أسرار الشيعة والإرهاب في الجزائر
السبت 29 أكتوبر 2011
أسرار الشيعة والإرهاب في الجزائر

 

 

بوزيدي يحيى - كاتب جزائري

 

خاص بالراصد

أدى نجاح الثورة الإيرانية سنة 1979م، وتأسيس الخميني للجمهورية الإسلامية على أساس نظرية ولاية الفقيه وما رافقها من تداعيات في الوسط الشيعي إلى اهتمام أكاديمي وإعلامي كبير بالسياسة الخارجية الإيرانية خاصة في بعدها الديني والأيديولوجي الذي يعد من أكثر المواضيع محل نقاش وسجال بين المختصين في هذا المجال، غير أن ظاهرة التشيع في المغرب العربي ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على بدايتها وبروز رموز دينية من هذه الدول المعروفة بسنيتها الخالصة لم تنل نصيبها من الاهتمام الأكاديمي وحتى الإعلامي.

 ومن هنا تأتي أهمية الكتاب الذي صدر مؤخرا عن مؤسسة الشروق للإعلام والنشر للكاتب الجزائري أنور مالك تحت عنوان "أسرار الشيعة والإرهاب في الجزائر"، والذي كان من أكثر الكتب مبيعا في جناح مؤسسة الشروق بمعرض الجزائر الدولي للكتاب وجاء في المرتبة الثانية بعد مذكرات طاهر الزبيري، وكان قد سبق له أن نشره عبر حلقات عديدة في نفس الجريدة (الشروق) إلى جانب مقالات أخرى حول الإرهاب والجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر، وسنركز في هذه القراءة للكتاب على الجزء المخصص لموضوع الشيعة الذي جاء في أكثر من مائتي صفحة تمثل ثلث الكتاب تقريبا.

ومؤلف الكتاب هو ضابط مخابرات سابق عمل كملحق إعلامي بالمؤسسة العسكرية، أثار ضجة كبيرة برفعه دعوة قضائية ضد الوزير السابق ورئيس حركة مجتمع السلم أبو جرة السلطاني واتهامه بالإشراف المباشر على تعذيبه في السجن، وأيضا بكتاباته حول ما وصفه بالحروب السرية للمخابرات المغربية على الجزائر، ولكنه في نفس الوقت متهم من المعارضة الجزائرية في الخارج بأنه في مهمة استخباراتية لاختراقها وهذه الخلفية للكاتب أضافت جدلا آخر لموضوع هو في الأصل محل جدل.

ورغم ما تثير هذه الخلفية من تساؤلات مشروعة حول دوافع ومصداقية ما يكتبه، إلا أن تمكنه من أدوات التحقيق الصحفي الذي هو قريب بشكل أو آخر من العمل المخابراتي هي ما يعطى كتاباته قوتها، وهنا تجدر الإشارة إلى أن المصطلحات التي يوظفها الكاتب من قبيل (بحثنا) و (دراستنا) ليست بالمفهوم العلمي للمصطلحات وما تحمله من معانٍ أكاديمية ومقاربات منهجية سوسيولوجية تتعلق بالظاهرة، وبغض النظر عن كل هذا الجدل نعرض أبرز ما تضمنه الكتاب من أفكار وملاحظات يمكن أن يخرج بها القارئ حول الموضوع فيما يلي:

* العلاقة بين إيران والجماعات المسلحة إذا لم تكن حقيقة مؤكدة فهي ليست مستبعدة، ذلك أنه توجد العديد من المعطيات التي تؤيد ما ذهب إليه الكاتب ليس أولها تأييد طهران للجبهة الإسلامية للإنقاذ، الأمر الذي أدى إلى قطع العلاقات بين البلدين، وما تقوم به إيران في دول أخرى والخلايا التابعة لها التي يكشف عنها من حين لآخر تكون من حيث قوتها ونشاطها مرتبطة بحجم وقوة التواجد الشيعي في البلد، ناهيك عن علاقة إيران بالقاعدة وغيرها من الجماعات الإسلامية.

* يربط الكاتب بين التشيع وتيار الجزأرة داخل الجماعات الإسلامية المسلحة، وهذا أيضا تسنده الكثير من المعطيات حول التشيع الذي ارتبط بشكل مباشر بالحركات الإسلامية (الإخوان المسلمون)، والجزأرة هو تيار إخواني يؤمن بالقطرية الجزائرية والمحلية لدور الحركة الإسلامية على عكس حركة مجتمع السلم التي كانت تؤمن بعالمية الحركة، وتيار الجزأرة يتبنى فكرة الإسلام الجزائري كما يصطلح عليه البعض بمعنى أن هذا التيار يقدم رؤية للعمل الإسلامي يراعي فيها خصوصية المجتمع الجزائري، وأيضا رموز هذا التيار والمنتمين إليه بشكل عام من أكثر المتأثرين بفكر مالك بن نبي، وهم يميلون إلى القضايا الفكرية والسياسية، والتشيع يجد في هذه الأوساط تربة خصبة لنموه.

* تشكل سوريا ولبنان نقطة عبور وحلقة وصل ومركزاً لنشاط التبشير الشيعي في الجزائر والمغرب العربي بشكل عام سواء عن طريق حزب الله وحركة الجهاد الإسلامي كحركات منظمة أو التشيع الفردي من خلال استغلال تجار الشنطة.

* قصة أم عبد الرحمن وتشيعها تأثراً بزوجها الذي كان يحضر كتبا من السفارة الإيرانية، تفتح الباب للحديث عن دور الملحقيات الثقافية الإيرانية في التبشير الشيعي من جهة ومن جهة أخرى دور العلاقات العائلية في نشر التشيع والتي ربما هي من أهم أسباب انتشار وحتى استمرار الظاهرة.

* يطرح الكاتب موضوعا غاية في الخطورة وهو ظاهرة تدنيس المصاحف ويتهم جهات شيعية أو متشيعة بالوقوف وراءها بشكل منظم، ومبرراته في ذلك هي لفظ سورة الولاية في الخربشات على المصاحف المدنسة وحذف الآيات التي تبرئ أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهذا يتوافق مع معتقدهم في تحريف القرآن كما أن المدن التي وقعت فيها هذه الحوادث تشهد بالموازاة مع ذلك نشاطا تبشيريا شيعيا كبيرا، ثم يستدرك وينبّه بأنه لم يسجل أي تورط مباشر لمتشيعين فيها ويبرر ذلك بممارستهم للتقية واستغلالهم لشباب سواء بالإيجار أو مقابل أشياء أخرى بما فيها التجنيد عن طريق الإنترنيت، وحول هذه الجزئية تطرح تساؤلات عن غاية المتشيعين من هذه السلوكات وهل تخدم نشاطهم التبشيري أم أنها تدخل في إطار حملة التشهير بهم كما عبر عن ذلك بعضهم؟

واعتقد من خلال متابعة الظاهرة والتواصل مع المهتمين بالموضوع أن الأمر مبالغ فيه كثيرا ويستبعد أن يكون متشيعون وراء تدنيس القرآن بذلك الشكل، وحتى إن وقع ففي أفضل الأحوال قد يكون سلوكاً فردياً وليس عملا منظما كما ذهب إليه الكاتب.

* يتحدث صاحب أسرار الشيعة في الجزائر أيضا على توفره على معلومات عن شبكات لبنانية شيعية جندت الفتيات الحسناوات من أجل الإيقاع بالشباب، وهذه الشبكات تنشط تحت رعاية جهات رسمية شيعية في إيران ولبنان وسوريا ودول خليجية، ثم يعرض تفاصيل الموضوع بقصة شاب جزائري تعرف على فتاة لبنانية في الفيسبوك حاولت استدراجه في علاقة عاطفية إلى القيام بحرق كتب ابن تيمية وصحيح البخاري ثم في وقت لاحق حرق المصحف لإثبات تشيعه لها، وهذه القصة غير مقنعة ولا يمكن الاستناد عليها للأخذ برأي الكاتب بل إن نتائجها العكسية هي الاحتمال الأكبر ولا يمكن أن تكون جهات رسمية بهذه السذاجة وهذه الجزئية إضافة إلى تدنيس القرآن تتنافى مع ما أورده في مقام سابق عن استهداف لتلامذة المتوسطات والثانويات في التبشير الشيعي بتوجيه من المراجع الشيعية في البلدان السابقة الذكر.

* لا يأتي أنور مالك بجديد هام حول علاقة المثقفين الجزائريين بالتشيع رغم أن الظاهرة نخبوية على عكس تونس والمغرب التي بها مؤسسات ومتشيعون فاعلون مجتمعيا، وهذه الخصوصية الجزائرية تحتاج إلى وقفة تأمل وتمحيص في أسبابها، فهل هي نتيجة فترة الإرهاب التي عرفتها الجزائر منذ بداية التسعينات وحجبها لنشاطهم ومنعهم من الظهور؟ أم لحساسية المجتمع الجزائري؟

* جمع المؤلف كل ما نشر في وسائل الإعلام خلال السنوات الأخيرة حول ممارسة المتشيعين لشعائرهم وطقوسهم في عاشوراء، وخلاصتها أنهم يجتمعون في أماكن خاصة في مجموعات بين العشرة إلى المائة شخص تجنبا لمتابعتهم واكتشافهم، وإذا ما أضيف هذا إلى الأنباء التي تحدثت عن محاولتهم اختراق بعض الجمعيات والتنظيمات الطلابية والأحزاب فإنه مؤشر آخر على وجود تواصل وتنسيق بينهم يعكس ميلهم إلى التنظيم السري وهو ما يجعلهم هدفاً للأجهزة الاستخباراتية الخارجية لاستغلالهم في تحقيق مصالحها الخاصة بشكل غير مباشر أو حتى تجنيدهم.

* قدم الكاتب بمجهود فردي إحصائية عن عدد المتشيعين في الجزائر وتوزيعهم الجغرافي، حيث حصر عددهم في حدود ثلاثة آلاف متشيع، ورغم أن العدد يبدو قليلا إلا أنه (والكلام للمؤلف) إذا وزع على عدد ولايات الجزائر فهذا معناه أن كل ولاية بها على الأقل ستون متشيعاً نصفهم ناشط خاصة وأن أغلبهم ينتمي إلى المنظومة التربوية، كما أن متوسط أعمارهم يتراوح بين الثلاثين والأربعين سنة وفيما يخص المستوى الدراسي فحوالي 55 % أنهوا دراستهم الجامعية، ونسبة 40% متزوجون ولهم على الأقل طفل واحد وهذه كلها مؤشرات خطيرة عن مستقبل الظاهرة.

* انتماء كل المتشيعين إلى الشيعة الإثني عشرية وهي العقيدة السائدة في إيران يبين أن تشيعهم كان تأثرا بالخميني والثورة الإيرانية إلى جانب حزب الله خاصة بعد حرب 2006 ومساهمة الفضائيات ذات الانتشار الواسع وعلى رأسها المنار في الترويج له استغلالا لتعاطف الشعوب العربية مع كل من يرفع شعار مواجهة إسرائيل.

* يجمل الكاتب الأسباب التي ساهمت في تشيع الكثيرين بالعلاقات الشخصية في الداخل والخارج والمجلات والكتب التي توزع بطرق سرية والإنترنيت والدعم الإيراني المادي والمعنوي للراغبين في الالتحاق بالمعاهد والحوزات العلمية في النجف وقم وخاصة لدى الشباب العاطل عن العمل، وتساهل الحركات الإسلامية معهم وتزكيتها للشيعة، والدعم الرسمي الذي شجع ظاهرة التصوف وتدعيم الزوايا وهذا الذي شكل أرضية خصبة للقبوريين والباطنيين ونشر فكر الأضرحة والأولياء والأوصياء وهي ظاهرة لديها قواسم مشتركة مع عقيدة الشيعة في تمجيد القبور والموتى وتقديسهم، وزواج جزائريات من شيعة لبنانيين وسوريين وخليجيين وغياب مرجعيات دينية رسمية جزائرية.

وأسباب يصفها بالأسطورية التي تعج بها مواقع الإنترنيت والكتب كالمهدي المنتظر والمنامات والأحلام والحب والجهاد والأخلاق والأحداث الخاصة.

* في المقابل هناك عوائق يرى الكاتب أنها تساهم في الحد من هذا المد يأتي في مقدمتها طبيعة المجتمع الجزائري السني والنشاط السلفي في فضح عقائد الشيعة للعوام خاصة عن طريق توزيع الأشرطة والكتب والمجلات والمطويات، وهذا ما جعل المتشيعين ينقمون عليهم ويحاولون الوقيعة بينهم وبين كل أطياف المجتمع، ويدعي بعضهم أن الإرهاب الوهابي السلفي كان السبب في تشيعهم، إلى جانب الأحداث الدولية التي ساهمت في كشف حقيقة الشيعة كاحتلال العراق والدور الإيراني العميل للمحتل وما قامت به المليشيات الشيعية من جرائم بحق أهل السنة وإعدام صدام حسين في عيد الأضحى، وكيل إيران وحزب الله بمكيالين في الثورات العربية خاصة بدعمهما لجرائم النظام السوري، وحرص بعض الأجهزة الرسمية التي تتخوف من المد الإيراني على التضييق عليهم وتخويفهم من خلال سماعهم في محاضر رسمية. وإخفاق شيعة الجزائر في التموقع بأطر تنظيمية كتأسيس أحزاب سياسة أو مراكز ثقافية أو جمعيات أهلية مع الإشارة إلى الاختراق الفردي لبعضها وممارسة الدعوة إلى التشيع بطريقة غير مباشرة، وعدم وجود مرجعيات وشخصيات دينية شيعية جزائرية مشهورة.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق