هل القاعدة لعبة بيد إيران؟
السبت 13 فبراير 2010

إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية في 7/2/2010م أن عمليات تنظيم القاعدة تشكل التهديد الأكبر لأمريكا وليس إيران أو كوريا، لا بد أنه لاقى قبولاً وارتياحاً وابتهاجاً شديداً في طهران، وذلك أن استراتيجية طهران تقوم على ضرب أعدائها بعضهم ببعض، مع تقديم قدر من المساعدة يساهم في حتمية وقوع هذه المصادمة.

وهذه الإستراتيجية ليست وليدة اليوم؛ بل هي من وضع ـ المعلم الكبير ـ عبد الله بن سبأ، الذي أشعل الحرب بين جيش عليّ وجيش عائشة وطلحة ـ رضي الله عنهم ـ يوم الجمل؛ من خلال إرسال مجموعات تتحرش بكلا المعسكرين في الظلام، وهي تردد شعارات الطرف الآخر.

وكانت النتيجة وقوع آلاف القتلى بين المسلمين، وتفريق صفهم حتى يومنا هذا ، وهذا المنهج هو الذي اعتمدته إيران في تصفية عدويها نظام صدام حسين ونظام طالبان من خلال التعاون مع الغازي والمحتل الأمريكي الذي تصفه بالشيطان الأكبر، وبعد أن أسقطت عدويها؛ عادت لتمد يد العون بحساب مدروس لمشاغلة أمريكا في العراق وأفغانستان، حتى تبينت النتيجة أن أمريكا هي من تكبدت المشاق والدماء لإزالة صدام وطالبان، لكنّ إيران هي من جنى العسل وقطف الثمر من وراء ذلك، ومن يتابع مدى توسع النفوذ الإيراني والشيعي في هذين البلدين وما حولهما؛ سيدرك ذلك بوضوح، حتى صدق على أمريكا قول الشاعر:

ستعلمُ إذا اجلى الغبارُ        أفرسٌ تحتك أم حمار

وقد كشفت إيران عن نيّتها تحريض بعض الأفراد في البلاد السّنية على الصدام والاقتتال مع أنظمتهم، في الوقت الذي تدعوا فيه الشيعة للتقرب والتودد للحكام، وذلك في محاولة منها لتجاوز حالة القطيعة التي حصلت بين حكام بلاد العرب والمسلمين وبين إيران والقوى الشيعية في تلك البلاد بسبب قيامهم بالتمرد والتفجيرات والاغتيالات؛ وذلك عقب نجاح إستيلاء الخميني على الثورة وعلى إيران، وتحريضه للشيعة العرب وغيرهم على التمرد والثورة ضد حكوماتهم، والتي عرفت بسياسة (تصدير الثورة).

 

فقد جاء في "الخطة الخمسينية الإيرانية" والتي نشرت في مطلع التسعينيات قولهم: "وفي النصف الثاني من هذه الخطة العشرية يجب ـ بطريقة سرية وغير مباشرة ـ استثارة علماء السّنة والوهابية ضد الفساد الاجتماعي، والأعمال المخالفة للإسلام الموجودة بكثرة في تلك البلاد، وذلك عبر توزيع منشورات انتقادية باسم بعض السلطات الدينية والشخصيات المذهبـية من البلاد الأخرى، ولا ريب أن هذا سيكون سبباً في إثارة أعداد كبيرة من تلك الشعوب، وفي النهاية إمّا أن يُلقوا القبض على تلك القيادات الدينية أو الشخصيات المذهبية، أو أنهم سيكذبون كل ما نشر بأسمائهم، وسوف يدافع المتدينون عن تلك المنشورات بشدة بالغة، وستقع أعمال مريبة، وستؤدي إلى إيقاف عدد من المسؤولين السابقين أو تبديلهـم، وهذه الأعمال ستكون سبباً في سوء ظن الحكام بجميع المتدينين في بلادهم؛ وهم لذلك سوف لن يعملوا على نشر الدين وبناء المساجد والأماكن الدينية، وسوف يعتبرون كل الخطابات الدينية والاحتفالات المذهبية أعمالاً مناهضة لنظامهم.

وفضلاً عن هذا؛ سينمو الحقد والنفرة بين العلماء والحكام في تلك البلاد؛ وحتى أهل السّنة والوهابية سيفقدون حماية مراكـزهـم الداخلية، ولن يكون لهم حماية خارجية إطلاقاً ". وتتوقع الخطة أن حدوث هذا سينتج عنه أن " سخط أهـل السّنة على الحكم سيزداد؛ بسبب ازدياد قدرة الشيعة في الدوائر الحكومية، وسيقوم أهـل السّنة من جراء هذا بأعمال مناوئة أكثر ضد الحكم، وفي هذه الفترة يتوجب على أفرادنا أن يقفوا إلى جانب الحكام، ويدعوا الناس إلى الصلح والهدوء، ويشتروا ـ في الوقت نفسه ـ بيوت الذين هم على وشك الفرار وأملاكهم ".أ هـ .

وهذه الخطة قد تم تطبيق كثير من مفرداتها وخطواتها، كما وثقت ذلك دراسة " أضواء على الخطة السرية دراسة في الأسلوب الجديد لتصدير الثورة الإيرانية " وكتاب " الخطة الخمسينية وإسقاطاتها في مملكة البحرين".

وقد نجحت إيران بنقل المنهج الثوري الإنقلابي لمعسكر خصومها من أهل السّنة، فظهرت مجموعات وتنظيمات تدعوا لقلب أنظمة الحكم، ورفعت السلاح في وجه المخالفين، وقامت إيران بدعمهم وتوجيههم لتحقيق مصالحها ـ بطرق شتى ـ وبذكاء خبيث وعجيب؛ فأمدتهم بالسلاح والعتاد والمال، ووفرت لهم الدعم اللوجستي، والمأوى ووسائل التنقل والعلاج والدواء؛ حتى أضحى الحديث عن علاقات القاعدة بإيران أو إيران بالزرقاوي من البدهيات والمُسلمات.

 

ويكاد يتفق العقلاء أن وظيفة عمليات القاعدة أصبحت التغطية على اختراقات وعدوان النظام الإيراني، عبر صرف الأنظار عن جرائمه واعتداءاته، ففي العراق القتل والتفجير هو بتخطيط ودعم ـ وأحياناً ـ بتنفيذ إيراني؛ لكن إيران تتمتع بالحصانة الدبلوماسية والمعاملة الأفضل!! ونجد أن الإعلام العراقي الرسمي ـ الذي يُحكم الشيعة قبضتهم عليه ـ لا يبرز سوى القاعدة بوصفها  منظمة تكفيرية سنّية، والعجيب أن القاعدة تتماها مع هذه الخطة بتبني أشياء لم تعملها!!

وفي الكويت؛ ومن على منبر البرلمان يلقي رئيس مجلس الشورى الايراني علي لاريجاني تهديداته لدول الخليج دون أدب أو دبلوماسية!!

وفي اليمن تشعل إيران الفتنة، وتهدد وحدة اليمن. لكنها تقدم نفسها بوصفها المصلح البريء!! ومن ثم تتقدم القاعدة لتغطي على مؤامرة الحوثيين، وتعلن أمريكا عن عزمها التدخل!!

وفي أفريقيا تتمدد في الشقوق والمنازعات لنشر نفوذها وطائفيتها حتى استولت على دولة جزر القمر وتحاول الاستيلاء على الصومال وأرتيريا، ومع هذا تجد من ينعت إيران بالحريصة على التعاون والوحدة الإسلامية !! وهذا المكر الإيراني تجده أيضاً في شرق أسيا وبين الجاليات الإسلامية في الغرب.

وفي كل هذه المساحات تتواجد دوماً عمليات للقاعدة؛ ليس لها نتيجة إيجابية حتى لأجندة القاعدة نفسها!! لكن النفع الوحيد فيها هو تقديم ساتر دخان على تحركات إيران وعبثها وتخريبها !!

ورغم هذا كله لا يظهر للإعلام إلا جرائم القاعدة، وكأن العالم ـ عبر وسائل الإعلام التي يسيطر عليها اليهود غالباً ـ أصبح مثل الثور في مصارعة الثيران، فحين يلوح اللاعب (إيران) بالراية الحمراء (القاعدة) يهجم الثور (العالم) عليها لتأتيه الطعنة من مكان أخر.

لقد نجحت إيران بجعل القاعدة العدو الأول ليس للانظمة العربية والإسلامية؛ بل وحتى للغرب وعلى رأسه أمريكا، ونحن مع رفضنا لنهج وأسلوب القاعدة إلا أننا نعتقد أن قسماً كبيراً من القاعدة ـ على الأقل ـ أصبح لعبة بيد إيران، وهذا يتضح لمن يدرس نتائج عمليات القاعدة في السنوات القليلة الماضية ومن هي الجهة المستفيدة منها.

لقد أصبحت أمتنا في وضع لا تحسد عليه، بين احتلال إسرائيل لفلسطين وغدر أمريكا بحلفائها، ومكر إيران وخداعها، وغفلة وغباء القاعدة، وعجز أنظمتنا ودولنا، وضياع شعوبنا في دوامة الفقر والجهل والتضليل الإعلامي والسياسي.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق