إيران في إفريقيا: اختراقات وإخفاقات
السبت 1 فبراير 2014

 

 بوزيدي يحيى – كاتب جزائري

 

 خاص بالراصد

أولت إيران أهمية كبيرة للقارة الإفريقية باعتبارها قارة المستضعفين الذين كان من مبادئ الخميني الوقوف إلى جانبهم ودعمهم في وجه الاستكبار العالمي، ونظرا لفتوة النظام الجديد وتحديات الحرب مع العراق التي كانت تواجهه تأخرت الانطلاقة الإيرانية نحو إفريقيا حتى بداية تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت القارة ضمن أجندة كل من تعاقبوا على الرئاسة في إيران، متبنين رسالة الجمهورية الإسلامية التي خطها المرشد الأعلى الأول آية الله الخميني بداية من رفسنجاني الذي كانت زيارته للسودان سنة 1991 إيذانا بعصر جديد من العلاقات الإيرانية الإفريقية، كما قام بعده خاتمي بإعطاء دفعة جديدة للعلاقات بين الطرفين من خلال تأسيس أطر وهياكل مشتركة ألقي على عاتقها تجسيد ومتابعة المشاريع البينية، وبعده أحمدي نجاد الذي أعاد الشحنة الأيديولوجية للواجهة.

أما حسن روحاني فإن المؤشرات الأولية بعد عدة شهور على رئاسته تميل إلى تحييد كبير لذلك الزخم الأيديولوجي الذي أحدثه سلفه، غير أنه لا يمكنه الخروج عن الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الإيرانية، وإن كانت الاتفاقية مع الغرب حول البرنامج النووي قد تعطي دفعة جديدة لإيران في القارة باعتباره أحد أبرز أسباب توجهها نحوها، وفي نفس الوقت أهم معوق. فما هي أهم الاختراقات التي حققتها إيران في إفريقيا؟ وهل كان ذلك دون أي إخفاقات؟

الانتشار الإيراني في إفريقيا

يدلل النشاط الدبلوماسي على أولوية القارة السمراء في الأجندة الإيرانية، وانتشارها فيها، إذ تمتلك سفارات في أكثر من 30 دولة. وعقدت العديد من القمم الإفريقية الإيرانية المشتركة، كما تتمتع بصفة العضو المراقب في الاتحاد الأفريقي. وما فتئت القيادات الإيرانية على مستوى الرئاسة وكبار المسؤولين تزور العواصم الإفريقية بشكل دوري. فعلى سبيل المثال قام الرئيس السابق أحمدي نجاد بأكثر من ست جولات لدول غرب أفريقيا. كما قام كبار المسؤولين الإيرانيين عام 2009 بما يقارب من 20 زيارة لعدد من الدول الإفريقية([1])، ونظمت إيران ما بين عامي 2002 - 2006 حوالي 32 معرضا تجاريا في إفريقيا([2]). 

  ورغم أن المنظور الجيوسياسي يجعل من شرق القارة وتحديدا منطقة القرن الإفريقي في مقدمة الاهتمامات الإيرانية، نظرا لعبور جل الصادرات الإيرانية البحر الأحمر إلى قناة السويس فالمتوسط، وقربها من الخليج العربي الذي يقع في صلب إستراتيجيتها الإقليمية، إلا أن الإيرانيين لا يتوقفون عند هذا المستوى، وتتوزع اهتماماتهم على كل القارة، وتمتد من شمالها لجنوبها ومن شرقها لغربها، ما يعكس نظرة شاملة في التصور الإستراتيجي الإيراني تتعدد أهدافها وتتنوع.

ونظرا لمعاناة القارة من سياسات القوى الاستعمارية التي غيرت من أساليبها القديمة حاولت إيران كسب الأفارقة إلى صفها من خلال تبني خطاب المواجهة مع الغرب، وقد حرصت على تقديم نفسها كنموذج مناهض للقوى الغربية من خلال مشاركتها في العديد من أطر التعاون الدولي التي تضم دولا نامية أو دولا مناهضة للغرب، ومن هذه الأطر حركة عدم الانحياز، التي استضافت قمتها السنوية في عام 2012، ومجموعة الدول النامية الثمانية (D-8)، وتخدم المجموعتان الرؤية الإيرانية في قيادة الدول النامية في مواجهة الدول المتقدمة حيث تتكون مجموعة الدول النامية الثماني من دول ذات أغلبية مسلمة([3]).

المزاحمة والمساومة:

تحاول طهران التموضع في مكانة تتواءم مع إمكانياتها وتاريخها وفق إدراكها الإستراتيجي، خاصة وأنها تقرأ التحولات الجارية في النظام الدولي والتي تؤشر إلى تراجع للولايات المتحدة وصعود قوى دولية وإقليمية يجب أن تكون هي من بينها، وتسعى لتعويض تهميشها فيه بتنسيق جهودها مع الدول الضعيفة التي قد تكون علاقتها مجتمعة مساوية ولربما أكبر من العلاقة مع القوى العظمى، لذلك تطور علاقاتها مع كل دول آسيا وإفريقيا وأمريكيا الجنوبية، إضافة لعلاقاتها الجيدة مع روسيا والصين. والساحة الإفريقية تتجلى فيها التغيرات الهيكلية في النظام الدولي.

فبانتشارها في كل أرجاء القارة الإفريقية تزاحم إيران القوى الدولية والإقليمية على حد سواء، حيث يمكّنها تواجدها في منطقة القرن الإفريقي من تسهيل تواصلها مع أتباعها الحوثيين في اليمن ودعمهم بالأسلحة، وما يترتب عليه من ضغط على دول مجلس التعاون الخليجي وبشكل خاص المملكة العربية السعودية. كما تتيح لنفسها المساومة مع القوى المنافسة لها وتحديدا الولايات المتحدة وإسرائيل.

فمنطقة شرق أفريقيا تشكل إحدى المحطات الإستراتيجية المهمة لإيران في مواجهتها للقوى الغربية، ففي أعقاب زيارة الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي لطهران في ديسمبر 2008 تردد أن إيران حصلت على تسهيلات في ميناء عصب على البحر الأحمر، وهو ما يعطيها نقطة ارتكاز تمكنها من القيام بمهام جهادية وقتالية ضد القوى الغربية إذا ما قررت الأخيرة تدمير قدراتها النووية. ولعل سعي إيران لتطوير علاقاتها مع دول شرق أفريقيا الأخرى مثل كينيا وتنزانيا وجزر القمر يؤكد هذا المنحى الإستراتيجي في الاختراق الإيراني لإفريقيا([4]).

وفي الغرب الذي يعتبر منطقة نفوذ أمريكي- إسرائيلي- فرنسي استطاعت إيران إيجاد موطئ قدم لها فيها حيث كثفت من جهودها الدبلوماسية تجاهها بالزيارات المتكررة للرؤساء الإيرانيين للمنطقة كما سبقت الإشارة، وساهم تواجد جالية لبنانية كبيرة جدا من تسهيل تغلغلها، إذ تشير تقارير إلى أن الشيعة في غرب أفريقيا يقدمون دعمًا سنويًّا لحزب الله اللبناني يقدر بنحو 200 مليون دولار([5]). وتجلى النفوذ الإيراني لاحقا في تطور التعاون الاقتصادي بين الطرفين، والدعم الذي حظيت به من طرف دول غرب إفريقيا في المحافل الدولية بتأييد حقها في امتلاك برنامج نووي سلمي.

 كما استطاعت إيران إقامة علاقات جيدة مع جنوب إفريقيا بسبب موقف إيران من نظام الفصل العنصري الذي كان متحالفا مع إسرائيل، ووصول حزب المؤتمر الديمقراطي للسلطة والذي دعمته إيران في السابق أدى إلى أن اتخذت جنوب إفريقيا دوراً محايداً في المنافسة والحالة الاستقطابية بين إيران والغرب، فبالرغم من أنه لا يمكن اعتبارها حليفاً لطهران فإن مسؤولي جنوب إفريقيا انتقدوا التوجّه الأمريكي في القضية النووية الإيرانية، ووصفوه بأنه منافق (بسبب دعمها الضمني للنشاطات النووية الإسرائيلية)، ودعوا كلّ الأطراف إلى إيجاد حلول من خلال التعامل الدبلوماسي([6]).

كما حثت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون جنوب إفريقيا البلد الأول الذي اختار طواعية التخلي عن الأسلحة النووية على أن يقوم بدور في كبح المسعى الإيراني لحيازة أسلحة نووية وإبقاء المواد النووية بعيدة عن أيدي الإرهابيين([7]).

وتحظى إيران عموما بتأييد من الأنظمة المغضوب عليها أمريكيا بشكل خاص مثل زيمبابوي التي تعد ضمن البلدان الإفريقية المعارضة للسياسة الأمريكية، والتي وضعتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، إلى جانب إيران على قائمة وصفتها بـ مواقع متقدمة للطغيان([8]). فضلا عن السودان الحليف الإستراتيجي لإيران منذ الانقلاب العسكري سنة 1989، وجامبيا التي تطورت العلاقات معها منذ نجاح الانقلاب العسكري عام 1994 حيث يعتبر النظام نفسه مضطهدا دوليا بسبب ملف انتهاكات حقوق الإنسان، ونفس الشيء ينطبق على موريتانيا التي تحسنت علاقاتها مع طهران بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع سنة 2005 وتجميد العلاقات بين نواكشوط وتل أبيب ثم قطعها نهائيا سنة 2010([9]).

الأبواب الخلفية

  رغم المخاوف الأمريكية والإسرائيلية من التمدد الإيراني في القارة إلا أنه لم يسجل أي سلوك يضر بالمصالح الأمريكية مباشرة، وإن كانت تقديرات الأمنيين الإسرائيليين أن هذا الاحتمال يبقى واردا إذا ما تعرضت المنشآت النووية الإيرانية لهجوم عسكري، وأي مكسب إيراني في القارة لا شك ستوظفه لصالحها حينها، ولكن يبدو أن الحسابات الحالية تتوقف عند المكاسب الدبلوماسية، والاقتصادية ومحاولة تمكين مؤيدين لها أو حتى أتباع جدد.

فقد وجدت إيران في المشاكل والاضطرابات التي تعيشها دول القارة منفذا للتغلغل متبعة في ذلك نفس سلوكيات القوى الأخرى التي يفترض أن أفريقيا تعاني من سياساتها وستتحالف إيران مع الأفارقة ضدها. إذ لم تكتفِ إيران بالعلاقات الرسمية مع الحكومات الإفريقية رغم كل المزايا الممنوحة لها من قبلها، وإنما لجأت إلى نفس الأساليب والطرق التي تستعملها في مناطق أخرى، وما اعتادت عليه في سياستها الخارجية من خلال فتح قنوات غير رسمية مع حركات معارضة لضمان ولائها أو توظيفها في مراحل مختلفة عندما تقتضي الحاجة، إذ كشف تقرير ميداني أعده مركز بحوث تسليح الصراع بالتعاون مع العديد من المؤسسات بين سنتي (2006 و2012) عن أنه من بين 14 حالة كشف فيها عن وجود أسلحة إيرانية هناك فقط 4 حالات كانت مع الحكومات والعشر الباقية مع جماعات غير نظامية([10])، حيث كانت تدعم الانفصاليين في منطقة «كاسامانس» في السنغال ومتمردي ساحل العاج، وجامبيا، وحركة إبراهيم الزكزاكي في نيجيريا([11])، الأمر الذي تسبب لاحقا بقطع حكومات هذه الدول علاقاتها مع إيران.

الاقتصاد: بطعم النووي ونكهة اليورانيوم

تعتبر إيران من الدول المصدرة للنفط لبعض دول القارة، فقد بلغ حجم صادراتها النفطية إلى إفريقيا جنوب الصحراء سنة 2010 ما قيمته 3,60 مليار دولار بالمقارنة مع 1,36 مليار دولار عام 2003([12]). لكن العلاقات الاقتصادية الإفريقية الإيرانية تشمل مجالات أخرى وهي كلها مرتبطة ارتباطا وثيقا بمشروعها النووي بأشكال مختلفة.

 فمن جهة تتطلع للحصول على اليورانيوم الذي تعد القارة من أكبر منتجيه، إذ تسهم بحصة 20% تقريبا من الإنتاج العالمي. والنيجر منفردة تملك سادس أكبر احتياطيات منه، لذلك تقترن القارة السمراء دائما مع مقولة «فتش عن اليورانيوم». ويعتقد بعض المحللين أن طهران في سعيها وراءه داخل إفريقيا انتهجت سبلا متنوعة، منها سياسة النفط مقابل اليورانيوم([13]). ومنذ اكتشافه في غينيا عام 2007 توطدت علاقات طهران بها، حتى إن التبادل التجاري بين البلدين في العام 2010 زاد بنسبة 140% ([14]).

ومن جهة ثانية إضافة إلى الدخول في العديد من المشاريع الاقتصادية مع الدول الإفريقية، مثل فتح فروع لشركة خودرو الإيرانية لإنتاج السيارات وتكثيف الاستثمار في قطاعات الزراعة أو تطوير التعاون في مجالات المياه والصحة والهندسة والطرق. فضلا عن السلاح الذي تعد إيران أكبر مصدريه إلى السودان([15]). تحاول أيضا توظيف خبراتها في المجال النووي لكسب الأفارقة إلى صفها في البرنامج النووي، وذلك من خلال  إقامة مشاريع في مجال الطاقة الكهربائية مع بعض دول مثل نيجيريا والسنغال وسيراليون، وبنين، ومالي، لنقل خبراتها في هذا المجال وحثها لتسير على خطاها.

ومن جهة ثالثة ممارسة نوع من التخويف من المخاطر التي تلحق بالدول الأخرى في حال تعرض إيران لعقوبات، فهي حتى الآن الموفّر الأساسي للنفط الخام لجنوب إفريقيا، وهذا الاعتماد أدى إلى حياديتها تجاه القضية النووية الإيرانية، كما امتنعت عن التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على انتهاك إيران لحقوق الإنسان، مما أغضب كلاً من حكومة إيران التي كانت تأمل أن تدعمها، وكذلك الحكومات الغربية التي كانت تأمل في إدانتها([16]). أو حتى شكل من الابتزاز السياسي بربط الصفقات التجارية بصفقات سياسية حيث تشير بعض التقارير إلى أن الصفقة بين إيران وجنوب أفريقيا التي صوتت في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضد إحالة البرنامج النووي الإيراني على مجلس الأمن كانت مقابل صفقة هاتف خلوي استفادت منها شركة "أم.تي.إن" التي تربطها علاقة بحزب "المؤتمر الوطني الأفريقي" الحاكم. وبينما صوتت سابقاً مع أوروبا والأميركيتين للجم برنامج إيران النووي، في سبتمبر ونوفمبر 2005، وفي فبراير 2006، فقد صوتت ضد العقوبات، ثم امتنعت عن التصويت على إحالة المسألة إلى مجلس الأمن الدولي. ولاحقاً في سنة 2006، بعد توقيع رخصة "MTN" وختمها، عادت مرة أخرى إلى موقعها الافتراضي، من خلال مساندة فرض قيود على الطموحات النووية الإيرانية([17]).

أصوات المستضعفين

 غير بعيد عن اليورانيوم وفي الشق السياسي من البرنامج النووي حاولت طهران كسب الأصوات الإفريقية في هيئة الأمم المتحدة وفي مجلس حقوق الإنسان، وأيضا ضمن مجلس الأمن الذي تملك القارة ثلاث ممثلين غير دائمين لها فيه، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، فالصوت الإفريقي إن لم يكن مساندا لإيران فهو على الأقل في كثير من الأحيان ليس معاديا لها، حيث تميل بعض الدول الإفريقية إلى الامتناع عن التصويت عند مناقشة الملف الإيراني([18]). وهو يساعد في التصدي أو التخفيف من أي قرارات دولية ضد طهران، إلى جانب نيل تأييد برنامجها النووي، وذاك ما أعلنته الكثير من الدول الإفريقية بالفعل، مثل السودان والسنغال وساحل العاج وجيبوتي وإريتريا([19]).  

وقد نجحت الدبلوماسية الإيرانية من خلال الزيارات الرئاسية في كسب العديد من الدول الإفريقية لصفها في أزماتها الدولية، وتجنيد الأفارقة للدفاع عنها أو على الأقل تحييدهم، وأبرز النجاحات تلك المتعلقة بأزمة الانتخابات الرئاسية سنة 2009 والعنف الذي مارسه النظام الإيراني ضد أنصار الحركة الخضراء، حيث صوتت الأمم المتحدة في نوفمبر من نفس السنة على حالة حقوق الإنسان في إيران، وتحفظت جميع دول غرب أفريقيا ما عدا ليبيريا وتوغو على قرار الأمم المتحدة ضد إيران. والدول الأفريقية الأخرى أيضا باستثناء المغرب وجنوب أفريقيا اللتين اتخذتا مواقف قوية ضدها([20]).

وتأييد الدول الإفريقية منفردة امتلاك إيران لبرنامج نووي سلمي والذي يصرح به مسؤولوها في أي مناسبة تجمعهم بنظرائهم الإيرانيين، وأيضا رفض ممثلي القارة في الوكالة الدولية للطاقة الذرية نقل الملف إلى مجلس الأمن، وحتى بعد ذلك كان ممثلوها فيه يرفضون إقرار العقوبات الدولية على إيران.

حدود الدور الإيراني في القارة الإفريقية           

النجاحات التي حققتها إيران في القارة السمراء لم تكن دون إخفاقات، ولعل أهمها تلك التي كانت سياساتها هي المتسبب فيها، فبتورطها في الصراعات الداخلية وتغذيتها للنزاعات بشكل مباشر خسرت ما حققته من إنجازات، فالجهود الإيرانية في السنغال مُنيت بانتكاسة كبيرة مع اكتشاف شحنة الأسلحة القادمة من إيران باتجاه غامبيا، بهدف تزويد متمردي الجنوب السنغالي بالسلاح. حيث قطعت كل من السنغال وغامبيا علاقاتها مع إيران سنة 2011([21]). وقبلها في أكتوبر 2010م رصدت السلطات النيجيرية عملية نقل أسلحة قادمة من إيران في طريقها إلى غامبيا، ورداً على هذا الاكتشاف قامت السلطات النيجيرية والغامبية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران وطردت دبلوماسييها([22]).

  كما يتجلى الفشل الإيراني أيضا في استجابة الكثير من الدول للضغوطات الأمريكية والإسرائيلية بالتصويت ضد البرنامج النووي الإيراني على غرار وقف تعاون نيجري إيراني في مجال التكنولوجيا النووية سنة 2008، ووقف جنوب إفريقيا لوارداتها النفطية من إيران في 2012 استجابة للعقوبات الدولية على إيران([23])، وفي نفس السياق إيقاف شركات جنوب إفريقية استثماراتها في إيران بسبب الضغوط الدولية، مثل شركة Sasol، وهي واحدة من أكبر الشركات المنتجة لوقود السيارات من الفحم في العالم، وجمّدت توسّعها في الدولة الفارسية، وتقوم الآن بمراجعة مشاريعها الحالية([24]).

كما استمرت موريتانيا ومالي ودول أخرى في العمل مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية لمكافحة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وتعتبر نيجيريا مورداً رئيسياً لإمدادات النفط الأمريكية، كما واجهت إيران صعوبات في الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية تجاه الإقليم. فعلى سبيل المثال، مالي لم يتم إنجاز مشروع بناء السد في حتى الآن([25]).

انعكاسات الصفقة النووية والأزمة السورية

تطرح محورية البرنامج النووي الإيراني في توجه طهران نحو إفريقيا تساؤلات حول مستقبله بعد الاتفاق الأخير بين إيران والغرب، إذا ما كان سييسر من تمددها في القارة أم سيحول دون ذلك خاصة في ظل ما يعانيه النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، فالانفراجة في العلاقات الإيرانية الأمريكية بشكل خاص والغربية بشكل عام لا تعني بالضرورة تغيرا في نظرة إيران لعلاقاتها مع القارة الإفريقية، فالتوجهات الاقتصادية عامل ثابت دائما، أما سياسيا فإن ذلك قد يمكنها بشكل أو آخر من توسيع نفوذها الذي يبقى أيضا بعيدا عن تهديد المصالح الأمريكية والتي لم تمس بشكل مباشر رغم النشاط الكبير جدا لحزب الله وإسرائيل على حد سواء في القارة، كما أن الدول الإفريقية قد تجد في الاتفاقية مبررا لتطوير علاقتها مع إيران، ولكن حتى الآن لا زالت هذه الأنظمة - لعوامل عديدة- غير قادرة على صياغة إستراتيجيات مستقلة في سياستها الخارجية. فالاتفاق الدولي قد يزيح العراقيل التي كانت تحول دون تمدد إيران في القارة. ولكن حالة عدم اليقين والشك تبقى دائما تتحكم في سياسات الطرفين.

وفي اتجاه موازٍ فإن المتضرر الأكبر من هذا سيكون العرب فقد كشفت مصادر سياسية ودبلوماسية يمنية أن مجلس الأمن القومي الإيراني أقر الإستراتيجية الإيرانية الجديدة المتمثلة في نقل ثقل المعركة من الشمال في سوريا ولبنان إلى جنوب الجزيرة العربية في اليمن، بعد تيقن إيران أن استمرار نظام حليفها بشار الأسد في دمشق يستحيل أن يستمر، وأن إيران تشعر أن «نفوذها على سوريا، ونفوذ حليفها حزب الله في لبنان، لن يستمر طويلا، ولذا تفكر بجدية لنقل ثقل هذا النفوذ إلى مناطق الشمال اليمني، والبحر الأحمر والقرن الأفريقي مستغلة العلاقات القوية التي تربطها بالنظام الإريتري»([26]). كما أنه من جهة أخرى ضغط مباشر على المملكة العربية السعودية لثنيها عن دعم الثورة السورية، وهناك الكثير من الإشارات التي تدلل على ذلك أبرزها استهداف مناطق حدودية مع العراق من طرف عصائب أهل الحق المرتبطة بإيران.

الخلاصة:

استطاعت إيران أن تحقق الكثير من الإنجازات في إفريقيا على مختلف الأصعدة، وأثبتت قدرتها على منافسة القوى الإقليمية والدولية بفرض أخذ مصالحها بعين الاعتبار، وهذا راجع لامتلاكها رؤية إستراتيجية متكاملة، ولكن تبقى الأهداف الإيرانية في القارة الإفريقية أكبر من إمكانيات دولها، خاصة في الشق المتعلق بالملف النووي، فالدعم الإفريقي لم يثنِ القوى الغربية من فرض العقوبات على طهران ونقل ملفها لمجلس الأمن، وهو ما فشلت فيه قوى دولية وإقليمية أخرى مثل الصين وروسيا أو تركيا والبرازيل، كما تتحمل إيران نفسها جزءا من المسؤولية في تدهور علاقاتها مع بعض الدول الإفريقية بسبب تدخلها في شؤونها الداخلية.

ولكن الاختراقات التي حققتها إيران في إفريقيا لا تقارن بأي حال من الأحوال بالدول العربية مجتمعة أو منفردة، حيث لا تمتلك أي دولة عربية مشروعا وإستراتيجية واضحة في القارة، بل أكثر من ذلك حتى على المستوى الإقليمي والبيئة المحاذية التي تشكل تهديدا لأمنها القومي، خاصة في منطقة القرن الإفريقي بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي ومصر، أو غرب إفريقيا الذي يشكل عمقا إستراتيجيا للدول المغاربية.

والمواقف الغربية من إيران في سورية والصفقة غير المعلنة حول الكيماوي السوري، وتطور العلاقات الإيرانية الغربية البطيء بعد البدء في تنفيذ بنود اتفاق جنيف النووي، لا شك أنها ستساهم في تمدد إيران في القارة، والعرب سيكونون هم الخاسر الأكبر من ذلك، لأن التنافس الإيراني والأمريكي الإسرائيلي لم يرتقِ لمستوى تهديد المصالح المباشرة لكل طرف، كما أن طهران اشتغلت على تهديد المصالح العربية أكثر من الغربية في أحلك الأوقات، وهو ما يتوقع أن يتضاعف في المرحلة التالية، خاصة في ظل المنعرج الخطير الذي تمر به سياساتها في الشرق الأوسط، إذ تحاول المحافظة على نفوذها في سوريا بشتى الوسائل.

تأسيسا على هذا فإنه ينتظر الدول العربية مجتمعة أو منفردة صياغة إستراتيجية عاجلة لتدارك المخاطر التي تحدق بها والقادمة من حدودها الإفريقية. فقد استطاعت إسرائيل تحقيق أهدافها في إفريقيا بإبعاد القارة عن الصراع العربي الإسرائيلي، وتوطيد علاقتها معها على حساب الدول العربية، ولعل سعي دول نهر النيل لبناء سدود وحرمان مصر من جزء من نسبتها وتأزم العلاقات بين الطرفين وتقسيم السودان يدلل على ذلك، فهل ستنجح إيران بدورها في تحقيق أهدافها أيضا بجعلها قاعدة خلفية لسياستها التخريبية للدول العربية كما تفعل في اليمن أو ساحة لتصفية حساباتها مع القوى الإقليمية والدولية؟

 



([1]) عمر كوش، إفريقيا.. صراع دولي ومسرح لتنافس قوى إقليمية صاعدة، جريدة الاقتصادية، 16/07/2010، على الرابط:  http://www.aleqt.com/2010/07/16/article_419329.html

([2]) عبد الله ولد محمد بمب، الحضور الإيراني في غرب إفريقيا: استثمار أسواق تشيع؟، موقع الميادين، 5/11/20111

على الرابط: http://meyadin.net/9876545678/4333-2012-11-05-20-51-16.html  

 

([3]) أميرة محمد عبد الحليم، أحمدي نجاد في غرب أفريقيا، الأهرام الرقمي، 01/02/2011، على الرابط:

http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=485862&eid=122

([4]) حمدي عبد الرحمن، الاختراق الإيراني الناعم لأفريقيا، الجزيرة نت، 06/05/2016، على الرابط:

http://www.aljazeera.net/opinions/pages/5efc2775-dd89-4d7b-90c7-beb59aaa0dfe

([5]) شريف شعبان مبروك، العلاقات الإيرانية - الأفريقية: في دائرة الصراع الأمريكي - الإيراني، الأهرام الرقمي، 01/06/2010، على الرابط:

  http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=161106&eid=457

([6]) محمد سليمان الزواوي، إيران في إفريقيا.. البحث عن موطئ قدم، 08/05/2013، قراءات إفريقية، على الرابط:

  http://www.qiraatafrican.com/view/?q=1028

([7]) كلينتون: على جنوب إفريقيا إقناع إيران بالتخلي عن "النووي" ، الأهرام الرقمي، 10/08/2012، على الرابط:

http://digital.ahram.org.eg/Policy.aspx?Serial=990284

([8]) شريف شعبان مبروك، جولة خاتمي وتفعيل العلاقات الإيرانية - الأفريقية، مختارات إيرانية، على الرابط:

http://acpss.ahram.org.eg/ahram/2001/1/1/C2RN92.HTM

([9]) لتفاصيل أكثر انظر: رضا عبد الودود، وسط صمت عربي قطع العلاقات مع إسرائيل وتحالف مع إيران، موقع المسلم، 08/05/1432ه، على الرابط:   

http://almoslim.net/node/126987

 ([10])The distribution of Iranian ammunition in Africa, Conflict Armament Research, December 2012.

([11]) درَس إبراهيم الزكزاكي في "حوزة قم" وتلقى تمويلا إيرانيا ليحول جماعته بعد ذلك إلى جماعة جهادية تحارب الحكومة العلمانية وتسعى إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وفقا للنموذج الإيراني، وتنتشر جماعته في ولايات الشمال ولا سيما في "كانو" و"كادونا" و"زاريا". وتعتمد هذه الجماعة في تجنيد أعضائها على خريجي بعض جامعات الشمال النيجيري المسلم مثل جامعة أحمدو بللو وعثمان دان فوديو. والرؤية الإيرانية ترمي إلى خلق قواعد محلية موالية لإيران باعتبار مرجعية حوزتها الدينية من أجل الضغط على الحكومات الوطنية والعمل في مواجهة المصالح الغربية في أفريقيا. انظر: حمدي عبد الرحمن، مرجع سابق.

([12]) عبد الله ولد محمد بمب، مرجع سابق.

([13]) مروى صبري، إيران وأفريقيا.. اليورانيوم رأس الدوافع، الشرق الأوسط، العدد 11651، 22/10/2010، على الرابط:

  http://www.aawsat.com/details.asp?section=45&article=591928&issueno=11651#.Ut-

([14]) حمدي عبد الرحمن، مرجع سابق.

([15]) عمر كوش، مرجع سابق.

([16]) محمد سليمان الزواوي، مرجع سابق.

([17]) جنوب أفريقيا تقر رسمياً بمؤازرة إيران نووياً مقابل عقد "MTN"، جريدة المستقبل، 29/08/2012، على الرابط:

 http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=536365

([18]) حمدي عبد الرحمن، مرجع سابق.

([19]) مروى صبري، مرجع سابق.

([20]) أميرة محمد عبد الحليم، مرجع سابق.

([21]) عبد الله ولد محمد بمب، مرجع سابق.

([22]) محمد سليمان الزواوي، مرجع سابق.

([23]) السلطات الجنوب أفريقية توقف استيراد النفط من إيران، موقع محيط، 01/08/2012، على الرابط:

http://moheet.com/News/Print?nid=405373

([24]) محمد سليمان الزواوي، مرجع سابق.

([25]) أميرة محمد عبد الحليم، مرجع سابق.

([26]) الحرس الثوري الإيراني يدرب الحوثيين في جزر إريترية، جريدة الشرق الأوسط، 21/01/2013، على الرابط:

http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=12473&article=713915#.Ut-3L9JKHrc

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق