ما هي الوحدة التي تنشدها إيران؟
الثلاثاء 29 نوفمبر 2016

 

 محمد عثمانلي -كاتب أردني من أصل تركي

 

 

خاص بالراصد

مقدمة

في الخطاب الأخير لأمين إيران في لبنان؛ حسن نصر الله، قال: «الحالة الوحيدة التي تعيد المقاومة إلى لبنان هي الانتصار الحقيقي في سوريا»! وتظهر لنا المشاعر الجياشة لهذا الرجل تجاه الشعب السوري، وتجاه الثورة السورية، بأنه يربط مصير المقاومة اللبنانية بـ "الانتصار الحقيقي" المنشود له في سوريا، أو إن صح القول، يربط هذا الانتصار -المزعوم له- بمصير إيران، فهذا الانتصار القبيح الملطخ بدماء السوريين، الذين أبوا العودة لطاولة الذل؛ التي عرفها الشعب بشيوخه وشبابه، ونسائه وأطفاله لأربعة عقود من الزمن، لكن أمين إيران يريد إعادة تكريس هذا الماضي الأليم، ويديم سلطة المستبد على ظهور الثكالى والأطفال، ويعاونه طاغية الشام بالاستنجاد بمليشيات الحشد حتى يتم انتصارهم البئيس!

وليس هذا بأمر مستغرب منهم أبدًا، فإن العقيدة التي يتكلم بها حسن نصر الله هي ذاتها العقيدة الإيرانية التي انبثقت على مدى قرون من الزمن من أجل "وحدة الأمة"! المزعومة عنده، إنها وحدة الأمة الخاصة بإيران، وهويتها، إنها وحدة المذهب الشيعي والإيراني الذي يرفض كل آخر! إنه شعار زائف ترفعه، ومن ثم تقوم على إثره بتفريق أهل الوطن الواحد! حتى أنها تقوم بخداع الشيعة خارج إطار أرضها، وتجعلهم مطيّة لتنفيذ مآربها، فتصنع اللوبيات الشيعية من العرب، وتقوم بتقسيم المجتمع إلى فرقتين؛ أقلية شيعية تمدها بالمال، وغالبية سنيّة متآكلة الحال، تمد أولئك على هؤلاء، وتبدأ الدعوة الشعوبية بعدها إلى لم شملها مع فراخها التي جعلت منهم سببًا لتفكيك المجتمعات! يا لها من وحدة مصونة!!

إن إيران تعيد سيرة وديدن الإمبراطوريات القديمة التي ورثت إيران عرشها، وأقام الخميني فيها سلطته، ففاحت منها رائحة الموت، وجندت أساطيل الرعب، وقامت بنشر التفرق والتشرذم، فالدولة الإيرانية تقيم خطاب الوحدة بما يتناسب مع سياساتها، وبكل وقاحة؛ تنشر الدمار والخراب، مقابل هذا الخطاب! وكذلك فهذه الدولة المليئة بالكراهية والخَرَف، تعاني من مرض مزمن، ووباء عضال، لا يمكن البُرء منه، ولا الانفكاك عنه، فهي تدّعي السلطة على مليار ونصف من المسلمين، في الجغرافيا الإسلامية، وتدّعي وحدتها معهم، وبالمقابل تقوم بنشر الفرقة والتشرذم بينهم، وهذه بالضبط هي الروح الفرعونية التي وردت في محكم التنزيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ، وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا، يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ، يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ، وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ، إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾،[القصص: 4]، فإيران دولة تستعلي بالظلمة كالإمبريالية الغربية حالياً، دولة تُشَيِّعُ الخلقَ شرذمة شرذمة، تحرض البعض على الكل، ثم تفتك بالبعض، دولة تذبّح المؤمنين، دولة تنتهك الأعراض، بفساد مرير، وظلامية صمّاء، نعم! فهذه الآية تبيّن لنا جانبا من الوحدة الإيرانية المنشودة!!

ما أشبه اليوم بالبارحة، فبينما يناضل الشعب السوري في سبيل عزّته، يخرج لنا دعاة يدّعون الجهاد المقدس على أرض المسلمين، فما إن شارف زعيم الاستبداد بشار الأسد على الانكماش أمام شعبه؛ الذي رفض أن ينتمي له، إلا جبرًا وإكراهًا، يأتي أمين إيران ويعلن على هذه الأراضي جهادًا يدّعي به أنه سيكون منه نجاح مقاومته في لبنان، وينشئ قاعدة ضرار ينفذ منها مخططات الدول الغربية بالسعي إلى تقسيم البلاد.

مشروع إيران الحقيقي وشعار الوحدة المنشودة

إن الملاحِظ لما جرى في التاريخ، وما يحدث في الحاضر؛ يستطيع أن يستنتج عدة ملامح أساسية لمشروع إيران، ويمكن بيان ذلك بالخطوات التالية:

1-مشروعها في داخل إيران:

- بناء الدولة.

- تصدير الدعاية السياسية والثورية.

2-مشروعها في خارج إيران:

- نشر المذهب بسريّة.

- تفتيت الوحدة القائمة.

- تقسيم المجتمع إلى أغلبية وأقلية.

- توظيف الإرهاب.

 

فعلى صعيد المشروع الداخلي في إيران، فقد تم بناء الجمهورية في عهد الخميني، وتلاها تصدير الدعاية السياسية الخارجية والثورية لبيئة ملائمة تتقبلها، وكل ذلك تحت شعارات الوحدة التي تتستر بها إيران.

وهنا يبدأ المشروع الإيراني في الدول المجاورة، حيث يصبح مجتمعًا تابعاً للفكر الإيراني/ الشيعي، والذي تدعمه بكافة الموارد المطلوبة مما يولد طائفة جديدة تابعة لإيران، بالإضافة لما بداخله من طوائف وإثنيات أخرى، ما يزيد في تفتت هذه الدول تحت شعار الوحدة الإسلامية والتقريب بين السنة والشيعة! وهذه الطائفة (الأقلية الجديدة) غالباً ما توظف لإثارة الإرهاب والبلبلة لصالح المشروع الإيراني.

هذا الواقع في الحقيقة أقرب إلى مسمى "سيناريو التقسيم"، بدلًا من "سيناريو الوحدة"! وهو فعليًّا ما تسير عليه إيران في المنطقة، فهي لا تسعى بالفعل إلى وحدة تترك الشعوب تحكم نفسها بقيادة منها، إنما تريد أن تخطفها لمشروع إيراني سلطوي مستبد.

هل الوحدة ممكنة؟

إن الاختلاف الكبير بين توجه إيران الطائفي، وبين طبيعة الشعوب المحيطة بإيران جعل منها عدوًّا مناكفًا لهذه الأقطار، فعلى مر العصور قامت إيران ودولها المتعددة، بمحاولات بائسة لتضم كافة المناطق لها، ولم تنجح، وذلك يعود إلى أساس كبير وهو الاختلاف العقدي والمذهبي والثقافي الكبير بين إيران والدول المحيطة.

وبسبب رفض المحيط للطائفية الإيرانية الشيعة لجأت إيران لبناء شبكات من التجسس والعمالة والبحث عن نقاط ضعف الدول التي تستهدفها، لكي تفرض عليها الوحدة المزعومة!

ولذلك على الأغلبية المسلمة السنية في المنطقة أن تدرك حقيقة خطر الوحدة الإيرانية الشيعية عليها، وأن تدرك أن النجاة لها من هذه الوحدة المفترسة هو بتفعيل أهم مكوّن لديها، وأهم عنصر عندها، ألا وهو أنها تشكل الأكثرية والأغلبية من المسلمين بسنيتها، والتي باتفاقها وتعاونها تستطيع صدّ كل هذه الهجمات الشرسة من مشاريع إيران والدول الغربية التي لم نرَ أي عهد معها، ولا وحدة برعايتها، وإلا كنا نطلب الوحدة بين أسراب الحمام والصقور؟!

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق