خديعة الممانعة الإيرانية حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (8) مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط وتحديات المجال السني: قراءة في تقرير مؤسسة راند سياسة إيران تجاه دول الجوار ثورات الخوارج (14) أمرٌ ما لَهُ غير المهلّب! قالوا - العدد مائة وأربعة وسبعون - ربيع الأول - 1439 هـ الأردن وإيران: أين المشكلة لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ أين نسخة صحيح البخاري؟ مظلومية أهل السنة في إيران (6) اعتداء نظام الملالي على المساجد والمدارس الدينية التدين والإلحاد في استطلاعات الرأي التنمية.. سلاح لمحاصرة «داعش أفريقيا» العودة إلى ما بعد اغتيال الحريري وماقبل حرب 2006: سلاح حزب الله القرارات السعودية تربك النظام الإيراني بعد المعونات الإيرانية هل تنحاز الفصائل الفلسطينية إلى محور إيران في أي حرب مقبلة ؟؟؟ بوتين!! من أين لك هذه الجرأة؟ بين لبنان والسعودية... إنه اليمن يا عزيزي تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي حسابات متداخلة: أزمات متعددة في مواجهة أحمدي نجاد كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟ التداعيات الأمنية للعقوبات الأمريكية على حزب الله من يكتب تاريخ البحرين؟! هل رهنت تركيا دورها في العراق بالنفوذ الإيراني؟ يحيى الحوثي... محاضراً! محمد المنتصر الإزيرق.. نفخ الروح في التصوف السوداني خرافة المظلومية الشيعية في العراق (1) زمن الدولة العثمانية
 
لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ أين نسخة صحيح البخاري؟
السبت 18 نوفمبر 2017

 

 فادي قراقرة - كاتب فلسطيني

خاص بالراصد

بلغ العبث الفكري مستواه المتدني جداً في مسلسل الطعن على السنة عامة، وعلى صحيح البخاري خاصة، ويقوم بهذا العبث شرذمة من الناس محسوبون على تيارات مشبوهة جداً أو غارقون في تيارات ظاهرة العداء للإسلام، مما يكشف مدى الإفلاس الذي بلغه الطاعنون في صحيح البخاري على اختلاف أذواقهم.

ومن هذه الطعون المتهافتة التشكيك في صحة وجود كتاب صحيح البخاري أصلاً، من خلال سؤال تشكيكي: أين هي نسخة صحيح البخاري الأصلية؟! ثم بث الطعون في إجابات ملغومة: لا يوجد نسخة مخطوطة في العالم كله لصحيح البخاري عليها توقيع البخاري نفسه، إلى غير ذلك من المبالغات التي يرددها أبواق الاستعمار الغربي الجديد لتعزيزها ومحاولة إثبات صدقها من خلال التكرار وكثرة التداول وليس قوة حجتها وأدلتها.

والحق أن هذه الشبهة ليس فيها ما يستحق النظر، وهي تكشف عن سذاجة بالغة في التفكير، والسطحية في التصور بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ويكأن أمر إثبات صحة كتاب، أيّ كتاب، متوقفة على وجود نسخة له بخط المؤلف! ولو طبّقنا هذه الفرية على كتب العالم فكم كتابا سيبقى لنا وينجح أن يكون له نسخة بخط مؤلفه؟!

لأن هذه القاعدة إما أن تكون سليمة وتنطبق على كل كتب البشرية وليس البخاري فحسب، أو تكون فرية وزعما غير موضوعي ومغالطة يراد منها فقط التشويش على صحيح البخاري والطعن فيه بجهل وحمق. 

لقد استقر البشر واتفقوا على مسالك متعددة لإثبات صحة أي كتاب، لأيٍّ كان، فبعضها بوجود نسخة بخط مؤلفه وبعضها بوجود نسخ منقولة عن نسخة المؤلف، وهذا الغالب في تناقل كتب العلماء من مختلف الأديان والأزمان والعلوم، حيث كان يكتب المؤلف كتابه ثم يتناقله تلاميذه ونسّاخ عصره، ثم يترجم للغات أخرى، ومع اختراع المطبعة أصبح توفر نسخة المؤلف أندر من النادر، ومن ذلك كتب علماء اليونان الفلاسفة والطبيعيين والرياضيين منهم كأفلاطون وأرخميدس وفيثاغوروس، وغيرهم الكثير بلا شك!

والعلماء المحققون لهم طرق علمية في التيقن من صحة المخطوطات عبر فحص عمر الورق والحبر ونوع الخط ومناسبة ذلك لعصر المؤلف، ومَن نَسخ المخطوط ومن تملكه، والعلاقة الزمنية بينهما، وغيرها من الطرق والأساليب، والطعن في هذا طعن في تاريخ البشرية كله وليس التشكيك بصحيح البخاري فحسب.

ومِن طرق صحة نسبة الكتب لأصحابها تقبلها بين العلماء عبر العصور، ووجود نسخة للمؤلف يزيد موثوقية الكتاب بشكل عام، لكنه لا يضيف الكثير حين يكون للكتاب قبول متواتر عبر التاريخ بالنقل الشفوي وتداول النسخ، فعندما اكتشف العلماء في ألمانيا مخطوطة قديمة للقرآن تعود للعهد الراشدي، وأكّدوا أنها مطابقة لما بين يدينا من القرآن اليوم؛ لم يزدْ ذلك من يقيننا في كتاب الله شيئا، لبلوغ يقيننا مبلغاً تجاوز حد الاستدلال على صحّته أو صحة نقله باكتشاف مخطوط هنا أو هناك.

بداية ظهور هذه الشبهة:

يظهر أن بداية بروز هذه الشبهة تعود إلى الشيعة الزيدية في اليمن، حيث أشار لها الإمام ابن الوزير الصنعاني (ت: 840هـ) في كتابه (العواصم والقواصم في الذبّ عن سنة أبي القاسم)([1]).

ثم اختفت هذه الشبهة بين طيات السنين لهشاشة بنائها حتى أحياها المستشرق الكلداني منجانا (1878-1937م) الذي دوّن هذه الشبهة في دراسته على صحيح البخاري([2]).

ثم تلقفها أذناب المستشرقين من بني جلدتنا، أمثال المدعو عدنان ابراهيم الذي حاول نفخ هذه الشبهة بمقالة له متحدثاً عن صحيح البخاري: (وعندما نتحدث عن النسخة الأصلية فإننا لا تنطلي علينا حيلة دأب عليها لعشرات السنين بعض المدلسين الذين يكذبون على العامة بقولهم إن النسخة الأصلية أو النسخ الأصلية موجودة، وهي متفرقة على شكل أجزاء في كثير من المكتبات الإسلامية)([3])، وممن ردّد هذه الفرية من الأفاقين والدجالين المتنصر رغم ارتدائه العمة الأزهرية مصطفى راشد([4])، ومنكر السنة محمد عبد العزيز خليفة([5])، وغيرهم من الأدعياء.

الجواب على الشبهة:

مما لا شكّ فيه عند العلماء والباحثين في السنة النبوية -مسلمين وغير مسلمين- أنّ الإمام البخاري رحمه الله خطّ بأنامله كتابه (الجامع الصحيح)، ثم حدّث به، وروى (أحاديث صحيحه) لجمع غفير من طلاب الحديث بذات الطريقة التي سمعها من شيوخه، ألا وهي ذكر أسماء الرواة الذين أخذ عنهم الحديث.

وكانت أعداد المستمعين لصحيح البخاري من البخاري نفسه ضخمة جداً، حتى قال الفربري، تلميذ الإمام البخاري: (سمِع كتاب الصحيح لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل).

وهؤلاء الطلبة المستمعون للبخاري كان بعضهم لا يكتفون بمجرد السماع والنقل الشفهي، بل كانوا يدوّنون أحاديث الشيخ، وبذلك يصبح عندهم نسخة مكتوبة من صحيح البخاري تضاف إلى نسختهم الشفوية التي حفظوها بين يدي البخاري.

ولم يكونوا يكتفون بما دوّنوه من كلام البخاري، بل زيادة في الحرص والدقة كانوا يقابلون/ يراجعون ما نسخوه من صحيح البخاري على نسخة كتاب شيخهم البخاري نفسه، ويصحّحون ما وقع منهم من خلل أو زلل، وبعد انتهاء النسخ والمقابلة والمطابقة على نسخ الشيخ نفسه يكتبون على نسختهم وقت انتهائها، وأنها قوبلت على نسخة الشيخ، وبهذا يصبح عندنا نُسخ متعددة طبق الأصل عن نسخة الإمام البخاري نفسه، وأنها حصلت في حياة البخاري نفسه، ولم تتأخر مما يغلق الباب على الأفاقين للطعن على ذلك.

وقد حفظ التاريخ لنا أسماء عدد من طلاب الإمام البخاري، من أشهرهم ممن بقيت أسماؤهم ونسخهم إلى يومنا:

محمد بن يوسف الفربري، وإبراهيم بن معقل النسفي، وحماد بن شاكر النسوي، وأبو طلحة منصور بن محمد البزدوي، وأبو عبد الله المحاملي، رحمهم الله جميعاً.

ثم جاء مِن بعدهم جيل آخر لا يحصون عدداً سمع (صحيح البخاري) منهم وقابلوا نُسخهم على نُسخ التلاميذ الأُوَلْ، حتى تواترت نسبة الكتاب إلى البخاري لكثرة النُسخ عليه واتصال الرواية إليه.

ومنذ يومه الأول وصحيح البخاري يُتناقل عبر الزمن إلى يومنا هذا بشكل متواتر بين الناس بالرواية والتدوين، بحيث تواطأ العلماء والعامة على روايته ومدارسته وتعلمه وفهمه، ومما يدل على ذلك كثرة نسخه المكتوبة عن نسخ معروضة على نسخة البخاري.

فمثلاً نسخة الفربري – تلميذ البخاري- لها أربع عشرة نسخة نسخها تلاميذه من بلاد مختلفة، وكل نسخهم مطابقة لنسخة شيخهم الفربري الذي طابق نسخته على نسخة شيخه البخاري، وقد روى عن كل تلميذ من تلاميذ الفربري عدد من الرواة بحيث يستحيل اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب في النقل، هذا في الفربري لوحده، فكيف لو أجرينا الحسبة في غيره من رواة البخاري؟!

ولذا فلو ضاع الأصل الذي خطّه البخاري بيده فلن يغير لنا ذلك شيئا؛ لكون الكتاب قد انتشر وفشا بين التلاميذ، وكثرتْ نُسخه التي على كلٍّ منها إسنادٌ يتصل بالبخاري، وكُتبت عليه الشروحات، وتطابقتْ جميع نُسخه بفضل الله ونعمته.

ومن هذه الشروح المميزة، والتي يمكن اعتبارها نسخة من النسخ على صحيح البخاري، شرح الإمام الخطابي المتوفى سنة 388هـ، المسمى بـ (أعلام الحديث)، حيث أنه أقرب الشروح زمناً إلى زمن الإمام البخاري إذا علمنا أن البخاري توفي سنة 256هـ، مما يعني أن الخطابي أدرك تلاميذ البخاري الذين رووا الصحيح عن شيوخهم عن البخاري، رواية نسخ ومطابقة.

وبقيت نسخ البخاري تُتناقل في كل جيل وطبقة، كلٌّ يرويها عمّن قبله مع ضبط نسخته ومقابلتها على نسخة من يرويها عنه، ومن الروايات المشهورة المسندة إلى الفربري، نسخة الإمام أبي ذر الهروي (ت: 434هـ)، ونسخة كريمة المروزية (ت: 463هـ)، وأكتفي بمثالين، وإلاّ فالمقال لا يتسع لذكر كل نسخة ورواية([6])

ومن الدلائل العقلية على صحة الكتاب حتى زماننا أن أهل التحريف والكذب يئسوا من الزيادة على صحيح البخاري، ولو كان كتاب (الصحيح) مدسوساً على صاحبه، لأمكن إدخال أحاديث ليست بصحيحة فيه، فلمّا عُلم امتناع هذا، دلّ على صحة نسبة صحيح البخاري إلى  صاحبه مطلقاً.

وأخيراً، فلو افترضنا صحة الشبهة، بل لو افترضنا صحة الشبهة القائلة بعدم وجود نسخة أصلية لصحيح البخاري، بل وافترضنا أن شخصية البخاري هي شخصية مخترعة لا وجود لها في الحقيقة! على افتراض ذلك فهل هذا يعني أن أحاديث البخاري تصبح باطلة لا قيمة لها، وأنها مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك ينهدم قسم كبير من العقيدة الإسلامية والفقه الإسلامي؟ الجواب بكل بساطة: لا!

لن تزول هذه الأحاديث التي رواها لأن البخاري لم يتفرد أصلاً برواية حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من أئمة الحديث، فما رواه البخاري من أحاديث موجودة في كتب السنن والمعاجم والمسانيد والأجزاء الحديثية فضلاً عن العشرات من كتب الحديث بل المئات.

فكل حديث في صحيح البخاري له العشرات إن لم يكن المئات من الروايات في كتب الحديث المختلفة، مما يجعل التشكيك في أحاديث صحيح البخاري لعبة ساذجة جداً تدل على سفاهة المشكك فيها.

وزد على ذلك أنك سترى أحاديث البخاري في كتب أخرى تسمى (المستخرجات)، وفكرة هذه المستخرجات أنها تأتي بالأحاديث التي رواها البخاري لكن بأسانيد تجتنب فيها ذكر البخاري بحيث تروى هذه الأحاديث عن شيخ البخاري أو عن شيخ شيخه، مما يعطي أحاديث البخاري قوة وثباتاً؛ لأنها مروية بأسانيد مختلفة ومن غير طريق البخاري.

هذه باختصار قصة كتابة البخاري لصحيحه، وقصة نقل (الصحيح) إلى عصرنا، وهي أقوى في الثبوت ولا ريب من مجرد وجود نسخة للبخاري بخطه، وأن شبهة المطالبة بنسخة (الصحيح) كتبها البخاري بخط يده شبهة سخيفة لا قيمة لها إذا وُزنت بقواعد العلم والموضوعية، لذلك لم يحفل بها أكثرية عقلاء المستشرقين.

 



[1] - العواصم والقواصم (1/306).

[2]- مقال: رسالة في الرد على شبهة منجانا حول صحيح البخاري، الدكتور أحمد بن فارس السلوم، على الرابط:

 http://alsalloom.blogspot.com/2015/05/blog-post_29.html

[3]-  مقال لعدنان ابراهيم بعنوان (النسخة الأصلية لصحيح البخاري!!) على موقعه.

-[4] مصطفى راشد: صحيح البخاري وصحيح مسلم غير موجودين، على الرابط:

https://www.youtube.com/watch?v=_ZhbEKUvvIQ

 - [5]مقال له بعنوان: (صحيح البخاري، ليس بصحيح).

[6]- للاستزادة انظر: (روايات الجامع الصحيح ونسخه) الذي يقع في مجلدين، من إعداد الدكتور: جمعة فتحي عبد الحليم، وزارة الأوقاف القطرية.  

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق