليمن أعلى أقاليم الدنيا" ([1])...

يضاف إلى ذلك أن بلاد اليمن بعيدة عن مقر الخلافة العباسية في بغداد، وليست خاضعة لسلطان الخليفة إلا بشكل صوري من خلال ولاء بعض أمرائها للخليفة، ولهذا سال لها لُعاب مؤسسي الفكر الباطني الشيعي، وكانوا يتحينون الفرصة المناسبة التي تُمكِنُهم مِن إرسال مَن يبشِّر بدعوتهم في تلك  البلاد العتيقة.

وقد ذكرنا في المقال السابق ([2]) أن ميمون القداح وابنه عبيد الله مكثا في العراق يدعوان إلى معتقدهما الباطني بشكل سري، وقد لفت انتباههما شاب يمني اسمه "علي بن الفضل" جاء من اليمن ليزور قبر الحسين في كربلاء حيث إنه حديث عهد بتشيع([3])، وقد وجدا فيه بغيتهما، واستغلّا حبه لآل البيت ليدخلا عليه بأفكارهما الباطنية من هذا الباب، وليكون داعيتهما الأول في بلاد اليمن.

من هو "علي بن الفضل"؟

هو علي بن الفضل الجدني([4]) اليماني، وهو من ذرية الأجدون من نسل سبأ صهيب الحميري، وأصله من جيشان وهي منطقة تقع شمال مدينة قعطبة بنحو فرسخ([5]).

يقول عنه علامة اليمن ومؤرخها ابن الديبع الشيباني: "أما علي بن الفضل فهو رجل من أهل اليمن... كان ساقطاً في أول عمره لا شهرة له إلا أنه أديب ذكي شجاع فصيح"([6]).

وقد اعتنق التشيع قبل رحلته إلى العراق، حيث كان التشيع الإثنا عشري موجوداً حينذاك في عدن([7]) بسبب الفرس الموجودين هناك من ناحية، وبسبب الرحلات التجارية التي تأتي من فارس والعراق.

وفي العام السابع والستين بعد المائتين للهجرة (267هـ) رحل إلى العراق والتقى بميمون القداح وتلقّى عليه العقيدة الباطنية، وأُشرِبَ هواه بأفكارها ومعتقداتها، ثم عاد إلى اليمن ينشر هذه الأفكار، وقد كان له من الأحداث والمواقف ما سنورد مجملها في هذه السلسلة بمشيئة الله تعالى.

 لقاء "علي بن الفضل" بميمون، واختباره له..

مضى علي بن الفضل إلى بلاد العراق يبغي زيارة قبر الحسين، وعند وقوفه على القبر بكى بكاءً مريراً، وكان مما قال: بأبي أنت يا ابن الزهراء، المُضرَّج بالدماء، الممنوع من شرب الماء.. وظل يعدد مناقب الحسين وينتحب عليه انتحاباً شديداً، وكان ميمون القداح وابنه على القبر فلفت انتباههما بكاء هذا الشاب، وسرَّهما ما قاله، وعلِما أنه يدخل في ناموسهما.

وبعد سماعهما هذا البكاء والنحيب قرر ميمون أن يختبره، فقال: أيها الشاب ما كنت تفعل لو رأيتَ صاحب هذا القبر؟ قال: إذاً والله أضع خدي وأجاهد بين يديه حتى أموت شهيداً، فقال له ميمون: أتظن الله قطع هذا الأمر؟ قال له علي بن الفضل: لا، ولكني لا أعلم ذلك فهل عندك منه خبر أيها الشيخ؟ فقال: أخبرك به إن شاء الله عند الإمكان، ثم قام ميمون فتعلق به، فقال ميمون: تقف بهذا المسجد إلى غد، فوقف علي بن الفضل أياماً فلم ير لميمون خبراً فودّع أصحابه، وقال لهم: أما أنا فلا أبرح ها هنا حتى أنتجز وعداً قد واعدته، فأخذ له من المؤونة ما يكفيه فوق أربعين يوماً، وميمون وولده يرمقانه من حيث لا يعلم بهما.

 فلما رأى ميمون صبره أعجبه، وعلم أنه لا يخالفه في شيء من دعوته والميل إلى كفره وضلالته، فأتاه عبيد، فوثب إليه واعتنقه... وقال له : إن ذلك الشيخ أبي وقد سره ما رأى من صبرك وعلو همتك، وهو يبلغك محبوبك إن شاء الله، ثم أخذ بيده فأوصله إلى الشيخ، فلما رآه قال: الحمد لله الذي رزقني رجلاً نحريراً مثلك أستعين به على أمري وأكشف له مكنون سري، ثم كشف له أمر مذهبه، فأصغى إليه وأشرأب قلبه وتلقى كلامه بالقبول([8])، وكان مما كشفه لعلي أن ابنه عبيد هو إمام الزمان والمهدي المنتظر..

وقد أقره علي بن الفضل على إن اليمن هي المكان المناسب لدعوته فقال: "والله إن الفرصة ممكنة باليمن وإن الذي تدعو إليه جائز هناك، وناموسنا يمشي عليهم، وذلك لما أعرف فيهم من ضعف الأحلام وتشتيت الرأي وقلة المعرفة بأحكام الشريعة المحمدية"([9]).

 من هو "ابن حوشب"؟ وخروجه مع "ابن الفضل" إلى اليمن..

هناك اختلافات كثيرة في اسمه، قال عنه المقريزي: هو أبو القاسم الحسين بن فرج الكوفي، ويسمى أيضاً: منصور اليمن([10])، وقال ابن الأثير: ابن الحسين بن حوشب بن دادان. وقال عنه ابن خلدون: أبو القاسم رستم بن الحسين بن فرج بن حوشب بن زاذان([11]).

وترجم له الأكوع فقال: هو منصور بن حسن بن فرح بن حوشب بن راذان بن المبارك الكوفي، ومنهم من يرفع نسبه إلى مسلم بن عقيل بن أبي طالب وهو مشكوك في ذلك ففي آبائه أسماء أعجمية، وقيل: إن منصوراً لقبه([12]).

وكان أبوه ممن ينتحل مذهب الشيعة الإثنى عشرية، وكان ضالاً من أهل الكوفة، وهو من أوائل الذين استجابوا لدعوة ميمون عند دخوله الكوفة([13]).

وقد توجه إلى بلاد اليمن بعد الاقتناع الكامل بشخصية علي بن الفضل، وقبل أن يرحلا إلى بلاد اليمن وصّى ميمون كل واحد منهما بصاحبه، وأمر علي بن الفضل أن يأخذ طاعة ابن حوشب، وأمر ابن حوشب بالإحسان إلى ابن الفضل، وقد خرجا سنة (268هـ)([14]).

وبدآ بممارسة دعوتهما، وقد أخذا من المرحلية والتدرج منهجاً لدعوتهما، فاتخذا من الزهد والورع والعبادة لباساً يواري سوءة معتقدهما، حتى استمالا الناس وحصدا الأموال وسيطرا على بلاد كثيرة في اليمن..

وللحديث بقية إن شاء الله ..

 فوائد مما سبق:

* إن أعداء الدين دائماً ما تهفو نفوسهم للسيطرة على البلدان المهمة في الخارطة الإسلامية، وهنا تقع المسؤولية على ولاة أمر تلك البلدان وعلى الدعاة والمصلحين أن يقوموا بواجب تحصين شعوبهم بالعقائد الصحيحة، ونشر ثقافة الكتاب والسنة في أوساط مجتمعاتهم. وليس بخافٍ علينا في هذا الزمان المحاولات الفارسية لاختراق أكثر من بلد عربي ومسلم من خلال تنشئة الدعاة وإرسالهم إلى تلك البلدان، ودعم الجماعات الموالية لمبادئهم – ولو كان ولاءً جزئياً - مادياً ومعنوياً، وتزويدهم بالأسلحة والعتاد الذي يستطيعون من خلاله فرض وجودهم في أوساط المجتمعات السنية المسلمة..

 * أرباب الدعوات الباطلة يحرصون دائماً على اختيار شخصية الداعية لمنهجهم والتي يجب أن تكون وفق صفات معينة، يستطيع من خلال هذه الصفات إظهار الدعوة في أحسن مظهر، والدفاع عنها بلباقة وتمكن، وليَجبروا الخلل البيّن فيما يدعون إليه بصفات داعيهم، وبالتالي الوصول إلى قلوب الناس بسهولة ودون تعثر. ولهذا فإن مواجهتهم تحتاج إلى الذكاء في الطرح العلمي الرصين، وتجنُّب المهاترات غير القائمة على الحجج والأدلة والبراهين القاطعة الواضحة.

 * الجهل هو الأرض الخصبة لبذور الباطل، وبه يجد المبطلون أنفسَهم ويجدون من يناصرهم من أهل الجهل، لهذا فإن تعليم الناس أمور دينهم يُعدُّ من أهم الأمور على الإطلاق، وهو الحصن المنيع الذي تتحطم أمامه طموحات وآمال أهل الأهواء.

 



[1]-  انظر كتاب كشف أسرار الباطنية للحمادي (ص 84).

[2]- "ميمون القداح يؤسس الفكر الباطني"، مجلة الراصد عدد 104.

[3]- ذكر الحمادي في كتابه "كشف أسرار الباطنية": أنه اعتنق عقيدة الشيعة الإتنى عشرية قبل زيارته للعراق.

[4]- الجدني نسبة إلى جدن، وهو قيل من أقيال حمير باليمن، انظر الإكليل (3/292).

[5]- انظر كتاب (صفة جزيرة العرب) للهمداني، بتحقيق الأكوع (ص 78).

[6]- انظر كتاب قرة العيون لابن الديبع الشيباني اليماني، طبعة مكتبة الإرشاد، (ص 163).

[7]- إحدى أشهر المدن اليمنية، تقع في جنوب اليمن على ساحل البحر العربي.

[8]-  انظر كتاب كشف أسرار الباطنية للحمادي (ص 82).

[9]- المرجع السابق (ص 83).

[10]- انظر كتاب الخطط للمقريزي.

[11]- انظر كتاب اتعاظ الحنفا للمقريزي.

[12]- انظر تحقيق الأكوع على كتاب قرة العيون، طبعة مكتبة الإرشاد، (ص 158).

[13]- انظر كتاب كشف أسرار الباطنية للحمادي (ص83).

[14]- ذكر ذلك البهاء الجندي في أخبار القرامطة في اليمن.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: