خديعة الممانعة الإيرانية حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (8) مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط وتحديات المجال السني: قراءة في تقرير مؤسسة راند سياسة إيران تجاه دول الجوار ثورات الخوارج (14) أمرٌ ما لَهُ غير المهلّب! قالوا - العدد مائة وأربعة وسبعون - ربيع الأول - 1439 هـ الأردن وإيران: أين المشكلة لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ أين نسخة صحيح البخاري؟ مظلومية أهل السنة في إيران (6) اعتداء نظام الملالي على المساجد والمدارس الدينية التدين والإلحاد في استطلاعات الرأي التنمية.. سلاح لمحاصرة «داعش أفريقيا» العودة إلى ما بعد اغتيال الحريري وماقبل حرب 2006: سلاح حزب الله القرارات السعودية تربك النظام الإيراني بعد المعونات الإيرانية هل تنحاز الفصائل الفلسطينية إلى محور إيران في أي حرب مقبلة ؟؟؟ بوتين!! من أين لك هذه الجرأة؟ بين لبنان والسعودية... إنه اليمن يا عزيزي تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي حسابات متداخلة: أزمات متعددة في مواجهة أحمدي نجاد كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟ التداعيات الأمنية للعقوبات الأمريكية على حزب الله من يكتب تاريخ البحرين؟! هل رهنت تركيا دورها في العراق بالنفوذ الإيراني؟ يحيى الحوثي... محاضراً! محمد المنتصر الإزيرق.. نفخ الروح في التصوف السوداني خرافة المظلومية الشيعية في العراق (1) زمن الدولة العثمانية
 
خرافة المظلومية الشيعية في العراق (1) زمن الدولة العثمانية
الأحد 19 نوفمبر 2017

 

 عبد العزيز بن صالح المحمود- باحث عراقي

 

خاص بالراصد

يتكرر كثيراً في المقالات والبحوث والكتب دعوى مظلومية الشيعة حتى عدّها البعض من المسلّمات، وسبب ذلك أن الدراسات الجادة عن هذا الموضوع غير متوفرة، والموضوع كبير ومتشعب، مما يستحق أن يُفرد له كتاب كامل، ولحين تيسر ذلك لي -بإذن الله- هذه مقالة تلخّص أهم الأفكار في هذا الصدد عن خرافة مظلومية الشيعة زمن الدولة العثمانية، وزمن الدولة العراقية بدءا من 1921م ولحين الاحتلال الأمريكي سنة 2003.

واقع التشيع في العراق بين القرنين 16-19م:

معلوم أن العراق دخل تحت حكم دولة الخلافة العثمانية قرابة أربعة قرون وتحديدا 384 سنة (1534-1918م)، وربما كان الدافع الكبير لسيطرة العثمانيين على العراق خشيتهم من وقوعه تحت هيمنة الدولة الصفوية الشيعية؛ فسارع العثمانيون لمنع تمدد النفوذ الصفوي الشيعي إلى العراق، وبعد حرب دامت زهاء 150 سنة عُقد اتفاق بين العثمانيين والصفويين سنة 1639م وضعت فيه الحدود القائمة للآن بين العراق وبلاد فارس (إيران)، وكانت يوم ذاك تعتبر الحدود الشرقية للدولة العثمانية التي أصبحت تسمى البوابة الشرقية للعرب اليوم.

لفهم مشهد التشيع في العراق بشكل جيّد لا بد أن نشير إلى أن التشيّع لغاية القرن التاسع عشر كان محصورًا في مناطق محددة في العراق، هي: النجف، وكربلاء، والحلّة، ومناطق الأهوار، ومناطق متفرقة من بغداد، وهنا وهناك.

وبرغم وجود ثلاثة أماكن مقدسة عند الشيعة (ضريحين لإمامين وثالث لأعظم إمام شيعي وهو المهدي المنتظر/ مكان غيبته) في مدينة سامراء؛ فإنه لم يكن يزورها إلا الفرس كما ذَكر ذلك الرحالة نيبور في رحلته للعراق سنة 1761م والتي وصف فيها سامراء بقوله: (وتزار قبورهم كل سنة من جموع غفيرة من الفرس)([1])، ولم يقل العرب أو الشيعة!

نعم! هذه هي الحقيقة، تزار المشاهد من غير العراقيين لأن أغلب عشائر العراق سُنيّة، بل حتى القائمين على هذه القبور هم سنة من أهالي سامراء اتخذوها حرفةً لمعيشتهم، ولو كان بها شيعة ككربلاء والنجف لكانت بحوزتهم.

ويؤكد هذا الرحالة ابن طولون (953هـ) فيقول إن مراسم العزاء في عاشوراء كان تقام في كربلاء والنجف والحلّة، ولم يذكر غيرها من المناطق، وكلامه هذا تزامن مع ظهور الدولة الصفوية([2]).

إنّ أغلب العشائر العربية والكردية والتركمانية في العراق من أصول سُنيّة، أما العشائر المتشيّعة فكانت محدودة؛ وأقدمها تشيعًا الخزاعل، ومن ثم الكعبيون، تشيعوا في القرن الثامن عشر، وأما البقية كزبيد، وربيعة وتميم فقد تشيّعوا في القرن التاسع عشر، بفعل تحركات رجال الدين الشيعة العرب وغيرهم، ولانشغال الدولة العثمانية وعدم اهتمامها بهذا الأمر، بل ساهمت من حيث لا تدري في زيادة التشيّع فقد عملت على توطين العشائر البدوية الهاربة من الصراع في الجزيرة العربية بعد ظهور حركة الإصلاح (محمد بن عبد الوهاب) وكان تفكيرها ضيّقا وتصورها لمآل الأمور محدودا، حيث تصورت أن العشائر حتى لو تشيّعت ستكون سدًا أمام (الوهابيين) لمنع وصول نفوذ الوهابية لداخل العراق.

كما أن لجوء الدولة العثمانية للقيادات الدينية لحل المشاكل بينها وبين العشائر جعل للقيادات الشيعية مكانة بين العشائر وسهّل عملية التحول للتشيع([3]).

بهذا يتبين لنا أنه لم يكن بالعراق كتلة شيعية زمن دخول العثمانيين في القرن السادس عشر ولا القرن السابع عشر، بل كان العراق بلدًا سُنيا به أقلية شيعية؛ وقلّتهم تزداد إذا ما نظرنا إلى حكم الدولة العثمانية لعالَم إسلامي سني كبير يتعدى العراق، وأن توسع التشيع بالعراق حصل في القرن التاسع عشر.

إنّ فهْم هذه الحقيقة يعري المغالطة التي يحاول الشيعة ومَن يناصرهم من المستشرقين أن يروّجوها وهي: أن العراق به أكثرية شيعية حين حكمته الدولة العثمانية، وأنها اضطهدت الشيعة خلال حكمها للعراق، فلم تعيّنهم في المناصب الحكومية، ولم تعطِهم حريتهم الدينية! والتي سنناقشها ونوضح جوانبها.

تعامل الدولة العثمانية وولاتها مع مراقد الشيعة:

يضم العراق أضرحة ومراقد 7 من أئمة الشيعة المقدسين، ومن هنا تأتي المكانة المتميزة للعراق عند الشيعة، وهذه المراقد تعدّ هي بداية دعاوى مظلومية الشيعة في العراق، إذ يدّعي الشيعة أنها أهملت، وأنهم حُرموا من زيارتها والتوسل بأهلها والتبرك بهم ودعائهم.

بينما الحقيقة التاريخية تقول إن العثمانيون كانوا يحملون نوعًا من التصوف يغلو أحياناً في محبة آل البيت؛ نتيجة تأثرهم بالطريقة البكتاشية التي من أكبر شعاراتها (الله - محمد - علي) في خليط من التصوف السني والشيعي؛ لذلك عظّم سلاطين العثمانيين وولاتهم مراقدَ أهل البيت، فقد زار السلطان سليمان القانوني كربلاء سنة 941هـ/ 1534م، ونزل ماشيا معظّما الحسين -رضي الله عنه- ورفض الركوب لإكرامه قبر الحسين، ووزع هدايا على أهالي كربلاء، وزارها والي بغداد إياس باشا سنة 1546م/953هـ، وعمّر السلطان العثماني مراد الثالث مئذنة الروضة الحسينية سنة 982هـ/ 1574م، وأمر والي بغداد علي باشا الوند أن يكرم المجاورون من أهالي كربلاء، وفي السنة التي تليها عمّر قبة الحسين، بل إن الوالي نفسه عمّر المرقد جميعه سنة 991هـ/ 1583م([4]

وكذا ضريح الجواديْن في مدينة الكاظمية ببغداد، عمّره السلطان سليمان القانوني وأكمل عمارة الصفويين وذلك سنة 941هـ/ 1534م، أما السلطان محمود الثاني فقد أهدى إلى المشهد الكاظمي الستر النبوي، وهو من السندس المطرّز، فأُسدِل على الضريح في ليلة القدر من شهر رمضان المبارك من سنة 1255هـ/ 1839م([5]).

وساهم السلاطين العثمانيون ببناء قبة الحسين، حيث أمر السلطان العثماني مراد الرابع بتعمير قبة الحسين عام 1048هـ/ 1638م، وكان ولاة بغداد يذهبون لزيارة المراقد والنفقة على المجاورين لها من الشيعة([6])، وقدّم قادة الجيش وولاة بغداد خدمات لمدينة كربلاء كفتح النهر المغلق، وتصليح الطريق بين كربلاء والنجف وبناء خانات للزائرين وذلك سنة 1115هـ/ 1703م.

وفي سنة 1127هـ/ 1715م، أمر الوزير حسن باشا الملقب بأبي الخيرات بترميم مراقد الأئمة في النجف والكاظمية وكربلاء، كما شيّد خانا جديدًا بين النجف وكربلاء لاستراحة زوار العتبات، وأمر بشقّ جدول لنهر الحسينية المعروف بـ (النهر السليماني). 

وفي سنة 1741م ثارت عشائر في مناطق الفرات الأوسط فأرسل والي بغداد من يؤدبهم مستثنيًا مناطق كربلاء والحلة والغري (النجف) احتراما لوجود العلماء والمراقد، هكذا كانت علاقة الدولة العثمانية لعلماء الشيعة والمناطق المقدّسة عندهم.

وهذا السلطان العثماني عبد المجيد يهدي، سنة 1256هـ/ 1840م، شمعدانًا من ذهب للروضة الحسينية.

ولما كانت النجف -حيث ضريح علي بن أبي طالب- تعاني من مشكلة ردم الأنهار سريعا بسبب عواصف رمال الصحراء، أمر السلطان عبد الحميد بإجراء نهر سمي بالحميدية وذلك سنة 1308هـ/ 1890م، ومن ثم قررت الحكومة العثمانية سنة 1330هـ/ 1912م، عمل مشروع مضخة للمدينة ليكون موردا مائيا ثابتا لا تؤثر عليه التغيرات الجوية القادمة من الصحراء([7])، وكانت الدولة العثمانية هي من تعيّن الكليدار (المشرف على الروضة الحسينية).

إذًا، كان الشيعة تحت حكم العثمانيين يحظون بالحرية وكانوا يعتنون بمراقد الشيعة في النجف وكربلاء والكاظمية، ويساعدون الزوار، ولا يعطلون تبرع الشيعة الهنود والإيرانيين لها والمشاركة ببنائها، وكانت زيارة الشيعة لمراقدهم منسابة ومستمرة، بينما كانت الحكومات الشيعية المتعاقبة على حكم إيران (فارس) سواء في الدولة الصفوية أو الأفشارية أو القاجارية، تضطهد السنة وتجبرهم على التشيع وتهدم مساجدهم، حيث ذَبح إسماعيل الصفوي أكثر من مليون سني لتتشيع إيران، وعندما احتل الصفويون العراق حوّلوا ضريح عبد القادر الكيلاني إلى أسطبل للخيل! ونبش قبر أبي حنيفة ودفنت مكانه جثة كلب!

كان يمكن للعثمانيين أن يردّوا عليهم ويهينوا مراقد الشيعة، لكن طرائق التفكير مختلفة، وبينها بون شاسع، فمن هو الأحق بدعوى المظلومية؟!!

لقد لاحظ ذلك السفير البرتغالي في الصين بيريس تومي الذي زار إيران في الفترة من 1511 إلى 1512م وقال: "إنه -أي إسماعيل الصفوي- يقوم بإصلاح كنائسنا ويدمّر مساجد السنة"!!

تبقى هنا ملاحظتان هامتان:

الأولى: حاولت الدولة العثمانية منذ سليمان القانوني دائما تثبيت حسابات واضحة لممتلكات الأضرحة والأوقاف خوفا من سرقتها، ونهبها، وكان الشيعة يحاولون التخلص من هذه  الحسابات دوماً!([8]).

الثانية: دافع العثمانيون عن المراقد، فقد كانت المراقد وقوافل الزوار تتعرض لهجوم من القبائل المجاورة طمعاً بثرواتها، إذ هوجمت كربلاء عدة مرات من قبل عشائر شيعية بدافع الطمع المالي والاستيلاء على مواردها، وأصبحت هذه المدن مأوى لقطاع الطرق والخارجين على القانون، ولكن المصادر الشيعية لا تبرز ذلك، بل تركز على هجوم الوهابية فقط!

مراسم عاشوراء:

ينبغي التنبه والتيقظ أن طقوس عاشوراء لم تكن أبداً بهدف تذكّر الحسين ومأساته والبكاء عليه وعلى ظلمه كما يدعون، بل هي دوماً بهدف شحن الشيعة ضد السنة وتأليب الشيعة على السنة بكل وضوح، فمنذ زمن البويهيين الذين أباحوا للشيعة الانتشار في بغداد والاحتفال بعاشوراء، فالاحتفالية لم تذكر مأساة الحسين بل أخذت تشتم الصحابة؛ ولذلك كانت تحدث دائماً بسببها صدامات تسيل فيها الدماء، ولهذا السبب كانت الدول تمنع هذه الطقوس. 

هذا من جهة، من جهة أخرى يعترف أكثر من كاتب شيعي أن ما يحدث في عاشوراء يتطور ويكبر عاما بعد عام، لا مراسيم ثابتة، ففي زمن المغول أصبح التعبير عن المناسبة أكثر، أما في زمن الدولة الصفوية فقد أدخلت فيه أشياء كثيرة، وفي الهند ساهم البريطانيون في إضافة طقوس جديدة، فكل ما نشاهده الآن من طقوس هي في الحقيقة منقولة من النصارى في زمن الشاه عباس الصفوي، يقول د. محمد الجويني: "وقد أدّى تطور المآتم من حيث الكمية والكيفية إلى دخولها دائرة التقاليد الشعبية والوطنية، فأصبحت تقليداً دينياً وطنياً، وانتقل هذا التقليد السائد بين الإيرانيين إلى الشيعة في المناطق الأخرى"([9]). 

لهذا فإن الدولة العثمانية من حقها كدولة مستقلة أن تمنع مثل هذه التصرفات غير المتزنة من جهة، والمخالفة للإنسانية من جهة أخرى من ضرب النفس وتعذيبها، والتي هي تقليد للإيرانيين فقط، والتي تتسبب في إثارة الطائفية والفتنة ([10]).  

ورغم ذلك سمح للشيعة بإقامة مجالس العزاء في بعض الأوقات، فعندما انعقد الصلح بين والي العراق داود باشا المملوكي والحكومة الإيرانية عام 1821م سمح للشيعة بإقامة مجالس التعزية علنا، وكذلك في عهد والي بغداد علي باشا 1832م لأنه كان بكتاشيا، فسَمح بإقامة العزاء علنًا، وحضرَه، وسار الولاة من بعد علي رضا باشا على سُنته، فكانوا يتساهلون في أمر انتشار الطقوس الشيعية، ما عدا مدحت باشا فقد حاول منعها ولكنه لم يوفّق، ويقال إنه سأل اسطنبول في أمرها فكان الجواب: (دعهم يفعلون ما يشاؤون ما داموا لا يؤذون سوى أنفسهم([11]).

وحين دخل العراق تحت سيطرة الإنكليز([12]) اتبعوا سياسة التقرب من الشيعة من بوابة هذه المراسم، فأخذوا برعاية المواكب الحسينية بصورة خاصة وأجازوا إقامة المآتم والسبايا، بل دعموها بما تحتاج من الوقود والأكفان، ووجّه علماء الشيعة كتابا يتضمن شكرهم على ما قدّمه الإنكليز لهم ([13]).  

ولم تنفرد الدولة العثمانية من منع العزاء يوم عاشوراء، بل هذا الشاه رضا بهلوي منع العزاء في إيران لمدة 15 سنة من (1926-1941م) ، ومع ذلك لا نسمع من أي كاتب شيعي اعتراضاً على ذلك، بينما ينصبّ الاعتراض فقط على الدولة العثمانية!! وهذا يكشف تلاعب الشيعة بدعوى المظلومية بينما قد يكون المنع لأسباب كعدم قناعة المسؤول بما يفعل، أو لسبب سياسي لمنع استغلال ذلك لأهداف سياسية، وليس بالضرورة أن يكون المنع رغبة في ظلم الشيعة!

سلوك شيعة العراق بين الانتماء للدولة والدين:

ينتقد الشيعة سلوك الدولة العثمانية تجاههم وأنها تعاملت معهم بإقصاء وطائفية، وأنها لم تتعامل معهم كمواطنين ورعاياها تابعين للدولة، فلنتناول هذا الأمر ونحلله لنرى مدى صحة دعواهم.

في البداية لنستحضر أنه على مدار التاريخ كان علماء الشيعة يقفون مع مصالح مذهبهم وطائفتهم على حساب الدول التي يعيشون بها؛ فهذا ابن العلقمي كان شيعيًا ووزيرًا في دولة الخلافة العباسية السُنية، ومع ذلك خان دولته وساهم بإسقاطها سنة 656هـ/ 1258م.

ولماذا نبتعد كثيرًا في التاريخ فهذا نقيب النجف ورئيس الشيعة في العراق محمد كمونة يغدر بأهل بلده وجيرانه السنة في بغداد حين يتفق مع الصفوي على القدوم لبغداد ويخدّر أهل بغداء عندما يصور لهم إسماعيل الصفوي كسلطان عادل، فيترك السنة المقاوَمة ويستقبله ابن كمونة بخطبة عصماء.

وفعلا يدخل إسماعيل الصفوي بغداد فيقتل من أهلها السنة مقتلة عظيمة، حيث قتل عامة أهلها والصلحاء منهم، وبدأ يعذّب الناس ويدعوهم للتشيع ومن يأبى يُقتل، وهدم قبر أبي حنيفة ونبشه، وفعل نفس الشيء مع عبد القادر الكيلاني وجعله اصطبلات للخيل، ونبش قبور الموتى وأحرق عظامهم، وقتل كل من ينتسب لذرية خالد بن الوليد، حتى قال مؤرخ الشيعة ابن شدقم واصفا أهل بغداد في كتابه «تحفة الأزهار»: (فتح بغداد وفعل بأهلها النواصب ذوي العناد ما لم يسمع بمثله قط في سائر الدهور بأشد أنواع العذاب حتى نبش موتاهم من القبور)([14]) وأخذ أطفال المسلمين ونساءهم وباعهم عبيدا في إيران، وأصبح اليهود في بغداد والنصارى أكثر أماناً من السنة([15]) فهرب كثير من الناس ومنهم الأسرة الكيلانية إلى الشام ومصر([16]).

حدث ذلك يوم كان عدد الشيعة محدودًا ولم يكن التشيّع قد انتشر في العشائر العراقية، ومع ذلك كان موقفهم العدائي واضحا ضد السنة رغم أنهم ينتمون للقبائل العربية العراقية! ورغم أنهم تحت حكم حكومة سنية عثمانية، إلا أن عينهم ترنو وتتطلع إلى الحكومة الصفوية الشيعية، فجسمه في العراق والولاء لإيران! فهل تغير حال شيعة العراق زمن الدولة العثمانية؟

لقد ذكر علامة العراق محمود شكري الألوسي أن كبار علماء الشيعة كانوا يحثّون العشائر التي تشيّعت على عدم نُصرة الدولة العثمانية في حروبها مع روسيا وعدم إعانة الدولة، ويفرحون ويكون أسعد أيامهم عند هزيمة العثمانيين، ويحزنون إذا انتصرت([17]).

وكان أفراد عشائر الجنوب الشيعية يتهربون من الخدمة العسكرية بتغيير تابعيّتهم من الدولة العثمانية إلى الدولة الإيرانية برغم أنهم يعيشون في العراق، لذا الكثير منهم لا يملك وثيقة عثمانية، ووصل ببعضهم الحال أن ساعد الحكومة الإيرانية في غزو بعض مناطق العراق، فهل هؤلاء مواطنون ورعايا يستحقون الرعاية أم خونة وجواسيس يستحقون العقوبة والنكال؟

الحقيقة أن سنة العراق عانوا من تساهل الدولة العثمانية تجاه مخططات التشيع، فقد سمحت للقبائل في الجنوب والوسط العراقي بأن يتشيعوا، وبالمقابل: هل سمح للسنة في إيران بنشر دعاتهم هناك لنشر التسنن؟!

 ولقد كان الشاعر الرصافي صريحا عندما قال: (إنّ إيران هي القبلة السياسية التي تتجه إليها قلوب شيعة العراق منذ عهد الدولة العثمانية البائدة)([18]).

إن تبعية الشيعة لإيران وصلت بهم إلى حد أنّ حاكم إيران عند زيارته لكربلاء عام 1870م أضاف عبارة (أشهد أن علياً أمير المؤمنين) إلى الأذان، حيث طلب من مؤذن الحضرة العباسية إضافة العبارة المذكورة، وأصبحت هذه الصيغة متَّبعة عند الشيعة في جميع أنحاء العالم بعد ذلك، رغم أنهم كانوا لا يمارسونها، وعدّها بعضهم بدعة([19]) وبقي الأذان ليومنا هذا تبعا لمراد شاه إيران وموافقة علماء وآيات الشيعة، وهذا أيضاً من تساهل الدولة العثمانية المضرّ!

هذه حقيقة دعوى الشيعة أنه تم إقصاؤهم، وقد تبين أنهم خونة وعملاء يستحقون العقوبة وليس الإقصاء فقط الذي لم يحصل حتى! وتبين أن العثمانيين كانوا مفرطين في حقهم وحق سنة العراق، فبينما كان إسماعيل الصفوي يذبح سنة العراق كلما غزاهم كان العثمانيون في كل مرة يحررون بغداد يعفون عن الفرس الذين ارتكبوا الجرائم([20])!

تبعية علماء الشيعة وقراراتهم لمن يملك المال:

خصص أحد ملوك مملكة أودة الشيعية في الهند (1720 – 1856م) وهو غازي الدين حيدر أوقاف خيرية تصرف في الحوزة العلمية في كربلاء والنجف، وهو ما عرف بـ (خيرية أودة)، التي بدأت تصل الى الحوزة في العراق منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين.

ومع سيطرة بريطانيا على الهند ومنها دولة أودة في منتصف القرن التاسع عشر بدأت تسيطر على الأموال الخيرية المخصصة للحوزة، فراحت تتلاعب فيها وفي طريقة توزيعها من أجل مدّ نفوذها على الحوزة والسيطرة على المرجعية والتدخل عبرها في شؤون العراق وإيران قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها.

اصطدم البريطانيون ببعض مراجع الشيعة الذين لم يقبلوا بذلك فقام البريطانيون بالتفكير باستيراد مجتهدين متعاطفين من الهند يقبلون تسلّم (الخيرية) وتوزيعها في العراق عبر لجان أهلية بإشرافهم، وقد أثار ذلك قلق السلطات العثمانية من تزايد النفوذ البريطاني في العراق وشراء ذمم مراجع الشيعة، خصوصاً في صفوف الشيعة والمرجعية، فحاولت حل اللجان التي شكلها الإنجليز لتوزيع المال، ومنعت الرعايا العثمانيين، خصوصاً العرب الشيعة، من الانضمام إلى عضوية اللجان في كربلاء والنجف، وطلبت من القنصل الفارسي في بغداد أن يمارس ضغطا على الأعضاء الفرس لتقديم استقالاتهم.

هذا هو حال الشيعة في العراق:

لا ينتمي مراجع الشيعية -وهم قيادات المناطق الجنوبية في العراق بعد انتشار التشيع- للدولة بصلة، فهم لا يعترفون بسلطة العثمانيين الرسمية([21])، فولاؤهم لإيران التي تسيطر عليهم مذهبياً وعبر المال، وطقوسهم تأتي من إيران أيضاً.

وهم يفرحون بخسارة الدولة العثمانية ويحزنون إذا انتصرت ويميل بعضهم عسكريا لكفة إيران ويقف ضد الدولة العثمانية، فهؤلاء رعايا مشاكسون.

ومع ذلك لا توجد في تاريخ الدولة العثمانية أية مذبحة ضد شيعة العراق، سوى ما يذكرونه من حادثة سليم باشا عندما هجم عليه مجموعة من الخارجين عن القانون في النجف سنة 1234هـ/1818م، وحادثة نجيب باشا سنة 1258هـ/ 1843م، في كربلاء.

فقد أصبحت المدينتان مأوى للمجرمين يلوذون إليهما متهربين من أداء حقوق الحكومة، ووصل عددهم في كربلاء إلى 10000 شخص هارب من قبضة الوالي، وشرعوا بتهديد المراجع الشيعة، مستغلين ضعف هيبة الدولة العثمانية، فأرسل الوالي جيشا فاحتمى المتمردون بكربلاء وتحصنوا بها، وانتهت المعركة بمقتل 4000 من العصاة، و500 من الجيش العثماني([22]).

فزوّر الشيعة الحادثة وضخموا عدد القتلى وتدخلت قناصل الدول الأجنبية، خاصة البريطانية والروسية، لأنها كانت تبحث عن شيء تبرر فيها تدخلها، وكان تصرح أحيانا للشيعة أنها ترغب بحمايتهم من الأتراك العثمانيين السُنّة كنوع من سياسة (فرّق تسد). 

ومعلوم أن نجيب باشا لم يكن لديه مع الشيعة مشكلة، فقد بنى مقابر لعلماء الشيعة داخل ضريح الحسين، وعندما ظهرت البابية استدعى لقصره علماء الشيعة والسنة لمناقشتهم([23]).

قد يستطيع الشيعة إخفاء الحقائق والزعم بأنهم كانوا مضطهدين في العراق من قبل الدولة العثمانية لكن الحقائق تظهر ولو بعد حين، وتكشف زيف دعواهم بأنهم مظلومون، وتثبت كم هم ظالمون ومضطهِدون لغيرهم في حالة ضعفهم وقوتهم!

دعوى حرمان الشيعة من التعليم:

يُكثر الكتاب الشيعة -خاصة العلمانيين منهم- الكلام حول حرمان الدولة العثمانية للشيعة من التعليم، وهي دعوى لا حقيقة لها سوى الاعتماد على بضعة مصادر غير دقيقة، ووضعت للتهييج الطائفي فقط، وإلا فإن التعليم في عموم العراق كان مهملا من قبل الدولة العثمانية للعرب السنة والشيعة والكرد، فالتعليم في الدولة العثمانية بقي ردحا من الزمان يعتمد على الكتاتيب والتعليم الديني، وكلاهما كان متوفرًا في المناطق الشيعية، فهل كانت الدولة العثمانية تمنع الشيعة من التعليم في الكتاتيب أو في المدارس الدينية؟! يقول د. النفيسي: (كان الشيعي يحذَّر من شيخه أنه محرّم عليه أن يتوظف في حكومة غريبة عنه) نعم، كان العثمانيون حكومة غريبة أجنبية عند الشيعي فكيف يطلب حقوقه من حكومة لا يعترف بها؟!

والتعليم الحديث في الدولة العثمانية بدأ عند الأقليات غير المسلمة حيث ظهرت مدرسة الآباء الكرمليين عام 1721م، والمدرسة الكلدانية عام 1843م، ومدارس الاتحاد الإسرائيلي 1865م.

وكانت بداية التعليم الصحيح على يد والي بغداد مدحت باشا الذي افتتح أربع مدارس: أولها المدرسة الرشدية العسكرية عام 1869م، والمدرسة الرشدية المدنية، والمدرسة الإعدادية العسكرية، ومدرسة الفنون والصنائع، واعتمدت هذه المدارس اللغة التركية لغة رسمية لها([24]). وفُتح مثيل لها في النجف، وكان الإقبال عليها محدودا، ودخلها بعض ذوات الشيعة، وكان هناك المدارس العلوية التي تأسست بعد الرشدية بسنتين([25]).

ومن مدارس بغداد المشهورة في العهد العثماني المدرسة الجعفرية وأسسها تلميذ محمود شكري الألوسي قاضي المحكمة الجعفرية، شكر بن أحمد البغدادي الشيعي، والألوسي هو  من كتب له تزكية لمنحه رخصة لتأسيس المدرسة، برعاية مجموعة من الشيعة والسنة مثل: عبد الكريم السيد حيدر، والشيخ جواد تويج، وعلي البزركان ومهدي الخاصكي، عبد الكريم حيدر، علي السيد مهدي البغدادي، جعفر السيد هاشم، أمين الجرجفجي، داود أبو التمن، سلمان أبو التمن. وأصبح القاضي شكر([26]) مديرا للمدرسة رغم أنه لا يحمل شهادة لكن لكونه تلميذ الألوسي منح ذلك، وكان من الساعين لتأسيس المدرسة شخصية سنية وطنية وهو علي البازركان أحد قيادات ثورة العشرين.

ومن هذه المدارس العثمانية تخرج جمهرة من النخب الشيعية المثقفة وأصبحوا سياسيين ومفكرين وكتّابا وصحفيين، منهم مثالا لا حصرا: عبد الرزاق الحسني، وكاظم الدجيلي، وصالج جبر، رئيس وزراء العراق، والشاعر علي الشرقي، والكاتب جعفر الخليلي وغيرهم.

وكان يمكن أن يكون عددهم أكبر لولا ما هو معلوم من أن علماء الشيعة كانوا لا يشجعون على التعليم في المدارس العثمانية، ويرفضون أحيانا دراسة أولادهم فيها!

الخلاصة:

روّج كتاب الشيعة من التيار الديني والتيار العلماني([27]) خرافة مظلومية شيعة العراق واتهام الدولة العثمانية باضطهادهم، وقد تبيّن أن الشيعة هم من رفض التعاون معها ولم يعتبروها حكومة رسمية لهم؛ لأنهم حسب شرعهم لا يؤمنون بها، وقاموا بالغدر تجاهها ولم تعاقبهم، ومع ذلك كانوا يطالبون بحقوق المواطنة!

ومع كل ذلك لم تفعل الدولة العثمانية ما فعلته الدولة الصفوية، فلم تعتدِ على معتقدات الشيعة ومراقدهم، ولم تُكرههم على التسنن كما فعلت الدول والحكومات الإيرانية، بل تساهلت معهم حتى أدى هذا التساهل إلى تشيع العشائر السنية في جنوب العراق.

لذا فخرافة اضطهاد الشيعة في العهد العثماني قضية مفتعلة تشبه خرافة أكثرية الشيعة في العراق، ورواج هذه الخرافة هو بسبب تقصير أهل السنة في الدفاع عن حق دينهم ودولهم.

سأتناول في الحلقة القادمة بإذن الله خرافة اضطهاد الشيعة في الدولة العراقية الحديثة.

 



[1]- تاريخ مدينة سامراء، يونس الشيخ إبراهيم السامرائي، ص 203.

[2]- مفاكهة الخلاّن، شمس الدين بن طولون، القاهرة، 1962م، 1/242، 2/78.

[3]- تراجيديا كربلاء، إبراهيم الحيدري، ص 226.

[4]- انظر: تاريخ المراقد، الحسين وأهل بيته وأنصاره، محمد صادق محمد الكرباسي، المركز الحسيني للدراسات، 2003م، 2/79،78،73،71، كربلاء في الأرشيف العثماني، ديلك قايا، ترجمة: حازم سعيد منتصر، مصطفى زهران، الدار العربية للموسوعات، 2008م، ص 11.

[5]- موقع العتبة الكاظمية المقدسة: http://www.aljawadain.org/aljawadain_history.php

[6]- تاريخ المراقد، محمد الكرباسي، 2/86.

[7]- ماضي النجف وحاضرها، جعفر الشيخ باقر آل حمبوبة، دار الأضواء، بيروت، 1986م، 1/205،201.

[8]- كربلاء في الأرشيف العثماني، ديلك قاليا، ترجمة: حازم سعيد منتصر، مصطفى زهران، الدار العربية للموسوعات، 2008، ص 11.

[9]- تاريخ المأتم الحسيني من الشهادة وحتى العصر القاجاري، د. محمد صالح الجويني، ترجمة: فرقد الجزائري.

[10]- تراجيديا كربلاء، إبراهيم الحيدري، ص 60، تاريخ المأتم الحسيني من الشهادة وحتى العصر القاجاري، د. محمد صالح الجويني.

ومن الجدير ذكره في هذا الموضع أنه كان للشيعة أفعال قبيحة جداً في مناسباتهم أدركت بعضاً منها في مناطق جنوب ووسط العراق؛ ففي مناسبة (فرحة الزهرة) يجلبون رجلا مجنونا أبله، ويجعلونه يمثل دور عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويجعلون في بطنه كيسا ويزوقونه، ويركضون وراءه في الشوارع على أن الله قد مسخه امرأة وأصبحت حبلى، ويلعبون في دبره، ويفعلون أشياء يندى لها الجبين ويغنون: (عمر يا أبو حمصة كل الناس تبعبصه)، وحدثنى أبي أن الروزخون السيد هادي في إحدى مدن الجنوب في الستينيات من القرن الماضي كان يحكي في سماعة المسجد الشيعي في عاشوراء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان به مرض لا يشفيه منه إلا ماء الرجال، ومن الغريب أن والدي حدثني أنه رأى هذا الرجل في مستشفى ببغداد في الستينيات؛ وكان مصابا بسرطان في دبره إلى أن مات! عليه من الله ما يستحق، واتّهمت كل بناته بالفاحشة.

[11]- تراجيديا كربلاء، ص 61، 68، وموسوعة العتبات، جعفر الخليلي، 1/160.

[12]- بدأ نفوذ الإنجليز في العراق في سنة 1798م عندما سُمح بتعيين ممثل دائم لهم في العراق.

[13]- تراجيديا كربلاء، ص 61، 68، تاريخ المأتم الحسيني.

[14]- نقلا عن: الصفويون من الطريقة الصفوية حتى تأسيس الدولة، د. طالب محيبس حسن الوائلي، دار تموز، سوريا، 2012، ص 136.

[15]- الفكر الإسلامي بين النظرية والتطبيق، د. عماد الدين الجبوري، لندن، 2015، ص 144.

[16]- عودة الصفويين، عبد العزيز بن صالح المحمود، مكتبة الإمام البخاري.

[17]- السيوف المشرقة ومختصر الصواعق المحرقة، للعلامة نصري الدين محمد خواجة نصر الله الهندي، اختصره وشذبه محمود شكري الألوسي، مكتبة الإمام البخاري، 2008، ص 35.

[18]- الرسالة العراقية، معروف الرصافي.

[19]- هذا رأي شيخ الطائفة الطوسي، ومحمد الكاشاني، وحرّمها الشهيد الثاني.

[20]- العرب السنة في العراق، عدة مؤلفين، إصدارات مجلة البيان، ص 34.

[21]- دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، د. عبد الله النفيسي، مكتبة آفاق، الكويت، 2011، ص 58.

[22]- مدونة إبراهيم العلاف، جواب على سؤال عن حملة نجيب باشا على كربلاء 1843هـ، 23/12/2015م، كربلاء في الأرشيف العثماني، ص 95.

[23]- تاريخ المراقد، محمد صادق الكرباسي، 2/148 ، 153.

[24]-  تاريخ التعليم في العراق في العهدين العثماني والملكي، د. إسماعيل نوري الربيعي،

 htm1http://www.mesopot.com/old/adad

[25]- شبكة الإمام علي: 5323http://www.imamali.net/?id

[26]-  مقال: المدرسة الجعفرية .. ومزوّرو التاريخ، د. مصطفى الزركان، موقع ميدل إيست 28/3/2013م.

[27]- منهم حسن علوي، في كتابه «الشيعة والدولة القومية في العراق»، وعبد الخالق حسين، في مجموعة مقالات على موقعه، وكتّاب من هنا وهناك.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق