طائفية التيار العلماني الشيعي في العراق (2)
الأحد 25 مارس 2012

 عبد الحميد الكاتب – كاتب عراقي

خاص بالراصد

في الحلقة الماضية استعرضنا حقيقة الرؤية الشيعية الدينية ودافعيتها التي تشكل جوهر السياسة الشيعية الإقصائية، واستعرضنا مجمل الأفكار التي تبنتها الشخصيات الشيعية العلمانية في مواقفها السياسية والتي صبت في خدمة التشيع والقوى الشيعية الدينية السياسية وإيران.

وذكرنا على وجه التفصيل مواقف أحمد الجلبي وكنعان مكية، وفي هذه الحلقة نواصل استعراض مواقف عدد من الشخصيات الشيعية العلمانية والتي تصب في صالح المشروع الشيعي الديني السياسي والنظام الإيراني.

3-حسن العلوي: وهو كاتب صحفي وبعثي سابق مقرب من صدام حسين حينما كان نائبا للرئيس أحمد حسن البكر، يمكن تسميته بمثقف الطائفة الذي غذى الحقد والحنق والنقمة على الحكم البعثي باعتباره حكماً سنياً، وكتابه "الشيعة والدولة القومية" من أسوأ الكتب الطائفية المعززة لثقافة الحقد والانتقام والتي أسست لدولة "الإرهاب والدكتاتورية والفساد" بعد الاحتلال الأمريكي.

يحاول العلوي الظهور بمظهر العلماني الوطني والحيادي الموضوعي في تناوله للأحداث السياسية والتاريخية، لكن من يتتبع كتاباته وتصريحاته يُدرك جيداً أنه لا يمزج السم بالعسل وإنما يُقدم السم صِرفاً.

وجد العلوي - كبقية رفاقه في المعارضة الشيعية - في النظام الشيعي الحاكم في سوريا ملاذاً آمناً بعد هربه من العراق، ومجرد الإقامة في سوريا تشهد على طائفية المعارضة لأن دوافع هربها ومعارضتها لم تكن لعقيدة البعث وعلمانيته وبطشه، وإنما لسياسته المحاربة للنشاط الديني الشيعي والأحزاب الموالية لإيران، فإن البعث السوري لم يكن أقل بطشاً وقمعاً أو أقل غلواً في العلمانية، فالبعث العراقي سني والبعث السوري شيعي: هذه هي نظرة الشيعة لحزب البعث.

لم يكن العلوي يعتقد أن ثقافة (الثأر والانتقام) التي كان يؤسس لها ستؤدي بالعراق الى إلحال المأساوية التي وصل لها، لذلك عمد إلى تحسين صورة أبناء مذهبه بعد المذابح التي قاموا بها من خلال كتابه (شيعة العراق وشيعة السلطة) ليقول بأن شيعة العراق كانوا ضحية للأحزاب الدينية شأنهم شأن بقية مكونات طوائف المجتمع.

ترشح العلوي للانتخابات البرلمانية في مارس/ آذار 2010 تحت قائمة كتلة العراقية، لكن طائفيته منعته من المواصلة مع السنة فانشق عن القائمة مؤسساً قائمة "العراقية البيضاء" التي أصبحت عوناً للمالكي على خصومه السنة.

4-ليث كبة: هو من المعارضين الشيعة المقربين من الإدارة الأمريكية، كان يدعو لإنصاف الأكثرية الشيعية المضطهدة وإعادة حقوقها المسلوبة لكن في إطار ديمقراطي مدني تعددي حيث كتب: "النتيجة التي نصل إليها هي ضرورة فتح الحوار والبحث عن المشاكل السياسية والاجتماعية والدينية التي تحيط بشيعة العراق.. والعمل على ما هو ممكن لرفع الظلم السياسي عنهم ضمن إطار الوطن والمجتمع المدني المتحضر الذي يسمح بحرية الرأي والعقيدة والذي يكفل الحقوق المدنية والسياسية ويقيم مفهومه على أساس المواطنة والدستور.

وقد يجادل البعض من الشيعة بأن الإسلام قد كفل هذه الحقوق وأن الحل الإسلامي هو الأمثل،  وهذا صحيح من الناحية النظرية ونتمنى حصوله إلا أن الخيار المطروح أمامنا اليوم بسيط وواضح، لو خيّر الشيعة بين حكم استبدادي، تلبس باسم الدين، كما جرى على مر التاريخ وبين حكم مدني يكفل الحقوق المدنية والدينية والسياسية ولا يفرق، دستورياً وعملياً، بين الشيعة وغيرهم، لكان الخيار واضحاً"([1]).

لكن "كبة" لم يعلم أن الولايات المتحدة كانت عازمة على إنشاء دولة شيعية دينية على أنقاض الدولة السنية، ولذلك لما تحقق حلم الشيعة بحكم العراق تبخرت شعارات المدنية والديمقراطية والمواطنة وأصبح ليث كبة ناطقاً باسم حكومة إبراهيم الجعفري التي بدأت مشروع اجتثاث السنة من خلال فرق الموت التابعة لوزارة الداخلية برئاسة المتطرف بيان جبر الزبيدي (باقر صولاغ).

5- رشيد الخيون: صحفي عراقي من مدينة الناصرية جنوب العراق، أُعدم أخوه بتهمة الانتساب لحزب الدعوة، وهو يدعو لفصل الدين عن الحكم والسياسة ويؤكد أن العلمانية هي الخيار الأمثل لسياسة البلدان لاسيما في ظل التعدد الثقافي والتنوع المذهبي والعرقي.

كبقية العلمانيين الشيعة يرى الخيون أن الأنظمة العراقية السابقة كانت طائفية ضد الشيعة، لاسيما في عهدي البكر وصدام حسين([2]).

ويرى الخيون أن الاحتلال الأمريكي خير من ظلم البعثيين الطائفيين فيقول "يُتهم الجلبي بأنه من أقنع الأميركيين بـ (كذبة) أسلحة الدمار الشامل العراقية، وهذه لا تُعد كذبة بالنسبة لملايين العراقيين الضحايا، وربَّما يمتدح عليها الجلبي. فمَنْ ذاق جور (البعث) لا يرى بها سوى كذبة بيضاء"([3]).

بل كتب معلقاً على  مقتل الزرقاوي: " كان سقوط الزرقاوي خطوة هامة أكدت أن العراق ما يزال بحاجة إلى تعاون أمني وعسكري، وما الأصوات التي أرادت الخروج الفوري للقوات الأجنيبة إلا جهلاً بواقع الحال أو لغاية تحويل بغداد إلى إمارة يحكمها أبو مصعب الزرقاوي"([4])، وهذا التحذير نظير الأصوات المرتفعة من متطرفي الشيعة التي كانت تخوف من تحول بغداد إلى إمارة تكفيرية أو أفغانية في حال سيطرة القاعدة!!.

أما المقاومة العراقية فهي عند الخيون "أكذوبة" و"الجماعات السنية" مليشيات طائفية تستدعي بالضرورة وجود مليشيات شيعية وكأن السلاح الموجه ضد الأميركيين يستهدف الشيعة حيث يقول "أحوال العراق لا تتحمل اعترافاً بمقاومة مسلحة بها هويتها الطائفية وستعطي المبرر الأشد لتكثير المليشيات" بل لا فرق عنده بينها وبين القاعدة([5]).

أما الحرب الطائفية فيرى أن الزرقاوي أشعلها ودفع الشيعة للدفاع عن أنفسهم حيث يقول "ويغلب على الظَّن أن جماعة (القاعدة)، وأيامها كانت بيانات أبي مصعب الزرقاوي شديدة لخلق حرب طائفية، لذا تمكنت من جر جيش المهدي وإبعاده عن التقارب مع الكيانات السُنّية، ومن ساعتها تحول الخطاب وتبدل السُّلوك"([6])، ويُرجع الفضل في لجم الفتنة إلى مرجعية علي السيستاني حيث يقول (كان لعباءته الفضل في صد الفتنة الكبرى)([7]).

ويرى الخيون أن جماعات المقاومة التي يسميها "حواضن الإرهاب" كـ (الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين) كالمليشيات الشيعية فهو يساوي بينهم، لكنه مع ذلك يرى أن (التيار الصدري الذي يعد جيش المهدي ذراعه يضم عقلاء يحاولون درء الفتنة والتأثير الإيجابي في الأحداث)([8])، بل ويتأمل خيرا من التيار الصدري فيقول: (يمكن لـ"الصَّدري"، وهو تيار شبيبة وبينه من الواعدين بأدوار مهمة، المساهمة الفعالة في بناء الدَّولة، وفي رُقي مجتمعها، سوى تمسك باسم وطبائع الصدر الأول، باقر الصدر أو طبائع الصدر الثاني، صادق الصدر، فإنهما، في كل الأحوال، كانا يمتلكان عفة أخلاقية، وبعيدان عن التورط في خراب الدولة، والفساد بمالها، وأحسب أنهما حريصان على حرية النَّاس، وعدم كراهتم على شيء)([9]).

ولا يجد الخيون حرجاً من المساواة بين حزب الدعوة الحاكم، والمجلس الأعلى صاحب المليشيا المسلحة والدعم الإيراني مع الحزب الإسلامي الذي لا يملك سوى بعض النفوذ في الجماهير السنية([10])، والأكثر من هذا هو حين يقارن بين المالكي الحاكم الدكتاتوري المدعوم دولياً وإقليميا، وبين طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية منزوع الصلاحيات والملاحَق بتهمة الإرهاب.

6- فاضل الربيعي: كاتب يساري يختلف عن النماذج السابقة بمعارضته للاحتلال الامريكي، ولا يمكن مقارنته بسابقيه من الطائفيين، لكنه مع ما يُظهره من حياد ووطنية لم يتمكن من التخلص من العصبية الدينية التي تلغي الحقائق الجلية إرضاء للأهواء الطائفية، فهو يرفض الاعتراف بالدور الإيراني في العراق كخطر مستقل ومنفصل عن الاحتلال الأمريكي، بل يرى أن الأمريكيين هم من جاءوا بالإيرانيين، فشرّهم مقترن بزوال الاحتلال وهذا المنطق الأعوج يسود في أوساط المناهضين للاحتلال من الشيعة والسنة، ويهدف إلى تبرئه المذهب وشيعة العراق من حرائق الفساد والاستبداد والإرهاب، فحينما يرتبط الإيراني بالأمريكي فهذا يعني أن السبة واللعنة ستلحق الأميركيين دون غيرهم فالإيرانيون ليسوا سوى أدوات يستخدمها المحتل لضرب أعدائه ومعارضيه، وأن دافع القتل والتطهير ليس طائفياً مذهبياً وإنما هو سياسي مادي تحكمه المصالح والمنافع المجردة عن أي بعد معنوي ديني، وهو نقيض الحقيقة وتشويه لها وإخفاء للمجرم وصرف الأبصار عنه.   

فليس غريبا أن يتهم الربيعي المقاومة السنية بتخريب المشروع الوطني، وذلك بسبب طرحها موضوع مواجهة الاحتلال الإيراني كأولوية مقدمة على قتال المحتل الأمريكي (لأن هذا يعني أن نقبل بالاحتلال الأمريكي كحماة في مواجهة خطر هو الأصل من اختراع الأمريكيين، من الذي أدخل الإيرانيين إلى العراق؟ الأمريكان هم الذين سمحوا وغذوا النفوذ الإيراني بما في ذلك تحالفه مع الأحزاب الطائفية التي جاءت على ظهور الدبابات. هم مسؤولون عن خلق هذا الوحش لذلك لا ينبغي لهم أن يخدعوا العراقيين بأن الصراع هو مع هذا الوحش وليس مع الذين جاؤوا بهم)([11]).

 إن الاستغراق في رد الحقائق الواضحة البازغة يتطلب اختراع جملة من الأكاذيب تشغل الفراغ الكبير الذي أحدثه نزع الحقائق من مكانها وإفراغ التاريخ من الحوادث والوقائع الثابتة، لكنها ستشغل حيزاً مادياً غير متجانس مع سياقه التاريخي والمنطقي التي تنطق بخيانة الشيعة للدين والوطن والشعب.

كتب فاضل الربيعي معلقاً على ما تضمنته وثائق ويكيليكس من إثباتات إضافية وشهادات أمريكية على طائفية الحكومة ومليشيات الأحزاب: (إن رسم إطار طائفي للجريمة، هو ما يجب أن يثير شبهتنا.. لقد نشأت داخل العراق بفعل هذا التلاعب بالحقائق، ثقافة شعبية رائجة وتتغذى من كراهية لا حدود لها للنفوذ الإيراني وللمليشيات، تقول من بين ما تقول، إن الأسر والعائلات العراقية، لا تشعر بالخوف على مصيرها أو مصير أحد أفرادها، حين تقوم القوات الأميركية بحملات دهم واعتقال، ولكنها تشعر بالذعر، وينتابها اليأس، حين تتعرض لحملات دهم واعتقال مماثلة تقوم بها القوات الحكومية (أو المليشيات). ليس هذا الذعر ناجما عن بطش وقسوة مجرمي المليشيات أو وحشية القوات الحكومية، وهما أمران لا يجادل فيهما أحد، بل ناجم عن إنشاء منهجي ومنظّم لصورة (العدو الطائفي) المحلي، المرتبط (بالعدو الإقليمي الطائفي). وهذا ما كرّسته وثائق ويكيليكس بدهاء).

اعتمد الإيرانيون نظرية المؤامرة قديماً وحديثاً في تبرير أعمالهم وتسويق مشروعهم، حيث تحفل مصادر التراث الشيعي بما يؤكد اشتراك الأمة في مؤامرة على البيت العلوي الشريف، حيث رفض الصحابة بيعة علي وقتلوا فاطمة وسكتوا عن قتل الحسين، واضطهد العباسيون والأمويون من قبلهم رموز العلويين فيما كان علماء الأمة الإسلامية وأعلامها يتخذون الموقف السلبي "التأييد الصامت لعمل الحاكم" وهذا هو ما تلخصه عشرات البيانات الصادرة عن مراجع الدين والهيئات والأحزاب الشيعية، فكل اعتداء على الشيعة في العراق يحمل وزره القاعدة والعباسيون والأمويون !!!

أما حديثاً فقد أُدخل الأميركيون في زمرة المتآمرين على الشيعة ومذهبهم، وهنا يشير الكاتب إلى دور أمريكي مفترض في تصوير إيران كعدو طائفي، وهذا ادعاء لا يقوى الكاتب على الإتيان بنصف دليل لإثباته، لأن هذا أمر لا يتدخل فيه أحد، فحينما يجمع العوام والخواص والمسلحون والسياسيون "السنة" على شدة العداء الطائفي التي تجاوزت بكثير حدود البطش الأمريكي فلا أحد يستطيع إنكار هذا الإجماع، ولن يستطيع أحد إجبار الآخر أو إقناعه بعدواة طرف ما لم يُبد هذا الطرف عداء صريحاً واضحاً، لأن هذه أمور تُدرك ببديهة العقول فلا يحتاج الناس من يدلهم إلى بزوغ القمر ليلا وشروق الشمس نهاراً، أو من يعينهم على التمييز بين الماء والنار!.

ولما كان هذا التلاعب والزيغ عن الحقائق الجلية لا يمر إلا بالكذب عمد الكاتب إلى القول «في فبراير/ شباط 2005 كشف كاتب أميركي مغمور يدعى درايفوس في مقالة ممتازة تحمل عنوانا مثيرا Our Monsters In Iraq (وحوشنا في العراق) وقائع مذهلة عن فضيحة لم يتوقف العالم قط عند فصولها، لقد أدخل الأميركيون إلى العراق ما يزيد عن عشرين ألف عراقي تم تدريبهم في معسكرات خاصة ببودابست ووارسو، وتلقوا خلالها دروسا مكثفة في فنون الإجرام الفتاك والأكثر وحشية، وأن هؤلاء توزعوا على وزارتي الدفاع والداخلية. الذين عملوا تحت غطاء وزارة الدفاع كانوا جميعا من أهل السنة، وكانت مهامهم القيام بأعمال إجرامية في مناطق الشيعة. أما الذين عملوا تحت غطاء الداخلية فكانوا من الشيعة، وكان واجبهم اليومي القيام بأعمال إجرامية في مناطق أهل السنة؟»([12]).

لا اختلاف بين العراقيين على أن الذين تغلغلوا في صفوف الجيش (الدفاع) أو قوات الحرس الوطني والشرطة وغيرها من تشكيلات وزارة الداخلية الأخرى هم مليشيات الأحزاب الشيعية المعروفة، والأسئلة المشروعة لمواجهة هذا الكذب المفضوح، من أين جنّد الأميركيون هذا الجيش من المرتزقة العراقيين"، وكيف تغلغلوا وتوزعوا على الوزارتين، وما هو موقف الأحزاب الشيعية الحاكمة من مجيء عناصر مدربة في الخارج لا ترتبط بها وتسيطر على الأجهزة الأمنية والعسكرية، ولماذا لم يتحدث أحد عن هذا العمل الخطير كما تحدثوا عن جرائم الشركات الأمنية "بلاك ووتر" وغيرها، وما هو مصدر هذه المعلومة.. هل أصبحت الأحداث الكبرى تُستقى من المصادر المغمورة، أم أصبحت هذه المصادر هي المنقذ لتمرير الأفكار المشبوهة المضللة.

وما هي فِرق وزارة الدفاع التي كانت تستهدف الشيعة، ولماذا لم يتحدث بذلك السياسيون ورجال الدين لا سيما وهم أحرص الناس على اتهام أي طرف سني في استهدافهم.

غاية الربيعي في مقاله السابق تبرئه جيش المهدي وإيران وزعماء المذهب وتخندق الشارع الشيعي خلف التيار الصدري والأحزاب المذهبية في حربهم ضد السنة، لتنصب اللعنة على الأميركيين وحدهم!

7-غسان العطية: معارض سابق ومدير المعهد العراقي للتنمية والديمقراطية، وأحد المؤيدين للغزو الأمريكي حيث كتب مقالا في صحيفة الحياة قبل الحرب بشهرين قال فيه: (نرى في المواجهة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة ضد النظام العراقي فرصة، ليس لإزالة أسلحة الدمار الشامل فحسب، بل لإعادة بناء عراق تلعب فيه الولايات المتحدة دور العامل المساعد (Catalyst)  في تكريس الممارسات الديموقراطية التي لا يمكن أن تستقيم من دون حمايتها من التدخلات الخارجية، فالفراغ السياسي الذي سيعقب سقوط النظام الحالي يجب أن لا يترك للتنافس الإقليمي بما يحول العراق إلى ساحة صراع جديدة.

كما أن الولايات المتحدة بالتعاون مع دول أوروبا هم الأقدر على المساهمة في إعادة بناء الاقتصاد العراقي بما يسهل عملية التحول الديموقراطي بل يدفع بها.

إن عملية بناء العراق سياسياً واقتصادياً (Nation Building) تحتاج إلى وقت، الأمر الذي يفترض أن يحكم العلاقة بين العراق والولايات المتحدة تحالف استراتيجي أشبه بتحالف كوريا الجنوبية أو تركيا مع الولايات المتحدة.

فقياساً إلى تجربة التحالف العراقي - البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، نجد أن الأخيرة كانت عاملاً أساسياً في استقرار العراق الذي استطاع بدعم من بريطانيا ترسيم حدوده مع تركيا وإيران والسعودية (والبعض يقول لصالح العراق)، واستطاع أن يتمتع بسلام وإنماء اقتصادي وحسن جوار طالما نتحسر عليه.

كما أن تحالف العراق مع أميركا سيوفر له غطاء عسكرياً يغنيه لا عن أسلحة الدمار الشامل فحسب، بل عن نفقات عسكرية باهظة هو أحوج إليها في بناء البلاد، إضافة الى أهمية مثل هذا التحالف لخلاص العراق من الوصاية الدولية المتمثلة بالعقوبات وغيرها من قرارات أفقدت العراق استقلاله. إن هذه ليست دعوة لانتداب أميركي جديد على العراق، فالتاريخ لا يعيد نفسه بهذه الصيغة، وإنما دعوة لعلاقة تنقذ العراق من نفسه ومن الآخرين من خلال التعاون مع أقوى ديمقراطية في العالم.

وبالمقابل فإن خير ما يقدمه عراق الغد للمنطقة هو في تحوله من عنصر عدم استقرار إلى نموذج للاعتدال والانفتاح السياسي، إضافة إلى مساهمته في خلق نظام اقتصادي إقليمي جديد يكرس التعاون.

إن محاربة التطرف والأصولية لا تتم بالقمع، بل بتقديم البديل المقبول، وفي إمكان عراق الغد بالتعاون مع الغرب وبالذات الولايات المتحدة، أن يصبح مثل هذه القدوة بما يملكه من مصادر بشرية واقتصادية. كما أن مثل هذا المناخ الاقتصادي والسياسي سيكون الأقدر على المساعدة في حل الكثير من بؤر الصراع في الشرق الاوسط، وأهمها قضية فلسطين، التي عجز "الوضع الراهن" عن حلها)([13]).

كما يعزف العطية على وتر الأكثرية الشيعية المضطهدة في وجه السنة المعارضين للغزو: (يتعاظم شعور المرارة لدى معظم العراقيين عندما يأخذ البعض من العرب والمسلمين عليهم تعاونهم مع الولايات المتحدة للخلاص من هذا الكابوس بحجة أن الأخيرة منحازة لإسرائيل، وكأن في استمرار معاناة العراقيين وحرمانهم من الحرية خلاص للفلسطينيين.. ومن أجل الحفاظ على الوضع الراهن عراقياً وإقليمياً يستخدم البعض الورقة الطائفية باسم الخوف على "سنّة" العراق من الخطر الشيعي.. ويذهب آخر إلى اختصار الحالة العراقية بمجرد مطالبات لأقليات "شيعية" و"كردية" لا تستحق الاهتمام ما دام الحكم في يد عرب العراق (السنة)، ناسياً أو متناسياً أن الرقمين (الشيعة والاكراد) يشكلان أكثر من ثلثي سكان العراق)([14]).

وكتب العطية مقترحات في الوضع الدستوري لعراق ما بعد صدام ومن بينها ما يتعلق بالقوات المسلحة (القبول في الكليات العسكرية والشرطة المركزية يجب أن يعتمد التوزع العادل بين المناطق الجهوية (ويقصد بها أقاليم الشيعة والسنة والأكراد) و(يعاد تشكل الجيش على أساس المشاركة المتكافئة من المناطق الجهوية)([15])، وكأنه بذلك يشكو من طائفية الجيش والأمن في عهد صدام!

ويحمّل العطية الأحزاب السنية والشيعية على حد سواء مسؤولية الاحتراب الطائفي فيقول: (ما حصل عندنا أن تحولت المليشيات إلى مؤسسات الدولة فإذا بقوات بدر تسيطر على وزارة الداخلية والبيشمركة الحزبية تحولت إلى قوات شرطة وأمن للأحزاب الحاكمة وليس للمواطنين،.. وهذا ما لجأت إليه معظم الأحزاب الإسلامية العربية السنية الأمر الذي أدخلنا بحرب طائفية مريرة )([16]).

8- شيعة "القائمة العراقية": من المعلوم أن ائتلاف العراقية الذي نجح بالفوز في الانتخابات الأخيرة (آذار/ مارس 2010)  ظل يعاني من عدم التجانس المذهبي، ولذلك سرعان ما انسحب منه حسن العلوي مشكلاً كتلة (العراقية البيضاء).

وبعد أزمة مذكرة اعتقال طارق الهاشمي واتهامه بالإرهاب، انسحبت حركة الوفاق الوطني في النجف من القائمة العراقية والحركة التي يرأسها أياد علاوي وانضمت إلى مجموعة أخرى من المنشقين عن حركة الوفاق في محافظة ذي قار "بسبب الإقصاء والتهميش تجاه المحافظات الجنوبية والتوجه الطائفي لدى قادة القائمة وفقدان التوازن في التعامل مع قضية نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي"، كما أعلن النائب إسكندر وتوت عن  انسحابه من «العراقية» بالتزامن مع انشقاق أعضاء عن القائمة في محافظات بابل والبصرة وذي قار والديوانية احتجاجاً على ما اعتبروه «تهميشاً وإقصاءً لأعضاء في المدن الجنوبية وبروز ميول مذهبية)([17]).

9- شيعة "حزب البعث": أعلنت تنظيمات الجنوب والفرات الأوسط في حزب البعث العراقي المنحل، فك ارتباطها بأعضاء قيادة قطر العراق في الداخل والخارج احتجاجا على تعيين قيادة أصلية للحزب من "السنة" واحتياطية من "الشيعة"، معتبرة ذلك من "مخلفات الاحتلال وتكريسا للنهج الطائفي"([18]).

بعد هذه الجولة مع النماذج العلمانية لشيعة العراق نقف عند مسألة يجمعون عليها وهي اتهام الأنظمة العلمانية السنية بالطائفية (1921-2003) فإذا كان العلماني السني عنصرياً متحيزاً لمذهبه في سلوكه ضد الشيعة، فكيف الحال بالمتدين والمحافظ السني!؟

إن هذا السلوك الطائفي للعلمانيين الشيعة يعني أنهم لا يتقبلون أي نموذج سني إسلامياً كان أو غيره، لأن مجرد القبول بالتنازل والتعايش مع السني يعني بالضرورة الانخلاع من المذهب والتبرؤ منه، والذوبان في إطار سني يلغي الهوية الشيعية ولا يبقي لها أثراً.

إن عدم وعي العلمانيين السنة بهذه الحقيقة تدفعهم للانخداع  بنظرائهم الشيعة، مستدلين على صدق تمسكهم بالعلمانية بسلامة سلوكهم وخطابهم في أيام الحكم السابق، وذاك عهد أُجبر الشيعة فيه على التقيّة السياسية والحديث بلسان سني عروبي قومي، فلما زال الخوف من بطش النظام أسفروا عن وجههم الآخر وتحركت الحمية المذهبية عندهم.

 

 



[1] - من مقال (الشيعة في العالم) صحيفة النور العدد (2) تموز 1991م.

-[2]  انظر مقاله: (مزارات العراق بين تمادي الاتباع ودم الدولة اللامعقول) الشرق الأوسط (8/9/2005) ومقاله الآخر: (العراق غبن عتيق جمع بين الشيعة والكرد) (22/6/2005).

[3] -  الجلبي والحرب على المالكي (الاتحاد) (28/10/2010).

[4] - مقال (الحزانى على مقتل الزرقاوي) الشرق الأوسط (9/6/2006).

[5] - انظر مقال (التوافق العراقية.. يد في الحكومة وأخرى في المقاومة) الشرق الأوسط (24/5/2006).

-[6]  مقال (العراق لئلا يعود جيش المهدي) (الاتحاد الإماراتية 4/8/2010).

-[7]  مقال (لدحر الطائفية.. سعوديون انتصروا للسيستاني) (الاتحاد الإماراتية 27/1/2010).

-[8]  مقال (العراق.. ألا يُرخي حل المليشيات حواضن الارهاب؟) (الشرق الاوسط 19 /7/2006).

-[9]  مقال (العراق لئلا يعود جيش المهدي) (الاتحاد الإماراتية 4/8/2010).

[10] - مقال (هل بمقدور الأحزاب الدينية تجاوز الطائفية) (الشرق الأوسط 26/4/2010).

[11] - حوار مع صحيفة السبيل الأردنية (8/1/2008).

[12] - من مقال (ويكيليكس.. دمنا الذي وزعوه بين القبائل) – الجزيرة نت (11/11/2010).

[13] - من مقال (تحرير الانسان العراقي وليس مجرد إزالة أسلحة الدمار الشامل)(28/1/2003).

[14] - المقال السابق.

[15] - مقترحات في الوضع الدستوري لعراق ما بعد صدام (مجلة الملف العراقي، عدد 90) حزيران/ يونيو 1999.

 

[16] -  مقابلة مع صحيفة هاولاتي الكردية (17/12/2008).

[17] - صحيفة الحياة اللندنية (3/1/2012) .

[18] - وكالة السومرية نيوز (3/1/2012).

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: