خديعة الممانعة الإيرانية حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (8) مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط وتحديات المجال السني: قراءة في تقرير مؤسسة راند سياسة إيران تجاه دول الجوار ثورات الخوارج (14) أمرٌ ما لَهُ غير المهلّب! قالوا - العدد مائة وأربعة وسبعون - ربيع الأول - 1439 هـ الأردن وإيران: أين المشكلة لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ أين نسخة صحيح البخاري؟ مظلومية أهل السنة في إيران (6) اعتداء نظام الملالي على المساجد والمدارس الدينية التدين والإلحاد في استطلاعات الرأي التنمية.. سلاح لمحاصرة «داعش أفريقيا» العودة إلى ما بعد اغتيال الحريري وماقبل حرب 2006: سلاح حزب الله القرارات السعودية تربك النظام الإيراني بعد المعونات الإيرانية هل تنحاز الفصائل الفلسطينية إلى محور إيران في أي حرب مقبلة ؟؟؟ بوتين!! من أين لك هذه الجرأة؟ بين لبنان والسعودية... إنه اليمن يا عزيزي تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي حسابات متداخلة: أزمات متعددة في مواجهة أحمدي نجاد كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟ التداعيات الأمنية للعقوبات الأمريكية على حزب الله من يكتب تاريخ البحرين؟! هل رهنت تركيا دورها في العراق بالنفوذ الإيراني؟ يحيى الحوثي... محاضراً! محمد المنتصر الإزيرق.. نفخ الروح في التصوف السوداني خرافة المظلومية الشيعية في العراق (1) زمن الدولة العثمانية
 
حين يكون الغِناءُ سلاحًا للفرق المنحرفة
الخميس 19 أكتوبر 2017

 

 حمير الحوري – كاتب يمني

 
خاص بالراصد

يلحظ كل متابع وجود خاصية مشتركة فاقعة اللون وشديدة الحضور بين معظم الفرق المنحرفة وهي كثرة اعتنائها بالإنشاد والغناء واستغلاله في ترويج باطلها، بل أصبح لتلك الفرق رموز غنائية وإنشادية تضاهي من حيث الشهرة والتأثير أحيانًا الرموز العلمية والمشيخية لتلك الطوائف!

ومع تعدد الفرق والطوائف المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، فإن  كل فرقة  تسعى لترويج ما تعتقده  وتؤمن به بطبيعة الحال، ولكل فرقة منها أساليبها وطرائقها الخاصة في تثبيت أتباعها أو ضم أتباع جدد وتوسيع دائرة جماهيرها، ومن الطرائق التي تلجأ إليها كثيرًا من تلك الفرق الغناء والإنشاد.

وبعكس اهتمام الفرق المخالفة بالغناء والنشيد؛ نجد اهتمام أهل السنة بالقرآن تلاوة ودراسة وحفظًا، ولا عجب أن يكون مشاهير قراء القرآن والمبرزين فيه من أهل السنة؛ فهم يتذاكرون الآثار الواردة في ذلك ويحببون لأبنائهم ترتيله وتحسين الصوت بقراءته؛ مستندين لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ كما  في حديث: "زينوا القرآن بأصواتكم"، و"ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن"، و"لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود" يعني: أبا موسى، فقال أبو موسى: لو كنتُ أعلم أنك كنتَ تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا.

والغناء المنسوب للدين يُعرف عند السلف بالسماع، ولهم كلام واسع في تحريمه والنهي عنه، وحكى الإجماع على تحريمها القرطبي وأبو الطيب الطبري وابن الصلاح، وابن القيم، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر الهيثمي وابن تيمية.

 غير أن اهتمام تلك الفرق بالغناء له أسبابه؛ فنظرًا للضعف العلمي والأصولي الملازم لما تقوم عليه تلك الفرق من عقائد ومفاهيم باطلة، اتجهت لتعويض ذلك في الاعتناء بالغناء والنشيد في نشر أفكارها وعقائدها وتضليل أتباعها؛ فقد أدركت تلك الطوائف أن للنشيد والغناء ثأثيرًا واضحًا على السلوك والتوجهات، وهذه الحقيقة ثابتة قديمًا وحديثًا؛ "فعند سماع الإنسان لنغمات الموسيقى تحدث بعض التغيرات الكيميائية، والتي يمتد تأثيرها إلى جميع حواس الإنسان، بما فيها التفكير والتنفس والعاطفة، والسبب في ذلك أنه عندما يسمع شخص الموسيقى فإنها تُحفز المخ على إفراز مادة (الإندروفين) التي تقلل من إحساس الإنسان بالألم، فيثار المستمع، وينتشي بها، فتغلق منافذ الإدراك لديه، ولا تراه إلا منشغلًا بها كالمسكر!"([1]).

ومما زاد من اعتناء تلك الفرق بالغناء إدراكها بأن الغناء والنشيد يعدان من الأمور المحببة لكثير من النفوس، وهما مادة مرغوبة عند عدد غير قليل من الناس إذ تشغل الكثير من اهتمامهم وأوقاتهم.

ولكي تصل الفِرق المخالفة لمعظم فئات المجتمع، خاصة النساء والشباب كشريحة يسهل التأثير عليها من الناحية الفكرية؛ اعتمدت تلك الفرق على نقل مفاهيمها وعقائدها لتلك الفئات من خلال الغناء والنشيد، فقصيدة الصوفي ابن الفارض "عذب بما شئت" التي لُحنت؛ بلغ عدد مشاهديها على اليوتيوب أكثر من 3 ملايين مشاهدة!، وهو ما يعكس مدى خطورة الغناء والنشيد من ناحية عدد المهتمين به وسعة جمهوره وحجم المتأثرين به. 

الغناء الصوفي

الغناء والموسيقى الصوفية يعدها أتباع الطرق الصوفية موسيقى تعبدية روحية! وهي مستوحاة من أعمال شعراء الصوفية أمثال جلال الدين الرومي، وحافظ الشيرازي، وبلهي شاه، وأمير خسرو، وخواجا غلام، وتعد تركيا أول دولة اهتمت بفن الصوفية إبان حكم الدولة العثمانية([2])، وتعد الطريقة المولوية التي أسسها الأفغاني جلال الدين الرومي (ت 672هـ)، الشكل الأكثر شهرة في الموسيقى الصوفية عند المتصوفة من العرب، في حين يمثل القوالي التي أسسها الهندي أمير خسرو في القرن الـ 14 الطريقة الأكثر شيوعا في الثقافة الصوفية لدى المتصوفة في جنوب آسيا، وتعد دول إندونيسيا وأفغانستان وصولا للمغرب مراكز أساسية للموسيقى الصوفية وامتدادا لممارساته، كما تعتبر موسيقى "غناوة" في غرب أفريقيا شكلا آخر من الصوفية([3]).

ومما أسهم في انتشار الغناء الصوفي أيضًا غناء الأشعار الصوفية من قبل بعض مشاهير  المغنين؛ فأغنية قصيدة الحلاج "إذا أهجرت" بلغ عدد مشاهديها على يوتيوب أكثر من مليونين ونصف مليون مشاهدة!

وأصبح للغناء الصوفي فرقه ومدارسه، ومن الفرق الغنائية الصوفية المعاصرة "فرقة ابن عربي" واسم الفرقة جاء تيمنًا بالشيخ محيي الدين بن عربي، ناشرة لأفكاره وأشعاره، ونقلت هذه الفرقة ملامح التصوف في الأندلس من خلال إحياء الموسيقى الصوفية التي كانت معروفة هناك، ومن خلال استخدام أشعار كبار المتصوفين الأندلسيين والمغاربة والمشارقة.

هذا الحضور الغنائي الصوفي وارتباطه في كثير من الأحيان بالفلكلور والتراث الشعبي جعل كثيرا من أفكار وعقائد التصوف الباطلة تتسم بالتأثير العميق في وسط المجتمعات المسلمة دون وعي من تلك المجتمعات، ونتيجة لأن كثيرا من المتابعين لتلك الأغاني والأناشيد يدفعهم للتأثر بها العاطفة الدينية دون إدراك منهم لما تتضمنه من انحرافات ومفاهيم خاطئة.

الرواديد الشيعة

بالنسبة للإنشاد الشيعي فقد ازدهر خلال العقود الأخيرة وأصبح له مدارسه ورموزه، ويمكن أن نشير هنا إلى حجم الحضور الذي يحققه ما يعرف "برواديد الشيعة"، والذي تخطى كثير منهم  المراجع الشيعية من حيث الجماهيرية والحضور، فقد بلغ عدد مشاهدي قصيدة "براءة العشق" للرادود حسين الكربلائي قرابة  50 مليون مشاهدة!، وأداؤه لقصيدة "بنات النبي صلى الله عليه وسلم" على اليوتيوب حققت قرابة 33 مليون مشاهدة، وكثير من أغاني الشيعة وأناشيدهم تحظى بمشاهدات عالية جدا على الشبكة العنكبوتية، وليست مقتصرة هذه الأعداد على الرادود حسين الكربلائي فحسب!، فالرادود الشيعي حسين فيصل حظيت أنشودته "جنوني" بـ 28 مليون مشاهدة على اليوتيوب، ولم يكتفِ الغناء الشيعي بالأناشيد الموجهة للكبار فقط، بل حظيت المرأة والطفل والشاب باهتمام الغناء الشيعي، فالطفل الرادود "مسلم الكعبي" و"عمار الحلواجي" تتخطى بعض أناشيدهما حاجز 8 ملايين مشاهدة على يوتيوب.

كل تلك الأناشيد وذلك الغناء الشيعي يقدم كثيرا من عقائد وأصول التشيع الإمامي بقالب فني وبكائي مثير، ولا تكاد تخلو لطمية أو حسينية أو مناسبة شيعية من حضور الرواديد ونشيدهم، وكلها ترسخ العقائد الباطنية والتفسيرات التاريخية الباطلة المليئة بالحقد على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، والغلو  في آل بيته الكرام.

كما وظفت الجماعات الشيعية الغناء والإنشاد أيما توظيف في قضاياها السياسية والترويج لتنظيماتها المتطرفة، فحزب الله الشيعي اللبناني له فرقه الغنائية والإنشادية التي تمد أتباعه بالحماس والانتصارات الوهمية، وكلنا نذكر مشهد الرئيس الإيراني أحمدي نجاد وعيناه تسيلان بالدمع تأثرًا بأداء إحدى فرق الإنشاد التابعة لحزب الله أثناء زيارته إلى لبنان.

وفي ما يشبه التحالف الغنائي المسيحي الشيعي غنت المطربة المسيحية "جوليا بطرس" أغنيتها الداعمة لحزب الله والجيش السوري "أطلق نيرانك لا ترحم"، كما أصدرت أغنية خاصة لقوات الحشد الشيعي العراقي، والتي كانت باسم" أحبائي"!

لقد استطاع الإنشاد الشيعي تقديم كثيرٍ من عقائد الإمامية الباطلة في قالب فنيٍ يسهل ترديده وحفظه، كما غذت الفرق الإنشادية الإمامية وسائل الإعلام الشيعية بمواد غنائية وإنشادية كثيفة أسهمت في إحياء التراث الشيعي وازدهاره، وهو تراث باطني مليء بالانحرافات والعقائد الباطلة.

الزوامل الحوثية

"شاب في العشرينات، ينضح بالحيوية والشباب والجهل أيضا! يشاهد ويستمع لزوامل وأناشيد حماسية وتحريضية، وضعت في سياقات تدعو للأنفة ورفض الضيم والظلم والعدوان كما يراد لها أن تعرض، واستجابة منه لتلك الإيحاءات والمعاني العاطفية والنفسية التي تحتشد في مضمون تلك الزوامل والأهازيج، ودون إدراك لأبعاد الصراع وسياقاته السياسية والمذهبية، يلقي ذلك الشاب بنفسه في جبهات القتال تأثرا بزامل ونشيد صاغته جماعة سلالية متحالفة مع نظام فاسد وعميلة لدولة صفوية حاقدة!"

هذا المشهد ليس مقدمة إنشائية لا أساس لها من الصحة، بل إن الواقع يصدقها ويؤكدها، فكثير ممّن التحق بجماعة الحوثي كان دافعهم لذلك ما يسمعونه ويشاهدونه من تلك الزوامل والأناشيد التحريضية الممتلئة بكل صور التزييف والخداع الإعلامي والنفسي، ولعل هذا ما يفسر وجود عدد غير قليل من الأطفال والشباب ومن هم في سن المراهقة في صفوف هذه الجماعة العنصرية.

وقد تتبعتُ جُملة من تلك الزوامل والأناشيد التي تنتجها آلة الإعلام الحوثي ودائرة التوجيه المعنوي في الجماعة، وخرجتُ بمجموعة من السمات والصفات التي تتصف بها هذه الزوامل والأناشيد سواء كانت مسموعة أو مرئية، ألخصها فيما يلي:

ـــــ زوامل تعتمد على إبراز صفات الرجل العربي والاعتزاز بالانتماء الوطني، بحيث يتم وضع هذا المعنى في السياق الكلي للزامل والنشيد، الهادف لقصر هذا المعنى على (أنصار الله) دون غيرهم!

ـــــ ربط صفة الجهاد والاستشهاد وتعزيز الصورة الذهنية في عقلية المستمع حول ذلك، بحرب الجماعة لمخالفيها، وتقديم من قُتل منهم على أنهم (رجال الله) وأولياء الإمام علي رضي الله عنه.

ـــــ كثافة الإنتاج لتلك الزوامل والتكرار لمعانٍ محددة وصور مقصودة فيها وبشكل مكثف، وما ينتج عن ذلك من أثر يدفع المستمع دفعا للتأثر وتصديق ما يرد على ذهنه منها مع مرور الوقت.

ــــ أداء فني وتصوير موسيقي وبصري عالي الدقة، يحفز النفس ويلعب على وتر العاطفة ويغيّب المنطق عبر جذب الانتباه وإثارة الاهتمام، ولهذا نجد الكثير من مخالفي الجماعة والرافضين لها يستمعون لتلك الزوامل لمجرد الاستمتاع والترويح عن النفس!

ـــــ لغة التحريض والعنصرية والتضليل فيها صفة مشتركة وسِمة بارزة وهذا يعكس طريقة تفكير الجماعة وسلوكها العنصري ونظرتها الاستعلائية للمخالف!

ـــــ ترميز قيادات الجماعة وتقديمهم في سياق بطولي، وما يحدثه ذلك في ذهن المتلقي العادي من معاني الاحترام والتقدير لها!

ــــ ربط مشاهد التدريب والقتال وعرض صور تضخيمية وخادعة عن قدرات الجماعة القتالية أثناء بث تلك الزوامل، وما ينتج عنه من أثر سمعي وبصري على المشاهد العادي!

ــــ استغلال كل المناسبات الدينية والوطنية وصياغة الأناشيد والزوامل فيها، ونشرها وبشكل مكثف عبر مختلف وسائل الإعلام.

قد لا يدرك الكثيرون خطورة هذه الزوامل والأناشيد ويعتبرونها مجرد أداء عاطفي خادع، غير أن الحقيقة الاجتماعية تقول إن الجماهير والمجتمعات عاطفية بطبيعتها، وأنها تتأثر بما يلقى عليها حتى وإن كان عاطفيا وغير منطقي! وإن أجيالا من الشباب وفئات من العوام سينشؤون على سماع هذه الزوامل ومعانيها، وقد يعتنقون مع مرور الوقت ما يرد على أذهانهم من معتقدات ومعان تضمنتها تلك الزوامل والأناشيد.

توظيف الغناء اليوم في حرب الأفكار

لما للغناء والنشيد من شعبية وقبول بين الجماهير فقد اعتنت الفرق بذلك عناية بالغة منذ القدم، ولكن الجديد في عصرنا هو ما يحظى به هذا الغناء والنشيد في كثير من الأحيان بدعم ورعاية دولية واهتمام من الحكومات المحلية، لنشر مفاهيم تلك الفرق وعقائدها الباطلة بين الجمهور من خلال الغناء والنشيد!.

ولا أدلّ على ذلك من مهرجان الموسيقى والغناء الصوفي الدولي والتراثي الذي أقيم في الأردن، وهو يختص بالغناء والموسيقى الصوفية، وشاركت فيه فرق أردنية وعربية وإسلامية وغربية، وقد تم افتتاح الدورة الأولى منه عام 2008 في عمّان، في المركز الثقافي الملكي، بتنظيم من المنتدى الأردني للموسيقى بالتعاون مع وزارة الثقافة الأردنية وأمانة عمان الكبرى، وأيضًا مهرجان "سماع" الدولي للإنشاد الصوفي الذي يعقد بمصر وبرعاية حكومية، وقد أتم المهرجان دورته العاشرة هذا العام.

التنبه لهذا المنحى الجديد يدعو أهل الحق لبذل مزيد من الجهود في بيان العقائد والمفاهيم الإسلامية الصحيحة، وتنويع أساليبهم وطرائقهم في خطاب المخالفين وأتباعهم على حد سواء، وأن يولوا النشيد – وفق الضوابط الشرعية- مزيد اهتمام ورعاية لما له من تأثير محلي وعالمي واسع.

 



[1] - "تأثير الغناء على التوجهات والسلوك" مقال لمحمد الغنيمي، منشور على الشبكة العنكبوتية.

[2] - "الصوفية.. أصل حكاية الموسيقى العربية"، لمحمد عبد الكريم.

[3] - الموسيقى الصوفية، ويكيبيديا.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق