هل تنتقم القاعدة لعماد مغنية؟
الأربعاء 9 أبريل 2008
هل تنتقم القاعدة لعماد مغنية؟
رياض علم الدين - الوطن العربي 2/4/2008
هذا السؤال تحول منذ أكثر من ثلاثة أسابيع إلى هاجس يثير قلق كبريات أجهزة الاستخبارات العالمية وليس فقط "الموساد" والـ "سي، أي، إيه"، وهو منذ ذلك الوقت محور سيناريوهات عديدة تتبادلها هذه الأجهزة على ضوء عملية تنسيق وتعاون لا سابق لها. انطلقت على خلفية رصد تحركات شبكات "حزب الله" الخارجية وخلايا الاستخبارات الإيرانية وتطورت إلى رقابة مشددة على كل التنظيمات الإسلامية المتطرفة بما فيها تلك التابعة لتنظيم "القاعدة"، وكشفت مصادر استخبارية أوروبية لـ "الوطن العربي" أن تطورات مهمة حصلت في الأيام الماضية، ولعبت دوراً في "إقناع" أجهزة استخبارية كبرى بمصداقية سيناريو كان يجري تداوله على نطاق ضيق وبنوع من الاستخفاف، ويتحدث عن خطة إيرانية ـ سورية لتكليف تنظيم "القاعدة" أو خلية أصولية سنية متطرفة يسهل ربطها بهذا التنظيم بمهمة تنفيذ العملية الكبرى الموعودة للانتقام لاغتيال القائد الأمني والعسكري لـ "حزب الله" قرب مقر للاستخبارات السورية في دمشق ليلة الثاني عشر من فبراير "شباط" الماضي.
وفي معلومات "الوطن العربي" أن هذا السيناريو الذي جرى تجاهله حتى مرور ذكرى أربعين مغنية "بسلام" كان عبارة عن تقرير سري جدا أعده جهاز استخبارات عربي واسع النفوذ في مكافحة الإرهاب وفي اختراق الجماعات الإسلامية المتطرفة وفي رصد نشاطات الاستخبارات الإيرانية خصوصاً في الخارج وعبر فيلق القدس الذي يتولى العمليات الخارجية الإيرانية.
واللافت أن تقرير هذا الجهاز بدأ مع الأيام الأولي لاغتيال مغنية في دمشق والزيارة السرية التي قام بها قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني إلى العاصمة السورية، ويكشف التقرير أن زيارة سليماني تجاوزت المشاركة في التحقيق في اغتيال الشيخ رضوان إلى البحث في خلفيات وأبعاد هذه العملية وطريقة الرد عليها، ويبدو أن توافقاً سريعاً حصل بين الإيرانيين والسوريين على ضرورة الحذر من أن تشكل عملية الاغتيال فخاً يهدف إلى جر "حزب الله" "ومعه سورية وإيران" إلى الانتقام بعلمية كبرى تشكل العذر المطلوب لشن حرب واسعة جرى التخطيط لها بين واشنطن وتل أبيب لشن حرب تصفية وإبادة لـ "حزب الله" وتوسيعها إلى سورية وإيران، ويبدو أن الأتراك ساهموا في تعزيز هذه المخاوف الإيرانية ـ السورية بنقل إنذارين إسرائيلي وأميركي يصبان في الاتجاه نفسه، أضيفت إليهما حشود الأسطول السادس في البحر المتوسط، وعلى ضوء ذلك تم التوافق على تأجيل العملية الانتقامية التي يقال إنها كانت جاهزة للتنفيذ في ذكرى أسبوع مغنية. وإن خططها وأهدافها كانت موضوعة ومعدة مسبقاً تحت إشراف مغنية نفسه قبل وفاته بحكم إشرافه على شبكات الحزب الخارجية وعملياته.
ويضيف التقرير أن التخوف الإيراني ـ السوري من دفع ثمن عملية انتقامية ينقذها "حزب الله" مباشرة وتدفع حتما إلى اتهام سورية وإيران بالمسؤولية عنها قاد إلى اعتماد سيناريو الانتقام من خلال تنظيم "القاعدة" الذي ينظر إليه لدى العديد من أجهزة الاستخبارات العالمية كتنظيم معاد لإيران وغير مرتبط بها، خصوصاً على ضوء ارتفاع حدة الصراع السني ـ الشيعي انطلاقاً من الساحة العراقية.
مغنية والقاعدة!
ويشير التقرير إلى أن رئيس فيلق القدس الجنرال سليماني المعروف بأنه ضابط الارتباط بين المخابرات الإيرانية والعديد من خلايا "القاعدة" ومسؤول حماية رموزها المقيمة في إيران قد تولى بنفسه إعداد هذا السيناريو عبر سلسلة لقاءات عقدها مع بعض هؤلاء الرموز وفي مقدمتهم سيف العدل والكويتي سليمان أبو غيث، وتذكر مصادر التقرير أن غالبية قيادات "القاعدة" التي ما زالت تقيم في إيران كانت ترتبط بعلاقات وثيقة مع عماد مغنية وتلتقي به أثناء فترات إقامته الطويلة والدورية في طهران، وفي معلومات هذه المصادر أن قائد فيلق القدس لم يحد صعوبة في إقناع رموز " القاعدة" بتبنى ضرورة الانتقام لمغنية فهذا القائد العسكري والأمني في "حزب الله" كان يعتبر منذ سنوات رجل التنسيق الأول بين إيران و "القاعدة" وعلاقاته ببعض رموزها خصوصاً سيف العدل وأيمن الظواهري تعود لعدة سنوات، وهي بدأت في منتصف التسعينيات في السودان، وتطورت إلى علاقة تعاون على أكثر من جبهة، ويقال إن مغنية لعب دورا أساسياً في إقامة علاقة تنسيق وتعاون بين شبكات "حزب الله" الخارجية والمخابرات الإيرانية وتنظيمات إسلامية متطرفة مرتبطة بـ "القاعدة" في أميركا اللاتينية وتحديداً في المثلث الواقع بين الباراجواي والأرجنتين والبرازيل، وثمة تقارير تتحدث عن لقاء تم في أوائل العام 2000 في مدينة "سيتاديل إيست" في المثلث بين مغنية والظواهري، إضافة إلى لقاءات بينهما جرت في إيران، وتضيف المصادر أن مغنية قام في الأشهر التي سبقت مقتله بإعادة تنظيم "أحزاب الله" في عدة دول خليجية، وأشرف لهذه الغاية على إقامة معسكرات في منطقة البقاع اللبناني كان يشارك فيها شبان خليجيون من عدة جنسيات ومذاهب، بحيث كانت تتجمع جماعات من "القاعدة" ومن "أحزاب الله" الخليجية في هذه المعسكرات.
ولفت التقرير إلى الدور الذي لعبته إيران في تقديم الدعم لعناصر وقيادات "القاعدة" الذين كانوا يعبرون أراضيها ذهاباً وإياباً بين عدة دول خليجية وأفغانستان، مشيرا إلى مرور عدد من منفذي عمليات "سبتمبر "أيلول" 2001 في نيويورك بالأراضي الإيرانية وعودة المئات من عناصر "القاعدة" من أفغانستان عبر إيران في أواخر 2001، حيث استقر العديد منهم وما زالوا يعيشون بحماية المخابرات الإيرانية، وتابع التقرير أن الغزو الأميركي للعراق قد أدى إلى زيادة التعاون بين "القاعدة" والمخابرات الإيرانية برعاية الجنرال سليماني الذي كان يشرف على تزويد عناصر "القاعدة" بالسلاح والمتفجرات وحتى فتح معسكرات تدريب في إيران، وهو ما أكدته تقارير أعدتها المخابرات الأميركية في العراق وكذلك المخابرات العراقية.
وآخر هذه التقارير صدر قبل أسابيع قليلة يشير إلى زيادة دعم المخابرات الإيرانية لعناصر "القاعدة" في العراق في مواجهة مجالس الصحوة العشائرية التي تتعاون مع الأميركيين لمطاردة خلايا "القاعدة" في العراق.
وتحدث التقرير أيضاً عن العلاقات المشبوهة لبعض التنظيمات الأصولية المتطرفة المرتبطة بـ "القاعدة" في لبنان مع مخابرات الحرس الثوري والمخابرات السورية، مشيراً إلى تنظيم "فتح الإسلام" الذي خاض معارك مخيم "نهر البارد" في شمال لبنان ضد الجيش اللبناني، وإلى تنظيم "جند الشام" المتواجد في عدة مخيمات فلسطينية لبنانية، خصوصاً مخيم "عين الحلوة" قرب صيدا في الجنوب، وإلى اختراق المخابرات السورية لخلايا "القاعدة" والمتطرفين الإسلاميين الذين يتوجهون للجهاد في العراق عبر الأراضي السورية و...... ومن ثم تطرق التقرير إلى علاقات التعاون والتنسيق بين شبكات "حزب الله ، الخارجية والمخابرات الإيرانية وخلايا أصولية متطرفة معروفة بقربها من تنظيم "القاعدة"، وهي علاقات تمتد من إفريقيا إلى أوروبا وصولا إلى الولايات المتحدة ومروراً بأميركا اللاتينية، وتعتبر عدة جهات استخبارية أن عماد مغنية ساهم شخصياً في إقامتها وتوثيقها.
وانتهى التقرير إلى التأكيد على أن المخابرات الإيرانية والسورية قد أنجزت إعداد "الخطة ب" للانتقام لمغنية عبر تنظيم "القاعدة" أو خلايا إسلامية من خارج "حزب الله، ومرتبطة بـ "القاعدة" أكثر من ارتباطها بـ "حزب الله" أو بإيران، واعتبر التقرير أن هدف اللجوء على "القاعدة" للانتقام لمغنية لا يخفى فقط المخاوف الجدية لدى كل من طهران ودمشق من الانعكاسات الخطيرة لعملية ينفذها "حزب الله"، بل يعكس أيضاً خطة إيرانية لتسويق مغنية كشهيد لكل الجماعات الإسلامية من كل المذاهب ولتأكيد "وحدة الهدف الجهادي" تحت مظلة إيران الساعية إلى إبعاد شبح الحرب السنية ـ الشيعية نظرا لخطورته على مشروعها "زعامة العالم الإسلامي" وفي الوقت نفسه تبعد إيران عنها مسؤولية الاتهام بالعملية فيما تكون نفذت انتقامها لما حصل لمغنية.
مسؤولية إيران!
وفي معلومات "الوطن العربي" أن أول مؤشرات اهتمام الأجهزة الاستخبارية بالمعلومات عن لقاءات سليماني وسيف العدل، واجتماعات التنسيق بين المخابرات الإيرانية والسورية وبعض رموز "القاعدة" لتحضير خطة بديلة للانتقام لمغنية قد انطلقت مع العملية التي نفذها فلسطيني ضد المدرسة الدينية اليهودية في القدس في أوائل مارس "آذار" الماضي، وكان تلفزيون "المنار" التابع لـ "حزب الله" السباق إلى بث خبر ينسب مسؤولية العملية إلى تنظيم يحمل اسم "كتائب الجليل ـ مجموعة الشهيد مغنية".
لكن عمليات الرصد التي قامت بها عدة جهات استخبارية وتطورات الأيام الماضية لعبت الدور الأبرز في إعادة مواجهة سيناريو انتقام "القاعدة" لمغنية بجدية وقلق، وأبرز هذه التطورات الظهور المفاجئ لزعيمي "القاعدة" أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في رسائل صوتية جديدة عبر الإنترنت وصل فيها الظواهري المعروف أكثر بارتباطاته السابقة مع المخابرات الإيرانية وعلاقاته مع مغنية إلى حد الدعوة على تنفيذ عمليات ضد الأميركيين والإسرائيليين أينما كانوا وهي رسالة وجد فيها بعض الخبراء الأمنيين تعزيزاً للمعلومات عن لجوء إيران للتنسيق مع "القاعدة" للانتقام لمغنية، وفي هذا الوقت جاء خطاب الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله في مناسبة أربعين مغنية لافتا في هدوئه وإشارته إلى العقاب في الزمان والمكان اللذين يختارهما "حزب الله" أي تأجيل الانتقام في وقت كانت إسرائيل في حالة تأهب وعدة أجهزة استخبارية كبرى تعلن التعبئة تحسباً لعملية انتقامية في ذكرى الأربعين.
وفي معلومات جهات استخبارية أميركية أن الـ "سي، أي، إيه" بدأت تتعامل مع سيناريو التعاون بين إيران و "القاعدة" لتنفيذ العملية الانتقامية الكبرى بجدية فائقة وإلى درجة أن الإدارة الأميركية اختارت تحذير إيران بشكل واضح وتهديدها بدفع ثمن أية عملية من هذا النوع حتى لو حملت توقيع "القاعدة" أو تنظيم إسلامي ينتمي إليها، وتؤكد هذه المصادر أن واشنطن قد أعادت فتح ملف العلاقة الغامضة بين إيران و "القاعدة" لمواجهة هذه التهديدات الإيرانية ولزيادة الضغوط على نظام الملالي، خصوصاً بعد أنكشف تحقيق جديد اعد لحساب البنتاجون عن غياب أية علاقة بين "القاعدة" وصدام حسين، وفي رأي هذه المصادر أن الاتهامات التي أطلقها علنا في الأيام الأخيرة مرشح الرئاسة الجمهوري المدعوم من بوش جون ماكين بالربط بين إيران و "القاعدة" هي اتهامات لا تعبر فقط عن رأي ماكين وإنما تعكس حسب البعض استراتيجية أميركية جديدة للتعامل مع إيران، ويبدو أن اعتذار ماكين في زيارته الأخيرة للأردن عن اتهام إيران بدعم ورعاية "القاعدة" بعد تصحيح من جو ليبرمان لم تعتبر حسب المراقبين مجر زلة لسان، والدليل أن المرشح الأوفر حظا لخلافة بوش قد كرر اتهامه هذا لإيران أربع مرات خلال أيام قليلة... وهو ما يعتره العارفون تكرارا لتحذير أميركي رسمي لإيران ولـ "سورية" بأن أية عملية انتقام كبرى لمغنية ستتحمل مسؤوليتها دمشق وطهران سواء جاءت عن طريق "حزب الله" أم عن طريق "القاعدة" أو "القاعدة في بلاد الشام" أو "فتح الإسلام" أو "جند السام" أو تحت أي مسمى آخر...
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق