سطور من الذاكرة\العدد مائة وستة - ربيع الثانى 1433 هـ
صفحات من تاريخ الباطنية (3)
السبت 4 فبراير 2012

 

 

 "علي بن الفضل" و"ابن حوشب" يُبشِّران بالباطنية في اليمن (2-3)

 

نوفل الجبلي – باحث يمني

خاص بالراصد

تمهيد

انطلق الشاب اليمني ومعه صاحبه إلى اليمن بعد أن تشبّعا بأفكار العقيدة الشيعية الباطنية الإسماعيلية؛ بهدف التبشير بدعوة عبيد الله بن ميمون الذي ادّعى أنه المهدي المنتظر. وتعدُّ بلاد اليمن من أول البلدان استهدافاً من قِبَل مؤسسي الدعوة الباطنية، لأسباب تطرقنا لبعضها في حديثنا السابق([1]).

وفي هذا المقال سنتطرق لذكر مراحل هذه الدعوة في اليمن منذ النشأة حتى توسع نفوذ صاحبيها: علي بن الفضل، ومنصور بن حوشب، وسنمر على الحروب التي خاضاها بشكل مختصر، ومن رام الزيادة ففي الكتب التي نشير إليها في طيات حديثنا الكفاية..

 في الطريق إلى اليمن..

قبل التوجه إلى اليمن أخذ ميمون القداح العهود والمواثيق من رسوليه، وأوصى كل واحد منهما بعدة وصايا، فخلا بالحسن بن حوشب وأمره بالاستتار في معتقده حتى يبلغ مراده، ثم قال له: "الله الله بصاحبك، فاحفظه وأكرمه بجهدك، ومره بحسن السيرة في أمره، فإنه شاب لا آمن من نبوته"، ثم أمره بأن لا يظهر أمره إلا في منطقة "عدن لاعة"([2]).

 ثم خلا بعلي بن الفضل وقال له: "الله الله بصاحبك، وقّره واعرف له حقه ولا تخالفه فيما يراه لك، إنه أعرف منك، وإنك إن خالفته لم ترشد"([3]).

ثم قال لهما: "أبعثكما إلى اليمن، تدعوان إلى ولدي هذا، فسيكون له ولذريته عز وسلطان، وإن الله عز وجل قسم لليمانيين ألّا يتم أمرٌ في هذه الشريعة إلا بنصرهم"([4]). ثم إنه اختار لهما موسم الحج موعداً لخروجهما.

كان ذلك في القرن الثالث الهجري، وتحديداً في العام 268هـ ([5])، وقد تظاهرا أنهما من جملة الحجيج، حتى وصلا إلى مكة المكرمة.

وبعد انتهاء موسم الحج سار علي بن الفضل وصاحبه في ركب الحجيج اليمانيين حتى وصلوا إلى مدينة غُلافقة([6]) وهي أحد موانئ تهامة اليمن المشهورة قديماً وتقع جنوب مدينة الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وهناك افترقا وقال كل منهما لصاحبه: "أعلمني بأمرك وما يكون منك".

 بداية الظهور والتوسع..

بعد تنقل علي بن الفضل في عدة مناطق يمنية استقر في منطقة سَرو يافع ([7]) جنوب اليمن، وقد اختار هذه المنطقة؛ لأنه تفرّس في أصحابها سرعة الاستجابة لدعوته وذلك لجهلهم بتعاليم الشريعة الإسلامية، وليستفيد أيضاً من جبالها وحصونها وشجاعة رجالها. وقصد صاحبه المنصور منطقة عدن لاعة شمال اليمن.

واتخذ ابن الفضل مسجداً له في رأس جبل، وأخذ بالتنسك والتعبُّد، وكان يقضي نهاره بالصوم، وليله بالقيام، وكان الناس يأتونه بالطعام فلا يأكل منه إلا أكلاً يسيراً ويريهم إنه يديم الصيام والقيام.. حتى فُتن الناس به، وأنسوا به وقلّدوه أمرهم، وصاروا يتحاكمون إليه، وسألوه أن ينزل من الجبل ويسكن بينهم، فقال: لا أفعل هذا ولست أسكن بين قوم جُهّال ضُلّال إلا أن يعطوني العهود والمواثيق أن لا يشربوا الخمر ففعلوا ذلك، ولم يزل يخدعهم بعبادته حتى بلغ مراده، فأمرهم ببناء حصن له في ناحية السرو، وأحلّ لهم غزو ونهب القرى المجاورة بدعوى أنه جهاد في سبيل الله ومحاربة للعصاة وأنه من باب الدعوة لهم للدخول في دين الله، وأمرهم بجمع الأموال والزكوات إليه. حتى إذا اجتمع له عدد لا بأس به من الرجال والأموال قام بغزو بلاد لحج([8])، وكان ابن أبي العلاء ([9]) والياً عليها حينذاك، فهُزم ابن الفضل في بادئ الأمر، ولكنه كرّ على جيش ابن أبي العلاء ليلاً بعد أن أمِنوه، فقَتَل ابن أبي العلاء في طائفة من عسكره واستباح ما كان لهم من أموال طائلة.

وبهذا النصر شاع ذكر ابن الفضل في بلاد يافع وعظم شأنه، ودخل في طاعته عدد كبير من قبائل مذحج اليمانية التي تسكن بلاد يافع والمناطق المجاورة لها.

وظل يتوسع ملك ابن الفضل في مناطق اليمن، حتى سيطر على مُذيخرة ([10])، وبها استقر ملكه، وسار إلى بلاد يحصُب ([11]) فأخربها، واستمر في مقاتلة أمراء المناطق وملوكها حتى وصل إلى صنعاء سنة (293هـ)، فدخلها وعاث فيها فساداً.. وارتكب العديد من الجرائم الشنعاء، وأتى بما لم يأت به أحد من قبل، والتي سنوردها في الجزء الثالث – إن شاء الله تعالى-.

وبدخوله صنعاء تم له ملك نصف بلاد اليمن تماماً، حيث صار يحكم كلاً من المدن التالية: إب وتعز ولحج وأبين وصنعاء وذمار.

 بنفس الخطوات..

واتخذ ابن حوشب نفس خطوات ابن الفضل، حيث أظهر في المنطقة التي حل فيها ما أظهره صاحبه من العبادة والنسك، حتى اكتسب ثقة الناس به، واجتمع حوله عدد من الرجال، فأمرهم بجمع أموال الزكاة إليه، ثم أمر ببناء حصن له تحت جبل مَسوَر([12])، ونقل إليه الأموال والطعام وجمع من الرجال نحو خمسمائة مقاتل وعاهدهم على القيام بدعوة الإمام المهدي الذي بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم، فانتقلوا إليه واستوطنوا الحصن. فاجتمعت عليه بعض القبائل التي أنكرت أمره وقاتلوه، فقتلهم وهزمهم هزيمة شديدة، فعظم شأنه وشاع ذكره، وتوسع حصنه على جبل مسور كله، ونادى بالناس: "ما أخذتُ هذا بحالي ولا برجالي وإنما أنا داعي المهدي". فدخل العامة في مذهبه، واجتمع له من الأموال والجنود الشيء الكثير، ولم تزل عساكره تغزو على القبائل حوله حتى أذلّهم وسلَبَ أموالهم. واستمر في التوسع حتى استقر ملكه في منطقة شِبام([13]) شمال اليمن قريباً من صنعاء.

 وما إن توسع نفوذ المنصور في البلاد اليمنية حتى بعث بالبُشرى إلى ميمون القداح وابنه عبيدالله إلى العراق، يخبرهما بالفتح الذي فتح الله عليه من البلاد وأرسل الهدايا والمكرمات من بلاد اليمن.

فاستبشرا بمنصور اليمن وأطلقا عليه لقب (فجر الدعوة)، ووثقا به ثقة كبيرة، وكلفاه بإرسال الدعاة إلى الأقطار المختلفة، فكان من أبرز الذين أرسلهم: أبو عبدالله الشيعي الصنعاني([14]) إلى بلاد المغرب، ومحمد عبدالله بن العباس داعياً إلى مصر، وأرسل إلى بلاد السند واليمامة وغيرها من البلدان..

وبهذا أحكم الباطنيون قبضتهم على بلاد اليمن كاملة، ولم يخرج من أيديهم إلا دولة بني زياد السنية في تهامة، ودولة الهادي الزيدية في صعدة..

 عوامل ساعدتهم..

من أبرز العوامل التي ساعدت علي بن الفضل وصاحبه في التوسع والاستقواء وبسط النفوذ:

- التفرق والشتات الذي كانت تعيشه القيادة اليمنية في ذلك الوقت، فإن اليمن لم تكن خاضعة آنذاك لقيادة موحدة وقوية، ولم تكن تابعة لسلطات الخلافة العباسية بشكل فعلي، بل إنها كانت من أول البلدان انفصالاً عن جسد الخلافة.

- جهل الناس بمنهج الكتاب والسنة، وعدم انتشار تعاليم الإسلام في أوساطهم.

- حرص ابن الفضل وابن حوشب على تكوين قاعدة جماهيرية عريضة.

- استخدام مبدأ التقية في دعوتهما وعدم إظهار كل ما يعتقدونه.

- الحرص على الحصول على الأموال من خلال جمع الزكاة ونهب القبائل.

- اتخاذ الحصون المنيعة التي تمثل مقر قيادة آمناً لهم، بحيث يتراجعون إليها ويحتمون بها في حال الانحسار.. وللحديث بقية إن شاء الله..

 لفتات سريعة مما سبق:

إن الخير باقٍ في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما بقيت السماوات والأرض، وهذا ما تفطّن له أصحاب الدعوات الهدامة، فدخلوا على الناس من مداخل العبادة والخير، وادّعوا أنهم أهلها وأصحابها. وهذه رسالة يوجهها التاريخ إلى أصحاب دعوة الحق، فإذا كان أهل الباطل يستخدمون الحق للوصول إلى قلوب الناس، فلماذا لا يستخدمه أصحاب الحق أنفسهم بشكل أكبر وهو منهجهم ومعتقدهم، ولن نعدم الخير حتى في قلوب أتباع أهل الضلالة.

التوحد على كلمة الحق، والاجتماع حول القيادة القوية، ونبذ الفرقة والشتات يمنع تسرُّب الدعوات والعقائد الباطلة إلى المجتمعات المسلمة.

لفتة مهمة نستطيع أن نستخلصها مما سبق؛ وهي أن الاستعجال في قطف ثمار الدعوات هو الداء الذي يقضي على الدعوة، فقد ظل ابن الفضل وصاحبه -وهما دعاة ضلالة- لأكثر من عشر سنوات يتعبدان بهدف الوصول إلى قلوب الناس. فما بال دعاة الخير والحق في هذا الزمان يستعجلون الثمرة، وما يلبثوا حتى يدب اليأس في قلوبهم؟!

إن المال والرجال هما من الأسباب والركائز المهمة لانتشار الدعوات، فليحرص أصحاب دعوة الحق في كل مكان على توفير هاتين الركيزتين المهمتين، وإن أصحاب الباطل لا ينطلقون ولا يُظهرون ما يُبطنون إلا بعد أن يتحصلوا عليهما..



[1]- انظر: "علي بن الفضل والمنصور يبشران بالباطنية في اليمن(1)"، العدد السابق من مجلة الراصد.

[2]- كانت بلدة وسوقاً كبيراً من أسواق العرب الذي يغشاه آلاف من الناس من جميع الأصقاع، وهي الآن أطلال خوالي، انظر كتاب (قرة العيون في تاريخ اليمن الميمون) لعلامة اليمن ابن الديبع، بتحقيق الأكوع. و"لاعة": منطقة تقع شمال اليمن حالياً، وهي مقاطعة جنوب محافظة حجة، وتنسب إليها "عدن"، وهي غير محافظة "عدن" الشهيرة جنوبي اليمن.

[3]- انظر: (كشف أسرار الباطنية) للحمادي.

[4]- المرجع السابق.

[5]- هذا على أصح الأقوال، وهو ما ذكره البهاء الجندي في كتابه (أخبار القرامطة في اليمن) الملحق بكتاب (تاريخ اليمن) لعمارة.

[6]- وتسمى اليوم غليفقة، انظر كتاب (قرة العيون)، بتحقيق الأكوع.

[7]- السرو: بفتح أوله وسكون ثانية، على وزن غزو، وهو من الجبل ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عن غلظ الجبل، وسرو حمير هي بلاد يافع المعروفة بجبالها وحصونها، يقول شاعر الإسلام حسان بن ثابت:

ونحن جلبنا الخيل من سرو حمير              إلى جاسم بالمحنقات السناجر

انظر: تحقيق الأكوع على كتاب (قرة العيون).

[8]- هي إحدى المناطق الجنوبية اليمنية، وهي منطقة مترامية الأطراف، يقول فيها الشاعر:

تقول عنسي وقد وافيت مبتهلاً         لحجاً وبانت لنا الأعلام من عدنِ

أمنتهى الأرض يا هذا تريد بنا        فقلت كلا ولكن منتهى اليمنِ

انظر (صفة جزيرة العرب) للهمداني.

[9]- هو محمد بن أبي العلاء الأصبحي الحميري.

[10]- وهي إحدى المناطق المشهورة بحسن طبيعتها وجمال تضاريسها، تتبع محافظة إب حالياً، وتقع شمال مدينة تعز.

[11]- هي ما تُسمى اليوم ببلاد يريم.

[12]- جبل عظيم من أعظم جبال اليمن وأكثرها بركة وأنماها ثمرة وأغزرها أنهارا، وهو من أمنع حصون اليمن ومعاقله الباذخة، ذات الصيت الذائع، وتظل السحب مكللة رأسه، وأعلاه واسع جداً، انظر (صفة جزيرة العرب للهمداني).

[13]- مدينة حِميرية أثرية قديمة، تقع في الغرب الشمالي من صنعاء. انظر تحقيق الأكوع على كتاب (قرة العيون).

[14]- أول مؤسس للدعوة الباطنية والدولة الفاطمية في بلاد المغرب العربي، وسيأتي الحديث عنه – إن شاء الله- في مقالات قادمة.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: