فاتحة القول\العدد مائة وخمسة وسبعون - ربيع الثاني - 1439 هـ
احذروا فخ متاهة الفوضى
الأحد 17 ديسمبر 2017

 لا بد من التنبه منذ البداية إلى أن أمتنا الإسلامية قطعت أشواطا جيدة في مسيرة تقدمها ونهضتها خلال القرن الماضي، فعلى الصعيد المعنوي هناك تزايد في التمسك بالالتزام الديني وانحسار للأفكار الضالة كالصوفية الخرافية والطقوس البدعية والشركية العامة والانغرار بالتشيع وشعاراته، كما أن هناك تزايدا في أداء أركان الإسلام والحرص على نشر العلم الشرعي والدعوة إلى الله عز وجل، كما أنّ هناك تراجعا في مساحة الأميّة في العالم الإسلامي.

بينما على الصعيد المادي نجد هناك تحسنا في مستوى الخدمات التعليمية والصحية والبنْية التحتية من الطرق والمستشفيات والمدارس والجامعات وانتشار خدمات الماء والكهرباء والاتصالات، وهناك قطاع واسع من المسلمين -أفرادا وشعوبا ودولا- تجاوز مرحلة الفقر والعوز والجهل والتخلف.

نعم، لم نصل للحالة المطلوبة والمنشودة، سواء على مستوى رقيّنا التاريخي أو بالمقاييس المادية المعاصرة، لكن بالتأكيد أن هناك حالة من التقدم والرقي تشهدها الأمة بعمومها حتى رغم ما تعانيه بعض البلدان من حروب طائفية واستعمارية فإن القوة النفسية للأمة ظهرت فيها بوضوح عبر الإصرار على المقاومة والجهاد رغم قلة الإمكانيات، وأظهرت القوة الكامنة في أمتنا من خلال الاختراعات البسيطة والهامة التي حلّت بعض المشاكل الحياتية بسبب الظروف الصعبة كتوليد الكهرباء من أمواج البحر في غزة أو توليد غاز الطبخ من مخلّفات الحيوانات في سورية، أو من خلال تطوير بعض الأسلحة في ساحات المقاومة والجهاد بإمكانيات بسيطة.

لهذا كله "يتداعى الأكلة" من مختلف الجهات على أمتنا المسلمة اليوم برغم ما بينهم من صراعات وخلافات، حيث يشنون عليها كل أنواع الحروب العسكرية والنفسية والفكرية والأخلاقية والاختراق ودعم الفرق الضالة والمنحرفة وتشجيع الفتن والخلافات وتوسيع نطاقها.

هذه الحالة المتفاقمة من التكالب على أمتنا المسلمة تهدف إلى جرّنا لمتاهة الفوضى حتى نضيع فيها وتذهب قوتنا التي راكمناها خلال العقود المنصرمة على مستوى الأفراد والشعوب والمجتمعات والدول، عبر إدخالنا في حروب بينية على مستوى الدولة الواحدة حيث يُحرّض الشعب على السلطة، والسلطة على الشعب، أو بين فئات المجتمع الواحد، أو على مستوى صراعات بين الدول أو بين المجتمعات، مما يدخلنا في دوامة رهيبة نطحن فيها أنفسنا دون أي ثمرة!

ومن الأدوات المستخدمة في إشعال هذه الحروب البينية نشر الأكاذيب والشائعات عبر وسائل الإعلام التي تحرّض على دول أو قادة أو مؤسسات وجماعات بدون أدلّة وبدون بيّنات، مما يثير حفيظة البعض فيعادي ويهاجم، ويتولد عن ذلك ردة فعل معاكسة لا تتحكم بعواطفها فتقوم بالرد بأكاذيب جديدة فتلّوث الجو وتشحن النفوس ونعيد سيرة البسوس وداحس والغبراء!

ومن الأدوات المستخدمة دعم الأعداء لبعض فرق الضلال بشكل مباشر أو غير مباشر، فكلنا شاهد كيف تم توظيف (داعش) لخدمة عدة أجندات معادية للإسلام برغم تصارع هذه الأجندات مع بعضها البعض، ولا تزال ورقة داعش والتطرف والإرهاب يتلاعب بها أعداء الإسلام ويحرقون بها الأغبياء والمغفلين من الشباب الجاهل والقيادات المخترقة والمجرمة، وعلى المنوال نفسه فإن هناك اليوم دعوات دولية لإعادة توظيف بعض الطرق الصوفية على وجه الخصوص وما يتقاطع معها من مذاهب كبعض الأشاعرة والأحباش ودعاة التعصب المذهبي في محاربة التطرف وإن كانوا يقصدون في الحقيقة محاربة الإسلام نفسه، والدليل على ذلك أن من يدعم هذه المخططات في النهاية قوى عسكرية معادية لنا، كمركز راند الأمريكي التابع لوزارة الدفاع الأمريكية، أو القيادة الروسية المجرمة بقيادة بوتين، والتى توارت خلف قاديروف رئيس الشيشان لمهاجمة أهل السنة وتحريف مفهومهم بإخراج الحنابلة والسلفيين من أهل السنة في مؤتمر جروزني المعروف.

ومن الأدوات المستخدمة لإدخال المسلمين إلى متاهة الفوضى فسح المجال لإيران أن تعيث في دولنا الإرهاب والعدوان والاحتلال من جهة، وتكبيل من يحاول التصدي لها عبر قرارات دولية وانتقادات من منظمات حقوق الإنسان!

ومن أدوات نشر الفوضى وإغراقنا في المتاهة كذبة المفاوضات الدولية، فمنذ مفاوضات استقلال الدول العربية ومن ثم مفاوضات السلام مع اليهود وأخيرا المفاوضات السورية لا تُنتج هذه المفاوضات إلا تكبيل يد المعارضة وإنقاذ ودعم وحماية وتقوية الطرف المجرم المعتدي.

ومن أدوات توسيع متاهة الفوضى تعاون القوى الدولية مع قوى إرهابية ككثير من المنظمات الكردية ودعمها بالسلاح في وجه الثورة السورية وحليفها التركي سواء من أمريكيا أو روسيا!

ومن أدوات دعم متاهة الفوضى القرارات الخطيرة التي تعمل على تفجير أحوال الأمة وضرب بعضها ببعض كقرار المتهور ترامب بنقل السفارة، والذي لا مبرر له ولا لتوقيته إلاّ إدخال المنطقة في دوامة ومتاهة لا تخرج منها.

ومن مداخل متاهة الفوضى المواقف الكارثية للسلطات الحاكمة في دولنا، والتي لا منطق لها ولا فائدة، ويقف خلفها لوبيات منتفعة مالياً أو لها ارتباطات خارجية أو داخلية، فهي تستعدي فريقا من سكانها ظلماً، أو تناصر ظالماً يعتدي على شعبه، أو تسمح للانحلال والفجور بالتزايد، أو تتقاعس عن خدمة مواطنيها والتصدي للمخاطر الزاحفة بما يناسبها، ويقابل هذا مواقف المعارضات العربية والإسلامية، فبعضها مرتبط بالمشاريع الخارجية الأمريكية والروسية والإيرانية، وبعضها لا يقل فساداً عن السلطات الحاكمة ويفتقد لأي برنامج حقيقي للإنقاذ.

إن كل هذه الأدوات المتناقضة والمتعارضة والمتطابقة والمتقاطعة والتي تستخدم ضدنا تولّد حالة من التوهان والفوضى لا يمكن الإمساك بخيوطها وفهم تشابكاتها وتعقيداتها مما قد يجرّنا لليأس والقنوط، وهذا انتحار، أو يجرنا لردة فعل غير محسوبة، وهذه مصيبة إضافية وتجرنا لمتاهة من الفوضى والحروب الداخلية و"تصومل" كل مجتمع وبلد ينزلق لهذه المتاهة والتي لا يعرف لها قرار أو نهاية زمنية تنتهي عندها.

هذا هو حالنا اليوم: واقع مركب معقد لا يوجد فيه حليف شريف في كل القضايا، ولا توجد فيه سلطة مصيبة وناجحة في كل الملفات والقضايا، ولا توجد معارضة مثالية وناجحة، ولا توجد قوة كافية لنصرة الحق على كل الأصعدة، وقبل هذا كله لا يملك أحد تصورا صحيحا وسليما وكاملا للمشهد الإسلامي بكامله، فضلا عن أن يكون عنده القدرة لتنفيذ وحماية رؤيته وتصوره.

فما العمل؟ وما الحل؟

لا توجد وصْفة سحرية ولا توجد وصفة كاملة، ولكن هذه بعض الأفكار والتوصيات نأمل أن تكون نافعة في هذا الواقع الصعب وأن تجنّبنا متاهة الفوضى:

1- أي حلّ لا يحافظ على المكاسب الموجودة ويفرط فيها ليس حلاً، إلا إذا كان يقلل –يقيناً- شراً واقعاً أكبر منه.

2- يجب تجزئة الحلول والمعالجات، فما نقبله هنا قد لا نقبله هناك، وما يمكن إنجازه هنا ننجزه، ونترك ونتجاوز ما لا يمكن إنجازه الآن.

3- تحديد الأعداء ودرجاتهم وأهدافهم قبل التعامل معهم، فلا نُخدع بكلامهم، بل نعمل على الاستفادة من تناقض مصالحهم ورغباتهم.

4- لا تحالفات دائمة ولا حروب دائمة، يجب استعمال الهدن بما يقوي صفّنا، وليس بما يمنح العدو وقتا ليرتب أوراقه ضدنا.

5- التصدي للشرور وهي صغيرة أسهل بكثير من تركها تكبر وتصبح مشكلة يصعب حلّها، كمشكلة داعش مثلاً، التي تأخر العلماء والأمراء في حلّها فتعاظمت، واليوم هناك مشاكل من هذا النوع يجب حسمها مبكرا.

6- أثبتت الأحداث أن العقلية التي تُدار بها سياسة الدول والمعارضة عقلية بائسة تحتاج إلى مراجعة وتطوير.

7- لا يزال سلاح الإعلام والوعي غير مفعّل بالشكل السليم ولا يعبّر عن مصالح الأمة، فالغالبية هم بين مخلصين أميين إعلامياً، ومتقنين لكنّ لاءهم مضروب!

8- لا بد من الوعي بأن الزمن في صالحنا مهما لحق بنا من مصائب وخسائر، فلا نيأس.

9- لا بد من الحرص على نقاط الالتقاء ودوائر الاجتماع بالنسبة لكل قضية على حدة.

10- أمتنا تحوي الكثير الكثير من الطاقات والقدرات والمعادن النبيلة والثمينة، وفي كل الشرائح، وعلى كل المستويات، والتحدي الأعظم هو: كيف ترتبط هذه الفرص بشكل سليم لإنجاز الكثير من المبادرات والمهام الرائدة لنصرة أمتنا؟

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق