لماذا يحارِبون صحيح البخاري؟ (4) فرية احتواء صحيح البخاري على إسرائيليات
الأحد 17 ديسمبر 2017

 فادي قراقرة - كاتب فلسطيني

 

خاص بالراصد

يستحسن قبل الخوض في شبهة وجود الإسرائيليات في صحيح البخاري التنبه والتيقظ لمدى مبالغة وتضخيم أعداء السنة في عرض إشكالياتهم؛ وعدم اعتمادهم منهجية علمية محايدة، إذ هم يعمدون إلى تضخيم المصطلحات والمبالغة في الشك والافتراضات البعيدة واعتماد الاحتمال الضعيف والشاذ في الاستدلال، وهذه هي القاعدة الغالبة المضطردة في أحكامهم على السنة عموماً.

نعم، هذا الملمح الأساسيّ في مناهج المعادين للسنة الذي يعد قاسما مشتركا بينهم جميعا.. إنهم يمضون مع شكوكهم إلى أبعد مدى، ويطرحون افتراضات لا رصيد لها من الواقع التاريخيّ، بل إنهم ينفون العديد من الروايات الصحيحة، لأسباب واهية؛ بينما نجدهم يتشبّثون- في المقابل- بكل ما هو ضعيف وشاذ، وقضيتنا هنا مثال على خلل منهجهم العلمي وقلة أمانتهم ...

البداية:

دأب المستشرقون على بثّ شبهاتهم في الموضوعات الحساسة من الإسلام، فهم يحاولون جهد إمكانهم ردها إلى أصل نصراني، وطائفة المستشرقين من اليهود كذلك، وخاصة بعد تأسيس (إسرائيل) وتحكّم الصهيونية في غالبيتهم، يجهدون أنفسهم بردّ كل ما هو اسلامي وعربي لأصل يهودي، وكلتا الطائفتين في هذا الباب تبع لسلطان العواطف والأهواء([1]).

ومن هذا مارس جموع المستشرقين بثّ سمومهم؛ ومعظمهم خريجو كليات اللاهوت، والحقيقة أنهم تبع لجذورهم التي تعود إلى هوجو ايولوجيوس القرطبي (ت: 859م)، وكذلك بطرس ألفا روس (ت: 869م)([2])، اللذين كانا على رأس من تبنى هذه الأفكار الشيطانية القائلة بأن محمدا عليه الصلاة والسلام أسس دينه من نواة مسيحية ويهودية.

وبقيت هذه الشبهة تتنقل بين كتابات النصارى إلى حدود القرن السادس عشر الميلادي، ثم اختفت لتعود بعد حين إلى واجهة الشبهات على الإسلام على يد المستشرق (اليهودي) جولد تسيهر الذي ادّعى أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ما هي إلا مزيج من معارف يهودية ونصرانية (إسرائيليات)، حتى قال متحدثاً عن نبينا عليه الصلام والسلام: (.. كما صار رهبان المسيحيين وأحبار اليهود موضع مهاجمة منه، وقد كانوا من قبل أساتذة له) ([3]).

ومثله المستشرق فيليب حتّي، الذي رأى أن الاسلام تأثر بالتشريعات اليهودية والنصرانية على حد سواء، حيث نسج (في ترتيب صلاة الجمعة على منوال اليهود في عباداتهم بالكنيس، وتأثر من بعد بطقوس صلاة الأحد التي يمارسها النصارى في البِيَع)([4])، وكذلك المستشرق الألماني رودي باريت في كتابه (محمد والقرآن)([5]).

وتابعهم أذنابهم من الحداثيين والعلمانيين والرافضة، وغيرهم من العرب ممن تنكبوا على أقل أحوالِهِم أصولَهُم وأحوالهُم جرياً وراء سراب الشهرة أو مال منقوع بالحرام، (فهي القراءة الاستشراقية التي تتخذ امتداداتها إلى الأساتذة العرب)([6])، كما يحلو للحداثي محمد عابد الجابري أن يسميها.

وكان على رأس الطريق الثاني من العرب الذي تنبوا أطروحات المستشرقين مع بقائهم على أصل الإسلام أحمد أمين([7]) ومحمد عابد الجابري([8])، وأبو رية الذي قال: (لا يعجب القارئ من أن يدخل في الاسلام مسيحيات بعد أن دخل فيه إسرائيليات، فإنه قد شيب بأشياء من كل دين ومن كل نحلة، ولكن المجال لا يتسع لبيان كل ما دخل عليه من الملل الأخرى)([9])، وغيرهم ممن انخدعوا بهذه النظرة اليهودية للإسلام.

ثم تلقف الشبهة طبقة ثانية من العرب ومن المنتسبين للإسلام من أبناء جلدتنا ممن يتكلّمون بغير ألسنتنا ويهدفون إلى ضرب السنة عامة وصحيح البخاري خاصة، ولكن بصياغة مختلفة، أصلها من عند ذلك اليهودي (جولد تسيهر)، حيث استسلموا لشبهته لضعفٍ في صياغة آرائهم، ولعدم التخصص الحديثي فضلاً عن الشرعي عامة، فعاثوا في دين الله فساداً، فضلاً عن خبث ما انطوت عليه نفوسهم الذي أظهرته فلتات ألسنة كثير منهم.

ومن هؤلاء: صالح أبو بكر الذي دوّن كتابه (الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها)، ومحمد حمزة في كتابه (الحديث النبوي ومكانته في الفكر الإسلامي الحديث)([10])، وجمال البنا([11])، وغيرهم الكثير من المحسوبين على جهات مشبوهة.

ومِن هؤلاء أيضاً: مستشار الحكومة النمساوية المدعو عدنان ابراهيم الذي قال: (سآتيكم بأحاديث في البخاري ومسلم وعن عودة عيسى وعن الدجال وغير الدجال وأريكم أصولها من اليهود والنصارى، كلها عقائد يهودية نصرانية أُدخلت الإسلام وهي عكس روح القران تماماً)([12])، وتماماً يصدق عليه المثل القائل: (اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس)، ويكأن ريح اليهودي النمساوي جولدتسيهر قد أصابته في عقله، فأصبح يهذي، وهو ممّن يعمل على تهوين شأن الخلاف بين الأديان حتى الخلاف الحاصل في الأصول والثوابت، فما باله هنا خرج عن ثوبه؟!، إن دلّ هذا فإنما يدل على مدى الاضطراب الذي وقع فيه!

جواباً على الشبهة:

الحق أن شبهة اشتمال صحيح البخاري على إسرائيليات شبهة لا طعم لها ولا رائحة، وهي دعوى عريضة لا حظ لها من الحق في شيء؛ إذ أنها صادرة عن أحكام مسبقة دون استناد إلى أدلّة ظاهرة حقيقية.

ولأن الطاعن في السنة يعلم يقيناً أنه لا يستطيع إثبات حجّته على منوال علمي، ولأنه يعلم يقيناً أن العقلاء لن يتقبلوا كلامه، فقد حاول عبثاً اللعب بمصطلح الإسرائيليات تعريفاً وتطبيقاً، ومن ثمّ نسج عليه شبهته التي أرادها، وحقيقة مصطلح وحقيقة (الإسرائيليات)- الموافقة للشريعة- من الناحية التطبيقية: أنها تلك الروايات المنقولة عن أهل الكتاب مما يتعلق بهم، سواءً التي نقلها من أسلم من أهل الكتاب كالتابعي كعب الأحبار أو وهب بن منبه أو غيرهما، فضلاً عمّا نقله بعض الصحابة من مرويّاتهم فيما لا يخالف ديننا([13]).

ويظهر مما سبق ذكره أن هذه الأخبار إنما هي أقوال أصحابها وليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا مما ذكره القرآن في كلامه، إلا إن أجرينا قاعدة جولد تسيهر فاعتبرنا أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم مستقى من الإسرائيليات فهذا شأن آخر!

هذه المشكلة أوقعتهم في (حيص بيص)، مما اضطرهم لنصرة باطلهم بمحاولة العبث بالمصطلح وتضخيمه ليتوافق مع الطرح الغربي بشكل عام، فهي حرب مصطلحات، وذلك بتطويع المفاهيم الشرعية لمعطيات الثقافة الغربية الغالبة، عبر ضخ المفاهيم الغربية في المصطلحات الشرعية، وظهرت آثار هذه الحرب في تطبيقات المصطلح، دون التعرض كثيراً لتعريفه، إذ أنهم لو تعرضوا لتعريف الإسرائيليات لكانت حجتهم مفضوحة أكثر.

وعمدة شبهتهم هو ذكر المتشابهات بين نصوص الأحاديث النبوية وبين ما هو موجود عند اليهود والنصارى، ومحاولة جر هذه المتشابهات لجعلها من قبيل الإسرائيليات وبالتالي إثبات وجود الإسرائيليات في السنة، وهكذا يكونون قد أدخلوا فيه ما ليس منه، كل هذا ليثبتوا قاعدتهم التي بنوها على قناعات مسبقة!

والحق أن المشابهة الحاصلة في ذكر بعض القصص والوقائع وأخبار الأمم قبل أمة النبي صلى الله عليه وسلم ليست من قبيل النقل من الإسرائيليات، لأسباب عديدة منها:

أولاً: أن التشابه الحاصل بين بعض النصوص النبوية التي وردت على لسان نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وبين بعض نصوص أهل الكتاب كانت من قبيل اتحاد المصدر الأول - وإن كان التحريف واقعاً في كتب أهل الكتاب-  وأصول المعلومات، والمقصود باتحاد المصدر هو أن أصلها واحد من عند الله إلا أن عجلة التحريف لم تسلم منها أديان أهل الكتاب. 

ومن جانب آخر فإن مسألة التشابه بين الإسلام ودين أهل الكتاب من اليهود والنصارى غير مدفوعة عقلاً ولا شرعاً بل هي ضرورة ثابتة لزوماً، ولها أمثلتها في القرآن والسنة، فليست أمراً بحاجة إلى إعادة اكتشاف، فمثلها لم يكن غائباً قط فضلاً عن أن يكون اكتشافاً صاعقا كما يحلو للبعض أن يعبر عنه([14])، فإن التحريف الذي أصاب الكتب السماوية السابقة، والضياع الذي حل بها لم يغير كل كلمة وحرف في هذه الكتب.

نعم، وقع في هذه الكتب الخرافات فضلاً عن الشرك بالله، لكن بقيت موضوعاتها الرئيسة موجودة، ومما يعين على إدراك هذا المعنى أن الله قد أرشد إليه في كتابه حيث قال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ } [الأعراف: 157]، فلو لم يكن في هذه الكتب حقٌ لَما أخبر بوجود علامات النبي الأمي في التوراة والإنجيل، وهذا دليل ظاهر على اشتمال بعض أخبار أهل الكتاب على الحق، وإن وقع فيها التحريف.

والأدلة القرآنية في هذا الباب كثيرة جداً: منها أيضاً قوله تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ} [الأنعام: 20]، فلو أن كتبهم لم تشتمل على حق لما أخبر  الله بمعرفتهم النبي –صلى الله عليه وسلم- كمعرفتهم أبناءهم.

وعلى ما سبق فلا غرابة أن يكون في الحديث النبوي ما يُحدث بمعناه أهل الكتاب أو موجوداً في كتبهم([15]).

ثانياً: يلزم هؤلاء الطاعنين في السنة عموماً -بزعم اشتمالها على إسرائيليات لوجود التشابه-، أن يطعنوا بالقرآن، فالمؤدى واحد:

وذلك أن الله أخبرنا في كتابه عن قصص الأمم البائدة أو قصص الأنبياء ما نجد مثله في التوراة والإنجيل، كقصة آدم في نزوله من الجنة مع اختلاف في بعض التفاصيل، لكن المشابهة واضحة وظاهرة، وكالتشابه الحاصل في بدء الخلق، فضلاً عن هلاك الأمم السالفة ويوم القيامة وغيرها من الأخبار التي أصولها صحيحة.

فهل سيجرؤ أولئك على الطعن في القرآن؟!

ثالثاً: لو افترضنا –جدلاً- احتواء صحيح البخاري إسرائيليات لَما كان في هذا مطعن في صحيح البخاري، لأن الإسرائيليات المعمول بها والمحتج فيها عند العلماء تنقسم إلى قسمين:

الأول: ما وافقت فيه الشريعة، فهذا ظاهر جداً لما سبق من بيان وجه اتحاد نقل الخبر.

الثاني: ما لم تخالف فيه الشريعة، وجاء فيها الخبر عن الصادق المصدوق عليه أفضل الصلاة والسلام حيث قال: (حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)([16]).

وعلى هذا فكونها أخباراً كقصص أو ما سواه مما ليس له أثرٌ على الأحكام الشرعية بتاتاً، فإنها مقبولة ولا تتعارض مع الشريعة مثلاً: كتسمية ابني آدم بـ (قابيل وهابيل)، إلى غير ذلك من الأخبار التي ذكرها جمعٌ ممن يؤمن قولهم على دين الله، من الصحابة والتابعين فضلاً عمّن سواهم.

ومما يحسن ذكره فيما يتعلق بموضوع الإسرائيليات

أن القول بتكذيب الأخبار المسماة (بالإسرائيليات) مطلقاً لا يتفق مع مضمون التاريخ البشري بشكل عام؛ لِما فيه من أخبار الأمم السابقة التي كانت قبل الإسلام، فضلاً عن أخبار أهل الكتاب مما يخص أمورهم وأحوالهم، وأحوال الأنبياء المبعوثين فيهم قبل ظهور دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

وخلاصة ما سبق:

أنه لا يوجد في صحيح البخاري إسرائيليات، وأن الزعم بوجودها مجرد خرافة يستهلكونها للطعن في قدسية حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإن الطعن في صحيح البخاري بحجة احتوائه على إسرائيليات، يلزم منه الطعن في القرآن، وأن الطعن في صحيح البخاري ما هو إلا نابتة مارسها بعض مشعوذي الألفاظ من المستشرقين ومَن سايرهم؛ ممن يضخمون المصطلحات ويعوّمونها ليؤدوا خدمة جليلة لأعداء الإسلام من الطعن في مصادر الشريعة الإسلامية.

 



- [1] مناهج المستشرقين ومواقفهم من النبي صلى الله عليه وسلم، عرض ونقد في ضوء العقيدة الإسلامية، د. رياض العمري، (1/532).

 -[2] المصدر السابق، (1/546).

[3] - العقيدة والشريعة في الإسلام، جولد تسيهر، صفحة (20).

-[4] مناهج المستشرقين ومواقفهم من النبي صلى الله عليه وسلم، (1/534).

 -[5]المصدر السابق.

-[6] نحن والتراث، محمد عابد الجابري، صفحة (14).

[7] - فجر الإسلام، أحمد أمين، ص (255).

[8] - نحن والتراث، محمد عابد الجابري، ص (80-81).

 - [9]أضواء على السنة المحمدية، محمود أبو رية، ص (181).

- [10] ص (232).

 -[11]في مقال له في صحيفة (المصري اليوم) بتاريخ 15/8/2007، بعنوان: إسرائيليات في البخاري.

[12] - https://www.youtube.com/watch?v=vQOzkEA1ivE

بعنوان: إسرائيليات أصبحت جزءاً من ديننا.

 -[13]دعوى وجود الإسرائيليات في الصحيحين، د. علي بن صالح مصطفى.

[14]  -انظر تعبير محمد أركون لها في كتابه (القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني) ص (95).

[15] - ملتقى أعلام الإسلام، الإمام البخاري نموذجاً، 1433هـ-2012م، (2/301).

 - [16]صحيح البخاري، حديث رقم (3461)، (4/170).

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق