إيران والإرهاب.. ممارسة وتوظيفا
السبت 26 يوليو 2014

 

 بوزيدي يحيىكاتب جزائري

خاص بالراصد

تقدم إيران نفسها كأحد ضحايا الإرهاب، ومن بين الدول التي يجب إشراكها في محاربته، بل وتتهم دولاً أخرى بدعمه لزعزعة أمن واستقرار المنطقة، وهي بهذا تركب الموجة العالمية لـ "محاربة الإرهاب" الذي أضحى ظاهرة عالمية خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، والحملة الأمريكية التي تلتها على الإرهاب. وقد ساندت إيران العدوان الأمريكي على أفغانستان والعراق.

والمفارقة أن إيران تكاد تكون الدولة الوحيدة في المنطقة التي لم يحصل أن استهدفت من طرف الجماعات الإرهابية والتي تعيث شمالاً ويميناً، باستثناء تفجيرات قرب سفارتها في لبنان والتي لم تسفر عن خسائر معتبرة بشرية ولا حتى مادية!!

ومن جانب آخر نجد أنه وفق المفهوم الإيراني للإرهاب وإسقاطه على الأعمال التي تعتبرها إرهابية، لا يكاد يخلو تاريخ النظام الإيراني منذ 1979 من أعمال كثيرة مشابهة يمكن وصفها أيضا بالإرهابية داخليا وخارجيا. خاصة في جوارها العربي الذي كان أكثر المتضررين من الجرائم التي ترعاها إيران في إطار مؤسساتها الرسمية، وبشكل علني. كل هذا يدفعنا إلى طرح سؤال جوهري عن موقع النظام الإيراني من الإرهاب في الإقليم، وكيف نفسر، ليس عدم خسارة إيران من صعود الجماعات الإرهابية في المنطقة، وإنما كونها المستفيد الدائم منه؟

الإرهاب من المنظور الإيراني:

تمحور الجدل حول مفهوم الإرهاب أكاديمياً في تعارض المنظورات الأيديولوجية للظاهرة لاختلاف المشارب الثقافية والدينية، إضافة إلى تناقض المصالح السياسية، وأهم ما يثار حول هذا المفهوم في المجال العربي والإسلامي، هو الموقف من مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين ولبنان بشكل خاص، وكل أشكال الاحتلال بشكل عام. حيث تعتبر الدوائر الغربية على سبيل المثال حركة حماس وحزب الله إرهابيين في حين هناك إجماع عربي/ إسلامي ويشترك فيه معهم آخرون بأنهما حركتي مقاومة لاحتلال([1])، فالتناقضات هذه محسومة في الدائرة الإسلامية.

لكن بينما التنظيمات المتطرفة في المجال السني مثل القاعدة ومختلف فروعها هناك اتفاق على تصنيفها ضمن دائرة الإرهاب، وغالبا ما كانت الدول العربية السنية هي المتضرر الأول والأكثر وربما الأخير من أعمالها، نجد بالمقابل أن التنظيمات الشيعية الإرهابية، تنظر إيران إليها من زاوية مختلفة، فمِن بين كل الحركات المسلحة والمليشيات الشيعية لم يحدث أن اعتبرت إيران في يوم من الأيام إحداها تنظيما إرهابيا، بل على العكس من ذلك غالب هذه التنظيمات ممولة من طرفها، وجلها ولدت وترعرعت في أحضانها.

ازدواجية التصنيف: إرهاب في الداخل و/أو إرهاب في الخارج

 تنطلق إيران من مبدأ دعم هذه الأقليات الشيعية المظلومة والمهضومة حقوقها في الدول السنية، ففي البحرين تزعم إيران أن الأغلبية الشيعية هناك تحكمها عائلة سنية، وأن الحوثيين في اليمن أيضا يعانون من بطش النظام، والأمر نفسه يقاس على الدول الأخرى، ومن واجب إيران دعم المستضعفين وحركات التحرر كما سطر ذلك الخميني.

قد نعتبر هذا التصور سليما، ولكن عندما ننظر لواقع الأقليات داخل إيران ومعاناتها، فإننا نجد مفارقة تكشف حقيقة تناقض المواقف الإيرانية، الأمر الذي يجعلها بين خيارين لا ثالث لهما، إما أنها تمارس الإرهاب بحق الأقليات الموجودة في البلاد كما تتهم الحكومات الأخرى أو أنها تدعم حركات إرهابية. فوفق القانون الإيراني والممارسة الميدانية تنظر إيران لأي تنظيم معارض في الداخل يمثل أقلية من بين الأقليات الكثيرة فيها المهضومة الحقوق بأنه تنظيم إرهابي، وتقوم بشكل مستمر بالكثير من الإعدامات  في حق هؤلاء، مع عدم فتح المجال السياسي لهم، فضلا عن النصوص الدستورية التي تحرمهم من المناصب العليا.

في مقدمة هؤلاء العرب الشيعة في إقليم الأحواز الذي استعمرته إيران سنة 1925، أو إقليم بلوشستان، وحتى الأكراد. إذ على سبيل المثال لا الحصر وثقت "هيومن رايتس ووتش" خلال تقييمها لقانون العقوبات الإيراني الجديد في 2012 إعدام السلطات 30 شخصاً على الأقل منذ يناير 2010 بناء على تهم بجرائم الحرابة أو الإفساد في الأرض، جراء صلات تربطهم بتنظيمات مسلحة أو إرهابية. وهناك 28 سجيناً كردياً على الأقل حكم عليهم بالإعدام بناء على اتهامات المساس بالأمن الوطني، والمهم أنه في عدد من هذه القضايا كانت الأدلة التي أدانتهم وحكمت بموجبها السلطات القضائية عليهم بالإعدام مجرد كونهم معارضين سياسيين، وليس لأنهم ارتكبوا أعمال إرهابية([2]).

ولو أخذنا مقابل هؤلاء كنموذج الحوثيين في اليمن فقط فإننا نجد المجال السياسي لم يغلق في وجههم في يوم من الأيام حيث كانوا ينشطون في الإطار الاجتماعي من الثمانينات حتى منتصف التسعينات لينتقلوا إلى المجال السياسي، ولكنهم سرعان ما تحولوا للعمل المسلح لأخذ ما يقولون إنه حقوقهم، وخاضوا ست حروب ضد النظام كان آخرها في 2009، وبعد الثورة اليمنية شاركوا في الحوار الوطني وأقروا بنتائجه، وكان لهم ما أرادوا من مطالب سياسية، ولكنهم سرعان ما عادوا للعمل المسلح، وأصبحوا يهددون كيان الدولة، فكيف لجماعة مظلومة تدافع عن نفسها في مناطق محددة أن تكون الآن على مشارف عاصمة الدولة؟ ألا تكفي علاقتها بإيران لنعتها بالجماعة الإرهابية حسب المنطق الإيراني؟ هل تقبل إيران بعُشر أمثال الحوثيين عندها؟

وإذا ما عدنا للشأن الداخلي الإيراني فقبل هذا تعاملت إيران مع التنظيمات السياسية المعارضة التي شاركت الملالي في الثورة بطريقة عنيفة وإرهابية، راح ضحيتها عشرات الآلاف من المعارضين الذين كانت تنشر الصحف يوميا أخبار إعدام العشرات منهم. ومن قام بتلك الجرائم هم الآن يتبوأون مناصب كبيرة في الحكومة الإيرانية التي توصف بالإصلاحية، ومن أبرزهم وزير العدل مصطفى بورمحمدي الذي له ملفٌ حافلٌ "بالإجرام والقتل والتنكيل" بحق عدد كبير من الصحفيين والسياسيين.

وكان المرصد الإيراني لحقوق الإنسان نشر تقريرا تحت عنوان "وزراء الموت" في عام 1988 ذكر فيه بالتفصيل دوره في الإعدامات التي طالت آلاف السياسيين في الثمانينات. حيث كان عضوا رئيسياً في الهيئة المشرفة على استنطاق السياسيين ومن ثم صدور أحكام الإعدام بحق الآلاف منهم بين عامي 1988 و1999. وتتهمه المنظمات الحقوقية بارتكاب اغتيالات طالت عشرات من قيادات الأحزاب والمعارضة خارج إيران في نفس الفترة عندما كان مسؤول القسم التنفيذي للمخابرات الخارجية، وأن كل الاغتيالات كانت تتم بتنسيق كامل معه([3]).

الصندوق الأسود: الميليشيات الشيعية العراقية

تتعدد أشكال الإرهاب الإيراني وتتغير في كل بلد، غير أنها تجد مبررات لها مع ذلك، لكن حالة الميليشيات الشيعية العراقية المقاتلة في سوريا مثل لواء أبي الفضل العباس تمثل النموذج الصارخ للإرهاب الإيراني إذ لا يوجد أي مبرر لممارساتها، والخانة الوحيدة التي تصنف فيها هي خانة الإرهاب، والإشكال في هذه الحالة أنها ليست ميليشيات تعمل بشكل منعزل وخارج إرادة الدولة، فهي أولا قادمة من العراق، وعملية التنظيم والتجنيد كانت تتم بشكل علني ولم تحارب أو تواجه، ثم انتقالها من هناك إلى سوريا بموافقة حكومتي الدولتين وكل هذا كان يتم تحت وبتنسيق مباشر وتوجيه من طرف إيران، ما يعني أن السلوك هنا رسمي، وهو ما يستلزم تحمل كل الدول، وفي مقدمتها إيران، تبعات ممارسات هذه المليشيات.

و"حماية الأماكن المقدسة" الذي كان غطاء لعمل هذه المليشيات ودخول حزب الله أيضا لسوريا، بل حتى التدخل الإيراني المباشر في العراق كان تحت نفس الشعار، إذ وصفت وسائل الإعلام الإيرانية مهمة الطيار الذي قتل في العراق بسامراء أنه كان يؤدي واجب حماية الأماكن المقدسة، هذا المبرر لا يعدو أن يكون تبريرا أخلاقيا للطائفة الشيعية ووسيلة دعاية لتجنيد أبناء الطائفة، وفضلا على أنه ممارسة طائفية تساهم في تمزيق الأمة فإنه لا يوجد في قاموس القانون الدولي ما يبرر تجنيد مدنيين في مليشيات للمقاتلة في دول أخرى لمثل هكذا أسباب.

وهذه التنظيمات -بما فيها حزب الله- في الكثير من الأحيان كانت تقارن نفسها بالتنظيمات الإرهابية على غرار "داعش"، وإذا كان سلوك الأخيرة إرهابي بالإجماع فإن سلوك المليشيات الشيعية، ومن ورائها إيران، لا يخرج عن هذا الإطار أيضا.

وإذا سلمنا جدلا بأن الغرب هو المسؤول عن الإرهاب وهو الذي يموله ويستخدمه لتنفيذ مصالحه في المنطقة، فإن إيران أيضا تستعمل الإرهاب الشيعي، ممثلا في المليشيات الشيعية، التي تجند فيها الشيعة من اليمن وأفغانستان والعراق كما سبقت الإشارة لنفس الغرض. ثم تقدم نفسها لهذه الجهة دائما (أي الغرب) بأنها الطرف الذي يجب التعويل عليه في مكافحة الإرهاب.

وهنا يبرز تقاطع المصالح بين هذه الأطراف، حيث لا تشير القوى الغربية اليوم للجماعات الشيعية التكفيرية كجماعات إرهابية إطلاقا، وتحصر التهديد فقط في الإرهاب الذي تمثله الجماعات السنية، ويبدو أن السبب وراء ذلك هو أن نشاط هذه الجماعات الإرهابية اليوم لا يتناول الأراضي والأفراد الغربيين، بينما حين كانت الميليشيات الشيعية تضرب مصالح غربية مباشرة كانت تصنف كجماعات إرهابية، في انتهازية وعنصرية صارخة.

يفضح هذا المشهد ما يجرى في اليمن، فقد برر زعيم الحوثيين تقدّمه نحو العاصمة بمحاربة التكفيريين الذين تدعمهم الحكومة، رغم أن الأخيرة هي التي تقاتلهم في الجنوب، وفي نفس الوقت يدعي أن الهدف هو مقاتلة إسرائيل وأمريكا، والجميع يعلم أن الطائرات الأمريكية بدون طيار لسنوات تستهدف فقط تنظيم القاعدة هناك، ولم تستهدف الحوثيين يوما، بل دافعت عنهم، كما أنهم لم يمسوا مصالحها يوما بدورهم.

مكافحة الإرهاب على الطريقة السورية: الإثبات بالنفي

فور انفجار الإقليم السني في العراق صرحت إيران على لسان مساعد رئيس هيئة الأركان الإيرانية، مسعود جزائري، أن بلاده مستعدة لدعم العراق في حربه ضد “الإرهاب” على الطريقة التي تتبعها في سوريا، لافتا إلى أن طهران لن تسمح للإرهابيين بحكم الشعبين السوري والعراقي. وأن "إيران أبلغت المسؤولين العراقيين بأنها مستعدة لتزويدهم بالخبرات الناجحة في الدفاع الشعبي المتنوع وهي نفس إستراتيجيتها الناجحة المستخدمة في سوريا لإبقاء الإرهابيين في وضع الدفاع".

هذا التصريح أكد من اليوم الأول أن إيران ستنتهج نفس السلوك في سوريا، فما يحصل تختصره تحت عنوان واحد هو "الإرهاب"، وهذا بحدّ ذاته إجرام بتعميم الحكم إذ أن كرونولوجيا الأحداث تكشف بما هو مؤكد وثابت أن الثورة السورية استمرت لستة أشهر سلمية، وعملية العسكرة كانت متأخرة وكرد فعل على الخيار الأمني الذي سلكه نظام الأسد، وحتى الجماعات التكفيرية كان دورها متأخراً جداً والمعارضة السورية أصبحت هي نفسها أكثر تضررا منها، بل وللمفارقة اضطرت للدخول في مواجهات معها، ولم يعد زمام المبادرة لنظام الأسد إلا بعدما أخذت تلك التنظيمات المتطرفة تتمدد في الأماكن التي سيطرت عليها فصائل الثورة.

وإضافة إلى هذا فإن مكافحة الإرهاب من خلال "الدفاع الشعبي المتنوع" ما هو إلا استنساخ لتجربة المليشيات الشيعية التي عاد الكثير منها أدراجه إلى العراق كما أكدت الكثير من التقارير، وعملية التجنيد التي تصدت لها المرجعية ممثلة في علي السيستاني، ومختلف القيادات السياسية التي شكلت ألوية جديدة أو أعادت إحياء مليشياتها كجيش المهدي.

وفي خضم كل هذا يكشف التباس الموقف الإيراني وتخبط إدراكه "للإشكالية الأخلاقية" في سياساته، وشعوره بأنها فعلا وواقعا "أعمال إرهابية"، ومن الأمثلة على ذلك نفي طهران الكثير من الممارسات ثم اعترافها عمليا بها، فبينما نفى حسين أمير عبد اللهيان نائب وزير الخارجية الإيراني إرسال طهران جنودها إلى العراق لدعم القوات الحكومية في حربها ضد داعش وأكد بأنه "ليس لديهم أي جنود أو قوات مسلحة على الأراضي العراقية حاليا". وربط ذلك بالقانون والأنظمة الدوليين ووفقا للاتفاقات الثنائية (بين البلدين) سرعان ما جاءت الأخبار ومن إيران نفسها تتحدث عن مقتل الطيار الإيراني في سامراء وشهادته خلال تأديته واجب حماية الأماكن المقدسة.

لا شك أن إيران تجد صعوبة كبيرة في تفسير وتبرير مواقفها، والمجاهرة بالخطاب الطائفي هو بحكم الاضطرار إذ كانت تمارسه طيلة العقود السابقة بالكثير من "التقية"، كما أنه ظل في إطار غير عابر للدول كما هو عليه الحال الآن، مما لا يمكن أن يصنف السلوك والخطاب الإيراني إلا بالطائفية والإرهاب.

إيران والقاعدة: تقاطع المصالح

بمجرد طرح موضوع علاقة إيران بالإرهاب ممثلا في تنظيم القاعدة يقفز عند البعض سؤال فيه كثير من السخرية والتعجب مفاده كيف لتنظيم متطرف ومتناقض تماما في أفكاره ومعتقداته مع إيران أن يكون حليفا لها أو متعاونا معها في نفس الوقت؟ وهؤلاء ينسون أو يتناسون تلك المقولة الشهيرة في السياسة التي مفادها أيضا: أنه "ليس هناك صديق دائم أو عدو دائم وإنما مصلحة دائمة". وبإطلالة على الأوضاع الإقليمية ومساحات النفوذ والمصالح للقاعدة وإيران فإننا نقف أيضا عند جملة الملاحظات التالية:

1- تحدثت التقارير عن علاقات ربطت إيران بالقاعدة بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق، وكيف أصبحت إيران نقطة عبور بين البلدين، ومستقرا للكثير من قيادات القاعدة وعائلاتهم([4])، هذه التقارير جاء تأكيدها لاحقاً عقب انشقاق فرع القاعدة في العراق بزعامة البغدادي مؤخرا عن التنظيم الأم، والرسالة التي وجهها الناطق الرسمي للتنظيم للظواهري، حيث أشار فيها إلى توجيه الأخير لهم بعدم استهداف إيران، فقد اتهم أبو محمد العدناني في 11 مايو/ أيار 2014 عبر رسالة صوتية بعنوان "عذرا أمير القاعدة"، قيادة القاعدة المركزية بالانحراف عن المنهج ونسج علاقات مشبوهة مع إيران، إذ أقر بأن "للقاعدة دينا ثمينا في عنق إيران"، كما أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) "لم تضرب في إيران  تلبية لطلب القاعدة .. للحفاظ على مصالحها - أي القاعدة – وخطوط إمدادها.

وبغضّ النظر عن السياق الذي جاءت فيه هذه التصريحات فإنه يؤكد تلك العلاقة بين الطرفين التي لطالما كانت محل استغراب وتكذيب، ومجرد توظيف إيران للقاعدة إدانة لها بممارسة الإرهاب، فليس هناك في العرف الأخلاقي والقانوني مبرر للتعاون مع التنظيمات الإرهابية.

2- الملاحظة الثانية تنطلق من الأولى وتتمثل في الانشقاق ودلالاته، فهنا ليس الحديث عن اختلاق إيران للقاعدة وإنما فقط توظيفها كحالة موجودة لخدمة مصالحها، والتي كانت تتمثل في مرحلة سابقة في إرهاق الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وخلط أوراقها لتثبيت عملائها في السلطة، وقد اضطرت فعلا واشنطن للدخول مع طهران في جولات من المفاوضات المباشرة، وحصلت على ما كانت تريده في النهاية.

 وفي مرحلة ثانية وعقب الثورة السورية كانت أيضا في حاجة لمبررات "أخلاقية" للتدخل واستمرار النظام وهذا ما حصل أيضا بعد تمدد تنظيم "داعش" في سورية حيث مع صعوده أصبحت كل أنظار العالم موجهة لخطر التنظيمات المتطرفة و"الإرهاب" وطويت صفحة إسقاط نظام الأسد بشكل شبه كامل، والأخير أيضا وجد في الجبهات التي فتحها التنظيم مع فصائل الثورة الأخرى مساعدة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة له، وخدمات شبه مجانية.

3- يقف الكثيرون عند التناقض في التصورات العقدية بين إيران والقاعدة ويجعلون منها مرتكزا لتكذيب أي أطروحة تجمع الطرفين في سلة واحدة، ولو تمعنا جيدا نجد أن ألدّ أعداء تنظيم القاعدة في أيديولوجيتها ليس أمريكا ولا حتى الكيان الصهيوني، وإنما الأنظمة العربية العلمانية والعميلة التي يجب القضاء عليها أولا، وهذا ما نشاهده أيضا في سوريا حيث جعل التنظيم الفصائل التي تحارب الأسد عدوه الأول، وهو يقاتلها ويعتقد أنه لا بد من القضاء عليها ليتمكن من إسقاط الأسد. وإيران تدرك هذه الخلفية لذلك تعمل على توظيفها بما يخدم مصالحها. وهذا ما يعبر عنه الباحث في شؤون الحركات الجهادية حسن أبو هنية بهشاشة الأيديولوجيا وجبروت السياسة، حيث تطغى الأبعاد السياسية على القيم الأيديولوجية([5]).

4- ولأن التنظيم يوظف وليس مختلقا (مع التأكيد على أنه مخترق) فإنه من الصعب جدا توقع سلوكياته، وتبقى دائما هناك احتمالية للخروج عن الخط و"اللامتوقع" من طرف هذه التنظيمات، وهو لا يختلف عن سلوك القاعدة الأم مع الولايات المتحدة الأمريكية عقب نهاية الحرب مع الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، لذلك وجدت إيران في سلوك القاعدة الأخير تجاه العراق أمراً مفاجئاً لها، وهذا لربما ما يفسر استنفارها على كل المستويات السياسية والعسكرية وتجنيدها لكل طاقتها لمحاربته. فقد صرّح مسؤولون إيرانيون أنهم يأخذون تهديدات البغدادي على محمل الجد([6]). وتجدر بنا الإشارة هنا إلى أن موقف البغدادي هذا ليس وليد اللحظة، وإنما يعود لأيام قيادة التنظيم من طرف أبي مصعب الزرقاوي، الذي كان له رأي مختلف عن قيادة القاعدة في أفغانستان بخصوص الموقف من إيران([7]).  

الخلاصة:

  تنسب للحرس الثوري الإيراني الكثير من الأعمال الإرهابية، والتي تمارس من خلالها إيران أسلوب الحرب غير النظامية ضد خصومها، داخليا يشمل هذا كل القوى المعارضة من الإصلاحيين كأقرب معارض إلى منظمة مجاهدي خلق وحتى كل التنظيمات الممثلة للأقليات. ومن أهم النشاطات الإرهابية الدولية الإيرانية خارجياً تفجير الحجاج في مكة المكرمة عامي 1987 و1989، ومحاولة اغتيال أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد سنة 1985، ومحاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن قبل ثلاث سنوات، وغيره من الدبلوماسيين السعوديين في بلدان مختلفة، فضلا عن الأعمال الإرهابية والتفجيرات التي تقوم بها التنظيمات الشيعية في مختلف دول الخليج ولبنان.

وحتى إذا سلمنا جدلا بكل التأويلات والقراءات لتلك الأحداث، فإن ما لا يمكن تبريره هو دور المليشيات الشيعية التكفيرية في سوريا وجرائمها الإرهابية، والتي أصبحت "شركات أمنية" إيرانية على غرار شركة (بلاك ووتر) تلك التي استعملتها الولايات المتحدة الأمريكية في ما أسمته حربها على الإرهاب. فالمتتبع للخطاب الإيراني حول مكافحة الإرهاب يجد أن المستهدف به هو فقط تلك التنظيمات السنية، أما الدائرة الشيعية فهي تبقى خارج هذه التهمة.  

أما علاقة إيران بالقاعدة والتي تأكدت من اتجاهات عديدة وفي سياقات مختلفة فإنها تبين كيف احتضنت إيران أكبر فصيل سني متطرف ووجهته نحو خصومها، في المرحلة التي كان التنظيم مطاردا فيها في كل أنحاء العالم، أي بعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، وهذا يبين قدرة إيران على المناورة واللعب بكل الأوراق المتاحة أو يمكن أن تتاح بيدها، والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه في ذلك.

فلم يمنعها خلافها العميق معه من التعامل معه وتوظيفه بما يخدم مصالحها حين التقيا معاً، فإذا نظرنا لعلاقة إيران بالإرهاب والقاعدة في المقام الأول بعين "جيوسياسية" نجد أنه كلما صعد دور القاعدة في منطقة ما تناسب ذلك طرديا مع النفوذ الإيراني، ففي العراق برز تنظيم القاعدة مع سيطرة إيران من خلال الشيعة على العراق تقريبا، وفي اليمن صعود القاعدة مع تمدد الحوثيين الذين أصبحوا على بعد كيلومترات من العاصمة صنعاء، وفي سوريا بينما كان الجميع يحسب أيام نظام الأسد المتبقية، جاء صعود داعش ليطوي الملف بشكل شبه نهائي، بل وأصبح الحديث عن أيام الثورة المعدودة.

والذين ينكرون علاقة إيران بتنظيم القاعدة هم أنفسهم الذين يعتبرون أن ما تفعله إيران في سوريا هو جزء من المقاومة والممانعة، وأن تنظيما متطرفا مثل لواء أبي الفضل العباس ليس بالتنظيم الإرهابي. كما أنهم لا يلتفتون إطلاقا لعلاقتها بتنظيمات مثل الحوثيين في اليمن وغيرها من القوى الشيعية في البحرين والكويت، وحتى علاقتها بالمالكي تدخل في إطار منافسة الولايات المتحدة الأمريكية، ولا تعني لهم جرائم المالكي الإرهابية بحق أهل السنة والجماعة وما قام به هناك مما اضطر العشائر السنية إلى حمل السلاح ضده بعد يأسها من الحلول السياسية.

 

 



([1]) تجدر هنا الإشارة إلى أن تورط حزب الله في بعض الأعمال الإرهابية في دول خليجية بالتعاون مع تنظيمات شيعية محلية، وحتى في الداخل اللبناني حيث يتهم أعضاء منه بالتورط في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وعلاقته بالحوثيين في اليمن، وبحكم علاقة التبعية المطلقة التي تربطه بالنظام الإيراني على أسس دينية شيعية، وما يترتب عليها من مواقف وسلوكات والتي كان آخرها التورط في جرائم بحق الشعب السوري إلى جانب نظام الأسد والمليشيات الشيعية، كل هذا جعل الحزب يدمغ بالإرهاب.

([2]) قانون العقوبات الإيراني المُقترح معيب للغاية، موقع هيومن رايتس ووتش، 29/08/ 2012، على الرابط:

http://www.hrw.org/ar/news/2012/08/28

([3]) نجاح محمد علي، يد ملطخة بالاغتيالات تحمل حقيبة العدل في إيران، ميدل إيست أونلاين، 13/08/2013، على الرابط: http://www.middle-east-online.com/?id=160345

[4] - في الوقت الذي يقوم فيه النظام بقمع جماعات - مثل «کتائب قاعد في کردستان» و«نوادگان صلاح الدين» -، إلا أن من يتعاون منهم يتعامل معه النظام برفق طالما لم يشكلوا تهديداً داخلياً. وفي المقابل، يتم اعتقال أعضاء "جيش الصحابة" و"أنصار الإسلام"، ممن لا يتعاونون، وتجري محاكمتهم. مهدي خلجي، السلفية كتهديد للأمن القومي الإيراني، على الرابط: http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/salafism-as-a-national-security-threat-for-iran

([5]) حسن أبو هنيّة، رجال بن لادن والظواهري في إيران، عربي 21، بتاريخ 25 /05/ 2014، على الرابط:

http://arabi21.com/Story/750932

([6]) محمد أبو رمان، القاعدة وإيران: على أعتاب مرحلة جديدة، الغد الأردنية 21/07/2007، على الرابط:

http://cutt.us/FIUl   

 

 

([7]) لتفاصيل أكثر، انظر: حسن أبو هنيّة، المرجع نفسه.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق