خديعة الممانعة الإيرانية حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (8) مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط وتحديات المجال السني: قراءة في تقرير مؤسسة راند سياسة إيران تجاه دول الجوار ثورات الخوارج (14) أمرٌ ما لَهُ غير المهلّب! قالوا - العدد مائة وأربعة وسبعون - ربيع الأول - 1439 هـ الأردن وإيران: أين المشكلة لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ أين نسخة صحيح البخاري؟ مظلومية أهل السنة في إيران (6) اعتداء نظام الملالي على المساجد والمدارس الدينية التدين والإلحاد في استطلاعات الرأي التنمية.. سلاح لمحاصرة «داعش أفريقيا» العودة إلى ما بعد اغتيال الحريري وماقبل حرب 2006: سلاح حزب الله القرارات السعودية تربك النظام الإيراني بعد المعونات الإيرانية هل تنحاز الفصائل الفلسطينية إلى محور إيران في أي حرب مقبلة ؟؟؟ بوتين!! من أين لك هذه الجرأة؟ بين لبنان والسعودية... إنه اليمن يا عزيزي تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي حسابات متداخلة: أزمات متعددة في مواجهة أحمدي نجاد كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟ التداعيات الأمنية للعقوبات الأمريكية على حزب الله من يكتب تاريخ البحرين؟! هل رهنت تركيا دورها في العراق بالنفوذ الإيراني؟ يحيى الحوثي... محاضراً! محمد المنتصر الإزيرق.. نفخ الروح في التصوف السوداني خرافة المظلومية الشيعية في العراق (1) زمن الدولة العثمانية
 
سطور من الذاكرة\العدد مائة وأربعة وسبعون - ربيع الأول - 1439 هـ
ثورات الخوارج (14) أمرٌ ما لَهُ غير المهلّب!
السبت 18 نوفمبر 2017

 

 هيثم الكسواني– كاتب أردني

خاص بالراصد

لم يُنْهِ موت نافع بن الأزرق في معركة دولاب، سنة 65هـ، فكرَ الأزارقة ولا وجودَهم، فهذه الفئة من الخوارج سرعان ما اختارت عبيد الله بن الماحوز أميرا عليها، وواصلت الخروج وقتْل الناس وبثّ شرورها في المجتمع، حيث شكّل الأزارقة النسخةَ الأكثر تشددا وشدّة وهمجية من الخوارج آنذاك، وكما يقول البغدادي عنهم: "ولم تكن للخوارج قطّ فرقة أكثر عددا، ولا أشدّ منهم شوكة"([1]).

ولمّا تولّى ابن ماحوز قيادة الأزارقة "سار بهم إلى المدائن([2])، فقتَلوا أهلَها، ثم غلبوا على الأهواز([3]) وغيرها، وجبوا الأموال، وأتتهم الأمداد([4]) من اليمامة والبحرين.."([5]). وهكذا هي مسيرة الخوارج على الدوام: فساد وإفساد أينما حلّوا وارتحلوا، وأيًّا كان قائدهم وإمامهم.

خاض الخوارج الأزارقة معارك عديدة ضد جيوش المسلمين، والخليفةُ آنذاك هو عبد الله بن الزبير، رضي الله عنه، بعد مبايعته من معظم الأقطار الإسلامية، وقد انتصر الأزارقة في عدد من هذه المعارك، لكنهم أظهروا فيها جميعها قوّتهم وشدّتهم، ما جعل المسلمين يعانون منهم الأمرّين، ويجدون منهم العنت، لا سيما أهل البصرة، التي غدت الهدف التالي للخوارج بعد سيطرتهم على الأهواز.

تفاوتت قدرات ولاة البصرة وقادتها العسكريين ومواهبهم، وكذلك هِممهم ونظرتهم إلى خطر الأزارقة وسبل مواجهتهم، وعندما عجز واليها عبد الله بن الحارث عن إزاحة خطر الخوارج عنها إثر انتصارهم في معركة دولاب، طلب الناسُ من عبد الله بن الزبير أن يعيّن واليًا آخر، "فاستعمل عليهم عمر بن عبيد الله بن معمّر، الذي سرعان ما ولّى أخاه عثمان أمر محاربة الخوارج، فخرج إليهم عثمان وقد استهان بأمرهم، فلمّا التقاهم بسوق الأهواز هَزموا عساكره وقتلوه. حينذاك عَزل ابنُ الزبير واليه من البصرة، واستعمل مكانه الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة القرشي (القباع)"([6]).

وعندما اقترب خطر الأزارقة من البصرة، فزع الناس نحو الأحنف بن قيس([7])، وسألوه أن يتولّى هو محاربة الخوارج([8]). وعلى الرغم من مكانة الأحنف وخبرته العسكرية وحروبه السابقة، إلاّ أنه أشار على الناس وعلى والي البصرة برجلٍ آخر، هو المهلّب بن أبي صفرة "لِما يعلم فيه مِن الشجاعة والرأي والمعرفة بالحرب"([9]). 

وقد كُتِب الكثير عن مواهب المهلّب ومؤهلاته، وقد ذكره ابن كثير في وفيات سنة 82هـ، فقال: "أحد أشراف أهل البصرة ووجوههم ودهاتهم وأجوادهم وكرمائهم، وُلد عام الفتح، وكانوا ينزلون فيما بين عُمان والبحرين، وقد ارتدّ قومه فقاتلهم عكرمة بن أبي جهل فظفر بهم، وبعث بهم إلى الصديق وفيهم أبو صفرة وابنه المهلب غلام لم يبلغ الحنث، ثم نزل المهلب البصرة وقد غزا في أيام معاوية أرض الهند سنة أربع وأربعين، ... وكان فاضلاً شجاعاً كريماً يحبّ المدح ... توفي المهلب غازياً بمرو الروذ وعمره ستة وسبعون سنة رحمه الله‏ .‏.. وكان من الشجعان، وله مواقف حميدة، وغزوات مشهورة في الترك والأزارقة وغيرهم من أنواع الخوارج"([10]).

هو إذًا قائد ذو "مواصفات خاصة"([11])، وعندما تحدّث أهل البصرة –قادتُهم وأفرادهم- بأن قتال الخوارج لا يَصلح إلاّ له، وبأن هذا الأمر ما لَهُ غير المهلب([12]) كان المهلّب في طريقه إلى خراسان ليصبح واليًا عليها مِن قبل ابن الزبير، فاعتذر للناس بذلك، فكتبوا إلى ابن الزبير يطلبون منه تولية المهلّب قتال الخوارج، فأجابهم ابن الزبير لذلك.

وقبِل المهلّب المهمّة التي اختاره الناس لها بقتال الأزارقة وإبعاد شرّهم، لكنه وضع شروطا رأى أن مهمّته لا يُمكن أن تنجح بدونها في مقدمتها أن يموّلوا جيشه من بيت مالِهم، وأن يكون له خراجُ وإمرةُ كلّ بلد يقع في حوزته، وأن يكون له الحقّ قي اختيار من يشاء من المقاتلين([13])، فأجابه الناس إلى ما طلب، ووافقوا على شروطه التي تعكس بُعد النظر وحسن التخطيط الذي كان يتمتع به هذا القائد.

ولمّا كان ما في بيت مال البصرة لا يكفي لرواتب الجند ولا تجهيزهم، فقد قام المهلّب بالاقتراض من التجار([14])، ما يذكّرنا بالسياسة التي سنّها الأمويون مِن قبلُ بوجوب إشراك المجتمع المحلي في جهود محاربة الخوارج، وإذا كُنّا فيما سبق قد رأينا نجاعة هذه السياسة من خلال العنصر البشري بتوفير المقاتلين، حيث خرج رجال القبائل لمقاتلة الخوارج جنبا إلى جنب مع الجيش، فإنها الآن تاخذ طابعا آخر هو الطابع الاقتصادي بتوفير الموارد المالية للجيش، حيث إشراك التجار والميسورين في عبء مواجهة الخوارج، لا سيّما وأنهم سبّبوا لهم ضررا بالغا من خلال كساد تجارتهم بفعل حصارهم للبصرة وتهديدهم الدائم لها، وسيطرتهم على الولايات المجاورة لها.

وقد أثار المهلّب في حديثه إلى التجار قضية الأضرار التي سبّبها الخوارج لهم عندما قال لهم إنّ تجارتكم منذ حوْل قد كُسِرت بانقطاع موارد الأهواز وفارس عنكم، فهلمّ فبايعوني واخْرجوا معي أوفّيكم إن شاء الله حقوقكم([15]).

وعلى الفور جهّز المهلّب جيشا من أهل البصرة قوامه 12 ألفا، وقيل 20 ألفا، منهم 8 آلاف من قبيلته (الأزد)، وأمّر عليهم ابنَه المغيرة بن المهلب، الذي عبَر بجيشه الفرات، وقاتل الأزارقة وهزمَهم، ومَن بقي منهم فرّ إلى بلاد فارس([16]).

أما المهلّب فاستمرّ أربعين يوما يجبي خراج المناطق التي استردّها من الخوارج، فتمكّن في هذه الفترة الوجيزة من ردّ الأموال التي اقترضها من التجار، ومِن تأمين احتياجات الجند([17])، ما أدّى إلى انضمام أعداد جديدة إلى جيشه، ثم خرج بنفسه إلى الخوارج بعد أن استخلف على نهر تيري أخاه المعارك بن أبي صفرة، ولاحقهم، ودخل إلى سوق الأهواز، وكتب بخبر انتصاره إلى والي البصرة([18])،  

ولمّا كان مِن الصعب على الخوارج الصمود وجها لوجه أمام جنود المهلب، فقد لجأوا إلى أسلوب جديد هو الكمائن لاغتيال المهلّب لكنهم لم يتمكنوا منه([19])، إلاّ أنهم استطاعوا بعد ذلك اغتيال شقيقه المعارك، وصلبوه([20])، وقد رأينا بعد ذلك الحشاشين الإسماعيليين يقتفون أثر الأزارقة في الاغتيالات، ويتخذونه منهجا لهم في التعامل مع معارضيهم من أهل السنة، وخاصة العلماء والأمراء والقادة، وهو عين ما يفعله اليوم أيضا تنظيم الخوارج المعاصرين (داعش)، حيث طالت مفخخاته واغتيالاته مختلف فئات أهل السنة في كل بلد تواجد فيه أو مرّ منه.

نستطيع القول إن ما سبق كان مجرد الحلقة الأولى في صراع طويل استمر قرابة العشرين عاما بين الخوارج الأزارقة من جهة، وبين المهلب وبَنِيه، فالمهلب كان من القادة الذين تبنّوا سياسة النّفَس الطويل، ولم يكن يكتفي بالمواجهات العسكرية، بل اتّبع عدة أساليب معهم، فهو، مع شجاعته وإقدامه، كان "شديد الاحتياط والحذر"([21])، وكان يهتم في حربه معهم بإرسال الجواسيس إلى عسكرهم لتأتيه بأخبارهم([22])، كما كان شديد الحرص على عساكره([23]).

ومثلما انتصر المهلب في أولى معاركه ضد الأزارقة، ذاق في بعض الحروب طعم الخسارة، وشهد التقلّبات التي شهدتها الدولة الإسلامية وأثّرت على مواجهته للخوارج، وهو ما سنتحدّث بالتفصيل عنه في العدد القادم إن شاء الله.

المراجع

1-  الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، طبعة مؤسسة المعارف ودار ابن حزم، بيروت، 1430هـ، 2009م.

2-  عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.

3-  ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار صادر ودار بيروت، بيروت، 1385هـ، 1965م.

4- د. علي محمد الصلابي، الدولة الأموية: عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الثانية، 1429هـ (2008م(.

5-  د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي: نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، أدبهم، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الخامسة، 1425هـ - 2004م.

6-  د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأمويّ خلال (37 – 132هـ)، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، أيار (مايو) 2007م.

7- هيثم الكسواني، مقال "المهلّب يفرّق صفوف الأزارقةمجلة الراصد، العدد 64، شوال 1429هـ.

 



[1] - عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 82.

[2] - جنوب شرق بغداد.

[3] - إقليم عربي مجاور للبصرة، محتل الآن مِن قِبل إيران.

[4] - جمع مدَد.

[5] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1716.

[6] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 141.

[7] - ذكره ابن كثير في وفيات سنة 72هـ، وقال في ترجمته: "أسلَم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرَه، وجاء في حديثٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له. وكان سيّداً شريفاً مُطاعاً مؤمناً، عليم اللسان، وكان يُضرب بحلْمه المثل، وله أخبار في حلمه سارت بها الركبان‏.‏ قال عنه عمر بن الخطاب‏:‏ هو مؤمن عليم اللسان.‏ وقال الحسن البصري‏:‏ ما رأيتُ شريف قومٍ أفضل منه‏.‏ وقال أحمد بن عبد الله العجلي‏:‏ هو بصري، تابعي ثقة، وكان سيّدَ قومه... وكان زياد بن أبيه يقول: قد بلغ الأحنف من السؤدد والشرف ما لا ينفعه معه ولاية ولا يضرّه عزل، وإنّه ليفرّ من الشرف وهو يتبعه‏.‏ وقال الحاكم‏:‏ وهو الذي افتتح مرو الرّوذ، وكان الحسن وابن سيرين في جيشه‏. انظر: البداية والنهاية، ص 1758.

[8] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، المجلد الرابع، ص 195.

[9] - المصدر السابق، ص 195 - 196.

[10] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1796.

[11] - هيثم الكسواني، مقال "المهلّب يفرّق صفوف الأزارقةمجلة الراصد، العدد 64، شوال 1429هـ.

[12] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1716، ابن الأثير، الكامل في التاريخ، المجلد الرابع، ص 196.

[13] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1717، ابن الأثير، الكامل في التاريخ، المجلد الرابع، ص 196، د. علي الصلابي، الدولة الأموية، ص 629، د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 135.

[14] - د. علي الصلابي، الدولة الأموية، ص 629، د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 135.

[15] - د. علي الصلابي، الدولة الأموية، ص 629.

[16] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 142.

[17] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 137.

[18] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 142.

[19] - المصدر السابق، ص 142 – 143.

[20] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، المجلد الرابع، ص 197.

[21] - المصدر السابق، ص 197.

[22] - المصدر السابق، ص 197.

[23] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 143.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق