خرافة المظلومة الشيعية في العراق 2- حكم الملك فيصل الأول
الأحد 17 ديسمبر 2017

 عبد العزيز بن صالح المحمود- باحث عراقي

خاص بالراصد

فنّدنا في الحلقة السابقة خرافة المظلومية المزعومة لشيعة العراق في العهد العثماني، وفي هذه الحلقة نفند خرافة المظلومية في عهد الملك فيصل الأول الذي جاء بعد الحكم العثماني واحتلال الإنكليز للعراق.

الشيعة والاحتلال البريطاني:

في أواخر الحكم العثماني واحتلال الإنجليز للعراق طالبت مجموعة من الضباط العرب السنة في الجيش العثماني بحكمٍ عربي للعراق، وشكلوا من أجل ذلك جمعيات منها جمعية (العهد) سنة 1913م، كما برزت تحركات عشائرية شيعية عراقية تؤيد تنصيب ملك عربي هاشمي على العراق، فتم الاتصال بأحد أبناء الشريف حسين (شريف مكة) لتنصيبه ملكا للعراق. 

لم يكن الاحتلال البريطاني راضيا بذلك؛ لأنه يريد أن يحكم العراق بشكل مباشر؛ لكن الضغوط الشعبية العراقية اضطره لعمل استفتاء للشعب العراقي خلاصته: هل تؤيد قيام حكم ملكي عربي مستقل، وأظهرت النتائج اضطرابًا واضحًا عند العراقيين. لكن الذي يهمنا وله صلة بموضوعنا هو موقف الشيعة من هذا الاستفتاء! 

يزعم العديد من الكتاب الشيعة أنهم كانوا مؤيدين لحكم أحد أبناء الشريف حسين للعراق، وهذا غير صحيح؛ فالشيعة انقسموا بشكل واضح حيال هذه القضية لموقفين: 

الأول: موقف المرجع الشيعي كاظم اليزدي بعد التشاور مع بريطانيا الرافضة لقيام حكم عربي بالعراق، إذْ أيّد اليزدي استمرار بريطانيا بحكم العراق، كما وقّع سادن الروضة العلوية في النجف هادي الرفيعي مع 21 شخصية من وجهاء مدينة النجف مطالبين باستمرار حكم بريطانيا للعراق، وكان شرطهم على البريطانيين منحهم حرية ممارسة الطقوس الدينية وحفظ مكانة المجتهدين، وأيّد ذلك مجموعة من المراجع الشيعة منهم: محمد مهدي الكشميري، وهاشم الهندي النجفي، ومحمود الهندي النجفي، وجعفر بحر العلوم وهو إيراني، ومن المراجع العربية حسن بن صاحب الجواهري، وعلي بن محمد كاشف الغطاء. وجميع هؤلاء أيّدوا بقاء حكم الإنكليز ورفضوا قيام حكم ملكي عربي! 

ووقّع 40 من وجهاء الشيعة من بغداد والكاظمية على عريضة تؤيد بقاء الحكم البريطاني، ونصّوا على أن يكون برسي كوكس حاكما للعراق، كما حصل تأييد من قبل بعض وجهاء الشيعة في مدينتي سامراء وكربلاء. 

القسم الثاني: أيّد جماعة العهد، وهم ضباط سنة، بقيام حكم عربي من أبناء الشريف حسين، وبعض المجتهدين الشيعة ومنهم: شيخ الشريعة الأصفهاني، وعبد الكريم الجزائري، وجواد بن صاحب الجواهري، ومهدي كاشف الغطاء، ومرزا محمد تقي الشيرازي، ومحمد رضا الشبيبي، ووقعت وثيقة من 45 شخصية مرموقة سنية وشيعية تدعم هذا الرأي. 

لكن لنا هنا ملاحظة مهمة: وهي أنه برغم اتفاق السنة والشيعة على قيام حكم عربي، إلا أن طبيعة هذا الحكم كان محل اختلاف، فأبناء الشريف والسُنّة وعدد قليل من الزعامات الشيعية كانوا يريدون حكمًا عربيًا حقيقياً للعراق، بينما غالبية قيادات الشيعة كانت ترغب بحكم ملكي شكلي دستوري عبر مبادئ دستورية منسوخة حرفياً من الثورة الدستورية في إيران، مما يمكّن مراجع الشيعة من حكم العراق في الحقيقة، وهذا ما نادى به محمد تقي الشيرازي عَلناً!!

وحاول هذا القسم من الشيعة فرض رؤيته عبر تنفيذ ثورة لطرد الإنكليز من العراق ليصفو الجو للمجتهدين لحكم العراق تحت حكم شكلي من أحد أبناء الشريف، فكانت ثورة العشرين (1920م)([1])، لكن الخطة فشلت بفشل الثورة، وبذلك ظهرت حقيقة نوايا الشيعة بحكم العراق من خلال مرجعيات طائفية إيرانية.

وبهذا ينكشف أن الشيعة كان لهم دور واضح في تأسيس الدولة العراقية الحديثة، ولم يُقصهم أحد خلال تلك الفترة التأسيسية للعراق، ولكنهم تأرجحوا بين بقاء حكم الإنكليز بالعراق من جهة، وبين قيام حكم تكون السيطرة فيه بيد المراجع الشيعية الدينية الإيرانية، فهل هؤلاء مظلومون، أم ظالمون؟!

الشيعة ومقدمات تأسيس الدولة العراقية 1921: 

أرسل قادة العراق -سنة وشيعة- إلى الشريف حسين وهو في الحجاز لتشجيعه على استلام عرش العراق من قبل أحد أولاده، فكتبوا له: "نرجو إرسال نجلكم الملك فيصل إلى العراق ليكون ملكاً دستورياً منتظرين تشريفه"، التوقيع: محمد الصدر (شيعي)، نوري السعيد، حمدي الباججي، محيي الدين السهروردي، بهجت زينل؛ وكذلك طالب قادة ثورة العشرين الذين هربوا إلى الحجاز بالملك فيصل ملكًا على العراق، ومن هؤلاء: جعفر أبو التمن، ونور الياسري، وعلوان الياسري، ورابح العطية، وشعلان الظاهر، ومحسن أبو طبيخ (وكلهم شيعة)، ثم أعقبهم علي البزركان، ومحمود رامز، وإسماعيل كله([2])، كما راسله الشخصية الشيعية المشهورة محمد رضا الشبيبي([3]).  

وبرغم ذلك فإنّ علماء الشيعة ومراجعهم اعتبروا أنّ فيصل الأول تابع للإنكليز، وأنه سيقف ضد مصالحهم كرجال دين؛ لأن فيصلا كان ينوي تأسيس دولة عراقية حديثة، بعيدة عن وصاية المراجع الشيعية، وعن الانقسامات القبلية والعشائرية، فعندما وصل فيصل للعراق ومرّ بمنطقة الجنوب ووسط العراق استقبل استقبالا سَيئًا من قبل المراجع الشيعة، وبه نوع من الاحتقار رغم حرص فيصل على عشائر الجنوب العربية، وسبب ذلك أنّ "علماء الشيعة كانوا يفكرون ألا يكون الحكم في بغداد، فقد كان رجال الدين الشيعة يتطلعون إلى إقامة حكم ديني يكون على رأسه نائب الإمام المجتهد الأكبر؛ لذا فإنهم يعارضون بكل ما أوتوا من قوة أي حكومة قوية تكون في بغداد، قد يتغاضون عن حكومة ضعيفة لا حول لها ولا تحول دون تحقيق طموحهم وأمانيهم، ولكنهم -وفي كل تأكيد- يسعون دومًا لإثارة المصاعب وإقامة العقبات في وجه حكومة مركزية قوية، وبعد أن تشكّلت حكومة فيصل، أخذ علماء الشيعة وشيوخ قبائل (الجنوب) ينصرفون عنها تدريجيًا، مظهرين لها العداء؛ لأنّ أحدًا من هاتين الفئتين ما كان يرى الأهداف التي كانت الحكومة تأمل أن تحققها. وقد أدرك الوطنيون هذا الأمر فدأبوا على تحطيم قوة العلماء وسلطة شيوخ القبائل"([4]).  

ويعترف أحد الكتاب الشيعة أن ثمة انقسامًا كبيرًا حدث بين الشيعة تجاه الملك فيصل؛ فكبار المراجع رفضوا ترشيحه، والأقل شأنًا منهم رشحوه([5]).

لذلك أقول: إن علماء الشيعة -وهم القيادة الحقيقية للجمهور الشيعي في جميع الأزمنة- هم من أشاع خرافة هذه المظلومية ورسّخها لدى الجمهور الشيعي؛ لأن المراجع لم يحصلوا على ما كانوا يخططون له، وهو الهيمنة التامة؛ ولذلك وضعوا العقبات أمام حكومة الملك فيصل طيلة مدة حكمه التي استمرت 12 عاماً.

الشيعة وتأسيس الحكومة العراقية: 

بعد قبول بريطانيا تنصيب الملك فيصل ملكاً على العراق وتأسيس حكومة عراقية، بدأ المندوب السامي برسي كوكس بالبحث عن رئيس وزراء للعراق، فجلس أولا مع علماء الشيعة ومراجعهم، فقد زار المرجع الشيعي الأعلى كاظم اليزدي قبل أن يزور عبد الرحمن النقيب (سني) وعرض عليهما رئاسة الوزراء، إلا أن كاظم اليزدي رفض الفكرة([6])، فتمَّ تنصيب النقيب رئيساً للوزراء.

ولكن الشيعة يروّجون خرافة أنه جرى اتفاق بين المندوب البريطاني كوكس، وعبد الرحمن النقيب مقتضاه: أنّ تسليم حكم العراق للسنة مشروط بإبعاد الشيعة وحرمانهم من حقوقهم في المشاركة بالحكم بما يتناسب مع حجمهم السكاني، انتقاماً من دورهم الفعال في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، ومساهمتهم قبل ذلك في حركة الجهاد التي واجهت القوات البريطانية في البصرة عام 1914!
وهذه المظلومية المخترعة ليس لها أصل أو إشارة في أي مرجع علمي أو وثائق سياسية، وإنما بنيت على فرضية طرحها عالم الاجتماع العراقي الشيعي الدكتور علي الوردي، ليفسر فيها كيف ولماذا وافق عبد الرحمن النقيب على قبول تولي رئاسة الوزارة مع إنه معروف بالزهد، وسبق له أن رفض الفكرة، فطرح الوردي فرضية تقول: ربما أن كوكس حاول أن يلعب على أوتار الطائفية، وتخويف عبد الرحمن النقيب من أن يسلّم الحكم للضباط الشريفيين أو للشيعة فوافق، والنقيب معروف عنه نزعته البرجوازية والطائفية على حد تعبير الوردي([7])، وقد ردّ على الوردي مفكر شيعي منصف وهو الدكتور موسى الحسيني، وهكذا يتبين أن هذه فرضية وتحليل انطباعي وليست معلومات حقيقة!

ومما يفند خرافة وجود اتفاق على إقصاء الشيعة عن الحكم أن الملك فيصل لما أراد أن يُشكل حكومته بعد انتهاء حكومة النقيب دعا الشيعة للمشاركة في الحكومة، فأرسل أحد الشيعة الوطنيين وهو عبد الواحد سكر (من قادة ثورة العشرين) إلى النجف لمكانته عند المرجعية الشيعية ليقنعهم بضرورة المشاركة بالحكومة الجديدة فرفض المراجع ذلك، وخجل هو حتى بإرجاع الخبر إلى الملك فيصل([8])!  

وهذا يؤكد أن رفض رئاسة الوزراء ورفض المشاركة في الحكومة هو رأي تبنّاه مراجع الشيعة، وليس إقصاء واتفاقا مع بريطانيا، وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين لشيعتهم. 

لقد وقف مراجع الشيعة ضد تكوين الدولة العراقية؛ وقد اعترف العديد من الشيعة الطائفيين بذلك، يقول د.عبد الخالق حسين: " وبعد أن اضطر الإنكليز تأسيس الدولة العراقية الحديثة بسبب ثورة العشرين التي قامت بها عشائر الفرات الأوسط وبدفع من رجال الدين الشيعة أنفسهم، وقفت القيادات الدينية الشيعية ضد أغلب الإجراءات الضرورية لبناء الركائز الأساسية للدولة الوليدة الفتية، وذلك باتخاذهم مواقف متشنجة ومتشددة ضد السلطة، وإصرارهم على شروط تعجيزية غير قابلة للتحقيق في تلك الفترة. فوقفوا مثلاً ضد المعاهدة البريطانية - العراقية التي ما كان بالإمكان الاستغناء عنها في تلك الظروف القاهرة وإلا لقامت تركيا بإعادة احتلال العراق، أو على الأقل إلحاق الموصل بها. كما وأصدروا الفتاوى ضد الانتخابات لتشكيل المجلس التأسيسي، وضد إقرار الدستور، وضد قانون التجنيد الإجباري، وضد التعيين في الوظائف الحكومية، وحتى ضد إدخال أبناء وبنات الشيعة في المدارس الحكومية. وفي كل هذه المناسبات كانوا يصدرون الفتاوى يدعون الناس فيها إلى مقاطعة أوامر وتعليمات السلطة وإلا فهم كفار وتحرم عليهم زوجاتهم!!

وحتى دعوة رجال الدين الشيعة لأتباعهم إلى مقاطعة الانتخابات التي كانت الوسيلة الممكن اتخاذها للتخلص من الطائفية، فراحوا يصدرون الفتاوى في هذا الخصوص، وعلى سبيل المثال لا الحصر، في نوفمبر 1922 نشر المجتهدون الشيعة الكبار فتوى عن الانتخابات ورد فيها: (صدر منا تحريم الانتخاب في الوقت الحاضر لما هو غير خفي على كل باد وحاضر، فمن دخل فيه، أو ساعد عليه، فهو كمن حارب الله ورسوله، وأولياءه، صلوات الله عليهم أجمعين).  

وإمعانا في فتوى التحريم، صدرت فتوى أخرى تحرّم على من ينتخب زوجته وزيارته، ولا يجوز رد السلام عليه، ولا يدخل حمام المسلمين!"([9]).  

وبمرور الزمن بدأ مراجع الشيعة يغيرون رأيهم ويفتون بالدخول في الدولة، لذلك اجتمع جمع من المراجع الشيعة وخاصة العرب مع المجتهد الشيعي محمد حسين كاشف الغطاء وطلبوا  أن يلغوا فتواهم بعدم المشاركة التي أفتى بها المجتهدون الإيرانيون وذلك سنة 1935م، وسنتكلم عنها في الحلقة القادمة. 

هذه هي الحقيقة التي فرّ منها حسن علوي في كتابه «الشيعة والدولة القومية» ولم يناقشها كما ناقشها علي الوردي في كتابه «لمحات اجتماعية»، وحسين الشامي في كتابه «المرجعية الشيعية من الذات إلى المؤسسة» الذي يفتخر بالمقاطعة ويعتبرها علامة وعي وإدراك لعلماء الشيعة، وكذلك عبد الرحيم الرهيمي في كتابه «تاريخ الحركة الإسلامية في العراق»؛ لذا كانت هناك  مجموعة وطنية من مثقفي الشيعة من  الذين لم يستجيبوا لتحريض المراجع، وانخرطوا في الأحزاب الوطنية، منهم: محمد رضا الشبيبي، والشاعر مهدي البصير، وجعفر أبو التمن، في الحزب الوطني، وعبد الرزاق الأزري، وعبد الرسول كبة، ومحمد حسن  كبة، في حزب النهضة العراقية، وجعفر الشبيبي، وإسماعيل الصفار في حزب الأمة، ومن الشخصيات التي خاضت السياسة عبد الرزاق الحسني، ومحمد الصدر، وصالح جبر، والأخيران وصلا إلى منصب رئاسة وزراء العراق في العهد الملكي. 

لقد كان بإمكان الشيعة أن يكون وضعهم أفضل خلال هذه الفترة لولا سلوك وسياسة المراجع  المعادية للملك فيصل الأول، والوقوف بوجه حقوق المكون الشيعي بحرمانه من العمل السياسي وتحريم المشاركة بالانتخابات.  

وليس ذلك فحسب، بل حرَم المراجع المواطنين الشيعة من الوظيفة، ومِن تلقّي المساعدة المالية من الحكومة العراقية؛ لأنهم يعتبرونه مالا حراما؛ ولأن الحكومة غير شرعية في نظرهم وأن الحكومة الشرعية الوحيدة هي الحكومة التي تستند إلى أهل البيت، وهذه لن تظهر إلا بظهور المهدي!([10]).  

ومع ذلك حرص الملك فيصل -برغم رفض الشيعة- على أن تضم حكومته وزيرين من الشيعة أحدهما كان وزير المعارف (التربية)!

إذًا فالشيعة لم يُقصوا أبدًا من الحكم، بل إن الذين تعاملوا منهم مع الحكومة وطنيًا كان لهم وجود فاعل وتأثير مستمر، ونالوا منصب رئاسة الوزراء. 

مطالبة الشيعة بتأسيس جيش عشائري من الجنوب: 

بعد تأسيس الحكومة العراقية حان وقت تكوين جيش وطني للدولة يدافع عن العراق عامة، لكن مراجع الشيعة كانوا يفكرون بشكل مختلف؛ فهم يريدون جيشا من عشائرهم ليحركوه ضد فيصل كيفما ومتى شاؤوا لتحقيق مآربهم، فالفوضى لعبتهم، كما تفعل إيران ومراجعها اليوم، تثير الفوضى وتكثّر الميلشيات، حتى تستطيع الهيمنة على العراق وسوريا واليمن، فالتاريخ يعيد نفسه، وهؤلاء من أولئك، قوى عسكرية تحت هيمنة مراجعهم الطائفيين. 

وفعلاً دعا مجموعة من كبار علماء الشيعة الإيرانيين لعقد مؤتمر في كربلاء بقيادة أبي الحسن الأصفهاني، وحسين النائيني، ومهدي الخالصي (عراقي عربي متجنس إيراني) لتأسيس جيش عشائري، ودعوا الملك فيصل وبعض علماء السنة، لكن كشفت الخطة ولم يحضر الملك وعلماء السنة، ونجح الملك فيصل في تأسيس جيش عراقي، وكان أول فوج عسكري باسم موسى الكاظم؛ وهكذا ينكشف جانب آخر من خرافة المظلومية.   

الشيعة وعرقلة تأسيس الدولة العراقية:  

خلق الفوضى ليس حكرًا على المراجع الشيعية بل سلوك جميع التوجهات الشيعية، وهم يعترفون بهذا، فبرغم من أنه لم يكن يتوفر لديهم كوادر متعلمة يمكنها المشاركة في شؤون الحكم بسبب تحريم مراجعهم دخول أبنائهم في المدارس العثمانية، إلا أنهم يصرّون على حصة في الحكم يقوم بها جهلة منهم! ولما رفض طلبهم فضّلوا حكم البريطانيين على حكم سني! وكتب ذلك مهدي الخالصي في وصيته أنه يفضل السيطرة البريطانية المباشرة على الحكومة العراقية([11]).  

وكانوا يجتمعون بالبريطانيين طالبين تغيير الحكومة، كما طلبوا تشكيل حكومة شيعية في المناطق الشيعية، أو تقسيم العراق!

لذلك كان الشيعة يعارضون أي مشروع يُطرح من قبل الحكومة للإثبات للبريطانيين أن الشيعة قوة تستطيع تعطيل الدولة([12])، وقد ظهر ذلك واضحا في مشروع التجنيد الإلزامي، حيث رفض الفكرة الانجليز ليبقي العراق ضعيفاً، وشاركهم مراجع الشيعة لتبقى الدولة ضعيفة يمكن الانقلاب عليها كما هو الواقع اليوم في العراق من خلال تمكين المليشيات الشيعية على حساب الجيش!

وفي افتعالهم مصادمات مع الشرطة العراقية في مواسم عاشوراء، كما جرى سنة 1927، ثم كانوا يقدمون شكواهم دائما للمندوب السامي البريطاني!

نعم، فشلت كل هذه المحاولات لكنها عطلت كثيراً مسار الدولة، ويعترف أحد الكتاب وهو الدكتور فرهاد إبراهيم بذلك بقوله: "منذ إنشاء دولة العراق لم يكن للشيعة العراقيين هدف سوى حكم العراق، وإضعاف قوة الأقلية السنيّة"([13]).  

إن فشل الشيعة في تأسيس حكومة شيعية هو بسبب عدم وجود قادة سياسيين لديهم، وبسبب عدم وجود حزب، ولما حاول محسن أبو طبيخ أن يؤسس لهم حزبا شيعيا في النجف سنة 1932 فشل لعدم وجود متعلمين بينهم! ففشلهم إذا ليس بسبب مظلومية أو إقصاء([14]).  

ومن أمثلة خرافة المظلومية دعوى الشيعة أن حكومة فيصل الأول أرادت الحد من قوة الشيعة عبر إصدار قانون الجنسية العراقية سنة 1924 الذي يخير كل عراقي تجنّس إيرانيا أن يختار بين الجنسية العراقية أو الإيرانية، وأن التوظيف سيكون من حق من يحمل الجنسية العراقية فقط؛ حيث أن الوجود الإيراني كان كبيرا في مناطق العراق وكانوا يتمتعون بامتيازات كبيرة.

لكن مراجع الشيعة رفضوا أن يتخلوا عن الجنسية الإيرانية وبقوا يطالبون أن يعينوا في وظائف حكومية!([15]) فيا لها من مظلومية؟! 

صراع المرجعية الشيعية مع الملك فيصل: 

لم يتوقف علماء الشيعة عن السعي لإسقاط حكومة الملك فيصل الأول واعتباره عميلا للإنكليز لا شرعية  له، وأنه يحارب الإسلام، وبدأ المرجع الخالصي بالتحضير للعصيان العام؛ ولم يخفَ ذلك على الملك فيصل، فعمل على تقليص نفوذهم وقصقصة أجنحتهم([16])، ففي عام 1923 قرر الملك ترحيل كل مجتهد إيراني الأصل، ولكنه لم يفعل، ولكن قام المراجع الإيرانيون التسعة بالمغادرة إلى إيران من تلقاء أنفسهم، ونفى الملك المرجع الخالصي إلى عُمان، فالتحق من هناك بإيران، وأفتى الخالصي لشيعة العراق بضرورة دفع الخمس للحكومة الإيرانية؟! ليثبت -وهو العربي الأرومة والأصل- أنه يحنّ على أصل الدين لا أصل العروبة! ولكن لقي هؤلاء المراجع العداوة من المراجع الإيرانيين فعادوا من تلقاء أنفسهم للعراق سنة 1924م. 

وخلال غياب هؤلاء المراجع الإيرانيين في إيران، قام بعض الشيعة في الجنوب بالتعاون مع الدولة في بناء العراق، وكتبوا عريضة يعلنون أن المجتهدين أخطأوا، ونشب صراع كبير بين المجتهدين الإيرانيين ومَن حلّ محلهم من المراجع العرب الذين لقوا دعمًا من الملك فيصل. 

لم يكن فيصل طائفيا أو ظالماً للشيعة، فإدارة القصر كانت بيد شخص لبناني شيعي جاء معه وهو رستم حيدر الذي أصبح فيما بعد وزيرًا للمالية، لكن فيصل كان يريد بناء وطن لجميع أبنائه، وقد أثمرت جهوده الكثير من الخير لأبناء الجنوب الشيعة، فلأول مرة في تاريخ مناطق جنوب العراق العربي تأسست هناك مدارس ومؤسسات تعليمية، بعد أن كانت الأمية والجهل قد ضربت أطنابها، وإدخال التعليم المعاصر أبعد الجنوب الشيعي عن مراجعه، وأخرج نخبة مثقفة تحمل شهادات شتى. 

لقد كان العراق -وبالأخص جنوبه وشماله- تغزوه الأمية التي تصل نسبتها لـ 90 % من أبنائه، حولها الملك فيصل الأول إلى نسبة 46% من الشعب يجيد القراءة والكتابة، في طفرة تاريخية خلال 10 سنوات من تأسيس الدولة العراقية الحديثة([17]).

وبقيت مشكلة شيوخ العشائر الشيعية في الجنوب، والذين كان يتحكم فيهم المراجع، وبمجرد ضعف دور المراجع الإيرانيين تحسنت علاقة شيوخ العشائر مع الدولة العراقية، وتطورت مناطق الجنوب التي بقيت أكثر من خمسة قرون منطقة يسودها التخلف والنزاع والقتال، وأدى إلى تعاظم دور العشائر الاقتصادي والسياسي وأصبح كثير منهم أعضاء في البرلمان العراقي، وانتسب العديد منهم للأحزاب الوطنية، وأصبحت علاقة شيوخ عشائر الجنوبية مع بغداد وطيدة، ولم تعد العشائر تفكر بحمل السلاح ومقاتلة الحكومة العراقية، وجرت عملية توطين كبيرة لكثير من القبائل المترحلة، كانت هذه سياسة فيصل الأول الحكيمة ومن معه من الحكومات، والتي ربطت مصالح العشائر الشيعية بالمركز بغداد سياسيا واقتصاديا، رغم ما نتج عن ذلك من سلبيات ليس هنا محلها([18]).

إن نشوء الدولة العراقية الحديثة أضعف دور المراجع؛ ولذلك ادّعوا المظلومية بينما كان من المفترض أن تكون الدولة العراقية محل الشكر والاحترام، إذْ نقلت هذه المناطق العشائرية من البداوة والعشائرية والثأر والأمية والتخلف والاقتتال والسرقة والنهب من مناطق يسيطر عليها المؤمن والسيد([19]) إلى مناطق حضارية تخرج أولادها أطباء ومهندسين ومفكرين وعاملين منتجين ينفعون أنفسهم وأولادهم وبلدهم. 

لقد حرص فيصل الأول على ترقية الشيعة لقلة عدد المثقفين والمتعلمين ورفع مستواهم العلمي والثقافي كي يشاركوا في بناء العراق ويزجّهم في بناء الدولة؛ ولذلك حث على تخريج اكبر عدد من طلاب الشيعة من المدارس لغرض تعيينهم في مؤسسات الدولة، حتى وإن أفضى ذلك إلى التساهل في تخرجهم؛ لأن فيصل الأول يذكر بوضوح في مذكراته أن جهل الشيعة والكرد منعهما من المشاركة في بناء الدولة ومؤسساتها. 

الخلاصة:

الشيعة أقصوا أنفسهم بأنفسهم ووقعوا في مأزق([20]) ومن ثم عادوا يبحثون عن دور، مثلما أن من عقيدتهم أنه لا حكم ولا جهاد حتى ظهور المهدي ثم أخذوا يجتهدون ليخرجوا من هذا المأزق، فأخرجوا فكرة ولاية الفقيه بديلا عنها. فأي مظلومية مُدعاة هذه؟!  

إن بناء الدول لا يكون بارضاء لهذه الطائفة أو تلك، أو هذا المذهب أو ذلك وليس بعدد الوزراء من هذا المذهب أو ذاك، بل بالكفاءة، فهل لنُرضي الشيعة نترك العراق سنين عديدة يدار من مجموعة غير مؤهلين من أجل إرضاء المذهب، ثم إن فيصل الأول وحكومته كانوا وطنيين ولم يكن حكمه دينيا أو مذهبيا حتى يقال طائفية([21]).

وبهذا تنكشف خرافة المظلومية الشيعية في مرحلة تأسيس العراق بوفاة الملك فيصل سنة 1933 ليدخل العراق حقبة جديدة، وسنكمل في الحلقة القادمة حقيقة المظلومية الشيعية في العراق الجديد ليتبين لنا أن تفاقم الترويج لخرافة المظلومية تم بشكل واسع بعد حرب الخليج 1991 لأسباب سياسية ضد العراق وللتمهيد للوضع الحالي، وقد قامت به المؤسسة الصهيونية، والمعارضة الشيعية، والغرب للتمهيد لاحتلال العراق. 

 



[1] - وقد فصّلت القول في حقيقة هذه الثورة وأهدافها في مقالاتي المنشورة في مجلة الراصد تحت عنوان (جهود علماء العراق في الرد على الشيعة) والتي ستنشر في كتاب مستقل بإذن الله.

[2]- بحث: الخلاف بين الملك فيصل الأول والإنكليز حول السياسة في العراق، للدكتوره علياء محمد حسين الزبيديّ، المنشور في مجلة كلية الآداب، بغداد، العدد 95.

[3]- المصدر السابق.

[4]- هذا كلام الدكتور عبد الله النفيسي في دراسته للدكتوراه من جامعة بريطانية (دور الشيعة في تطور العراق الحديث) ص 255.

[5]- شيعة الوطن وبناء العراق،  محمد جواد مالك، ص 602.

[6]- لمحات اجتماعية، علي الوردي 6/22-23.

[7]- الشيعة والحكم في الدولة العراقية الحديثة، الدكتور موسى الحسيني.

[8]- ذكره د. موسى الموسوي في "الطائفية في الوطن العربي"، نقلا عن لمحات اجتماعية، علي الوردي.

[9]- مقال: دور الفقهاء الشيعة في العزل الطائفي، عبد الخالق حسين، موقع عبد الخالق حسين.

[10]- دور الشيعة في تطور العراق الحديث، عبد الله النفيسي، ص 87، شيعة العراق، إسحاق النقاش ص 207.

 

[11]- شيعة العراق، إسحاق النقاش، ص 214.

[12]- مثلما يفعلون اليوم في لبنان ويشترطون نسبة الثلث المعطل لقيام أي خير للدولة اللبنانية.

[13]- في كتابه ((الطائفية والسياسة في العالم العربي، نموذج الشيعة في العراق)) وفرهاد علماني وكتابه نقَد فيه السنة كثيرا، وهو يعيش في ألمانيا ويحاضر هناك، ولكنه أدرك هذه الحقيقة.

[14]- محمد جعفر أبو التمن، دراسة في الزعامة السياسية العراقية، د. خالد التميمي، ص 313-315 ، 320-324.

[15]- شيعة العراق، إسحاق النقاش، ص 179.

[16]- المصدر السابق، ص 153-154.

[17]- مقال: الجهل في العراق في العهد العثماني، فرهاد محمد أحمد، مدونته الشخصية، 26/2/2013.

[18]- فقد أدى ذلك إلى هجرة من الجنوب إلى بغداد المتميزة اقتصاديا، تسببت بتغيير ديمغرافية بغداد، وبداية قوة التشيع في بغداد!

[19]- مصطلح (المؤمن) مصطلح شيعي وهو رجل ينشر التشيع ويغسل موتاهم ويعلمهم الزيارة، و(السيد) الشيعي هو من نسبه من آل البيت الحسني والحسيني، ولا عمل له سوى الفخر أنه من أهل البيت ليُعطى الخمس.

[20]- مقال: هل كان الحكم الملكي طائفيا، جعفر المظفر، موقع الحوار المتمدن، 17/11/2010.

[21]- شيعة العراق، إسحاق النقاش، ص 215-217.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق