الوحدة الإسلامية والتقريب بين أهل المذاهب
الثلاثاء 16 مايو 2006

الوحدة الإسلامية والتقريب بين أهل المذاهب

الأستاذ زهير الشاويش

هذه تجربة أحد الذين اهتموا بالتقريب بين المذاهب ، صدرت من شخصية سنية سلفية سياسية معاصرة . إن الشيخ زهير الشاويش وعلى الرغم من علمه بعقائد الشيعة نجده يشارك في مؤتمرات التقريب بذهن منفتح، راغب في التقريب والتقارب الحقيقي ولكنه مع ذلك لا ينخدع بالشعارات.
وهو في هذه الدراسة _ وهي محاضرة ألقيت في مركز البيان الثقافي في بيروت وطبعها المركز فيما بعد في كتاب عام 1998بعنوان ( الوحدة الإسلامية و التقريب بين أهل المذاهب ) _ يقدم رؤية سنية للتقريب تستند إلى " بقاء أصحاب كل مذهب على مذهبهم ، إلا ما يجدوه هم بأنفسهم غير مبني على دليل شرعي" .
كما تطالب هذه الرؤية كل فريق " بعدم استفزاز الآخر ، وأن تكون دعوته له بالحكمة والموعظة الحسنة ".
وثمة ملاحظات هامة يثيرها الشيخ الشاويش وهي إقصاء أهل السنة في إيران من المشاركة في هذه المؤتمرات التي تستضيفها بلادهم ؟! وعدم دعوة علماء وفقهاء من أهل السنة والاكتفاء بمن وصفهم بـ " رجال فكر وزعامات سياسية وإصلاح اجتماعي" من خارج إيران ! ونبه على الإهمال الشديد الذي تعاني منه مناطق السنة التي قام بزيارتها مع وفد رسمي إيراني وهو الأمر الذي ما زال على ما هو عليه رغم مرور سنوات طويلة على زيارة الشيخ الشاويش لإيران ( كما يظهر ذلك من رسالة "النواب السنة" في البرلمان الإيراني حول أوضاع أهل السنة في إيران المنشورة في هذا العدد من الراصد في جولة الصحافة ).
وفيما يلي نص حديث الشيخ الشاويش الذي لا يخلو من اللغة الهادئة والدبلوماسية، لكنها لا تخفى مراميها على المتابع المتخصص الذي يستطيع قراءة ما بين السطور.
الراصد
 
.. أجد أن علي أن أطرح سؤالاً على نفسي وعلى من ينادي بالوحدة الإسلامية مثلي، ويريدها بأقرب وقت. وهو:
كم هو الأمل عندك في حصول الوحدة؟؟
فأقول: إن تفرقنا كان على مراحل، وسوف نعود أيضاً على مراحل وخطوات.. ويوم أن تفككت وحدتنا أصابتها عوامل متعددة دينية، وسياسية، داخلية، وخارجية... واستمر الانشقاق، وارتفعت الخصومات، وأحياناً اشتعلت الحروب.
واليوم ورثنا هذا الركام من الخلافات المنوعة أيضاً.
كما ورثنا رغبات صادقة من الآباء وممن سبقنا للوحدة والتقارب بعد أن أحسوا جميعاً بالخسارة العامة، وقد استجاب نفر كريم من علماء الأمة ومفكريها إلى هذا المؤتمر، الذي انعقد في إيران.
وكان قد سبقهم إلى الدعوة إلى تلك الوحدة بين المذهبين عدد كبير من المصلحين في السير على هذا الطريق، ومنهم المسرع ومنهم المتئد... مع اختلاف الوسائل وسبل عرض الموضوع([1]).
وأحب ـ الآن ـ أن أغلب حسن الظن عندي على سواه، حتى في الذين كتبوا ودعوا إلى التقارب بأسلوب نبش الماضي، وإثارة الخلافات... ظناً منهم أن ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن أقوالهم وكتبهم تجعل التقارب على قواعد سليمة مبنية ـ على ما فهموا ـ من الكتاب والسنة وأقوال العترة.. أو ما تقتضيه الحكمة والعقل والوحدة المتينة.
وقد كان في المؤتمر بعض هؤلاء.
 بل قد توسع بعضهم ـ في المؤتمر وقبله ـ إلى الدعوة لجعل المسلمين كلهم مذهباً واحداً في الدولة، والحكم، والعقائد، والفقه، ومختلف الأمور. وكانت له حجته، وهي حق في أصلها، ولكنه ابتعد عند الواقع فذهبت دعوته مع الريح.
ونحن اليوم ندعو إلى بقاء أصحاب كل مذهب على مذهبهم. اللهم! إلا ما يجدوه هم بأنفسهم غير مبني على دليل شرعي، وليس فيه أي نفع حسي لهم في دينهم ودنياهم، فيقلعوا عنه وهذا عائد لهم، وفيه الخير لهم.
وعلى هذا مشى الذين عرفناهم في مجال التقريب ودعاته السابقون مع تعدد أقوالهم والاختلاف الجزئي فيها، أمثال:
السيد محسن الأمين، والسيد رشيد رضا، والمجتهد الحكيم النجفي، والشيخ كامل القصاب، والشهيد نواب صفوي، المرشد حسن البنا، والمشايخ: محمد التقي القمي، وعبد المجيد سليم، وعلي المؤيد، وأمجد الزهاوي، والبشير الإبراهيمي،والسيد موسى الصدر، والحاج أمين الحسيني ـ رحمهم الله ـ .
وذكر هؤلاء مني على سبيل المثال، وإلا فهناك العشرات غيرهم.
وكلنا يعلم بأن المسلمين اختلفوا وتقاتلوا، منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم جميعاً، ولكن كانت دولتهم واحدة، سوى فترات قصيرة، والفتوى بينهم على طريقة واحدة، وهذه كتب الحديث والفقه والتاريخ شاهدة على ذلك.
واليوم نحن ندعو ونكرر إلى عدم طلب: ذوبان فريق في الفريق الآخر.. لأن هذا مستحيل الآن، وفي المستقبل المنظور.
ولكن الممكن: أن يترك كل فريق منا استفزاز الفريق الآخر، وأن تكون دعوته بالحكمة وبالتي هي أحسن.. فلا نرى ـ بعد الآن ـ التحرش من أحدنا بالآخر، ولا نسمح بالطعن بمن يعظمه بعضنا، ولا نبش الماضي.
وللصوفية كلمة جميلة نافعة: "ذكر الجفا، وقت الصفا، من الجفا".
وسؤال آخر أطرحه على نفسي وهو:
كيف يمكن توحيد الأمة، وتقريب المذاهب، وهذه الكتب والمقالات، والمواقف تملأ الساحة، وفيها من عرض وجهات النظر المختلفة ما فيها... وأكثرها ـ إن لم أقل كلها ـ مشبهة بالمنفر من القول؟؟
فأقول: والله ! ما طرقت هذا الموضوع، إلا عندي منذ زمن بعيد مئات الكتب ـ أو الألوف ـ من كتب الفريقين.. وفيها المكفر، والمضلل، والمجهل، والشاتم، واللاعن، لكل ما عند الطرف الآخر، أو بعض ما عنده من: رجال، وكتب، وحديث، ومواقف.. إلخ.
وما اطلعت عليه منها وجدت في بعضه الحق، أو شبهة حق تمسك فيها من نقلها.. بعد أن أضاف إليها مما عنده من موروثات، وما دفعته إليه العصبية والهوى([2]).
ولكن هل تبقى المواقف البائدة تتحكم فينا، فنكون أحياء يحكمهم الأموات والقبور.
لا والله!! ما هذا اللائق بالعقلاء، وأهل الإيمان، والغيرة على الإسلام والمسلمين.
ومما شجعني على الدخول في هذا المشروع الخطير ما عرفته من كلام ربنا جل شأنه، وحديث رسولنا صلى الله عليه وسلم، وكلام علمائنا من الصحابة الكرام ـ ومنهم آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ـ ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا.
وآخره ما سمعته من مرشد الجمهورية الإسلامية وقائدها الخامنئي عقب المؤتمر من خطبته الوداعية للوفود.
فقد تكلم بما ماثل وشابه ما قُدم للمؤتمر، من دعاة التقريب، وما بحث وأقر في المؤتمر.
ولقوله أهمية كبرى عند أحد قسمي الأمة التي نريد توحيدها، وتقريب مذاهبها.
وفي كلام رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الشيخ هاشمي رفسنجاني في افتتاح المؤتمر. فقد كان كلامه عن الوحدة والإشادة بكل دول العالم الإسلامي، وإعذاره لهم عن مواقفهم ـ مع الاختلاف معهم ـ ودعوتهم للوحدة والاتحاد، كان كلام رجل دولة، يعرف ما يقول، وكانت كلمته معبرة عما يجيش في صدر كل مؤمن بوجوب وحدة المسلمين.
وأقول: بأن كل كلام يمكن أن يؤول، أو يحمل على خلاف ما يريد صاحبه.. أو يحرف من الناقلين، أو يساء فهمه من السامعين!
ولكن ما لنا ولهذا، نحن نريد دفن الماضي... والبناء من جديد على السليم من عقائدنا، والمتفق عليه فيما بيننا.
والمؤتمر مع أنه مؤتمر شعبي فقد لقي التأييد الواضح من القائد الخامنئي، ومن رئيس جمهورية إيران، وبعض الرسميين.
وقد حمل مندوب سورية الدكتور الشيخ إبراهيم حسن النقشبندي تحيات سورية قيادة وحكومة وشعباً، كما حضر حفل الافتتاح السفير السوري.
وحضر ممثلون عن كبريات الجماعات الإسلامية في العالم مثل الباكستان، والهند، والمملكة الأردنية الهاشمية، والمملكة المغربية، والجاليات في أوروبة وأمريكا.
ومثل الجماعة الإسلامية في لبنان سعادة الدكتور النائب فتحي يكن، وكان لمذكرته ومداخلاته وكلمته باسم كل المشاركين في المؤتمر الأثر الطيب النافع الهادف. كما حضر من لبنان القاضي الدكتور مصطفى الرافعي، وحال مرضه دون متابعة المناقشات بما هو مأمول منه لعلمه واطلاعه.
وفي المؤتمر جرت المداولات بحرية حول النقاط الكبرى، ولم يُدخل في التفاصيل لضيق الوقت، وللرغبة في اللقاء على الأهداف ما أمكن.. غير أن بعض الحضور أدخل في كلامه جزئيات أوجبت الرد عليها وتوضيح المواقف منها.
وهذه الجزئيات كانت ـ في حقيقتها ـ من التاريخ الماضي الذي كلنا شكونا منه، ونراه سبب تفرقنا وتقطيع إخوتنا الدهور الطويلة!! وكان في كلام ومداخلات الدكاترة فتحي يكن، وفاروق النبهان، وعدنان البخيت، محمد القيسي، والشيخين النقشبندي والمدني([3])، وفي مشاركتي ردُّ الحق إلى نصابه، ووضع الأمور في مجراها الطبيعي.
وكان الفضل في أكثر ذلك إلى القيادة الحكيمة التي تولاها الأمين العام لمجمع التقريب سماحة الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني، وسماحة الشيخ التسخيري.
وقد لاحظنا غياباً سنياً رسمياً، وانعدام علماء وفقهاء المذاهب، المراد التقارب معها!!، مما دعاني للبحث مع المسؤولين عن المؤتمر في ذلك الأمر، فتقرر إقامة مؤتمر فرعي في منطقة أذربيجان الغربية في بلدة (أورمية) الحدودية. وضم هذا المؤتمر عدداً كبيراً من علماء الأكراد (الشافعية) والأتراك، والبلوخستان، والتتار، والتركمان (الحنفية) والعجم (الشيعة). ووجدت هناك بين المشاركين والزوار بعض السلفيين الأثريين من خريجي المعاهد في سورية، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة([4]).
وفي هذا المؤتمر الفرعي كانت الأبحاث أوضح وأصرح لمشاركة أهل البلاد فيها، ومعرفتهم بأمور بعضهم بعضاً. وكان من نتيجة ذلك، أن رافقنا إلى طهران عدد كبير من أهل السنة والجماعة، وشاركونا في جلسات المؤتمر. وفي نهاية المؤتمر استقبلهم مرشد الجمهورية الإيرانية بحضور رئيس الجمهورية ورئاسة القضاة وعدد من القيادات، وبحث معهم شؤون مناطقهم ومذاهبهم([5]).
وكانت الرحلة إلى أذربيجان موفقة بفضل الله، ذهبت إليها مع مفتي الحسكة، والشيخ آية الله معرفتي، وهو من أعقل الناس، ورغبته في تقريب المذاهب واضحة جلية صادقة، والدكتور محمد حسن عميد كليات الإلهيات، ومعنا الشيخ آية الله جنابيتي وكانت الآراء التي طرحها ـ باللغة الفارسية وقصور في الترجمة، مع أنه ورفاقه يحسنون العربية ـ محل ردات فعل عاجلة وسريعة من علماء تلك المناطق.
ثم كان في كلامي المتواضع تصويب المسار، وتصحيح ما أثاره والتقريب بين وجهات النظر، ولكلمة فضيلة الشيخ النقشبندي الصدى المستحسن، والحمد الله.
وقد وجدنا من العلامة الشيخ الموسوي مندوب القائد في المنطقة ومن سعادة المحافظ وباقي علماء الشيعة، التجاوب الكبير.
وحضر معنا نواب المنطقة في البرلمان الإيراني ومجلس الشورى، من الأكراد طوال الوقت، وكان لهم المشاركة والرأي في كل القضايا التي جرى تداولها.
الأمر الذي دعاني لعقد الأمل على تجمعهم ووحدتهم في تلك المناطق التي أخرجت بطل الإسلام الكبير السلطان الفاتح صلاح الدين الأيوبي الكردي الذي حرر القدس وأكثر فلسطين، ووحد الأمة. وأستاذه الممهد له الحاكم العادل التقي نور الدين محمود زنكي التركي .. لأقول لهم من كلام طويل:
أنتم يا سكان هذه المنطقة عليكم الأمل معقود معكم في تحرير فلسطين مجدداً، كما حررت على أيديكم سابقاً.
ودعوتهم إلى التمسك بمذاهبهم، والتعاون مع إخوانهم، فإن الذوبان يضيع المقومات. ودعوتهم إلى العلم والتعلم في العقائد والفقه، وجميع العلوم([6]).
بقي أن أقول لكم: بأن مناطقهم ما زالت مناطق حربية، فالطرقات مخربة، والمطار منسوف، والسلاح ظاهر مكشوف!!
وانتقلنا من طهران إلى مطار حربي قرب مدينة تبريز بطائرة حربية من مطار حربي قريب من طهران، ثم قطعنا مسافة 100 كيلومتر في سيارات وعبر طرقات شبه معبدة، وركبنا بعد ذلك في عبارة بالبحيرة لمدة نصف ساعة، وهي بحيرة كبيرة طولها (125) كيلومتراً، وماؤها ملح أُجاج ولا حياة فيها، تشبه البحر الميت. وبعدها مشينا في طرق ترابية (60) كيلومتراً.
ومن واجبي ـ الآن ـ أن أشكر الحكومة الإيرانية على ما أتاحته لنا في هذه الزيارة من الاجتماع بإخواننا أهل السنة والجماعة في مناطقهم الأصلية، والحديث معهم بحرية وصراحة.
وأقول لكم: إن المقررات لا تشمل تماماً كل ما جرى في المؤتمر! فإن بعض الأبحاث لم نتوصل فيها إلى نتائج تصاغ في فقرات([7]) ولكنها بُحثت، وسمع كل فريق ما عند الفريق الآخر، وما لم يقبله ويتفق عليه أخذ بعين الاعتبار.
ووجدت آراء كل فريق مؤيداً بل مؤيدين لها من الفريق الآخر ـ السني أو الشيعي ـ وهذه القضايا اجتمع لها ما لا يقل عن خمسين عالماً إخصائياً بعلم ما من إخواننا الشيعة الكبار، وكل واحد منهم بمنزلة (مجتهد) و( حجة) في العلوم الشرعية([8])
أما الذين شاركوا فيها من أهل السنة فهم ـ في الغالب ـ رجال فكر، وزعامات سياسية، وإصلاح اجتماعي([9]) .




[1]ـ وأنا وإن ذكرت المعوقات فإن وحدتنا قادمة ولن يقف في وجهها التعصب القومي، والأنظمة الاقتصادية، ولا الإيديولوجيات المستوردة. فإنها لن تكون المعوقات في المستقبل.وهذا الاتحاد السوفيتي انهار أمام أعيننا، وما أن أزاله الله حتى رجع المسلم إلى مسجده، وكل ذي دين إلى دينه.
[2] ـ وفي بعضه تحميل كلام الخصم ما لا يحمل!! إن لم أقل غير ذلك.
[3] ـ وهو عالم متمكن من بلوخستان، وهو موظف كبير في الرئاسة الدينية في الجمهورية الإيرانية.
[4]ـ فقلت لهم: يا مرحباً برائحة الأهل.
[5] ـ وقد مشرت الصحف أخبار تلك المقابلة، وعلمت أن فخامة رئيس الجمهورية زار منطقتهم بعد أسبوعين، وافتتح في (أورمية) عدداً من المدارس الشرعية، وتم إصلاح المطار، واجتمع مع زعماء الأكراد، لتوحيد الجهود ومنع الاقتتال، وممن بحث معهم في (أورمية) الزعيم البرزاني. وفي طهران الزعيم الطالباني.
[6] ـ كما بحثت معهم ومع الإدارة مدهم بكتب العلم من الحديث والفقه.
[7] ـ ولعل أكبر سبب هو غياب فقهاء المذاهب السنية.
[8] ـ ومنهم على سبيل المثال الباحث الصلب الحجة مرتضى العسكري، صاحب المؤلفات الكثيرة، وقد أنست بمجالسته، مع التباعد والاختلاف في الرأي.
[9] ـ ولعل طريقة عقد المؤتمر لم تظهر ما عندهم من علم شرعي أو حديثي وفقهي.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق