فرق ومذاهب\العدد مائة وسبعة - جمادى الأولى 1433 هـ
فريدة النقاش وأوهام البعث الاشتراكي
الأحد 25 مارس 2012

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

خاص بالراصد

لم تزل فريدة النقاش تحلم بتكوين المجتمع الاشتراكي الذي تتساوى فيه النساء مع الرجال مساواة مطلقة، تتشابه في بعض ملامحها مع فكرة الجندر التي يسوق لها من خلال المؤسسات الأممية ولكنها تختلف عنها في قضية الصراع الطبقي، فالمرأة في فكر النقاش تخوض صراعاً كأنثى في مواجهة مجتمع ذكوري، وتخوض صراعاً ثانياً باعتبار الطبقة، وهي لا تفتأ تتباكى عن الحلول العبقرية التي قدمتها التجربة الشيوعية في المجتمع السوفييتي للمرأة والتي تتمنى أن تنقل لبلادنا وأن تستكمل ويضاف إليها، وبالتالي فموقفها من الفكر الإسلامي شديد العداء شديد الوضوح.

 عبودية المرأة

تعتبر فريدة النقاش قيام المرأة برعاية بيتها وأطفالها نوعاً من العبودية المنزلية التي ينبغي تحرير المرأة منها، وهي ترى في التجربة العملية لبلدان المعسكر الاشتراكي طريقا للحل: (وفي التجربة العملية لبلدان المعسكر الاشتراكي الذي سقط كانت قد انتشرت رياض الأطفال ومؤسسات رعاية الطفولة مجانا وعلى نطاق واسع فكان كل الأطفال بلا استثناء يلتحقون بمعسكرات صيفية على الشواطئ أو الجبال والغابات طيلة شهور العطلة الصيفية وكانت الأمومة قد أصبحت التزاما اجتماعيا منذ أنشأت الثورة المطابخ الجماعية والمغاسل العامة ودور رعاية الأطفال والمستشفيات وكان ذلك خطوة جبارة على طريق محاربة العبودية المنزلية وتحرر المرأة)، فالبيت في فكر النقاش معنى هلامي هش فالطفل يُربى في مؤسسات رعاية الطفولة ومن ثم في المعسكرات فلا قيمة للبيت ولا قيمة للأمومة بل إن الأمومة في هذا الفكر ترادف العبء الثقيل أو كأنها السلاسل تكبل المرأة ومن ثم يجب تحرير المرأة منه ويتبدى خبث هذه الرؤية في الربط بين الأمومة والمطابخ الجماعية والمغاسل العامة وكأن الدور الأساسي للمرأة هو الطهي والغسيل.

 أوهام الماركسية

فريدة النقاش واحدة من هؤلاء الموهومين الذين يبشرون بالحلم الاشتراكي بل هي واحدة ممن يدافعون عن التجربة السوفييتية مع الاعتراف الخجول أنه ثمة أخطاء قد شابت هذه التجربة وهي ترى أن المواطنة الحقيقية للنساء لا تكون إلا في ظلال الاشتراكية: (ما كان يجري إنضاجه إذن في ظل التجربة الاشتراكية هو مواطنة للنساء من نوع جديد تحمل وعودا أصيلة بحل التناقضات على أساس مجتمعي شامل وبالرغم من كل الملاحظات ومناطق التوتر وربما الثغرات في الماركسية وأساسها المادية الجدلية التاريخية كأساس للاشتراكية العلمية فقد طرحت هذه النظرية أدوات مفهومية لا يمكن تجاهلها في هذا الصدد حول المجتمع الطبقي الأبوي وكشفت ارتباط نشوء مجتمع الملكية الخاصة بالتسلط الذكوري على النساء وكانت بذلك أول من تابع نشوء الاختلافات النوعية لا في الطبيعة وإنما اجتماعيا وثقافيا بين الرجال والنساء ونقضت بذلك كلاًّ من الأساس البيولوجي والميتافيزيقي لهذه الاختلافات وذكرتنا دائما بأسسها الطبقية وبتاريخيتها معتبرة أن هذه الأسس هي البناء التحتي الذي تقبع فوقه وتتفاعل معه الأبوية بكل تجلياتها وصولا إلى الاسترقاق الرأسمالي الذي ترى الحركة النسوية الاشتراكية أن إلغاءه ضروري لقيام حركة نسوية أصيلة وهو ما اختبره التاريخ لفترة وجيزة في بداية ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا والتي انهارت بعد ذلك).

الأسس الطبقية هي التربة الطبيعية للتسلط الذكوري ثم جاءت التفسيرات الاجتماعية والدينية التي تضفي مشروعية على هذا التسلط إذن فالدين وسيلة بشرية لإضفاء هالة على الظلم الذي تتعرض له النساء وهو أداة في يد الرأسمالية لقمع النساء وهذا يفسر موقف النقاش من الدين والمتدينين.

العداء للحجاب

تصطدم النقاش مع الكثير من ثوابت الدين خاصة ما يتعلق بالمرأة المسلمة كموقفها من الحجاب، تقول في حوار لها منشور على الإنترنت تشكك فيه حتى من البعد الإيماني للحجاب وترى انتشاره لأسباب مصلحية بحتة: (يمثل اختيار المرأة للباسها حقا شخصيا من حقوقها فلها أن تتحجب إن شاءت ولها أيضا أن تكون بغير حجاب.. ولكن هل الحجاب فى حالتنا وبانتشاره الواسع الآن هو اختيار أم إجبار، أتمنى من كل قلبي أن تسأل بعض النساء المحجبات الذكيات هذا السؤال، وأخص هؤلاء اللاتي لم يسبق لهن وضع الحجاب ثم وضعنه مؤخرا تحت مجموعة من الضغوط يعرفنها جيدا، فهن إما يعملن فى مؤسسات الإمبراطورية الاقتصادية للإخوان المسلمين، والحجاب هو جزء من شروط العمل، وإما أنهن تجاوزن سن الزواج كثيرا بسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة ولم يتزوجن وحيث يدعي المجتمع الذى امتلأ بالنفاق أن عنوان الأخلاق وعلاقتها هو مظهر شكلى للغاية مثل وضع الحجاب الذي يتبارى فقهاء الوهابية فى الإفتاء بأنه ركن من أركان الإسلام رغم أننا نعرف جيدا أن أركان الإسلام خمسة وليس من بينها الحجاب، وهنا يأتي العنصر الآخر والأخطر والذى يتمثل فى تخويف النساء من عذاب الآخرة وأحيانا عذاب القبر إن هي خالفت شرع الله كما يفسرونه لها، وتنهال على النساء أشكال الزجر والتعنيف وصولا لحد الإيذاء البدني فى بعض الأحيان وحتى لإهدار معنى الطفولة والاعتداء عليها بإجبار طفلات لم يتجاوزن السادسة من العمر على ارتداء الحجاب لأن الشعر عورة، وبوسعنا أن نتصور الآثار النفسية والتربوية المدمرة لا للطفلات فقط وإنما حتى لزملائهن من الصبيان الذين يتعلمون منذ الصغر أن المرأة عورة فنغرس فيهم منذ الصغر مفاهيم وأفكاراً غير صحيحة تتسبب فى تعقيد العلاقات الاجتماعية وتشويهها).

فالحجاب يكون لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو دينية مزيفة اخترعها فقهاء الوهابية الذين لا يعرفون صحيح الدين كما فهمته السيدة فريدة وزملاؤها الاشتراكيون فالدين براء من أنصار الحجاب والنقاب أصحاب المشروع الظلامي: (الحجاب والنقاب هما رموز سياسية لتبيين سلطة وهمية لهذه الجماعات على المجتمع، ولكنه ليس من الإسلام في شيء. فهذه هي دعوتهم هم، ونظرتهم هم للإسلام، والإسلام منها براء، لأنهم يريدون لرمزهم السياسي أن يمشي في الشوارع، فليس هناك أقوي من أن تكون رايتك السياسة في الشوارع وأمام الناس ليلاً ونهاراً كدعاية لمشروعهم الظلامي).

وهي تتهم الطهر والرقي بأبشع الاتهامات فالإسلاميون الذين يرفعون راية الحجاب هم يرفعونها لأنهم منشغلون بصورة عصابية بالجنس: (إن نظرتهم المتدنية للمرأة وانشغالهم العصابي بقضية الجنس. واعتبار المرأة مصدراً للرعب لأنها هي التي تجسد من وجهة نظرهم الفتنة، لذلك وجب إخفاؤها في البيت أو خلف الحجاب أو النقاب، وكلها أفكار وممارسات خارج العصر ولكن الخطورة التي تتمثل في هذه الإشكالية، هي أن النساء أنفسهم يتقبلن هذا الوضع المخزي، ويندفعن للحجاب والنقاب وهو ما أسميه بقهر الذات، وهو نوع من القهر الطوعي للنفس تمارسه المرأة ضد نفسها حين تنظر على نفسها باعتبارها عورة).

وهي تتهم المرأة بالسلبية وأنها تنظر لنفسها نظرة متدنية وهي في هذا لا تتردد من استخدام أقذر وأبشع الألفاظ لتصوير العلاقة بين الرجل والمرأة في الفكر الإسلامي، واستسمح القارىء الكريم بنقل هذه الشتائم المنحطة كما هي لندرك مدى صفاقة هؤلاء وجرأتهم ووقاحتهم: (إن سلبية المرأة العربية وإحساسها أنها موجودة لإشباع نزوات الرجل هي التي أوصلتها إلى هذه النظرة المتدنية، كما أن هذه الجماعات الإسلامية التي تنظر إلى الجنس نظرة منحطة وغير إنسانية وحيوانية، فالحب بين الرجل والمرأة اختراع بشري، فحين أصبح الإنسان إنساناً، توصل إلى هذا الحب الشخصي بين الرجل والمرأة فيجب أن ننظر إلى الغريزة الجنسية نظرة أشمل ونضعها في سياق اجتماعي وإنساني وحضاري وجماعي، أي علاقة متكاملة بين الرجل والمرأة، وليست مجرد جسد وجسد. لماذا لا يرون من المرأة إلا نصفها السفلي فالمرأة تثير في الرجل أسمى وأنبل المشاعر الإنسانية ودواوين الشعر خير شاهد على ذلك، فيجب النظر إلى  المرأة على أنها إنسانة قبل أن تكون إمرأة، أي وعاء لصديدهم).

تناقض فكري

ثمة تناقض فكري كبير تقع فيه النقاش فهي لا تستطيع أن تنكر القيمة العظيمة للأمومة من حيث تجديد الجنس البشري ربما تتجاوز الحساب الاقتصادي وهي تراها إشكالية ضخمة أن توفق المرأة بين هذا الدور الأمومي وأن تكون ترسا في سوق العمل، لكنها سرعان ما تخبرنا أنه لا حل جذرياً لها إلا في إطار الفكر الاشتراكي: (واحدة من القضايا الكبرى التي تواجه النساء في سوق العمل الرأسمالي والتي لم تتوصل البشرية إلى حل جذري لها إلا في الإطار النظري الاشتراكي الذي وجد أن احتياجات المرأة من أجل تجديد الجنس البشري هي مهمة مجتمعية شاملة لا تقل أهمية عن تطوير المجتمع  كله بصناعته وزراعته وخدماته وعلاقاته وحيث الحساب الاقتصادي هو أيضا وأساسا حساب اجتماعي).

نعم الحساب الاقتصادي هو حساب اجتماعي وما الاقتصاد إلا وسيلة لدعم البناء الاجتماعي الذي لا يمكن أن  يتحقق في ظلال الأوهام الاشتراكية التي تحول الإنسان إلى كائن مادي والتي لا تملك في الرصيد الواقعي إلا تجربة مريرة مهزومة لا يزال البعض من المضللين عندنا يبكي على أطلالها.

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: