خديعة الممانعة الإيرانية حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (8) مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط وتحديات المجال السني: قراءة في تقرير مؤسسة راند سياسة إيران تجاه دول الجوار ثورات الخوارج (14) أمرٌ ما لَهُ غير المهلّب! قالوا - العدد مائة وأربعة وسبعون - ربيع الأول - 1439 هـ الأردن وإيران: أين المشكلة لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ أين نسخة صحيح البخاري؟ مظلومية أهل السنة في إيران (6) اعتداء نظام الملالي على المساجد والمدارس الدينية التدين والإلحاد في استطلاعات الرأي التنمية.. سلاح لمحاصرة «داعش أفريقيا» العودة إلى ما بعد اغتيال الحريري وماقبل حرب 2006: سلاح حزب الله القرارات السعودية تربك النظام الإيراني بعد المعونات الإيرانية هل تنحاز الفصائل الفلسطينية إلى محور إيران في أي حرب مقبلة ؟؟؟ بوتين!! من أين لك هذه الجرأة؟ بين لبنان والسعودية... إنه اليمن يا عزيزي تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي حسابات متداخلة: أزمات متعددة في مواجهة أحمدي نجاد كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟ التداعيات الأمنية للعقوبات الأمريكية على حزب الله من يكتب تاريخ البحرين؟! هل رهنت تركيا دورها في العراق بالنفوذ الإيراني؟ يحيى الحوثي... محاضراً! محمد المنتصر الإزيرق.. نفخ الروح في التصوف السوداني خرافة المظلومية الشيعية في العراق (1) زمن الدولة العثمانية
 
سراب التغيير.. العرب والاعتدال الإصلاحي في إيران
الأربعاء 20 سبتمبر 2017

 

 بوزيدي يحيى– كاتب وباحث جزائري

 

خاص بالراصد

تتنوع تقسيمات التيارات السياسية في إيران بتعدّد الرؤى الأيديولوجية للباحثين في الشأن الإيراني، وغلب على التحليلات تقسيمها إلى ثنائية محافظين وإصلاحيين، وداخل كل تيار من هؤلاء مستويات في الاعتدال والتطرف من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ورغم انتماء قيادات التيارين إلى النظام السياسي المنبثق عن ثورة 1979 إلا أنه كثيرا ما تعقد الآمال على الإصلاحيين في إحداث تحول في السياسة الإيرانية داخليا وخارجيا، وهذا ما حدث في مختلف المحطات الانتخابية التي عرفتها إيران، حيث يتم التركيز على حظوظ الإصلاحيين فيها، ويتم اجتراره في الغرب والشرق منذ سنوات طويلة عند كل استحقاق سياسي في إيران([1]).

عربيًا؛ لا يختلف الأمر كثيرا، حيث الكثير من الآراء تعول على تغير السياسة الخارجية الإيرانية تجاه القضايا العربية في حالة ما عاد الإصلاحيون إلى السلطة، بحيث تؤسس لمرحلة جديدة تتمحور حول التعاون والحوار بدل الصدام والتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية الذي ينتهجه المحافظون.

وهذه الرؤية -في الحقيقة- لا تستند على أرضية علمية أو موضوعية متينة، وهي بمجملها رؤية رغبوية هلامية أكثر منها واقعية، بدايةً من تحديد هوية الإصلاحيين إلى تصور حقيقة مواقفهم بمختلف مشاربهم من القضايا العربية.

في هوية الإصلاح والإصلاحيين:

يطلق المتابعون مصطلح "الإصلاحيين" على تيار واسع لحد التباين، وإن اشترك في رؤيته لبعض القضايا، فإن التباين بين مكوناته قد يصل مستوى التمايز التام، لذلك كان ولا يزال الاختلاف حول تحديد تعريف واحد ودقيق له أزمة ظلت تلاحق الإصلاحيين([2]). وهذا ليس مستغربا لأن الحركة الإصلاحية تألفت من تحالف واسع من المفكرين المعارضين، ورجال الدين الليبراليين، وحرفيي الطبقة الوسطى، والطلاب المقموعين، وقد ساد التوتر على الدوام كما في معظم التحالفات بين من يضغطون في اتجاه القيام بتغيير دراماتيكي، والشخصيات المؤسساتية الداعية إلى توخي الحذر والانضباط([3]).

وقد اقترن التيار الإصلاحي بفترة رئاسة محمد خاتمي الممتدة من 1997 إلى 2005، ويُعتبر عبد الكريم سروش أحد أبرز مفكري هذا التيار، فقد لعب دورا كبيرا في إعادة تنظيم صفوف مفكري التيار، ودورا محوريا في فتح باب الجدل والنقاش بشأن الحكومة الدينية([4]). وهو مَن ترجم المفاهيم الغربية الجديدة ونقلها معطيا إياها ألوانا وأطيافا مستقاة من أشعار جلال الدين الرومي، وأفكار الإمام الغزالي. وعمل بصورة محورية على إيجاد دمج وتنسيق بين الأفكار الغربية الحديثة والفكر الإسلامي([5]).

لكن جذور التيار تعود إلى اليسار السياسي الذي كان له دور كبير في العقد الأول من عمر الثورة الإيرانية، غير أنه بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وموت الخميني تراجع بشكل كبير جدا، وقد تبين ذلك من النتائج السلبية التي حققها في الدورة الرابعة من الانتخابات التشريعية، نتيجة لذلك انزوى بعض رموزه عن الساحة السياسية بينما اختار البعض الآخر شق طريق مختلف بتجديد خطابه من خلال استدراك فقره التنظيري([6]). ونجم عن هذه الظروف الداخلية والخارجية بروز العديد من التوجهات التي شكلت مجتمعةً الحركة الإصلاحية، وهي تقسم إلى أربعة أطياف رئيسة تتمثل فيما يلي([7]):

الإصلاحيون التقليديون: وهو الأقدم، واشتهر في العقد الأول من الثورة بالجناح اليساري الثوري التقليدي، وعرف عنه دفاعه عن دينامية الفقه وحركيته. وكان لأعضائه نفوذ كبير في مجلس الشورى الثاني، وشكلوا أغلبية في مجلس الشورى الثالث، وكانوا الأكثرية في حكومة مير حسين موسوي، لكن نفوذهم في العقد الثاني من الثورة تراجع في الحكومة والبرلمان، إلى أن شكلوا خلال النصف الأول من التسعينيات طيفا شبه معارض، والذي عاد في النصف التالي بالتدريج إلى رئاسة السلطة التنفيذية والتشريعية في مجلس الشورى السادس، ومع أنه شكّل في الثمانينيات الجسم المعنوي للنظام، إلا أنه في التسعينيات صار يعرف بطيف إعادة النظر العملي. وعرّف الطيف في بداياته عن نفسه بأنه يتبع جناح خط الإمام، ثم صار يعرف باليسار.

ومن الشخصيات المعروفة فيه محمد خاتمي، مهدي كروبي، مير حسين موسوي، ويمتلك تفسيرا ديمقراطيا لولاية الفقيه، في إطار الدستور، وخصوصا ضمن صلاحيات مجلس الخبراء.

الإصلاحيون المعتدلون: شكلت هذه المجموعة في ثمانينيات القرن العشرين ظلا للفصائل السياسية اليمينية واليسارية، وكانت تدّعي أنها مجموعة نشطة محورها رفسنجاني. وشكلوا كتلة لا يستهان بها من خلال مجلس الشورى الخامس، من خلال حزب الكوادر الذي تأسس سنة 1995، لكنهم تراجعوا بعد الضربة التي وجهت لزعيمهم الروحي على يد الإصلاحيين الراديكاليين والمعارضين خصوصا في الدورة السادسة لمجلس الشورى.

ويرى هذا الطيف في فكره السياسي ضرورة الحكم الدستوري ودور النخبة في صنع القرار. وهذا الطيف خليط من الفكر الليبرالي والبراغماتية، وهو يتبنى نهجا يزاوج بين الليبرالية والعلمانية، ويحملون فكرا سياسيا خارجيا يقوم على رؤية معتدلة وواقعية وتغليب المصلحة.

الإصلاحيون الراديكاليون: كانوا طيفا يساريا تقليديا تحول في تسعينيات القرن العشرين إلى تجمع للمثقفين السياسيين، وفكره السياسي لا يخرج عن نطاق المطالبة بالجمهورية. ويرى بأن الولاية نوع من النظارة والرقابة لا إعمال السلطة، ويدعون إلى نوع من العلمانية تعني شكلا من استقلال المؤسسات، وهم قريبون إلى الفكر الحداثي.

وتقوم استراتيجيتهم على المناداة بالديمقراطية في الداخل، ونزع فتيل التوتر مع الخارج، وقد ظهرت هذه السياسة بصورة جلية في الملف النووي.

الإصلاحيون المعارضون: يضم هذ الطيف فئات متعددة من الإصلاحيين الذين مارسوا سلوكا، واتخذوا مواقف معارضة، ويمتد ليشمل القوميين المتدينين من اليمينيين واليساريين، فضلا عن المثقفين بتلوينات يسارية وليبرالية، كما يحوي -من ناحية الفكر السياسي- دعاة الدستورية الليبرالية، ودعاة الجمهورية الخالصة.

وسعى لتحقيق جمهورية علمانية، وتقوم الاستراتيجية السياسية لهذا الطيف على مساعدة المجتمع الدولي لدفع النظام إلى إجراء تغيير سياسي عميق، وهي تؤمن بأن النظام العالمي الجديد قادر على قبول الديمقراطية من طرف إيران، وتَعتبر الضغوط الخارجية فرصة مواتية ومساعدة على هذا الصعيد.

يتبين من خلال عرض مختلف أطياف التيار الإصلاحي أن أهم نقاط التقاطع بين مكوناته تتمثل في المناداة بالقيم الديمقراطية على الطريقة الغربية بترجيح كفة الشعب للفصل في الخيارات السياسية الكبرى عن طريق الانتخابات، فقد قام الخطاب الإصلاحي بصورة محورية على "الشعب"، كما كان متضمنا بصورة أساسية، محاور "التنمية السياسية" و"المجتمع المدني" وتنظيم "القانون".

أما في موضوع الدين فهناك قدر من التباين بين من يرى ضرورة إعادة النظر في موقع رجال الدين داخل بنية النظام، وبشكل خاص منصب ولاية الفقيه وانتخابه بشكل مباشر، وبين من يرفض ذلك كليا ويطالب بفصل الدين عن الدولة.

وفي الحالتين هناك اتفاق على تحييد الدين؛ ففضلا عن الانتقادات التي وجهت لهذه التجربة في شقها العملي من خلال رئاسة خاتمي فإن من أهم الانتقادات التي توجه للخطاب الإصلاحي تهميشه للدين والقيم الروحية بسبب هيمنة النظرة العلمانية([8]).

ووفق قواعد العملية السياسية الحالية، وفي إطار القوانين ودستور الجمهورية الإسلامية، وتحت سقف الانتخابات يصبح الحديث عن التغيير الجذري شكلا من العبثية، لأنه خلال السنوات الأولى بعد انتصار الثورة استطاع النظام القضاء على معارضيه وتصفيتهم، وما يجري الآن لا يعدو كونه منافسات تتم تحت سقف النظام؛ فلعبة اليمين واليسار مسموح بها في إيران، لكن بشرط أن لا تصل إلى الخروج عن وليّ الأمر.

فالخط الإصلاحي مسموح له بالمشاركة في الانتخابات، ولكن إذا مرق على "القائد" يصبح "فتنة"، كما حصل في أحداث "الثورة الخضراء" عام 2009، وأي إصلاحي يريد البقاء داخل اللعبة السياسية يجب أن يعلن براءته من "خط الفتنة" (الممثل بموسوي وكروبي) أولا([9]).

ذلك أن الذين يُسمح لهم بالمشاركة يمرون عبر بوابة مجلس صيانة الدستور التي لا تسمح لأي معارض لنظام ولاية الفقيه ولوج العملية الانتخابية، وأكثر من ذلك فإن المجلس يعمل على غربلة المرشحين ليختار من يعتقد أنّه مناسب للترشّح للانتخابات وفق معايير استنسابيّة.

إذ أن القبول بولاية الفقيه ليس شرطا كافيا فيتم اختيار من يعتقد أنّهم الأكثر ولاءً منهم و/أو أولئك الذين تتوافق مواصفاتهم مع متطلبات المرحلة السياسية التي يريدها المرشد لإيران، هل هي مرحلة تشدد أم مرحلة تنفيس، هل هي مرحلة مواجهة أو مرحلة التفاف.

ليس هذا فقط، بل يقوم المجلس بتحديد من يصبح مصنّفاً تحت خانة المعتدل، فإذا تمّ اختيار من هو شديد المحافظة مع مرشح محافظ عندها يصبح الأخير معتدلا قياسا إلى الأوّل دون أن يكون معتدلا في حقيقة الأمر([10]).

فعلى سبيل المثال في انتخابات مجلس الشورى في فبراير 2016؛ تنافست ثلاثة تيارات أساسيّة: التيار المحافظ ويضم الأصوليين، والتيار الإصلاحي ويضم إصلاحيين ومحافظين أقل تطرفا، قياسا بالمحافظين في التيار الأول وذلك تحت لائحة الأمل، وتيار الاعتدال الذي يتزعمه هاشمي رفسنجاني ويقال عنه التيار البراغماتي، ويضم أيضا إصلاحيين ومحافظين.

إذًا التيارات الثلاثة تضم محافظين، وعليه فإن القول بأنّ الإصلاحيين في طهران انتصروا على المحافظين غير دقيق، فضلا عن أنّ كثيرا ممّن هم في هذا التيار "الإصلاحي" لا يمكن اعتبارهم إصلاحيين بدءا من روحاني، وليس انتهاء بالكثير من المحافظين سريعي التقلّب بين اليمين والوسط أو اليسار والوسط([11]).

العرب في السياسة الخارجية الإيرانية .. بين المحافظين والإصلاحيين:

يتفق المحللون على مركزية المرشد الأعلى في النظام السياسي الإيراني، وثانوية موقع الرئاسة الذي لا يعدو أن يكون مجرد واجهة لما يرغبه الولي الفقيه؛ فالانتخابات الرئاسية -بشكل عام- تكشف عن توجهات المرشد الأعلى و"العقل الاستراتيجي الإيراني" في مجال السياسة الخارجية من خلال التعرف إلى مواقف المرشد من المترشحين إليها.

فعلى سبيل المثال كان تأييد المرشد خامنئي لمحمود أحمدي نجاد في انتخابات عامي 2005 و2009 مؤشرا مهما على تبنيه خطا متشددا في السياسة الخارجية، فيما كان عدم اعتراضه على فوز محمد خاتمي في انتخابات عام 1997، على الرغم من منافسته لأحد المقربين منه، وهو علي أكبر ولايتي، مؤشرا إلى أنه كان يرغب في إحداث نوع من "التهدئة المحسوبة" مع الخارج، عبر شخصية خاتمي المقبولة دوليا وإقليميا والتوجهات الانفتاحية التي عبّر عنها، وذلك لتخفيف الضغط الدولي على بلاده.

واستبعاد رفسنجاني من خوض انتخابات الرئاسة عام 2013 لم يكن بعيدا عن رغبة المرشد ورؤيته لمستقبل السياستين الداخلية والخارجية لبلاده خلال الفترة المقبلة، والأمر نفسه ينطبق على قبول فوز روحاني([12])، فهو معروف بولائه لرفسنجاني سياسيا وفكريا([13])، ويدعو للاعتدال والمرونة في التعامل مع الخارج، والذي قام بتهيئة أرضية مناسبة لانطلاق المفاوضات بين إيران والغرب حول برنامجها النووي عام 2003 معتمدا سياسة بناء جسور الثقة، وفاتحا لإيران آفاقا أوسع بعد أن أبعد وفريقه الملف النووي عن طاولة مجلس الأمن([14]).

تفسر هذا الخلفية الاختلاف بين المحافظين والإصلاحيين نظريا وتوافقهم واقعيا، فعلى المستوى النظري يبدو هناك قدر من التمايز في السياسة الخارجية بين المحافظين والإصلاحيين، خاصة في طبيعة العلاقة مع الغرب، حيث يتبنى الإصلاحيون رؤية براغماتية للحضارة الغربية، والتعامل معها بنديّة وليس رفضها ونفيها، لأن التعامل مع هذه الثقافة من شأنه أن يقوي الثقافة الوطنية، ويحفظ الهوية الدينية، ويصون المجتمع في وجه الغزو، ويدعو إلى معرفة المدنيات الأخرى ومدارس المعرفة الغربية([15]).

أما على المستوى العملي فإن ما يطالب به الإصلاحيون يطبقه المحافظون على أرض الواقع، بل على العكس، وللمفارقة فإن تحول الثورة باتجاه العداء للولايات المتحدة أتى أساسا من اليسار الإسلامي الذي ينتمي إليه الإصلاحيون، وهنالك شخصيات رئيسة ذات علاقة بأزمة الرهائن كانت جزءا من حكومة خاتمي. أما المحافظون فالعديد منهم عارضوا فكرة قطع العلاقة مع الولايات المتحدة عشية الثورة([16]).

وتتلاشى حدود التمايز بشكل نهائي حول القضايا العربية والإسلامية، فمع كثرة الصخب حول الوحدة الإسلامية والتقريب والتعاون لم تضحّ إيران قط بالمصلحة الوطنية للبلاد لصالح المدينة الإسلامية الفاضلة، وبقيت الطبقة الحاكمة حريصة جدا على عدم انتقاد روسيا والصين بسبب سياساتهما الوحشية ضد أقليات إسلامية في الشيشان وإقليم شينجيانغ على التوالي؛ لكي لا تعرض للخطر علاقاتها الودية مع البلدين؛ والطموحات الإسلامية الكبيرة للثورة المفروضة على الدولة القومية الإيرانية –التي تتطلب مبررا عسكريا- لا تسمح لدولة مرتكزة على العقلانية أن تخوض بنفسها مغامرات الخلافة الإسلامية([17]).

وقد حكمت العلاقة بين إيران ودول آسيا الوسطى التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي، والجيران الإقليميين كتركيا وسوريا وأفغانستان وباكستان رغبة إيران في تأمين حدودها وفي تحقيق مصالحها القومية ومن ثمة لم تتخذ موقفا معاديا لأرمينيا في صراعها مع أذربيجان حول إقليم "نغورنو كارابخ"، أو ضد روسيا في صراعها المسلح مع الشيشان، أو مع القوى الإسلامية ضد نظم الحكم العلمانية في كل من تركيا وسوريا([18]).

كما فرضت تطورات الواقع السياسي الإقليمي على النظام الإيراني إقامة جولات متعددة من الحوار الأمريكي - الإيراني حول عدد من القضايا التي تهم البلدين في الفترة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، والحرب الأمريكية على الإرهاب، والتي طالت الحدود الشرقية والغربية الإيرانية (أفغانستان والعراق). وقد احتل ملف العراق أهمية كبرى في الحوار غير المعلن بين الدولتين بسبب حساسية الموقف في العراق ودور القوى الشيعية داخله([19]).

والتقارب بين العرب والإيرانيين في فترات حكم الإصلاحيين سواء فترة الرئيس البراغماتي هاشمي رفسنجاني أو محمد خاتمي لم يكن دون أولوية المصالح الإيرانية على حساب المصالح العربية - العربية، حيث هدف رفسنجاني من بناء علاقات جديدة مع العالم العربي وبخاصة منطقة الخليج إلى عزل العراق عن حلفائها المحتملين، وإعادة بناء جسور الثقة مع حكومات الخليج، كما أن مقترح التعاون والتكامل لأمن الخليج كان بسبب رفض الوجود الأجنبي.

لكن الواقع أثبت لاحقا أن إيران سايرت الوجود الأجنبي في العراق وأفغانستان([20]). كما كان من شروط إيران عدم الدخول في حرب الخليج الثانية حماية الأمن القومي الإيراني، وحماية الأماكن المقدسة في العراق([21]).

والمسألة الجدلية في المواقف من القضايا العربية تتمثل في القضية الفلسطينية التي لا يرفعون شعارات الدفاع عنها كما يفعل المحافظون، بل خطاب البعض منهم سلبي، كتلك الشعارات التي رفعها المتظاهرون في 2009 وهتافهم بـ "لا غزة لا لبنان روحي فداء لإيران"، وكان هذا من أسباب تأييد النخب العربية الموالية لإيران سياسات النظام تجاه الحركة الخضراء([22]).

ويمكن اعتبار ذلك مؤشرا على ما يفعله الإيرانيون عند التخيير بين القضايا العربية والإسلامية ومصالحهم القومية، صحيح أن الخطاب في جزء منه كان موجها لنقد العلاقة بين النظام والمقاومة، إذ يرى هذا الفريق أن الحكومة الإيرانية تستغل فلسطين والمقاومة للتغطية على الاستبداد الداخلي([23]). ولكن ذلك يدل على قطيعة شاملة مع العالم العربي يحمل بين ثناياه خطابا قوميا.

ولم تكن تلك الشعارات استثناء، ففي فترة خاتمي وفترة روحاني أحجم المسؤولون الإيرانيون تماما عن استخدام مصطلح "الكيان الصهيوني" لوصف إسرائيل، ولم يستهدف روحاني هذا البلد على طريقة ما فعله سلفه أحمدي نجاد؛ وبتواز آخر مع سنوات حكم خاتمي أشار وزير الخارجية جواد ظريف إلى أن الحكومة الإيرانية تقبل أي تسوية نهائية يوافق عليها الفلسطينيون([24]).

وفي المقابل فإن مواقف المحافظين عمليا لا تختلف عن الإصلاحيين، وقد أثبتت الكثير من الوقائع والتي كان آخرها الأزمة السورية كيف ساءت العلاقة بين الملالي وحركة حماس بسبب عدم تأييدها لنظام الأسد وبطشه بالشعب السوري. ناهيك عن مكانة المرشد الأعلى علي خامنئي، والذي يمارس كل الرؤساء سلطتهم بمن في ذلك روحاني وخاتمي تحت أنظاره.

الإصلاحيون والثورات العربية: موقف مبدئي أم براغماتية:

أيد الإصلاحيون الانتفاضات العربية، وعارضوا مواقف النظام منها، وقد يبدو من الوهلة الأولى وجود تقاطع مبدئي في الرؤى ودعم للشعوب العربية، غير أن الحقيقة مختلفة تماما، فالرؤيتان المحافظة والإصلاحية ممّا حصل في العالم العربي سنة 2011 -وإن اختلفت في التوصيف- انطلقتا من خلفية واحدة فيها قدر من الاستعلاء الفارسي على العرب، حيث تحكمت المركزية الإيرانية في تحديد رؤية المحافظين والإصلاحيين للثورات العربية.

فبينما اعتبر المحافظون الثورتين التونسية والمصرية تعبيرا عن رفض شعبي إسلامي للاستبداد والتبعية لأميركا وإسرائيل، وبذلك فهُما امتداد للثورة الإسلامية الإيرانية، وانعكاس لمبادئها وأساليبها، اعتقد الإصلاحيون –بدورهم- أن حركتهم الاحتجاجية قبل حوالي عام ونصف (2009) هي التي ألهمت الثائرين العرب لمواجهة الاستبداد، وأكدوا أن النظام الإيراني القائم هو لبنة من البنية الاستبدادية في المنطقة، لذلك اعتبر هذا التيار حركتهم جزءا ومقدمة للحراك العربي الديمقراطي([25]).

ومن جهة أخرى فإن تأييد الإصلاحيين للحراك العربي جاء في سياق المواجهة الداخلية لذلك وجب التحفظ من مواقفهم، فقد استثمر الإصلاحيون الثورات الشعبية العربية لمهاجمة الموقف الرسمي الذي يؤيد هذه الثورات، ويقمع في نفس الوقت الفعاليات المؤيدة لها من قبل أنصار الإصلاحيين([26]).

فبينما ركز الجانب الإيراني الرسمي والتيار المحافظ في إيران على "أدلجة" و"أسلمة" منطلقات الثورات العربية وتعمّد تقليل الإشارة إلى الأسباب المتعلقة بالحريات والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ركز رموز التيار الإصلاحي على المنطلقات الاجتماعية للثورات العربية، وعلى الأسباب المرتبطة بوضع الحريات في الدول العربية، وعمدوا إلى مقارنة هذه المنطلقات والأسباب بالوضع في إيران، بهدف التلويح للنظام بأن إيران لن تكون بعيدة عن مثل هذه الثورات([27]).

وبينما تعاملت إيران الرسمية وتيارها المحافظ مع الثورات العربية من زاوية سياستها الخارجية، وتحالفاتها الإقليمية، وسعيها لتكريس الجمهورية الإسلامية كدولة إقليمية كبرى في الشرق الأوسط، وحاملة لواء الدفاع عن الشيعة في العالم. أما التيار الإصلاحي فتعامل مع هذه الثورات من زاوية رؤيته للإصلاح داخل نظام الجمهورية الإسلامية، وسعيه لتغيير الواقع في إيران([28]).

الخلاصة:

مهما كانت النخبة السياسية الحاكمة في إيران فإن الخلفية التاريخية الحضارية ستبقى الموجه الأساسي لسلوكها الخارجي، وفي سعيها لتمدد وتوسيع نفوذها كقوة دولية لا بد أن تمر بمرحلة القوة الإقليمية والتي تعني سيطرتها على الإقليم والممثل في جهته الغربية بالمنطقة العربية.

وإذا كان التيار المحافظ -بكل عدائه الذي يرفعه في وجه الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية- إلا أن ذلك لم يمنعه من التعاون والتنسيق معها سياسيا وعسكريا في العراق وسوريا بطرق مختلفة، والأهم من ذلك عقد اتفاق نووي، فالإصلاحيون لن يحيدوا عن هذا النهج، وهم الذين يطالبون بالحوار والتعاون معه، والذي يكون على حساب العرب، لأن محور النقاش في المسائل الخارجية يتعلق بالعلاقة مع الغرب، ولم تكن العلاقة مع العرب محل نقاش بين الإصلاحيين بمختلف أطيافهم.

ووصول الإصلاحيين للسلطة بسيناريوهين، أولهما من خلال النظام نفسه، وهذا بطبيعة الحال لن يكون دون استمرار المحافظين في السلطة وامتلاكهم لمراكز مهمة في صنع القرار وفي مقدمتها الحرس الثوري، وسيتنازلون لهم في بعض القضايا، وستكون المنطقة العربية المجال الرخو القابل للمساومة بين الطرفين، وهذا ما أثبتته التجارب السابقة سواء في فترة حكم رفسنجاني أو خاتمي، هذا إذا لم يحصل بينهما تبادل للأدوار على طريقة الشرطي الطيب والشرطي السيئ، لمساومة الدول العربية والحصول على أكبر قدر من المكاسب.

أما السيناريو الثاني فيكون بوصول الإصلاحيين إلى السلطة بعد تغيير جذري وشامل، وفي هذه الحالة سيتم إزاحة المحافظين بشكل نهائي، لكن في الوقت نفسه سيفسح المجال للإصلاحيين بمختلف مشاربهم، وكما اتضح من خلال تصنيفهم فهناك تيار قومي متطرف، سيحاول ممارسة الاستعلاء الفارسي على العرب، ومن جهة أخرى فإن علمانية الإصلاحيين لا تعني بالضرورة عدم طائفيتهم، فكما هو معلوم لا يشترط في الطائفية التدين، وستبقى الأقليات الشيعية في المنطقة ورقة بيد أي نظام إيراني يستغلها لمدّ نفوذه في المنطقة، فنظام الشاه -ورغم كل ما يقال عن علمانيته- لم يتوانَ في استغلال هذه الورقة ومن ذلك علاقته بموسى الصدر.



([1]) علي حسين باكير، عن اللعبة السياسية الإيرانية، جريدة العرب القطرية، 26/01/2016، على الرابط: http://cutt.us/Pp5nG

([2]) فاطمة الصمادي، التيارات السياسية في إيران، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، 2012، ص 58.

([3]) راي تقية، إيران الخفية، (ترجمة أيهم الصباغ)، الرياض: مكتبة العبيكان، ط1، 2010، ص 62.

([4]) فاطمة الصمادي، المرجع السابق، ص 127.

([5]) المرجع نفسه، ص 156.

([6]) المرجع نفسه، ص 127.

([7]) المرجع نفسه، ص 141-144.

([8]) المرجع نفسه، ص 57.

([9]) وحدة تحليل السياسات، إيران: انتخابات لترتيب خلافة المرشد، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فبراير 2016، ص 11.

([10]) علي حسين باكير، المرجع السابق.

([11]) علي حسين باكير، عن نتائج الانتخابات الإيرانية، موقع عربي 21، 29/02/2016، على الرابط: http://cutt.us/Vnb3v

([12]) شحاتة محمد ناصر، السياسة الخارجية الإيرانية في عهد الرئيس روحاني: حدود التأثير وأهم الملامح، أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، دراسات إستراتيجية، العدد 191، ط1، 2014، ص 14.

([13]) مركز الجزيرة للدراسات، رفسنجاني قادم.. ترشيح يخلط أوراق الجميع، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 13/05/2013، ص 05.

([14]) فرح الزمان أبو شعير، مرشحو الرئاسة الإيرانية.. تنافس محافظ قد يعكره توافق إصلاحي، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 10/06/2013، ص 07.

([15]) فاطمة الصمادي، المرجع السابق، ص 133.

([16]) مجموعة الأزمات الدولية، الانخراط الأمريكي الإيراني: المشهد من طهران، موجز الشرق الأوسط رقم 28، مجموعة الأزمات الدولية، 02/06/2009، ص 20.

([17]) آرشين أديب مقدم، إيران في السياسة العالمية بعد روحاني، في فاطمة الصمادي وآخرون، التقارب الأمريكي الإيراني: مستقبل الدور الإيراني، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، أبريل 2014، ص 11.

([18]) أمل حمادة، الخبرة الإيرانية: الانتقال من الثورة إلى الدولة، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2008، ص 331.

([19]) المرجع نفسه، ص 349.

([20]) المرجع نفسه، ص 325.

([21]) المرجع نفسه، ص 329.

([22]) في دراسة لمجلة آفاق المستقبل التي تصدر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية حول موقف النخب العربية من الأزمة الإيرانية الداخلية سنة 2009 لاحظت الدراسة أن الكتّاب العرب المؤيدين للنظام الإيراني تحاشوا مناقشة الوضع الداخلي في إيران، مفضّلين تناول موقف النظام الإيراني المعلن من إسرائيل أو نفي الاتهامات حول نيات النظام الإيراني في محيطه العربي وأبرزها مقال لمنير شفيق في صحيفة الوقت البحرينية الذي رفض أن تكون نزاهة الانتخابات أو عدم نزاهتها المحدد للحكم على النظام الإيراني وجعل الموقف من إسرائيل هو المحدد، ونشر الكاتب المصري المعروف فهمي هويدي ستة مقالات في الشأن الإيراني دافع فيها عن وجهة نظر النظام، ثم توقف عن الكتابة في الشأن الإيراني أسابيع عدة قبل أن يعود إلى الموضوع ولم يعثر على مقالات لمنير شفيق بالشأن الإيراني منذ نهاية جوان حتى سبتمبر أيلول 2010. ينظر: أحمد جميل عزم، كتاب الرأي والأعمدة في الصحافة العربية والانتخابات الرئاسية الإيرانية، مجلة آفاق المستقبل، العدد 2، نوفمبر / ديسمبر 2009، ص 38.

([23]) فاطمة الصمادي، في التقارب الأمريكي الإيراني: من أين تمر الطريق إلى فلسطين، في فاطمة الصمادي وآخرون، التقارب الأمريكي الإيراني: مستقبل الدور الإيراني، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، أبريل 2014، ص 50.

([24]) آرشين أديب مقدم، المرجع السابق، ص 09.

([25]) رشيد يلوح، إيران والثورتان التونسية والمصرية، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أبريل 2011، ص 01.

([26]) فراس أبو هلال، إيران والثورات العربية .. الموقف والتداعيات، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، جويلية 2011، ص 11.

([27]) المرجع نفسه، ص 04.

([28]) المرجع نفسه، ص 12.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق