استضعاف المستضعفين: إيران والانقلابات العسكرية في إفريقيا
الأربعاء 30 أبريل 2014

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

خاص بالراصد

   رفع الخميني عقب نجاح الثورة في إسقاط نظام الشاه مبدأي حماية المستضعفين ومواجهة الاستكبار العالمي اللذين أصبحا من أهم مبادئ السياسة الخارجية الإيرانية، وأكسبا الجمهورية الإسلامية الكثير من الشعبية في الأوساط العربية، حتى جاءت الثورة السورية ليصطدم الرأي العام العربي بموقف إيراني غير مسبوق في دعم نظام مجرم ومستبد، وتسخير كل الطاقات للدفاع عنه، والمشاركة في العمليات العسكرية ضد الشعب السوري، بل دفع بوكيله حزب الله اللبناني ضد الثورة السورية، حتى ذهل الكثيرون من مواقف حزب الله ومفاخرته بجرائمه بحق الشعب السوري، وتقديمها كانتصارات على الصهاينة، في حين أن الدماء التي سالت ولا زالت دماءٌ سورية لم تكن فيها أي قطرة إسرائيلية رغم "التحرشات" المبررة في القانوني الدولي للرد عليها، وهو ما لم يحصل بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات.

  والإشكالية في هذه المبادئ الخمينية المثالية أنها تنطلق من خلفية دينية تتمحور حولها العقيدة الشيعية، فحماية المستضعفين رسالة حسينية عند الشيعة، ومرتبطة في مخيالهم بمظلوميته، مما يجعل الخروج عن هذه المبادئ لا يبرر إلا بالنفاق والمتاجرة بالدين، خاصة وأن من يقف على رأس النظام المرشد الأعلى علي خامنئي، وهو مرجع ديني في مستوى آية الله العظمى. وإذا ما استثنينا الحالة السورية وسلمنا جدلا بأنها مؤامرة كونية كما يبرر عملاء إيران في المنطقة فإلى أي مدى التزمت طهران بهذه المبادئ في مناطق أخرى؟

الانقلابات العسكرية والمستضعفون:

  تبرر أي حركة تغيير للنظم السياسية بأنّها محاولة لتخليص الشعب من نظام مستبد وفاسد أضاع حقوق المواطنين وجعلهم يعيشون الفقر المدقع، ولا تخلو من اتهامات له بتسليم مقدرات البلد وثرواته للقوى الأجنبية، وفي المقابل تعِد بغد مشرق وزاهر يسود فيه العدل والرخاء والحرية، تسخر فيه كل طاقات الدولة لمشروع تنموي رائد.

وإن كانت الحركات الاحتجاجية الشعبية والثورات التي تنطلق من الأسفل إلى الأعلى تعبر عن هذه الحقيقة فإن المحاولات التي تكون من الاتجاه المعاكس ممثلة بشكل خاص في الانقلابات العسكرية، وإن لم تكن مخطئة في التوصيف أعلاه إلا أنه في الغالب الأعم يكون مجرد تبرير لصراعات بين النخب الحاكمة سرعان ما يقوم المنتصر فيها بممارسات أفظع وأشنع، ويتشبث بالسلطة أكثر ممن سبقه، حتى وإن زينها ببعض المساحيق القانونية التي لا تخطئ العين أنها مجرد غطاء لنظام ديكتاتوري مستبد.

وتعد القارة الإفريقية من أكثر المناطق التي تموج دولها بالانقلابات العسكرية، إذ لم تنعم جلها بحالات استقرار سياسي متوسطة المدى وتداول سلمي على السلطة منذ استقلالها عن القوى الاستعمارية. حتى أضحت ظاهرة الانقلابات خاصية مميزة للقارة، وبحسب بعض التقديرات فقد شهدت إفريقيا في الخمسين سنة الماضية ما لا يقل عن ثمانين عملية انقلابية معظمها في دول غير عربية، واستهدف بعضها نظما منتخبة ديمقراطيا([1]).

  هذه الاضطرابات السياسية تؤثر بشكل كبير على السياسات الخارجية للقوى الإقليمية والدولية تجاهها، في ظل تضارب المصالح وارتباط القوى السياسية الحاكمة بأطراف خارجية تدعمها، وبحث القوى المعارضة عن أطراف أخرى خاصة في حالة الانقلاب العسكري، وهذا ما تشهده الكثير من الدول، ومن بينها إيران، التي سنحاول أن نقدم نماذج عن طريقة تعاطيها مع الانقلابات العسكرية في إفريقيا ومدى تناقضها مع مبدأ حماية المستضعفين الذي ترفعه في سياستها الخارجية.

الدفاع عن المستضعفين الأفارقة في السياسة الخارجية الإيرانية حاليا:

  لا تغيب مبادئ حماية المستضعفين ومواجهة الاستكبار العالمي عن الخطاب الإيراني الحالي تجاه إفريقيا، إذ كانت في واجهة أسباب انفتاحها عليها، حيث ارتكز الانفتاح الإيراني على القارة الإفريقية على مواجهة الاستعمار العالمي وتشكيل ما يسمى بجبهة معادية للاستعمار الموازية للقوى الغربية التي تنهب ثروات القارة، كان رفعها الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد خلال عهدتيه الرئاسيتين.

كما أكد المرشد الأعلى علي خامنئي، أن إيران ترحب بتطور وتنمية الدول الإفريقية واتحادها. وأشار إلى الممارسات العدائية لبعض الدول الأوروبية وكذلك أمريكا في استعمار الدول الإفريقية وإثارة الفتن والمؤامرات في هذه الدول، معربا عن أمله بأن تشهد القارة الإفريقية مستقبلا أفضل بكثير مصحوبا بمزيد من التطور يوما بعد آخر([2]).

  وإزاء القضايا الحالية على سبيل المثال لا الحصر اعتبر السفير الإيراني في إسبانيا مرتضى صفاري نطنزي أن التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ناجمة عن تبعية الأنظمة الديكتاتورية للغرب وإذلال الشعوب في المنطقة([3]).

واعتبرت طهران أن التدخل الفرنسي في إفريقيا الوسطى بعد الانقلاب الأخير وما أعقبه من عنف هو استغلال لحالة الفوضى كذريعة لادعاء ملاحقة عناصر تنظيم القاعدة، وذلك بعد تدخلها في مالي وليبيا. وأن الأمر ليس جديدا على تاريخ فرنسا الاستعماري المليء بالدموية والوحشية، خاصة بعد سقوط أبرز حلفائها بالمنطقة زين العابدين بن علي، وهو الأمر الذي دفعها إلى التصيد من أجل إرضاء طموحات الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الاستعمارية، للنهوض بالاقتصاد الفرنسي على حساب دم ونهب ثروات الشعوب الأفريقية([4]).

كما صرح قبلها المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية رامين مهمان باراست أن إيران تدعم جهود الاتحاد الإفريقي لاستعادة "السلام والأمن" في مالي عقب الانقلاب العسكري وقال إن الجمهورية الإسلامية "تدعم دائما وحدة، وسلام، واستقرار، وسلامة أراضى مالي، وتحترم حقوق الشعب والديمقراطية في البلاد" .وأن أي إخلال بالأمن في إفريقيا سيلحق الضرر بالشعب الإفريقي، وتستغله القوى الخارجية، وأضاف أنه يتعين على الشعوب الإفريقية حل خلافاتها الداخلية من خلال المفاوضات والمحادثات السلمية"([5]).

ولكن الموقف لم يخرج عن مستوى التنديد والتشهير الإعلامي لممارسات القوى الدولية للتغطية عن أعمالها التي لا تختلف عنها لا من حيث الأساليب ولا من حيث الأسباب، وإن كان حجم التدخل العسكري الإيراني أقل بكثير مقارنة بالقوى الغربية واعتماده الأساليب غير المباشرة والمحلية في الكثير من الأحيان.

ردود الفعل الإيرانية عن الانقلابات العسكرية في إفريقيا

اللافت للانتباه في براغماتية السياسة الإيرانية أنها لا تراعي الجانب الإنساني الذي تدعيه، وإنما كل ما يحرك ويوجه مواقفها من الأنظمة الإفريقية هو علاقة الأخيرة بالدول الغربية، وما تتيحه لها من فرص اقتصادية أو سياسية لتزاحم أو تساوم بها القوى الأخرى ولو على حساب الدماء الإفريقية، وأبرز ما يدلل على هذا موقفها من الانقلابات العسكرية والأنظمة الديكتاتورية، حيث لم يحصل أي موقف سياسي إيراني أقدمت فيه طهران على قطع علاقاتها مع بلد إفريقي حصل فيه انقلاب عسكري واعتبرته مضرا بمصالح ذلك الشعب، وديكتاتورية لا يمكن أن تسمح لها مبادئها تجاه المستضعفين تجاهل ما يعانيه هؤلاء من ظلم واضطهاد بسبب تلك الانقلابات، ورغم إدراك حقيقة الويلات التي تعقب الانقلابات العسكرية إلا أنها لم تتوانَ عن نسج علاقات متينة وقوية مع الأنظمة الناتجة عنها خاصة عندما ترفع الأخيرة شعارات مواجهة الغرب ممثلا في الولايات المتحدة وفرنسا تحديدا.

فإثر الانقلاب العسكري في النيجر (فبراير 2010) وعلى الرغم من عدم وضوح تأثيره على العلاقات بين النيجر وإيران، فإن أحد التقارير ذكر أن الدبلوماسيين الإيرانيين غادروا عاصمة النيجر نيامى عقب استيلاء المجلس العسكري على السلطة مباشرة، وبعد خمسة أيام ذكرت الصحافة التليفزيونية الإيرانية أن الرئيس المخلوع مامادوا تانجا أصبح أقل شعبية لأنه قام بتغيير الدستور للبقاء في السلطة([6]).

وهذه كانت بداية تحول إيراني في تأييد الانقلاب والتنكر لعلاقاتها مع نظام مامادوا تانجا الذي لم تكتشف ديكتاتوريته وتراجع شعبيته إلا بعد الانقلاب بخمسة أيام. بل وهناك من يذهب إلى أن الانقلاب ورغم أسبابه الداخلية البحتة إلا أنه لم يخلُ من بعد خارجي تمثل في العلاقات التي نسجها الرئيس مع المحور الصيني الإيراني على حساب المحور الأوروبي الأمريكي([7]).

ولعل هذا ما يفسر مغادرة الدبلوماسيين الإيرانيين النيجر رغم أن الانقلاب وصف بالأسرع والأقل عنفا. وبعد استتباب الأوضاع هناك وخلال زيارة نجاد للبلاد في أواخر عهدته الثانية سنة 2013 كان اليورانيوم من أولويات الرئيس الإيراني وليس المستضعفين وأوضاعهم وحقوقهم.

كما أن توقيت قرار قطع العلاقات الجامبية مع إيران أثار الكثير من علامات الاستفهام، حيث جاء عقب 10 أيام من محاولة انقلاب فاشلة اتهم الرئيس الجامبي يحيى جامع ضباط الشرطة الذين تم اعتقالهم في 11/11/2010  بمحاولة إقصائه عن رئاسة جامبيا وقلب نظام الحكم فيها .وهي الثانية التي يتورط فيها مسؤولون كبار في المؤسستين العسكرية والأمنية في جامبيا بعد إحباط المحاولة الانقلابية الأولى قبل أربعة أشهر ما يطرح المزيد من التساؤلات حول الدور الإيراني والانقلابات الأخيرة بجامبيا، في ضوء القرار الجامبي الذي جاء قويا وسريعا([8]).

مع العلم أن العلاقات الجيدة بين البلدين والتي كانت متطورة جدا انتعشت في ظل نظام ديكتاتوري اعتلى فيه الرئيس السلطة بعد انقلاب عسكري، وبغضّ النظر عن صحة الاتهامات لإيران بالوقوف وراء محاولات الانقلاب العسكرية من عدمها فإن مما لا شك فيه أن شحنة الأسلحة المهربة التي كانت السبب المباشر لقطع العلاقات ضحاياها كانوا (لو تمت العملية) من المستضعفين بكل تأكيد الذين تدعي إيران دعمهم ومساندتهم.

وكما يقول الكاتب رضا عبد الودود، فإن الاستبداد السياسي والتضييق على القوى المعارضة في جامبيا طوال الثلاثين عاما الماضية لم يدفع إيران الثورة "الإسلامية" و"المبادئ" أن تقف ضد سياسات جامبيا أو تدفع نحو تحقيق التصالح بين الحاكم والشعب المقهور، ما يؤكد أن مصالحها فوق كافة الحقوق والشعارات التي ترفعها، ففي الوقت الذي شنت فيه طهران هجوما على قرار جامبيا قطع علاقاتها معها ووصفتها بأبشع الأوصاف من الخضوع والانصياع للأجندات الأمريكية والدولية، لم تتحرك لدعم حق الشعب الجامبي الذي يعاني الاستبداد المؤبد، إذ يؤكد المراقبون أن الرئيس الجامبي يحيى جامع الذي دخل عامه التاسع والعشرين في الرئاسة وكان ضابطا شرفيا برتبة ملازم في الجيش قبل تنفيذ انقلابه يسعى إلى تأبيد حكمه لمدى الحياة من خلال دعوته للاستفتاء على ذلك.

كما أنه بسبب معارضة الأحزاب والقوى السياسية لهذه الخطوة من جانب جامع بدأ نظامه في تضييق الخناق على أنشطتها بصورة تكاد تقترب من حظر نشاطها واتهام نشطائها له بالسعي إلى تقويض نظام حكم البلاد من الجمهوري إلى الملكي وهو ما بدأ التمهيد له بإصدار القيادات التقليدية والعرقية الموالية له مسمى ملك جامبيا عند مخاطبته([9])، مع العلم أن الدولتين كانتا قبل الأزمة تريان أنهما تعانيان من الاضطهاد الدولي، فإيران تعاني نتيجة لبرنامجها النووي، أما جامبيا فلها ملف من انتهاكات حقوق الإنسان([10]).

الإسلاميون والانقلابات العسكرية: السودان والجزائر

وبالنسبة للدول الإفريقية العربية التي حصلت فيها انقلابات عسكرية نجد التناقض نفسه في مواقف إيران حتى بدخول عامل إضافي للمعادلة ممثل في الإسلاميين، وأبرز الأمثلة كان في الانقلابين اللذين شهدتهما الجزائر والسودان في نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي، فبينما نددت بالانقلاب العسكري في الجزائر سنة 1991 بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات واصفة إياه بالانقلاب العسكري ومعتبرة مواقفها رد فعل طبيعي بحكم التزامها بمبادئ حماية المستضعفين، كانت في وقت سابق أيدت انقلاب آخر قام به الفريق عمر البشير في السودان، ولم تلتفت لشرعيته من عدمها باعتباره انقلابا عسكريا أم ثورة، لتشهد علاقتها مع النظام وليد الانقلاب تطورا كبيرا، فإضافة للتعاون الاقتصادي ساهمت في بناء جهازه الأمني الذي تعزى إليه أغلب حالات القمع وممارسات العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، فقد مكنت المساعدات الفنية والتدريبية والأسلحة التي قدمتها إيران، الحكومة السودانية من قمع العديد من الانتفاضات، كما حدث في الشمال بسبب ارتفاع معدلات التضخم (120%) وما حدث في مقاطعة دارفور، ثم في جبال النوبة([11]).

 العامل الخارجي وفرص النفوذ: موريتانيا

سبق الموجة الثورية التي شهدتها دول شمال إفريقيا العربية عدة انقلابات في موريتانيا، ففي شهر أوت/ أغسطس 2008 وقع انقلاب عسكري، رفضت إيران في البداية تغيير السلطة ودعت إلى إعادتها إلى ممثلي الشعب الموريتاني ونددت بالانقلابات العسكرية، وربما يعود ذلك إلى الخطب الإيجابية التي ألقاها الرئيس السابق عبد الله ووزير الخارجية الموريتانية أحمد ولد سيد أحمد في أبريل 2007، والتي عبَّرا خلالها عن تقديرهما لجهود إيران في العراق ولبنان، ولكن بعدما عبّر المجلس العسكري عن معاداته لإسرائيل، وأكد استمرار الاستثمارات الإيرانية، وتجميد الحكومة الموريتانية علاقاتها مع الدولة اليهودية في يناير 2009، ردا على هجوم إسرائيل على غزة قبل شهرين من هذا التاريخ، وطرد السفير الإسرائيلي، تحسنت العلاقات بين الطرفين وعملت إيران على سد الفجوة التي خلفتها إسرائيل، بدعم بعض المشاريع التي كانت تمول من الحكومة الإسرائيلية واللجنة اليهودية الأمريكية.

وعندما زار قائد الانقلاب ولد عبد العزيز إيران في يناير 2010 للاحتفال بافتتاح السفارة الموريتانية في طهران، أشاد كلٌ من أحمدي نجاد، وعلي خامنئي بقطعه لعلاقات بلاده مع إسرائيل، كما أشاد أحمدي نجاد أيضا بالدعم الذي تقدمه موريتانيا لإيران على الساحة الدولية. ودعا خامنئي الموريتانيين إلى تجنب استضافة الوجود العسكري الأمريكي، في إشارة إلى البحث الذي تقوم به القيادة الأفريقية للولايات المتحدة عن قواعد لها في القارة([12]).

الثورات والانقلاب عليها: تونس ومصر

وبينما كانت علاقتها جيدة مع نظام زين العابدين بن علي ولم تراع ظلمه لشعبه ولا ديكتاتوريته ولا موالاته للغرب والاستكبار العالمي بل لم تلتفت حتى لقمعه للحركة الإسلامية التي كانت تدعي الدفاع عنها مما تسبب في قطع العلاقات بين الطرفين في الثمانينات، لتعود وتتحسن ابتداء من سنة 1990، بعدما قامت طهران مقابلها ببيع حركة النهضة لنظام زين العابدين بن علي في الوقت نفسه الذي كانت تدعي الدفاع عنها في الجزائر والسودان كما سبق الإشارة، ولاحقا ومع تطور العلاقات بلغ بها الأمر درجة منع راشد الغنوشي الذي كان من أكثر المؤيدين لنظام الجمهورية الإسلامية من دخول إيران مقابل صفقات اقتصادية وغضّ النظر عن نشر التشيع في تونس مما جعل الأخير ينتقد طهران وينعت مراهنتها على نظام ديكتاتوري بالانتهازية([13])، ولكن عند الثورة تغير الحال حيث أعربت عن تأييدها للشعب التونسي، وأصبح زين العابدين بن علي مواليا للغرب وديكتاتورا وهو المشهد الذي تكرر في مصر.

 فهناك كانت علاقتها متأزمة مع نظام حسني مبارك، لذلك احتفت كثيرا بسقوطه وحاولت نسبة الثورة المصرية لنفسها، ولكن مع وصول الإخوان للسلطة وانتهاجهم لخط سياسي مخالف كثيرا للمواقف الإيرانية الذي بلغ ذروته برفض قمع نظام بشار الأسد للشعب السوري، تغير الموقف الإيراني حيال مصر وجاء الانقلاب ليكشف تلون المواقف الإيرانية حيث وقعت إيران في شباك رد فعل "انتقامي" احتفى على استحياء أحيانًا، وبوضوح أحيانًا أخرى بـ "سقوط الإخوان".

فإيران لم تنس لمرسي خطابه الذي تحدى به المنظومة الفكرية الشيعية في عقر دارها، ووجّه النقد إلى دور الجمهورية الإسلامية في سوريا خلال زيارة إلى طهران لم تتجاوز الساعات الأربع تجنب خلالها مقابلة مرشد الثورة علي خامنئي. وغلبت نبرة تبريرية على القراءة العجولة لما حدث في مصر؛ فمرسي لم يتخذ "موقفًا متشددًا من إسرائيل كما كان متوقعًا، وتراجع عن مبادرته لحل الأزمة في سوريا سلميًا، وارتكب الكثير من الأخطاء"، وتجاوز ذلك إلى وصفه بـ "قلة الكفاءة والغرور"([14]).

الخلاصة:

ربما تكون مصادفة أن يكون معنى الثورة في اللغة الفارسية هو انقلاب، ولكن في اللغة السياسية هناك فرق كبير بين الكلمتين لا شك أن طهران تدركه جيدا، وهي في تفسير معانيه تستند إلى قاموس مصالحها، وهذه أمور طبيعية جدا فالدولة ليست جمعية خيرية كما يقال.

ولكن في المقابل هناك جملة من القيم والمبادئ يجب أخذها بعين الاعتبار في التحليل السياسي لمواقف الدول، وهذا ما يستند إليه في تحليل استراتيجيات القوى الدولية، حيث الإجماع على أن نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان كان مجرد واجهة من طرف القوى الغربية لتبرير سياساتها في المنطقة، وهذا ما تجلى في كثير من المواقف بداية من فلسطين وانتهاء بالعراق وسورية.

ولكن في المقابل الكثير من الأكاديميين والسياسيين في الأوساط العربية، يحاولون لي عنق هذه الحقائق عند الحديث عن السياسة الخارجية الإيرانية، مستثمرين في تناقضات المشهد العربي، ولعل النافذة الإفريقية البعيدة نسبيا عن الانفعالات العاطفية في التحليل، تكشف بما لا يدع أي مجال للشك أن الدور الإيراني هناك تخريبي يستند لنفس الآليات التي تنتهجها القوى الغربية في سياساتها وهو ما يمكن تعميمه انطلاقا من هناك على المنطقة العربية أيضا.

وبالنسبة للموقف من الانقلابات العسكرية الذي اتخذناه نموذجا في هذه الدراسة، المتناقض جملة وتفصيلا مع مبدأ الدفاع عن المستضعفين، اتضح تشابه محددات السلوك الإيراني تجاهها في الدول الإفريقية والعربية، فإيران تعوّل على أي تغير سياسي وتستثمر فيه بما يخدم مصالحها لمنافسة القوى الدولية والإقليمية، دون الأخذ بعين الاعتبار أوضاع الشعوب ومعاناتها جراء التغييرات السياسية، وحتى إن اقتضى ذلك توظيف دماء المستضعفين في صراعات داخلية فضلا عن الالتفات لما تقوم به الأنظمة العسكرية في حقها، ومن ينتظر من مثل هذه الأنظمة التصويت لصالح ملفه لحقوق الإنسان في المحافل الدولية وتبادل الأدوار معه في نفس المجال وتعليق وتبرير كل الانتهاكات والظلم على مشجب مواجهة الاستكبار، هل يمكن الحديث إذا عن مبادئ وقيم دينية لدى آيات الله العظمى الشيعية؟!

 

 



([1]) إفريقيا تاريخ حافل بالانقلابات، الجزيرة نت، 16/04/2012، على الرابط:  

http://www.aljazeera.net/news/pages/f476eff5-b0fd-4536-94c2-64c45a72cb24?GoogleStatID=9

([2]) قائد الثورة الإسلامية: إيران ترحب بتطور وتنمية الدول الإفريقية واتحادها، قناة العالم، 10/04/2013، على الرابط:

http://www.alalam.ir/news/1462983

([3]) تبعية الأنظمة الديكتاتورية للغرب وراء تطورات المنطقة، قناة العالم، 08/08/2011، على الرابط:

http://www.alalam.ir/news/654531

([4]) فرنسا تبدأ حملة عسكرية لإنهاء «فوضى الانقلاب» في أفريقيا الوسطي .. وصحيفة إيرانية: سياسة هولاند تحلم بالعودة إلى الماضي، موقع الوادي الإخباري، 07/12/2013، على الرابط:

http://elwadynews.com/world-news/2013/12/07/4497

([5]) إيران تدعم جهود الاتحاد الأفريقي لاستعادة السلام في مالي، صحيفة الشعب،27/03/2012، على الرابط:

http://arabic.people.com.cn/31663/7769808.html

([6]) أميرة محمد عبد الحليم، أحمدى نجاد في غرب أفريقيا، الأهرام الرقمي، 01/02/2011، ، على الرابط:

http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=485862&eid=122

([7]) سمير صالحة، النيجر.. انقلاب بلا دماء، جريدة الشرق الأوسط، 05/03/2010، على الرابط:

http://www.aawsat.com/details.asp?section=45&article=559721&issueno=11420#.U1YeDlV5Ozw

([8]) جامبيا.. مخطط انقلابي للإطاحة بالرئيس بمشاركة الاستخبارات، المصري اليوم، 12/11/2010، على الرابط:

http://www.almasryalyoum.com/news/details/95055

([9]) رضا عبد الودود، تداعيات قطع جامبيا علاقاتها مع إيران، موقع المسلم، 27/12/1431 هـ، على الرابط:

http://almoslim.net/node/137784

([10]) أميرة محمد عبد الحليم، المرجع السابق.

([11]) صلاح سالم زرنوقة، السودان من الانقلاب العسكري إلى المعارضة المسلحة: النظام السوداني من منظور علاقاته مع إيران، الأهرام الرقمي نقلا عن مجلة السياسة الدولية، 01/04/1997، على الرابط:

http://www.ahramdigital.org.eg/articles.aspx?Serial=218714&eid=3379

([12]) أميرة محمد عبد الحليم، المرجع السابق.

([13]) أسامة شحادة، من تاريخ الحركة الإسلامية مع الشيعة وإيران، كتاب الراصد 7، ص 129.

([14]) فاطمة الصمادي، بين اللوم والتوجس قراءة إيرانية مرتبكة لأحداث مصر، مركز الجزيرة للدراسات، 30/07/2013، على الرابط:

http://studies.aljazeera.net/reports/2013/07/2013729134937923407.htm

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق