إيران وركوب الأمواج العالمية: جنوب إفريقيا نموذجا
الأثنين 31 مارس 2014

 

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

خاص بالراصد

  يتميز النظام الإيراني بقدرته على الحركة السريعة، والنشاط الدبلوماسي المتعدد الاتجاهات. يتجلى ذلك في اقتناص كل الفرص المتاحة أو المحتملة لتعزيز حضوره في المجتمع الدولي، والدفاع عن مصالحه، وتحوير الكثير من القضايا العالمية لما يتماشى مع مراميه، خاصة في ظل علاقته المتوترة مع أهم القوى الدولية ممثلة في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.

وأبرز ما قام به في هذا المجال محاولة التموقع إلى جانب كل تشكيل سياسي مناهض أو منافس لواشنطن، وحتى توطيد العلاقات مع الدول الصغيرة في أميركا اللاتينية وإفريقيا. وبغض النظر عن حجم المكاسب المحصلة من كل تلك النشاطات، فإنها على الأقل توظف لتعزيز شرعية النظام، وتصوير إيران للرأي العام الداخلي بأنها تحظى بقبول في المجتمع الدولي، خاصة عندما تتصدر الواجهة في قضايا عالمية لها تأثيرات إقليمية كبيرة.

  وإذا كانت طهران لا تألوا جهدا في إرساء علاقات متينة وقوية مع دول صغيرة جدا فما بالك عندما يتعلق الأمر بقوة إقليمية بحجم جنوب إفريقيا، وموقعها في الساحة الدولية، خاصة في ظل القيمة المضافة التي يمنحها إياها زعيمها العالمي نيلسون مانديلا، حيث سعت إيران بدورها لاستغلال الفرص التي كان من المحتمل أن يتيحها صعود جنوب إفريقيا إقليميا ودوليا لتمرير سياساتها هي الأخرى نتيجة سقوط نظام الفصل العنصري هناك، وعودة البلد للعب دور إقليمي قوي وفعال مع منتصف تسعينيات القرن الماضي بعد عقود من المقاطعة الدولية، والذي تزامن مع انهيار الاتحاد السوفياتي. ففيمَ تتمثل الرؤية الإيرانية للمكاسب التي تمنحها إياها بريتوريا؟

تحولات السياسة الخارجية الجنوب إفريقية

  تعتبر جنوب إفريقيا من الدول المحورية في القارة السمراء، وقد اقترن اسمها في هذا العصر برئيسها نيلسون مانديلا الذي توفي في ديسمبر 2013، إذ اشتهر بكونه رجل السلام، نظرا لنضاله الطويل في سبيل التحرر من نظام التمييز العنصري طيلة أكثر من ثلاثة عقود، حتى إسقاطه سنة 1994، ليرأس زعيم المقاومة بلاده لفترة واحدة ثم يسلم السلطة ويفتح المجال لغيره، وينشط دوليا بتأسيسه سنة 2007 مجلس حكماء العالم (مؤسسة المتنفذين)، الذي ضم أهم الشخصيات الدولية المؤثرة، وذلك من أجل نشر السلام والعدالة والدفاع عن حقوق الإنسان ومكافحة الظلم والفقر والحرب في أنحاء العالم.

  وتبعا لهذا عَرفت السياسة الخارجية لجنوب إفريقيا تحولا جذريا حيث حاولت أن تعكس تصوراتها الداخلية خارجيا، ومن أهم المبادئ التي أرساها مانديلا ولا زالت السياسة الخارجية الجنوب إفريقية ملتزمة بها إلى حد كبير، احترام وتعزيز حقوق الإنسان، ودعم السلام الدولي، واعتماد الوسائل السلمية لحل الأزمات.

ومنذ 1994، لعبت دورًا متزايدًا في القارة الإفريقية وعلى الصعيد العالمي أيضًا. فقد تم انتخابها مرتين عضوا غير دائم في مجلس الأمن، وهي عضو في مجموعة IBSA (تحالف ثلاثي يضم جنوب إفريقيا والهند والبرازيل)، وأصبحت مؤخرًا عضوًا في مجموعة دول البريكس([1])، كما أن دورها في الاتحاد الإفريقي كوسيط ومساهم في قوات حفظ السلام في القارة الأفريقية قد شهد نموًا متزايداً([2])

إيران وجنوب إفريقيا:

   ما أقدم عليه نظام الثورة سنة 1979 من قطعٍ لعلاقات إيران مع نظام الفصل العنصري كان متوقعا لجملة من الأسباب يأتي في مقدمتها المبادئ الجديدة التي أرساها آية الله الخميني كدعم المستضعفين ومواجهة الاستكبار العالمي، وما كان يجري في جنوب إفريقيا من هذه الزاوية يعتبر حرب تحرير يخوضها المستضعفون السود ضد القوى الاستعمارية التي خلّفت وراءها أقلية بيضاء متحكمة في كل مقدرات البلاد والجاثمة على صدور الأغلبية منذ قرون. ومن جهة أخرى، فإن الكيان الصهيوني كان تقريبا الاستثناء الوحيد في العالم الداعم لنظام الفصل العنصري بمختلف الأشكال السياسية والعسكرية، فضلا عن علاقات الأخير بنظام الشاه حيث كان يزوده بالنفط مقابل اليورانيوم الذي كان يحتاج إليه في برنامجه النووي.

 وعقب نجاح حزب المؤتمر الوطني بزعامة نيلسون مانديلا في إسقاط نظام الأبرتهايد، عادت العلاقات بين الطرفين من جديد، حيث أصبحت إيران مزودا رئيسيا لجنوب إفريقيا بالنفط، وشهد عام 1996 زيارة الرئيس هاشمي رفسنجاني لجنوب إفريقيا، وبدوره قام مانديلا بزيارة مماثلة لإيران، كما قام الرئيس محمد خاتمي بزيارة هو الآخر سنة 1998، وزيارات أخرى بين الطرفين على المستوى الوزاري أسفرت كلها عن دعم وتعزيز العلاقات التجارية بين البلدين([3]).

  وعلى المستوى الدبلوماسي، كثر الحديث عن تنسيق المواقف في مختلف القضايا الدولية، التي تتقاطع فيها الرؤى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي كان الزعيم الجنوب إفريقي من أشد المناصرين لها، واشتهر بمقولته: «لن تكتمل فرحتي باستقلال جنوب إفريقيا إلا باستقلال فلسطين». بمقابل نقده لإسرائيل بسبب دعمها لنظام الأبارتهايد كما سبق الإشارة، والعلاقات الإسرائيلية الجنوبية إفريقية لا زالت محكومة بإرث تلك المرحلة، فثلاثة رؤساء صعدوا إلى الحكم منذ نهاية الأبارتهايد، لكن أحدا منهم لم يطمح إلى التقرب من إسرائيل. من مانديلا وحتى جيكوب زوما، ورغم زيارة مانديلا إلى إسرائيل إلا أنه ظل ينظر للقضية الفلسطينية من نفس الزاوية التي كان ينظر منها لنظام الفصل العنصري، ودعا لاستقلال فلسطين، وإن كان يركز على الوساطة والحلول السلمية([4]).

  وأبرز المواقف التي كشفت التباعد الجنوب الإفريقي الإسرائيلي كانت في غياب المسؤولين الإسرائيليين وبشكل خاص الرئيس شيمون بيريز ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عن جنازة مانديلا التي حضرها جل زعماء العالم، وبرّرت السلطات الإسرائيلية ذلك بسبب ارتفاع تكاليف السفر، في حين أن السبب الحقيقي الذي دفع نتنياهو إلى إلغاء رحلته هو الموقف السلبي لجنوب إفريقيا من إسرائيل التي لا يحظى زعماؤها بترحيب على المستوى الشعبي([5]).

الملف النووي: الضغوطات فوق المبادئ والمصالح

  يأتي الملف النووي في صلب اهتمامات الدبلوماسية الإيرانية حيث حاولت في هذا الجانب استغلال تواجد جنوب إفريقيا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية واستخدمت لهذا الغرض حتى الطرق غير المشروعة على غرار منح شركة الاتصالات الجنوب إفريقية mtn رخصة الهاتف الخلوي في إيران مقابل ضغطها على الحكومة بالتصويت في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضد إحالة ملفها النووي لمجلس الأمن في الفترة بين 2005 و2006، في حين كانت قبلها تعارض البرنامج. 

  وفي مجلس الأمن حيث كانت جنوب إفريقيا تشغل مقعدا في الفترة الممتدة بين 2007 و2008 ظلت تؤكد على ضرورة حل الأزمة في إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واعتماد العقوبات الجماعية وليس الأحادية من طرف واشنطن، وحق الدول المنضوية تحت معاهدة حظر الانتشار النووي في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وهذا ما تختلف فيه مع الدول الغربية، واتهمت بأنها كسرت وحدة مجلس الأمن، رغم موافقتها على القرارات الأربعة التي صدرت ضد إيران خلال فترة ولايتها، مع المطالبة أحيانا ببعض التعديلات على مشاريع القرارات أو إرجاء تنفيذها، وكانت تصر على عدم وجود أدلة كافية تثبت تطوير إيران لأسلحة نووية، إلا أنها في المقابل أعابت على طهران عدم تقديم ضمانات بشفافية برنامجها، وأعربت إيران على إثر ذلك عن خيبتها من جنوب إفريقيا.

 لكن الاستياء الإيراني لم يمنع من بذل جهود دبلوماسية لاحقا لكسب دعم بريتوريا كالتعاون البرلماني بين البلدين حيث أكد برلمانا جنوب إفريقيا وإيران على التزامهما بجعل العالم مكانا أفضل للجميع، عقب اجتماع بين وفد من البرلمانيين. وناقش الجانبان قضايا التضامن والتعاون الدولي والتنمية الاقتصادية والطاقة النووية والإرهاب والقيم التي ينبغي أن تدعم العلاقات الدولية المعاصرة في العالم([6]).

وفي جولة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ولقائه بوزيرة الخارجية لجنوب إفريقيا حاول استمالتها لصالح بلاده، لدعمها في برنامجها النووي، وحديث ظريف من بريتوريا عن عدم نية بلاده امتلاك أسلحة نووية لا يأتي من فراغ خاصة عندما يذكر بالنموذج الجنوب إفريقي في التفكيك الإرادي للبرنامج النووي، وربط الهجمة الأمريكية والغربية على بلاده بالقضية الفلسطينية والازدواجية الغربية، وقد حاولت جنوب إفريقيا بالفعل الوساطة بين إيران والدول الأوروبية الثلاث: بريطانيا وفرنسا وألمانيا؛ لتسويق مقترحاتهم لحلِّ مشكلة الملف النووي الإيراني([7]).

  وأهم المواقف الجنوب إفريقية المؤيدة لإيران في هذا الجانب تلك التصريحات التي جاءت على لسان وزيرة الطاقة في جنوب إفريقيا "إليزابيث ديبو بيترز" حيث انتقدت بشدة في الاجتماع الوزاري الخاص بالطاقة النظيفة والذي عقد في نيودلهي فرض الحظر النفطي على إيران من قبل الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي دون إجراء مشاورات مع الزبائن الرئيسيين للطاقة الإيرانية. واعتبرت بأن فرض الحظر يخلف تأثيرات جيوسياسية سلبية علی الدول الفقيرة التي تعيش في حاجة ماسة إلی مصادر الطاقة.

وشددت علی ضرورة قيام واشنطن والاتحاد الأوروبي بإجراء عدة مشاورات مع هذه الدول قبل اتخاذ أي قرار بهذا الشأن، وأكدت بأن الولايات المتحدة الأميركية أصدرت إعفاء استمر 18 شهراً من تنفيذ الحظر النفطي المفروض ضد إيران كانت تشمل كلا من الصين وكوريا الجنوبية والهند وتركيا وتايوان وسريلانكا وسنغافورة؛ منتقدة رفض الاتحاد الأوروبي وضع جنوب إفريقيا بين هذه الدول([8]).

 لكن في الأخير واستجابة للضغوط الأمريكية التي تقدم لها مساعدات سنوية، وتأثير مبادئ السياسة الخارجية الجنوب إفريقية والغموض الذي يكتنف برنامج طهران النووي، قررت حكومة جنوب أفريقيا -كما أيدت قرارات مجلس الأمن سابقا- أيضا رفع حجم وارداتها من نفط نيجيريا وأنغولا والمملكة العربية السعودية بغرض تقليص مشترياتها من الخام الإيراني في إطار العقوبات على طهران([9])، رغم أنه يبلغ قرابة 40 بالمائة من احتياجاتها النفطية. ثم عادت مرة أخرى لترحب بالاتفاق الإيراني الغربي الذي عقد مؤخرا وتصفه بالطريق الأنجع لحل الأزمة.

سوريا: المبادئ ضد القيم  

  البعد المثالي في السياسة الخارجية والوزن الدولي لزعيمها مانديلا، وظّفته إيران في الكثير من  المجالات مستغلة حتى القضية الفلسطينية نفسها، فمثلا عَقد في طهران، أعضاء مؤسسة المتنفذين، وفي مقدمتهم الأمين العام السابق للأمم المتحدة ورئيس المؤسسة كوفي أنان، والرئيس المكسيكي السابق أرنستو زديلو، والرئيس الفنلندي السابق مارتي اهتي ساري، بمشاركة كبير أساقفة جنوب إفريقيا ديزموند توتو، مباحثات مع المسؤولين الإيرانيين حول القضايا الإقليمية والدولية المهمة، وتبنت الأمم المتحدة مشروع الرئيس الإيراني لمكافحة العنف والتطرف، وكان الهدف من الزيارة التأكيد على الدور الإقليمي والدولي لإيران في تسوية المشاكل وتنمية العلاقات على أساس الثقة والاحترام المتبادلين([10]).

  وتبرز في سوريا أسوأ أشكال توظيف المبادئ النيلسونية ضد القيم الإنسانية التي يفترض أنه يحارب لأجلها، إذ أشار الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال لقائه مع كوفي أنان إلى الحرب الناتجة عن دعم الجماعات الإرهابية كما يصفها من جانب بعض دول المنطقة، وحثه على ضرورة وقفها والاهتمام في نفس الوقت بالمساعدات الإنسانية للشعب السوري، وهو ما وافقه عليه المسؤول الأممي السابق([11]).

في حين أن الواقع الحقيقي الذي يدركه الجميع على عكس ذلك تماما، فطهران التي تدعم نظام بشار الأسد بالأسلحة والمال وحتى المقاتلين من الحرس الثوري، والتنظيمات الطائفية الشيعية العراقية وحزب الله اللبناني الذي رمى بكل ثقله خلف نظام الأسد، وكل ما يقوم به الأخير من جرائم بحق الشعب السوري طيلة السنوات الثلاث الماضية، رغم كل هذا إلا أن جنوب إفريقيا، وانطلاقا من "المبادئ النيلسونية"، ونتيجة التأثير الإيراني أيضا بشكل أو آخر، ترى أن دورها إيجابي.

كما اتخذت جنوب إفريقيا الكثير من القرارات المؤيدة لنظام الأسد مثلما فعلت مع نظام العقيد معمر القذافي، فعلى سبيل المثال دعت المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة إلى احترام سيادة سورية، كي يتمكن السوريون أنفسهم من إيجاد حل للأزمة، كما امتنعت بريتوريا في وقت سابق عن التصويت على قرار أممي يدين نظام دمشق ويدعو إلى الانتقال السياسي في سورية أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية الأصوات([12]).

  وفي نفس السياق أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا وجنوب إفريقيا ستنسقان مواقفهما من الملف السوري لوقف العنف ومنع التدخل الأجنبي، موضحا أن موسكو ستواصل العمل من أجل حل الأزمة السورية بأسرع وقت ممكن، وقال بوتين عقب لقاء مع نظيره الجنوبي إفريقي جيكوب زوما: "نعتزم مواصلة العمل من أجل وقف العنف في أسرع وقت، وسندعم وحدة أراضي وسيادة الدولة السورية([13]).

  ومحاولةً لاستغلال الفواعل الجديدة في العلاقات الدولية على غرار دول البريكس، ودور جنوب إفريقيا فيها التي ترأست قمتها في 26 مارس 2013، فقد عمل نظام الأسد على استغلال دورها بالطلب من "البريكس" التدخل لوقف العنف في بلاده والمساعدة على إقامة الحوار الذي يرغب ببدئه (على ما يزعم)، وذلك في رسالة سلمتها مستشارته بثينة شعبان لرئيس جنوب إفريقيا جاكوب زوما. ونوهت بأن زوما "بدا متجاوبا خلال الاجتماع، وأبدى أسفه للدمار الذي يصيب بلدنا الجميل، وأوضحت أنها زارت في الإطار نفسه كلا من روسيا والصين والبرازيل والهند([14]). وللعلم فإن الدول الأعضاء في هذه المجموعة قد امتنعت عن التصويت في مجلس الأمن بالنسبة للقرارات المتعلقة بليبيا وكذلك بعض القرارات الخاصة بسورية.

نيجيريا وجنوب إفريقيا: اللعب على التناقضات الإقليمية

  يتجلى التأثير الإيراني على الساحة الإفريقية والدولية أيضا في استغلال التناقضات الإقليمية الإفريقية وتوظيفها في التنافس الدولي خاصة مع إسرائيل، وبالنسبة لموضوعنا يظهر في الرباعي جنوب إفريقيا/ نيجيريا من جهة، وإيران/ إسرائيل من جهة أخرى، إذ تسعى نيجيريا للعب دور كبير في القارة السمراء منافسة في ذلك جنوب إفريقيا وحتى مصر، حيث يحتدم التنافس بين الدولتين على الريادة في القارة، ويتوقع بعض الاقتصاديين أن تصبح نيجيريا قائدة مستقبلية للقارة الإفريقية([15]).

ومحاولة الدولتين الظفر بمنصب ممثل للقارة في مجلس الأمن أبرز أشكال التنافس، ونظرا لقوة البلدين فإن بعض الدراسات الأمريكية أوصت واشنطن بتعزيز علاقتها مع "أبوجا" و"بريتوريا" لضمان فاعليتها أكثر في إفريقيا التي تتطلب وجود شركاء متماسكين موثوقين ونموذجيين في القارة. وتبدو كل من نيجيريا وجنوب أفريقيا كبلدين كبيرين من حيث النفوذ الإقليمي والقدرات العسكرية والسيطرة الاقتصادية والطموحات الواسعة في سياستهما خيارين مناسبين([16]). 

 وبعض الأزمات بين الطرفين تدلل على التنافس النيجيري الجنوب إفريقي، كانت بداياتها مع موقف مانديلا من النظام العسكري بقيادة ساني أباشا في نيجيريا الذي حكم بين 1993 - 1998، وكان عرضة لانتقاداته، مما اعتبرته نيجيريا تنكرا للدعم الذي كان يتلقاه حزب المؤتمر الوطني خلال كفاحه من أجل التحرر.

وبين الفينة والأخرى تطفو إلى السطح أزمة بين الطرفين، على غرار موقف الدولتين من الحركات الاحتجاجية في العالم العربي، وبشكل خاص نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا، ففي حين كانت نيجيريا تدعم بقوة الدعوة للاعتراف بالمجلس الوطني داخل الاتحاد الأفريقي، فإن جنوب إفريقيا ظلت تقف إلى جانب القذافي حتى آخر لحظة، واستمرت في تقديم المبادرة تلو المبادرة في محاولة للوصول لحل وسط حتى بعد أن بدأت قوات النيتو عملياتها العسكرية ضد نظامه([17]).

وأيضا الفشل في انتخاب رئيس لمفوضية الاتحاد الإفريقي سنة 2012 حيث انقسم القادة الأفارقة تقريبا بالتساوي بين الغابوني جان بينغ، الذي تدعمه دول غرب إفريقيا الناطقة بالفرنسية ونيجيريا في مقدمتها، والجنوب أفريقية نكوسازانا دلاميني زوما.  

  ولم تكن إيران وإسرائيل بعيدتين عن أجواء هذا الصراع، فقد ذكرت صحيفة (بنش) النيجيرية أن الحكومة الإسرائيلية تؤيد نيجيريا في الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي، وهو بكل تأكيد لم يكن مجانيًا، حيث تريد "إسرائيل" مقابل ذلك شرعنة وجودها في القارة الأفريقية لتصبح عضوًا في واحدة من أهم المنظمات الأفريقية([18]).

ونظرا للتنافس الإيراني الإسرائيلي فإن نيجيريا والتي تطورت علاقاتها بشكل كبير جدا مع إيران في مرحلة خاتمي توجت بالزيارات المتبادلة بين رؤساء البلدين، تعرضت لهزة قوية جدا بعد اكتشاف تدخل إيراني في النزاعات الداخلية بدعمها حركة إبراهيم الزكاكي الشيعية، وأيضا تهريب الأسلحة إلى غامبيا سنة 2010 مما أدى لقطع العلاقات بين الطرفين. واتهمت طهران حينها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة بالوقوف وراء محاولة تخريب العلاقات الإيرانية النيجيرية.

  أما الصراع المباشر بين إيران وإسرائيل في هذا الجانب فظهر في ردود الفعل عن زيارة الرئيس النيجيري جودلك جوناثان لإسرائيل، والتي استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي الفرصة فيها للحديث عن التهديد الإيراني "النووي" لإسرائيل على وجه الخصوص، ولكل دول القارة الإفريقية بوجه عام. وجاءت التصريحات المتبادلة والتقارب النيجيري الإسرائيلي خصما من حساب إيران وحزب الله اللبناني الذي يتم الربط بينه وبين إيران. وكانت نيجيريا قد أعلنت مرارا نجاحها في إحباط عمليات لحزب الله ضد إسرائيل في غرب أفريقيا، وبدا التعاون الأمني بين الدولتين واضحا في مواجهة الأنشطة الإيرانية وأنشطة حزب الله في المنطقة.

  ومباشرة بعد انتهاء الزيارة تحركت إيران نحو جنوب أفريقيا بتوجه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى بريتوريا على رأس وفد رفيع للمشاركة في الاجتماع الحادي عشر للجنة الاقتصادية المشتركة بين البلدين، وبعد ساعات من المباحثات وجهت جنوب أفريقيا ما وصفته وسائل الإعلام الإيرانية بعدة "لطمات" قوية لإسرائيل تمثلت في دعوة وزيرة خارجية جنوب أفريقيا "مايتى نكوانا ماشابانى" إلى رفع العقوبات التي فرضها الغرب على إيران، وباغتت الوزيرة إسرائيل بتوجيه النقد لسياساتها المتعلقة بإقامة المستعمرات في الأراضي الفلسطينية المحتلة في إطار تدشين حملة دولية للإفراج عن نحو خمسة آلاف أسير فلسطيني من بينهم مروان البرغوثى، وهكذا بدأت رقعة الصراع الإيراني الإسرائيلي داخل إفريقيا في الاتساع مستدرجة معها الكثير من الدول والأطراف الإفريقية ([19]).

كما أعلنت عن مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية ووضعت عليها علامات تميزها، وردا على ذلك استدعت وزارة الخارجية الإسرائيلية السفير الجنوب إفريقي للاحتجاج رسميا على قرار بريتوريا فرض ملصق تجاري على المنتجات المستوردة من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لتمييزها عن تلك المصنوعة في إسرائيل([20]).

الخلاصة:

  لم تكن مواقف إيران أكثر تميزا عن غيرها من دول العالم في مقاطعتها لنظام الفصل العنصري، والدول العربية تحديدا كانت على العكس من ذلك أكثر قربا من نيلسون مانديلا، وتعلم من ثوراتها الكثير، كالثورة الجزائرية، وبعد نجاحه في القضاء على نظام الأبرتهايد ثم مآثره السياسية الداخلية في سبيل إقرار المصالحة بين البيض والسود، وبعد ذلك نشاطه العالمي من أجل حماية حقوق الإنسان ونشر السلام وغيرها من القضايا الدولية والتي أكسبته كلها رمزية عالمية، أصبحت لا شك تحدد وتوجه السياسة الخارجية الجنوب إفريقية، وتكسبها مزايا جديدة فضلا عن موقعها الجيوسياسي.

وانطلاقا من هذا سعت كل الدول لتعزيز علاقاتها مع بريتوريا، وكانت إيران من بين هذه الدول، وبالفعل استطاعت أن تستثمر في المزايا العالمية التي أحدثها مانديلا برمزيته الدولية، على غرار مؤسسة المتنفذين، التي أصبحت واجهة لخدمة سياسات نظام الملالي في سوريا وغيرها، فضلا عن كسب صوت جنوب إفريقيا إقليميا ودوليا لصالحها، في رفض العقوبات على طهران بخصوص ملفها النووي، والقبول الممتعض بقرارات مجلس الأمن في هذا المجال، ناهيك عن أصوات مجموعة (البريكس) في الأمم المتحدة، والأسوأ من ذلك كله أن توظف القضية الفلسطينية لخدمة إيران، وهو ما لا تقوم به للأسف الدول العربية لا من أجل مصالحها الإقليمية ولا حماية للقضية الفلسطينية نفسها من هذا الاستغلال غير الأخلاقي، باسم المبادئ الإنسانية النيلسونية.

والمشكلة أن الدول العربية التي سعت إلى تعزيز علاقتها مع النظام الجديد وبشكل خاص دول الخليج، حققت نجاحات كبيرة مع جنوب إفريقيا في المجال الاقتصادي([21])، غير أنها لم تتوج بتقارب سياسي قوي، وهذا ما يتوجب عليها فعله سدا للأبواب أمام إيران.



([1]) تضم مجموعة "البريكس" (BRICS) الاقتصاديات الكبرى الناشئة، البرازيل وروسيا والهند والصين، تأسست سنة 2009 بالإضافة إلى جنوب إفريقيا التي انضمت إليها منذ 2010، لتفاصيل أكثر أنظر: موقع المعرفة، على الرابط:

http://www.marefa.org/index.php/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%B3

([2]) بين المثالية والسياسة الواقعية لقوة ناشئة السياسة الخارجية لجنوب أفريقيا، open democracy ، 04/07/2013.

([3]) محمد نور الدين عبد المنعم، إطلالة على تاريخ العلاقات الإيرانية الإفريقية، موقع الأهرام اليومي، نقلا عن مختارات إيرانية، 01/09/2011، على الرابط:

http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=719169&eid=8032

([4]) عدنان عدوان، إسرائيل وجنوب أفريقيا حلفاء الأمس أعداء اليوم، مجلة الوحدة الإسلامية، العدد 146، السنة الثالثة عشر، 02/2014، على الرابط: http://www.wahdaislamyia.org/issues/146/aadwan.htm

 

([5]) نتنياهو غاب عن تأبين مانديلا لعلمه أنه غير مرحب به، جريدة الوطن المصرية، 12/12/2013، على الرابط:

http://www.alwatan-eg.net/pages.php?option=browse&id=27521

([6]) جنوب إفريقيا وإيران تتعهدان بجعل العالم مكانا أفضل للجميع، جريدة الشعب الصينية، 07 /03/ 2014، على الرابط: http://arabic.people.com.cn/31663/8557949.html

([7]) أحمد حسين الشيمي، إفريقيا.. ساحة للسياسة الخارجية الإيرانية، أون إسلام، 12/03/2008، على الرابط:

http://www.onislam.net/arabic/newsanalysis/analysis-opinions/islamic-world/105180-2008-03-12%2008-05-19.html

([8]) جنوب إفريقيا تنتقد بشدة الحظر النفطي على إيران، موقع قناة العالم الإخبارية، 20/02/2013، على الرابط:

http://www.alalam.ir/print/1466357

([9]) جنوب إفريقيا تلجأ إلى نيجيريا وأنغولا والسعودية لتعويض نفط إيران، نوميديا نيوز، 15/06/2012، على الرابط:

http://www.numidianews.com/ar/article~28167.html?_featured=bbdbf47737d418bdc77c73ef28c50a49

([10]) كبير أساقفة جنوب إفريقيا ينضم إلى كوفي عنان في طهران، قناة العالم الإخبارية، 26/01/2014، على الرابط:

http://www.alalam.ir/news/1559504

([11]) الرئيس روحاني لدى استقباله وفدا من مؤسسة المتنفذين برئاسة كوفي أنان، موقع رئاسة الجمهورية الإيرانية، 28/01/2014، على الرابط:

http://www.president.ir/ar/74370

([12]) جنوب إفريقيا تدعو الأمم المتحدة لاحترام سيادة سوريا، جريدة الخبر الجزائرية، 16/05/2013، على الرابط:

http://www.elkhabar.com/ar/autres/dernieres_nouvelles/336215.html

([13]) تنسيق روسي جنوب إفريقي لمنع التدخل الخارجي بسوريا، قناة العالم الإخبارية، 16/05/2013، على الرابط:

http://m-ar.alalam.ir/tag/5957/3

([14]) الأسد يطلب من "البريكس" التدخل لوقف العنف بسوريا، قناة العالم الإخبارية، 16 /03/2013، على الرابط:

http://www.alalam.ir/news/1455804

([15]) سليت أفريك: نيجيريا القائدة المستقبلية للقارة الأفريقية، موقع تقارير، 03/02/2014، على الرابط:

http://www.thereports.net/Article/1/17/79/551630.

([16]) مراجعة لسياسة الولايات المتحدة حول إفريقيا، مركز القدس للدراسات، 25/04/2001، على الرابط:

http://alqudscenter.org/arabic/pages.php?local_type=128&local_details=2&id1=108&menu_id=10&cat_id=10

([17]) محجوب الباشا، نيجيريا وجنوب أفريقيا: زوبعة في فنجان؟، 19/03/2012، على الرابط:

http://www.kassalahome.com/php/index.php?showtopic=12557

([18]) ثابت العمور، الدلالات الأربعة لزيارة الرئيس النيجيري إلى "إسرائيل"، القدس أون لاين، 26/11/2013، على الرابط:

http://www.alqudsonline.com/contentdetails.asp?contentID=11871&chk=1

([19]) طارق الشيخ، جنوب أفريقيا تصفع إسرائيل بورقة إيران، الأهرام اليومي، 09/11/2013، على الرابط:

http://www.ahram.org.eg/NewsQ/241543.aspx

([20]) توتر بين إسرائيل وجنوب أفريقيا بسبب قرار بريتوريا وضع علامات على سلع المستوطنات، الشرق الأوسط، 24/08/2012، على الرابط:

http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12323&article=692212&feature=#.UzHxDKh5NDM

([21]) لتفاصيل أكثر حول هذا الموضوع انظر: خلود محمد خميس، السياسة الخارجية المعاصرة لجمهورية جنوب إفريقيا تجاه دول الخليج العربي، مجلة دراسات دولية، العدد 48، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، ص137-156.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق