خديعة الممانعة الإيرانية حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (8) مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط وتحديات المجال السني: قراءة في تقرير مؤسسة راند سياسة إيران تجاه دول الجوار ثورات الخوارج (14) أمرٌ ما لَهُ غير المهلّب! قالوا - العدد مائة وأربعة وسبعون - ربيع الأول - 1439 هـ الأردن وإيران: أين المشكلة لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ أين نسخة صحيح البخاري؟ مظلومية أهل السنة في إيران (6) اعتداء نظام الملالي على المساجد والمدارس الدينية التدين والإلحاد في استطلاعات الرأي التنمية.. سلاح لمحاصرة «داعش أفريقيا» العودة إلى ما بعد اغتيال الحريري وماقبل حرب 2006: سلاح حزب الله القرارات السعودية تربك النظام الإيراني بعد المعونات الإيرانية هل تنحاز الفصائل الفلسطينية إلى محور إيران في أي حرب مقبلة ؟؟؟ بوتين!! من أين لك هذه الجرأة؟ بين لبنان والسعودية... إنه اليمن يا عزيزي تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي حسابات متداخلة: أزمات متعددة في مواجهة أحمدي نجاد كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟ التداعيات الأمنية للعقوبات الأمريكية على حزب الله من يكتب تاريخ البحرين؟! هل رهنت تركيا دورها في العراق بالنفوذ الإيراني؟ يحيى الحوثي... محاضراً! محمد المنتصر الإزيرق.. نفخ الروح في التصوف السوداني خرافة المظلومية الشيعية في العراق (1) زمن الدولة العثمانية
 
لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ (1)
الأربعاء 20 سبتمبر 2017

 

 فادي قراقرة - كاتب فلسطيني

 

خاص بالراصد

تمهيد:

لا شك أن صحيح البخاري قد حاز الرتبة العليا والقبول، حتى اتفقت الأمة على حجيّته وعلو رتبته كونه أعلى وثيقة حديثية روت لنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا كان محط أنظار علماء الحديث في كل عصر ومصر، حتى قال فيه الإمام الجويني وفي صنوه (صحيح مسلم): (لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق، ولا حنثته، لإجماع علماء المسلمين على صحتهما)([1]). 

وهذه نتيجة حتمية بطبيعة الحال لما اعتمده صحيح البخاري من منهجية علمية بالغة الصرامة في قبول الحديث عُرِفَت باسم شرط البخاري([2]).

من هنا نال صحيح البخاري موقع المركزية والمصدرية في علم الحديث الشريف، وفي نفس الوقت كان له الدور البارز في استعداء جموع الباطل لإسقاط صحيح البخاري، فكونه أعلى وثيقة مقبولة بين المسلمين جعلت من إسقاط هيبته بوابة لهدم السنة النبوية، لأن الطعن في صحيح البخاري يعني بالضرورة الطعن في كتب الحديث الأخرى من باب أولى، وهو تحصيل حاصل.

ومع هدم السنة النبوية يسهل الاستفراد بالقرآن الكريم، إما بتحريف الفهم الصحيح للقرآن جملة وتفصيلاً والذي يعتمد على السنة النبوية، أو بالطعن بالقرآن الكريم نفسه، وهكذا فإن نظام الإسلام بكامله يختلّ وينهدم! هذه حقيقة خطورة استقصاد هدم البخاري من أعداء الملة.

البداية:

لم تتوقف المعركة على هذا الدين منذ مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بالحرب العسكرية أو الحرب الفكرية، وقد سجل القرآن الكريم العديد من نماذج الحروب الفكرية ضد الإسلام كقوله تعالى: "سيقول السفهاء مِن الناس ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" (البقرة: 142). 

ومن هذه الحروب الفكرية ضد الإسلام الطعن في السنة النبوية، وبداية الطعن في حديث النبي صلى الله عليه وسلم تعود جذورها إلى يوحنا الدمشقي النصراني المتوفى سنة 132هـ، وهو رائد العدوان الفكري على الإسلام، حيث قال: (نحن نسأل كيف يكون أن نبيكم لم يأت بهذه الطريقة؛ عن طريق حدوث أن آخرين يتحملون الشهادة له، ولا حدث مثلما حدث في قضية موسى، أن الله أعطى له الشريعة بينما كان الناس ينظرون والجبل كان داخل الدخان)([3]).

وهكذا فإن يوحنا الراهب ينطلق من ذات المنطلق الذي يستخدمه الطاعنون في السنة على اختلاف أذواقهم، فبينما هو يستخدم قاعدة التشكيك بالرواة والشهود لتكون له مدخلاً لإنكار نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، يستخدم غيرُه ذات القاعدة للطعن في السنة، بل وبعضهم يصرّح بالتشكيك بصحة الوحي تبعاً ليوحنا الراهب. 

فالتشكيك في نقلة الحديث والتشكيك في حجية الحديث إنما هي بدعة نصرانية ظهرت على يد الراهب النصراني يوحنا الدمشقي.

وهكذا فإن مَن جاء بعده استفاد منه ولا ريب، فالشبه هي هي، والمراد تشكيك المسلم بصحة ما جاء به نبيه، أو قطع الطريق عليه بتشكيكه بصحة نسبة السنة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا فإن الثمرة متحققة بكلا الحالتين.

ثم تلقفها مَن جاء بعده مِن اليهود والنصارى، ومَن خرج من رحمهم من المستشرقين، ثم الرافضة والحداثيين والعلمانيين وأضرابهم:

فكان من أولهم: اليهود والنصارى، وفيهم المستشرقون الذين شنوا ضد السنة حرب وجود كعادتهم في الطعن بالإسلام وحربه، وكما قال ربنا: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتّبع ملّتهم" (البقرة: 120) فكان منهم في هذا الشأن اليهودي إجناتس جولدتسيهر(1850م-1921م) الذي كتب كتابه (دراسات محمدية)، وتلميذه البار به جوزيف شاخت الألماني([4])، وكل من أتى بعدهم اعتمد على آرائهم التي دوّنوها في كتبهم.

تبلورت هذه الأفكار لتصبح فكراً مؤسسياً غربياً هدفه النيل من السنة عموماً، فمؤسسة راند الأمريكية التي حملت راية تشويه الإسلام، بادرت في تقريرها المسمى بـ (إسلام حضاري ديمقراطي) تحت عنوان (الحروب بين أحاديث السنة النبوية) بموافقة  المقررات اليهودية الاستشراقية، حيث تعرضت للسنة عموماً في تقريرها، فقد عمل التقرير على توهين قيمة السنة، والتشكيك بصحة مضمونها بطريقة عبثية، فيها حطّ من معنى البحث العلمي، حيث وصفت السنة بأنها عبارة عن قصة تتعلق بأقوال أو أفعال الرسول، يغلب عليها الطابع الشعبي وتأخذ مصداقيتها من خلال كثرة تكرارها بين الناس فقط([5]).

ومن نافلة القول إن مصادر هذه الفرية التي بثتها مؤسسة راند الأمريكية في تقريرها مأخوذة من مقالات لأحد منكري السنة المدعو أحمد صبحي منصور، الذي ما توقف ليلاً ولا نهاراً عن الطعن في السنة عامة أو في صحيح البخاري خاصة([6]هذه حقيقة الإسلام الذي يريده الغرب، وهو ظاهر جداً من عنوان تقرير مؤسسة راند (إسلام حضاري ديمقراطي)!!!.  

وثانيهم: الرافضة، وإن كانوا أسبق من المستشرقين المعاصرين في الطعن في السنة، حيث قال السيوطي فيهم: (وأصل هذا الرأي الفاسد أن الزنادقة وطائفة من غلاة الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن)([7])، إلا أن شبهاتهم المعاصرة لم تخرج عما سنّه لهم جولدتسيهر اليهودي ورفقاء طريقه، وللرافضة المعاصرين مؤلفات في الطعن في صحيح البخاري منها، على سبيل المثال ما كتبه فقيه الطائفة شيخ الشريعة الأصبهاني (1266-1339هـ) بعنوان (القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع)([8]).   

وثالثهم: الحداثيون والعلمانيون وأصحاب المناهج اللاعقلانية، ابتداءً من مدرسة جمال الدين الأفغاني ومَن سار على دربها كأحمد أمين، أو من جاء بعدها كأبي رية وبعض معاصريه، ومن ثَمَّ علمانيو زماننا أصحاب المناهج العقلية الغربية كأركون وحسن حنفي وشحرور، وهؤلاء تتفق كلمتهم مع المستشرقين تماماً، فالمصدر واحد، أغلبه من اليهودي (جولدتسيهر).

والذين شنوا هجمات عديدة على البخاري خاصة، والسنة بعامة، بلغت بهم الوقاحة أن كتب أحدهم واصفاً أحاديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري ومسلم بأنها: (غريبة خالية من كل مضمون فكري أو علمي أو اجتماعي أو ديني، وليس فيها سنة ولا تشريع، ولا شيء يفيد المسلمين في دينهم ودنياهم) ([9]).

ومع كل ذلك فإنه لم يُكتب لهجماتهم الظالمة والمفترية القبول والنجاح، ولقد اعترف العلمانيون بأزمتهم في حرب السنة والطعن فيها فها هو أحدهم يقول: (كان جلياً أن موقف إنكار السنة لم تكن له حظوظ في الانتشار والقبول) ([10])، إلا أنه لم يدب فيهم الوهن ليتوقفوا عن باطلهم ولم ييأسوا منه، كما قال ربنا: "ألم تر أنّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزّهم أزا" (مريم: 83).

وقد كتب العلمانيون في نقد صحيح البخاري كتباً عديدة مثل:

ما كتبه محمود أبو رية (أضواء على السنة المحمدية).

وما كتبه حسن الصباغ (صحيح البخاري رؤية معاصرة).

وما كتبه صالح أبو بكر (الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها).

وما كتبه زكريا أوزون ( جناية البخاري- إنقاذ الدين من إمام المحدثين).

وغيرها من الكتابات التي ستظهر معنا بعض أسمائها في المقالات الآتية – إن شاء الله-، والناظر بشكل عام لهذه الكتب التي تعرضت لنقد السنة عامةً أو صحيح البخاري خاصة، سيجد أن هذه الكتب تجتر أفكار جولد تسيهر اليهودي، فالمادة هي هي مع اختلاف الصياغة فقط.

فما هو الفارق بين افتراء جولدتسيهر (اليهودي) الذي يقول: (ولا نستطيع أن نعزو الأحاديث الموضوعة للأجيال المتأخرة وحدها، بل هناك أحاديث عليها طابع القدم، هذه إما قالها الرسول، أو هي من عمل رجال الإسلام القدامى)([11])، وبين ما يفتريه حسن حنفي في مقدمته لكتابه (علوم الحديث من نقد السند إلى نقد المتن) في مقدمته والتي سماها نقد المصادر!!، قائلا: (الهدف من هذه المقدمة هو ضياع إرهاب علم الحديث باعتباره علماً مقدساً، وبيان أنه مِن وضع المحدثين بأهوائهم ومذاهبهم وأهدافهم) ([12])، أو ما ذكره حسن الصباغ من كون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم غير ملزمة ولو صحت عنه؛ لأنه بشر!!!([13]).

حتى قال البرفسور ج. روبنسون: (لا ينكر جولدتسيهر بالكلية وجود أحاديث صحيحة ترجع إلى القرن الأول بل حتى إلى فم النبي نفسه) ([14]).

فالشبهات هي هي والنتيجة واحدة نصّ عليها حسن حنفي، مع اختلاف الصياغة فقط، هذا فيما يخص التقليد الذي أنتجه من باعوا عقولهم لليهود والطاعنين في هذا الدين.

وفي هذا المشهد تبرز هنا أيضاً قضية أخرى لا تقل أهمية عمّا سبق ذكره، ألا وهي مسألة التخصص، فإن الغالب على الطاعنين في صحيح البخاري أنهم ليسوا من أهل التخصص العلمي في هذا المجال – أي المجال الحديثي-، والمستمع لهذا الطعن ليس من أهل التخصص أيضاً، فكيف يصح لغير المتخصص أن ينتقد علماً تخصصياً، وينقل نقده لمن لم يفهم أبجديات هذا العلم فيقبله ليصبح عنده بعد حين من المسلّمات؟!!!.

وفي مقابلهم ترى الذي يحترم عقله وعلمه من أصحاب القلم التخصصي يشهد لصحة المنهجية المتبعة في توثيق السنة وكتب الحديث بشكل عام، رغم كونه غير مسلم أصلاً، إلا أن موضوعيته واحترامه لِعلمه وعقله يلزمه أن يشهد شهادة حق، ألا وهو الأستاذ العلامة أسد رستم اللبناني (النصراني)، ففي كتابه (مصطلح التاريخ) الذي تحدث فيه عن بداية عهده بهذا العلم حيث أنه عاد من جامعة شيكاغو سنة  1923م، ليدرّس علم المثودولوجيا([15]) في جامعة بيروت، إلا أنه لم يجد مراجع عربية في أول الأمر، مما اضطره لتدريسها بلغاتها الأجنبية، ولما رجع إلى كتب مصطلح الحديث للاستعانة بمصطلحات المحدثين ليربط هذا العلم (المثودولوجيا) باللغة العربية لأول مرة عبر علم مصطلح الحديث، حيث قال: (أكببت على مطالعة كتب المصطلح وجمعت أكثرها، وكنت كلما ازددت اطلاعاً عليها ازداد ولعي بها وإعجابي بواضعيها) ([16]).

ثم يقول: (والواقع أنه ليس بإمكان أكابر رجال التاريخ في أوروبا وأمريكا أن يكتبوا أحسن منها في بعض نواحيها، وذلك على الرغم من مرور سبعة قرون عليها، فإن ما جاء فيها من مظاهر الدقة في التفكير والاستنتاج، تحت عنوان" تحري الرواية والمجيء باللفظ" يضاهي ما ورد في الموضوع نفسه من أهم كتب الفرنجة في ألمانيا وفرنسا وأمريكا وبلاد الإنجليز) ([17]).

بل بلغ في ثنائه أن قال: (ولو أن مؤرّخي أوروبا في العصور الحديثة اطلعوا على مصنفات الأئمة المحدثين لما تأخروا في تأسيس علم المثودولوجيا حتى أواخر القرن الماضي) ([18]).

وهو الواقع حيث أن هذا العلم -بمقدماته وأصوله ومسائله القطعية- فاقت حجيّته وقواعده ما استنبطه علماء غربيون في مناهجهم التاريخية التي تعتمد على خبر الراوي في تقرير صحة المسائل التاريخية، وهو ما يسمونه بالنقد الخارجي([19])، وفيه يقول أسد رستم : (إن المثودولوجيا الغربية التي تظهر اليوم لأول مرة بثوب عربي، ليست بغريبة عن مصطلح الحديث، بل تمتّ إليه بصلة قوية؛ فالتاريخ دراية أولاً ثم رواية) ([20]).

في الواقع ومما ينبغي تقريره (أن الإنسان عدو ما يجهل)، فها هم بعض المسلمين من الذين بيننا ويشاركوننا صَلاتنا وصيامنا، يرددون في نقاشاتهم شبهات بني يهود ومَن وافقهم في الطعن في السنة أو الطعن في صحيح البخاري وغيره من كتب السنة، بحجج واهية لا حقيقة لها.

وهذا ما سنراه – إن شاء الله- في الحلقات القادمة.    

  

 

 



[1]   -صيانة صحيح مسلم، أبو عمرو بن الصلاح، ص (86).

[2]   -تفصيل هذا الشرط موجود في كتب علم الحديث المتخصصة.

 - [3] ينظر: يوحنا الدمشقي رائد العدوان الفكري على الإسلام، د. علي الغامدي، ص (67).

 - [4] في كتابه أصول الفقه الإسلامي، من منشورات دار الكتاب اللبناني.

 - [5] التقرير ص (63).

 - [6] الإسلام الذي يريده الغرب، د. صالح كساب الغامدي ص (139).

 - [7] مفتاح السنة في الاحتجاج بالسنة ص (3).

 - [8] من منشورات مؤسسة الإمام الصادق، 1422هـ.

 - [9] تدوين السنة، الريس للنشر ص (274).

 - [10] السنة بين الأصول والتاريخ، حمادي ذويب، ص (71).

 - [11] العقيدة والشريعة في الإسلام، دار الكتب الحديثة، ص (49).

 - [12]وكتابه هذا من سلسلة له أسماها (من النقل إلى العقل)!!! وكلامه في ص (7).

 - [13]صحيح البخاري رؤية معاصرة، دار الينابيع، ص (219).

- [14] muslim traditions، ص (95).

 - [15]علم موصوف منهجي تسير عليه عامة الدراسات التاريخية الحديثة الغربية، ويسمى (المنهج الاستردادي التاريخي).

 - [16]مصطلح التاريخ، ص (46).

 - [17] مصطلح التاريخ ص (47).

 - [18] المرجع السابق.

  - [19]للدكتور عبد الرحمن السلمي كتاب بعنوان (المنهج النقدي عند المحدثين وعلاقته بالمناهج النقدية التاريخية) من مطبوعات مركز نماء، قارن فيه بين المناهج الغربية النقدية للتاريخ وبين طريقة المحدثين.

 -[20] المرجع السابق.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق