سطور من الذاكرة\العدد مائة وسبعة - جمادى الأولى 1433 هـ
صفحات من تاريخ الباطنية (4)
الأحد 25 مارس 2012

 "علي بن الفضل" و"ابن حوشب" يُبشِّران بالباطنية في اليمن (3-3)

نوفل الجبلي – باحث يمني

خاص بالراصد

تمهيد

وصل علي بن الفضل وصاحبه منصور بن حوشب إلى بلاد اليمن، واستقر الأول منطقةً في جنوبها، والثاني منطقة في شمالها، وتوسع نفوذهما، وقوت شوكتهما، وصار لكل واحد أتباع وأنصار ومناطق شاسعة يملكها، وصار للدعوة الباطنية الإسماعيلية ولأصحابها صولة وجولة في بلاد اليمن، وقد ساعدهم في ذلك الكثير من العوامل التي تم إيرادها في العدد الماضي.

وفي هذا الجزء الأخير، نسلط الضوء على السلوكيات والأفعال التي زاولها أرباب الدعوة الباطنية، وبالخاصة ابن الفضل الذي تمادى في الغي والضلال، وسنتطرق إلى نهاية صاحبي الدعوة وفشلهما الذريع في إرساء دعائم دولة قوية ذات عقيدة إسماعيلية في بلاد اليمن..

 جرائم شنيعة..

بعد الانتصارات التي حققها علي بن الفضل على أمراء وملوك ثلاث مناطق يمنية([1])، قرر المضي قدماً نحو مدينة صنعاء ([2]) حاضرة اليمن، وقبل وصوله إليها كان لأمير صنعاء - وهو أسعد بن أبي يعفُر([3])- والٍ على بلاد عنس([4]) فبعث إليه ابن الفضل يستميله، فاستجاب له وضم جيشه إلى جيش ابن الفضل، وخلع ولاية أمير صنعاء، فعلم الأمير أسعد بخيانة واليه، وبقدومهما إلى صنعاء فخرج هارباً..

دخل علي بن الفضل صنعاء في العام ثلاث وتسعين ومائتين للهجرة (293هـ)([5])، وهناك "أظهر مذهبه الخبيث، ودينه المشؤوم، وارتكب محظورات الشرع، وادعى النبوة، وكان المؤذن يؤذن في مجلسه أشهد أن علي بن الفضل رسول الله، وأباح لأصحابه شرب الخمر ونكاح البنات وسائر المحرمات وأنشد أبياته المشهورة على منبر صنعاء، وقيل على منبر الجَنَد([6])، والتي يقول فيها:

خذي الدُفَّ يا هذه واضربي             وغني هزاريكِ ثم اطربي

تولى نبي بني هاشمٍ                     وهذا نبي بني يعربِ

لكل نبي مضى شرعةٌ                  وهاتي شريعة هذا النبي

فقد حط عنا فروض الصلاة             وحط الصيام فلم يتعب

إذا الناس صلوا فلا تنهضي             وإن أمسكوا فكلي واشربي

ولا تطلبي السعي عند الصفا            ولا زورة القبر في يثرب

ولا تمنعي نفسكِ المعرسين             من الأقربين أو الأجنبي

فلماذا حللتِ لهذا الغريب                وصرتِ محرمةً للأب

أليس الغِراس لمن ربَّه                  وسقاه في الزمن المجدب

وما الخمر إلا كماء السماء              حلالاً فقُدست من مذهبِ

وهي طويلة، حلّل فيها سائر المحرمات في الشرع لعنه الله ما أجرأه على الكفريات، وكان ينبغي تنزيه الألسن والأقلام عن كتابة شعره هذا وإنما أتينا به ليتحقق السامع أنه كافر أخزاه الله وأبعده وفي الدرك الأسفل خلده."([7])

ثم إنه قدم على مدينة زَبيد([8]) وفيها الأمير المظفر بن الحاج والي زبيد من قِبل الخليفة المعتضد في بغداد ومعه ستمائة فارس، فهجم عليهم ابن الفصل في أربعين ألفاً، وقتل المظفر، وسبى من زبيد أربعة آلاف امرأة عذراء، وسار بهن، وفي الطريق أمر جنوده بذبحهن، بحجة أنهن شغلن جنوده عن الجهاد، فذبحوهن جميعاً في ساعة واحدة، ثم عاد إلى مقر ملكه([9]).

وفي المذيخرة قطع طريق الحج، ومنع الناس من السفر إلى بيت الله الحرام، وتروي بعض المصادر أنه أمر الناس أن يحجوا ويعتمروا إلى منطقتين في المذيخرة بدلاً من الحج إلى بيت الله الحرام.([10])

ومن جرائمه: أنه كان يجمع أهل مذهبه في دار واسعة يجمع فيها الرجال والنساء بالليل، ويأمر بإطفاء السُرُج وأخذ كل واحد من وقعت يده عليه([11])، وتسمى هذه الليلة عندهم بليلة الإفاضة، وتكون أول ليلة من رجب من كل سنة.

وقد تمادى الحال بعلي بن الفضل وتطور به الحمق والسفه إلى أن وصف نفسه بصفات لا تليق إلا بذي العزة والجلال؛ فكان إذا راسل عماله استهل رسائله بهذا العنوان: "مِن باسط الأرض وداحيها، ومزلزل الجبال ومرسيها، علي بن الفضل، إلى عبده فلان"([12]).

ابن الفضل يحارب صاحبه..

لما استقر الأمر بعلي بن الفضل، وقتل الكثير من الخصوم والأضداد، قرر أن يخلع ولاءه للمنصور ولمن فوقه؛ ميمون وابنه عبيد، فكتب إليه المنصور يعاتبه ويذكِّره بواجب الولاء والطاعة للقداح وابنه، فلم يلتفت إلى قوله، وكتب إليه:

"إنما هذه الدنيا شاة ومن ظفر بها افترسها، ولي بأبي سعيد الجنابي([13]) أسوة، لأنه خلع ميموناً وابنه، ودعا إلى نفسه، وأنا أدعو إلى نفسي، فإما نزلت على حكمي، ودخلت في طاعتي وإلا خرجت إليك"([14]).

فلما علم المنصور أن علي بن الفضل غير تاركه لما ذكر في كتابه، عمد إلى جبل مسور فحصّنه، وقال لأصحابه: "إني لأخاف هذا الطاغية، وقد تبين لي في وجهه الشر"([15]).

فخرج له علي بن الفضل بعشرة آلاف رجل من الأشداء([16]) ، ودارت معارك شديدة وعنيفة بينهما، أضعفت المنصور وجيشه وساهمت في انحسار الدعوة الباطنية بشكل عام، وظل يخوض الحروب حتى اضطر المنصور إلى اللجوء والتحصن في جبل مسور، وكان قد زود حصنه بالطعام والمؤونة، فحاصره بن الفضل حصاراً طويلاً حتى ملَّ المقام، وجرى بينهما الصلح على أن يسلم المنصور ولده لعلي بن الفضل.

ثم عاد ابن الفضل إلى المذيخرة، وظل فيها حتى هلك عام (303هـ)([17]).

ولذلك لا يقبل إنكار أبناء العقيدة الإسماعيلية لأفعال ابن الفضل مع سكوت – أو إقرار- منصور بن حوشب على كل أفاعيله وجرائمه وعدم اتخاذ أي إجراء في حقه، أو إعلان الحرب عليه قبل أن يتمرد عليه ويخلع دعوة المهدي عبيد بن ميمون، فقد التقاه في صنعاء، وهنّأه بانتصاراته، بل وساعده في بعض حروبه في بلاد تهامة السنية، وهو بهذا جعل نفسه شريكاً له في جرائمه، وإن أنكر أصحاب الدعوة الباطنية نسبة أفعال علي بن الفضل إلى دعوتهم.

نهاية علي بن الفضل وصاحبه..

اختلف المؤرخون في موت علي بن الفضل، فمنهم من قال إن موته كان بسبب مرض أصابه في بدنه، فتفجر من أسفل بطنه، وأماته الله على أسوأ حال([18]).

وذكر الحمّادي أن سبب موته كان رجلاً من أهل بغداد يقال إنه شريف، وصل إلى الأمير أسعد بن أبي يعفر الحوالي، وكان في ذلك الوقت هارباً من القرمطي – أي: من علي بن الفضل-، وأن ذلك البغدادي وهب نفسه لله وللإسلام، وقال للأمير تعاهدني وأعاهدك أني إذا قتلت هذا القرمطي كنت معك شريكاً فيما يصل إليك، فعاهده على ذلك، وكان طبيباً حاذقاً، فخرج إلى المذيخرة، فكان مع كبار أهل دولة القرامطة يفتح لهم العروق ويسقيهم الدواء ويعطيهم المعجونات حتى وصفوه لعلي بن الفضل بالحذق بالطب وفتح العروق، وقالوا: إن مثلك لا يستغني أن يكون في حضرة مثله.

ثم إنه احتاج إلى إخراج الدم، فأمره أن يفصده – أي: يحجمه-، فعمد إلى السم فجعله على شعر رأسه فدخل على القرمطي فسلم عليه، فأمره أن ينزع ثيابه ويلبس غيرها، ثم أخرج المِبضع، ثم مصه، وعلي بن الفضل ينظر إليه ثم مسحه برأسه فتعلق به من السم حاجته، ثم فصده وخرج من ساعته، فركب دابته وخرج هارباً، فلما أحس عدو الله بالموت أمر بقتل الطبيب، فلم يوجد، فلحقوا به وقتلوه. ومات علي بن الفضل متأثراً بالسم([19]).

وبموته انتهت دولته، واندثرت عقيدته، فقد هجم الأمير أسعد بن أبي يعفر على المذيخرة، ونصب حولها المنجنيقات وهدمها، وشد على القرامطة وأزال ملكهم، وأحيا الإسلام من جديد، واستقر له حكم معظم اليمن من صنعاء إلى عدن، وأنهى فترة حكم ابن الفضل التي امتدت لتسعة عشر عاماً([20]).

وأما صاحبه منصور بن حوشب فقد ظل منزوياً في جبل مسور إلى أن توفي سنة (302هـ)، وأوصى بالقيام بالدعوة إلى أحد أصحابه، وانتهت دولة القرامطة الباطنيين في اليمن، وبقي منهم شرذمة قليلون يتوارثون أمر الدعوة الباطنية في بعض المناطق المنزوية من بلاد اليمن.

لفتات سريعة مما سبق:

المتتبع للتاريخ يجد أن أشد الناس إجراماً وتقتيلاً للمسلمين هم أولئك المنتسبون للإسلام لكنهم استمدوا عقائدهم من الأفكار الحاقدة على الإسلام والمسلمين، فليس من منهج الإسلام إذلال الناس وتقتيلهم وسلب أموالهم دون وجه حق، والشاهد على ذلك سير الفاتحين، فقد كانوا يفتحون البلدان بالأخلاق قبل السيوف..

لكن العقائد المنحرفة لا تراعي أحكام الله ولا تقيم وزناً لسنة رسول الله، وهي قابلة للتوسع في الشرك والإلحاد، ومثل هذه العقائد المنحرفة لا تهذب النفوس ولا تربي الأخلاق وإنما تخلق وتنمي في نفوس أصحابها الجشع والطمع، ولا نستغرب إن وجدنا في زماننا من يدّعون أنهم على منهج أهل البيت، وهم يأكلون أموال الناس، واتخموا بها، بحجة خمس الإمام.

إن بقاء الدول مرهون ببقاء عقائدها في قلوب الناس، وهذا يفسر لنا انتهاء وانحسار وانزواء الدعوة الإسماعيلية في بلاد اليمن وغيرها من البلاد، فرغم المناطق الشاسعة والكبيرة جداً التي حكموها، إلا إنه بمجرد انتهاء دولة السيف والقوة، انتهت دولتهم من قلوب الناس، وهذا يثبت أن الناس ما سلّموا لهم إلا خوفاً من بطشهم وتنكيلهم، وإلا فإن عقائدهم لا يمكن أن تصدقها العقول أو تخضع لسلطانها القلوب.. (فطرة الله التي فطر الناس عليها).

إذا نسي الناس فإن التاريخ لا ينسى.. رسالة إلى كل صاحب دعوة، وإلى كل صاحب منهج، وإلى كل صاحب سلطان.. فقدّموا لأنفسكم التزام الحق وحسن الخلق.

 



-[1] أبْين ولحج وأميرها ابن أبي العلاء، والمذيخرة وأميرها جفعر المناخي، وبلاد يحصب.

[2]- صنعاء هي حاضرة اليمن في معظم العصور الإسلامية ومن أقدم المدن العربية فقد قيل إنها بنيت بعد الطوفان، وهي عروسة الجزيرة العربية وتاجها المتلألئ، ومحط أملاك حمير وكرسي التبابعة، ومدينة سام بن نوح.. انظر كتاب (قرة العيون في أخبار اليمن الميمون) لابن الديبع، بتحقيق الأكوع.

[3]- هو أبو حسان أسعد بن أبي يعفر بن إبراهيم بن محمد بن يعفر الحوالي، والذي ستكون على يديه نهاية علي بن الفضل ودعوته. انظر كتاب (قرة العيون في أخبار اليمن الميمون) للشيباني بتحقيق الأكوع.

[4]- إحدى المناطق اليمنية الشاسعة، تلف مدينة ذمار غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، انظر (صفة جزيرة العرب) للهمداني.

[5]- ذكره الأكوع وهو الصحيح، أما الجندي في كتابه (السلوك) فقد قال إن سنة دخوله صنعاء كانت (299هـ) في شهر رمضان.

[6]- وقد اضطرب المؤرخون في توقيت إظهار مذهبه الخبيث، وقد قال الحمادي أنه أظهره بعد دخوله المذيخرة المرة الأولى، كما اختلفوا في قائل هذه الأبيات، فمنهم من قال: إنه من شعر ابن الفضل نفسه، ومنهم من قال أنه من شعر بعض شعراء عصره، وهذا ما مال إليه نشوان الحميري ومن بعده الأكوع.

[7]- نقلاً عن كتاب (قرة العيون) لابن الديبع الشيباني.

[8]- إحدى مدن سهول تهامة اليمن، وتبعد عن صنعاء بحوالي "233 كم" باتجاه الجنوب الغربي. وهي إحدى المدن التاريخية التي أنجبت الكثير من علماء اليمن. 

-[9]  انظر (كشف أسرار الباطنية)، (قرة العيون)، (فرجة الهموم والحزن) للواسعي.

[10]- انظر (كشف أسرار الباطنية)، (قرة العيون). وقد نفى الأكوع أن يكون قد أمر الناس بالحج إلى غير بيت الله الحرام.

[11]- انظر (كشف أسرار الباطنية) للحمادي.

[12]- انظر كتاب (السلوك) للجندي. وكتاب (قرة العيون) لابن الديبع. وكتاب (فرجة الهموم والحزن) للواسعي.

[13]- وهو صاحب الدعوة الباطنية القرمطية في البحرين، وسارق الحجر الأسود، ومستبيح البيت الحرام.

[14]- انظر (كشف أسرار الباطنية) للحمادي.

[15]- المرجع السابق.

[16]-  انظر (قرة العيون)، وكان معظم جيشه من بلاد يافع ومذحج وعنس وبكيل.

17- وذكر الجندي أنه مات ليلة الخميس منتصف ربيع الآخر سنة 303هـ.

[18]  هذا ما ذكره الإمام الهادي في سيرته. وما يميل إليه الأكوع.

-[19] (كشف أسرار الباطنية) للحمادي.

[20]- انظر (قرة العيون)، وذكر الحمادي والجندي أن فترة حكمه كانت 17 عاما.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: