خديعة الممانعة الإيرانية حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (8) مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط وتحديات المجال السني: قراءة في تقرير مؤسسة راند سياسة إيران تجاه دول الجوار ثورات الخوارج (14) أمرٌ ما لَهُ غير المهلّب! قالوا - العدد مائة وأربعة وسبعون - ربيع الأول - 1439 هـ الأردن وإيران: أين المشكلة لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ أين نسخة صحيح البخاري؟ مظلومية أهل السنة في إيران (6) اعتداء نظام الملالي على المساجد والمدارس الدينية التدين والإلحاد في استطلاعات الرأي التنمية.. سلاح لمحاصرة «داعش أفريقيا» العودة إلى ما بعد اغتيال الحريري وماقبل حرب 2006: سلاح حزب الله القرارات السعودية تربك النظام الإيراني بعد المعونات الإيرانية هل تنحاز الفصائل الفلسطينية إلى محور إيران في أي حرب مقبلة ؟؟؟ بوتين!! من أين لك هذه الجرأة؟ بين لبنان والسعودية... إنه اليمن يا عزيزي تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي حسابات متداخلة: أزمات متعددة في مواجهة أحمدي نجاد كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟ التداعيات الأمنية للعقوبات الأمريكية على حزب الله من يكتب تاريخ البحرين؟! هل رهنت تركيا دورها في العراق بالنفوذ الإيراني؟ يحيى الحوثي... محاضراً! محمد المنتصر الإزيرق.. نفخ الروح في التصوف السوداني خرافة المظلومية الشيعية في العراق (1) زمن الدولة العثمانية
 
فرق ومذاهب\العدد مائة واثنان وسبعون - محرم - 1439 هـ
حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (5)
الأربعاء 20 سبتمبر 2017

أسامة شحادة – كاتب أردني

خاص بالراصد

تمهيد:

تفاقمت ظاهرة الغلو والتطرف والإرهاب في واقعنا المعاصر لتصبح من أكبر التحديات التي تشهدها أمتنا اليوم بعد أن كانت ردة فعل ساذجة، وهذه طبيعة الضلال والانحراف، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالبدع تكون في أوّلها شبراً، ثم تكثر في الأتباع، حتى تصير أذرعاً، وأميالاً، وفراسخ"([1])، وهذا واقعٌ في تطور فكر جماعات العنف عبر عدة عقود، حيث أصبح تكفير غالبية المسلمين هو معتقدها بعد أن كان الدفاع عن المسلمين هو مبرّر تشكيلها!

... في هذه السلسلة سنتناول العوامل التاريخية والسياسية والأمنية والثقافية لظهور جماعات العنف والقتال، ومن ثم مسار تطورها التاريخي ومسار تطور انحرافها الفكري والنتائج الكارثية لها على الإسلام والمسلمين، مع التنبيه على الثغرات التي تضخّمت وتفاقمت من خلالها هذه الظاهرة السلبية، وسيكون الإطار الزمني والمكاني الذي نتناوله في هذه المقالات هو منذ انتهاء حقبة الاحتلال الأجنبي وقيام الدول العربية (المستقلة) التي لم تلبِّ طموحات شعوبها، وتصادمت مع هوية الجماهير، مما ولّد مناخا مأزوما، وظهرت فيه ردّات فعل عنيفة، عُرفت بجماعات الجهاد. 

أولاً: الساحة المصرية

4- عملية اغتيال السادات

مرّ معنا أن جماعة الجهاد المكونة من تنظيم محمد عبد السلام فرج وتنظيم سالم الرحال / كمال حبيب والجماعة الإسلامية والتي غالبيتها طلبة جامعات، وليس فيهم مَن هو مؤهل في العلم الشرعي باستثناء د. عمر عبد الرحمن، والذي التحق بالتنظيم متأخراً، كانت قد اعتمدت خطة المقدم عبود الزمر التي طرحها في 2/1981 والتي كانت تهدف لإعداد مدنيين عسكريا لاغتيال بعض الشخصيات والرموز السياسية ومهاجمة بعض المفاصل الرئيسية وقيادة ثورة شعبية وتسليم السلطة لمجلس من العلماء، وقدرت مدة 3 سنوات حتى تكون الخطة جاهزة لبداية التحرك.

لكن وقعت بعض الأحداث التي جعلت التنظيم يتجاوز خطته بعد عدة أشهر ويصبح اغتيال الرئيس السادات هو الغرض الأول! هل كان ذلك عفوياً أم كانت هناك خطة أمنية أخرى تدخلت لفرض رؤيتها على خطة التنظيم؟ لا نملك إجابة حاسمة لكن هناك الكثير من الشكوك والمؤشرات التي تدفع بوجود مثل هذه الخطة الأمنية للتلاعب بخطة جماعة الجهاد لمصالحها الذاتية! فالقناعة التي توصل إليها الأستاذ مختار نوح، وهو محامي كثير من جماعات القتال أنه "ما مِن تنظيم إلا وقد اخترقه أمن الدولة سواء بالسيطرة عليه تماماً أو بتجنيد أحد أعضائه"([2])، ويؤيد ذلك سذاجة الاحتياطات الأمنية في هذه التنظيمات كما تخبرنا الوقائع.

وقد حاول التنظيم استصدار فتوى بجواز قتل السادات فلم يجدوا من يفتي لهم بذلك إلا الشيخ عمر عبد الرحمن، بينما حين استفتوا الشيخ الألباني (وهو الرمز السلفي الكبير) رفض ذلك وحذرهم منه([3])، وهذا يشير إلى ابتعاد هذه الجماعات عن منهج السلفيين وعلمائهم وأنهم يخالفونهم ويتمردون على فتاواهم، وفي نفس السياق صرح سالم الرحال بأنه لا يتبع الشيخ الألباني بعد أن أشاع البعض ذلك([4]).

والآن دعونا نستعرض مسيرة التنظيم وبعض الحوادث التي حرفته عن غايته خلال بضعة شهور وورّطته في اغتيال الرئيس السادات بحسب ما توصل له قادة الجماعة الإسلامية مثل كرم زهدي وناجح إبراهيم وعبود الزمر لاحقا في مراجعاتهم حيث اعتذروا للشعب المصري عن قتله([5]) واعتبروا السادات شهيداً قُتل في فتنة([6])!! وهذا يؤكد لنا مقدار التخبط والجهل الذي تنطلق منه جماعات العنف والقتال، والتي تتكون دوما من شباب صغار في السن والعلم الشرعي والتجربة الحياتية والسياسية.

اعتقال وترحيل سالم الرحال:

أثناء تكون التنظيم واستكمال هيكلته اشتبه الأمن المصري بركن أساسي فيه وهو محمد سالم الرحال فتم اعتقاله في سنة 1980 ومن ثم ترحيله للأردن في 29/7/1981 قبل اغتيال السادات بـ 69 يوماً، وفي خلال فترة اعتقاله تم انضمام خليفته كمال حبيب لتنظيم عبد السلام فرج([7]).

ويؤكد الرحال أنه لا يعرف بالضبط ماذا حدث بعده، لكنه فكّر في قتل السادات ضمن انقلاب عسكري فهل تحول الانقلاب لاغتيال فقط بسبب يأسهم من نجاح الانقلاب([8])؟ وهذا يطرح سؤالا مهما هو: لقد سبق للأمن أن اعتقل الرحال 6 أشهر في عام 1979، وهم يعرفون ميوله العنيفة، وتم القبض عليه والتحقيق معه وترحيله، فهل كان هذا بسبب معرفة الأمن أنه يخطط لانقلاب وثورة شاملة واغتيال للرئيس، فتم القبض عليه من الدولة العميقة وترحيله لتنفيذ الاغتيال فقط دون الانقلاب؟ فالذي حدث هو اغتيال نظيف للسادات فقط دون أي مسؤول آخر بجواره، ولم يكن هناك ثورة أو انقلاب، فهل كان ذلك مصادفة وعفوياً؟ 

مطاردة عدد من قيادات التنظيم ومأزق التنظيم:

بعدها وقعت أحداث الزاوية الحمراء بين المسلمين والأقباط وأعقبها صدور قرارات التحفظ والتي اعتقل على إثرها أكثر من 1500 شخصية إسلامية كان منهم عدد من قيادات التنظيم، مما جعل التنظيم في مهب الريح إذ تم اعتقال عدد لا بأس به من قيادته([9])!

هذا المأزق فرض نفسه على التنظيم فإما أن يكشف التنظيم ويضرب ثم يسجن أفراده وقد يقتلوا ويضيع جهدهم وتصورهم ويكرروا -في نظرهم- كارثة الإخوان الذين اعتقلهم عبد الناصر دون أي ردة فعل منهم، أو القيام بأي حركة استباقية طالما أن احتمالية انكشاف التنظيم وضربه عالية جداً.

ومن ثم تباينت الآراء بين الاكتفاء بقتل السادات لوحده، أو المضي قدما في فكرة الثورة الشاملة برغم عدم اكتمال الترتيبات بعد! لم يكن هناك حسم للخيارات مع سعي التنظيم لتنفيذ الخيارين، حيث درس عبود الزمر إمكانية اغتيال السادات في استراحة القناطر وطرحت أفكار أخرى للاغتيال لكن تبين صعوبة ذلك([10]).

القبض على نبيل المغربي:

قبل مقتل السادات بعشرة أيام تم القبض على نبيل المغربي بعد مراقبة ومتابعة لعدة أسابيع من قبل الأمن حيث قبض عليه متلبسا بشراء رشاشين، وهو المكلف بالتدريب العسكري للتنظيم! وذلك بعد أن وشى به سائق التاكسي الذي يذهب به لمنطقة التدريب في الصحراء، والذي طلب منه المغربي البحث عن أسلحة للبيع، ولكنه خاف وذهب للأمن وأبلغهم بالقصة فطلبوا منه تصوير عملية التدريب ودبروا له رشاشين ورتبوا معه استدراج نبيل للقبض عليه([11])، وبحسب ما سجل له السائق لحساب الأمن فقد سأله عن هدفه من شراء السلاح فأجابه: هذا السلاح مخصص لقتل السادات!!([12]) ومع ذلك لم يكن هناك أي تدابير احتياطية لحماية الرئيس من الاغتيال! فهل نبيل لم يعترف؟ أم أن هناك إهمالا من قبل الشرطة؟ أم أن هناك تواطؤا من قبل الأمن أو الدولة العميقة لغاية مقصودة([13]

عندها خشي عبود الزمر من انكشاف التنظيم وانكشافه فغادر منزله واختفى عن الأنظار لأن نبيل المغربي كان يتردد عليه وفعلا هاجم الأمن منزله، وكذلك فعل عدد من قيادات التنظيم([14])، وقد ذكَر السادات عبود الزمر في خطاب له بعد اختفائه كما يقول محمد حسنين هيكل في كتابه "خريف الغضب"، فقال: "وفي خطاب تلفزيوني ألقاه السادات يوم 25 سبتمبر 1981 وجّه كلامه لعبود الزمر قائلا: ''إنني أعرف أن هناك ضابطا منهم هاربا وربما يكون يسمعني الآن، لقد اعتقلنا كل الآخرين في خمس دقائق وإذا كان هو قد تمكن من الفرار فإني أقول له إننا وراءه هو الآخر''.

وكان وزير الداخلية آنذاك النبوي إسماعيل قد أرسل للسادات قبل اغتياله بأسابيع شريط فيديو بالصوت والصورة لتدريبات مجموعة نبيل المغربي وجوابه لمن سأله عن الرصاصة الأولى لمن؟ فأجابه بأنها ستكون في صدر السادات!

وقال إنه عشية حادث المنصة في 5 أكتوبر 1981، اتصل بالسادات وحذره من عملية اغتياله، وأن أحد مصادره السريين التقى عبود الزمر، وعلم منه نية تنظيم الجهاد في القيام بعمل كبير بعد اكتشاف أمرهم، وأن عبود الزمر لم يتم ضبطه حتى الآن، لكن السادات لم يهتم كثيراً، وكان يعتقد أنهم يختبئون بعد أن كشفهم في خطابه([15]).

مبادرة خالد الإسلامبولي لاغتيال السادات:

بقيت الأمور غائمة في التنظيم ولم يستقر لهم قرار بعد: هل يغتالون السادات فقط، وكيف ينفذون ذلك؟ وكيف يقومون بثورة وانقلاب شامل وهم لم يتجهزوا بعد؟

هكذا كانت الحالة حتى كلف أحد أعضاء التنظيم من العسكريين وهو الملازم خالد الإسلامبولي بالمشاركة في العرض العسكري الذي سيحضره الرئيس السادات، وهنا بادر خالد في 25/9/1981 بالالتقاء بمحمد عبد السلام فرج وعرض عليه إمكانية قيامه باغتيال السادات لعلمه بأن التنظيم يفكر في ذلك، وتفاعل مع الاقتراح محمد فرج، وبعد 3 أيام اجتمع مجلس الشورى وطرحت الفكرة وتوسع فرج لطرح فكرة انقلاب وإطاحة بالنظام عبر مهاجمة الإذاعة والتلفزيون وقيادة الجيش والداخلية والاتصالات، وأن يقوم الأعضاء بالوجه القبلي بالسيطرة على مدينة أسيوط، ووافق الحاضرون على الخطة باستثناء عبود الزمر الذي لم يحضر الاجتماع([16])، وتقرر التعجيل بالاستعدادات وبذل قصارى الجهد لنجاح الخطة([17]).

حين أُخبر عبود بالخطة اعترض عليها خوفا من انكشاف التنظيم، ولما بلغه إصرار خالد عليها واعتقاد أنهم لن ينجوا من العملية مما لن يكشف التنظيم وافق([18])، ثم وضعت خطة للاستيلاء على الإذاعة والتلفزيون ومخزن أسلحة ولكنها فشلت، وهنا تقرر الاكتفاء بالاغتيال فقط، وحاولوا إبلاغ الأعضاء في أسيوط لكن لم يصلهم البلاغ وبقوا على خطتهم!([19])

عملية الاغتيال وملابساتها والشكوك المحيطة بها:

في البداية تم تكليف خالد الإسلامبولي بالمشاركة في العرض العسكري بشكل استثنائي لمرض الضابط الأصلي حيث ينقل هيكل في "خريف الغضب" عن تحقيقات النيابة قول خالد: "لقد ترددت في الاشتراك في العرض العسكري ثم وافقت بعد إلحاح الرائد مكرم عبد العال، لقد خطرت في ذهني فجأة أن إرادة الله شاءت أن تتيح لي أنا هذه الفرصة لتنفيذ هذه المهمة المقدسة"، وهذا يؤكد كلام بعض الإعلاميين كعادل حمودة وأنيس الدغيدي من أن خالد كان ممنوعاً من الاستخبارات العسكرية من المشاركة في هذه العروض العسكرية بسبب علاقاته مع الشيخ عبد الله السماوي، وهو أحد قيادات فكر العنف والتكفير، وبرغم أن أخاه الحبيب له محمد شوقي معتقل لدى الأمن على خلفية أفكار التكفيرية، فهل الاستخبارات تجهل ذلك، بحيث فجأة يصدر قرار من مدير الاستخبارات العسكرية بمشاركته في العرض، أم هي فرصة لاستغلال الغضب وتوجيهه نحو السادات لمعرفته بِنية تنظيم الجهاد وعلاقة خالد به؟!

وهنا يطرح هؤلاء وغيرهم: هل كان إشراك خالد بالعرض لتسهيل عملية الاغتيال من قبل الدولة العميقة واستغلال تنظيم الجهاد الذي تخترقه الأجهزة الأمنية كما تبين من القبض على المغربي ومن وصول معلومات عن الزمر وتحركاته للأمن!

بدأ خالد وفرج بالترتيب للتنفيذ عبر توفير عناصر عسكرية سابقة في التنظيم للمشاركة في العملية وتوفير العتاد لذلك، وفعلاً قام المقدم ممدوح أبو جبل وعضو بالتنظيم بتوفير إبر ضرب النار للرشاشات المستخدمة في العملية إذ جرت العادة نزع إبر ضرب النار من كل الرشاشات في العرض([20])، وقد تم التجاوز عن دوره في العملية بتحويله لشاهد نيابة وإخراجه من التهمة لكونه بادر بنفسه وأبلغ الجهات المختصة عن المعلومات التي لديه، وهذه الجهات كانت حينها في مأزق وتحتاج إلى دليل ومصدر معلومات، وتم تعيينه لاحقاً في إحدى السفارات بالخارج([21])!  

كما وفر محمد فرج لخالد بقية الأسلحة و3 أعضاء عسكريين من التنظيم، أدخلهم خالد بدلاً من جنوده في السرية الذين منحهم إجازة، وزوّد رفاقه بكتاب مزور بالتحاقهم بالعرض لكن حتى هذا الكتاب لم يسألهم عنه أحد عند دخولهم لمكان العرض، هكذا بكل بساطة ولم يهتم أحد، ولم يدقق أحد، أم أن خالد كان تحت الرقابة لتسهيل مهمته!

ثم أدخل خالد الذخيرة والقنابل في حقيبة يد دون تفتيش لساحة العرض، وقد جرت العادة أن يكون هناك تفتيش نهائي على كافة الأسلحة صباح يوم العرض من قبل عدة جهات أمنية هي: أمن الجيش، والمخابرات الحربية، وأمن رئاسة الجمهورية، لكن في ذلك العرض لم يحدث ذلك([22])!   

نشرت صفحة الجماعة الإسلامية على شبكة الإنترنت مذكرات لخالد الإسلامبولي جاء فيها عن واقعة التفتيش ما يلي: "وفجأة توتر الموقف وذلك عندما أخذت مجموعة من ضباط الحرس الجمهوري تمرّ على العربات الواقفة للتفتيش على السلاح ووصل التوتر أقصاه عندما وقف الضباط أمام عربتي وصاحوا آمرين أحد الجنود "هات بندقيتك" وسحبوا الأجزاء المتحركة للخلف ونظروا داخلها للتأكد من نزع إبرة ضرب النار منها وخلو الخزنة من الطلقات، وسرعان ما عاد الهدوء من جديد عندما اكتفى الضباط بالتفتيش على هذه البندقية فقط والتي لم تكن من بنادق الجنود الملحقين"، حيث تم استدعاء المفتشين لحظتها، فهل هذه صدف محضة([23])!!

هناك من يقول إنه بشكل مفاجئ وأثناء العرض تم استبعاد الحراسة من أمام المنصة وإرسالهم لخلف المنصة خوفا من عملية اقتحام يقودها الزمر على المنصة من الخارج، وأنه بسبب ذلك لم يتحقق تخوف خالد من أنه سيكون عرضة لإطلاق النار فور خروجه من العربة لاستهداف السادات!

وتظهر مقاطع الفيديو المنشورة مؤخرا لعملية الاغتيال أن السادات بقي ملقى على الأرض تحت الكراسي والتي ألقى أحدها عليه نائبه حسني مبارك نفسه دون إسعافه لمدة طويلة رغم أن السادات كان يحاول النهوض! ويظهر المقطع تصرفا غريبا لحارس السادات الشخصي، وهو العميد أحمد حتاتة، إذ أنه يصل للسادات لكنه لا يسعفه ولا يُبعد عنه الكراسي، وهو يحاول القيام بل يتحسس ساعته أو معصمه ويمر من فوقه تقريبا لخارج المنصة، ولذلك البعض يتهمه بأنه أطلق غاز الأعصاب على السادات! ويبقى السادات ملقى على الأرض تحت الكراسي والكل يتفرج عليه لمدة ربع ساعة تقريباً، يغادر خلالها مبارك المنصة وعليه يحمّل البعض مبارك مسؤولية اغتيال السادات! هل هذه المقاطع سليمة أم تم التلاعب بها؟

ويأتي تشريح الجثة ليُظهر وجود عيارات نارية من حجم أصغر من حجم طلقات رشاشات خالد ورفاقه! وليظهر وجود رصاصات دخلت من أسفل لأعلى وهذا يكاد يكون مستحيلا أن يكون من طلقات خالد ورفاقه التي كانت طلقاتهم من أعلى لأسفل! كما أن التقرير يشير إلى إصابة السادات بصدمة عصبية، مما يعيدنا لاتهام حتاتة برش غاز الأعصاب!([24])

من الغريب أن غالبية مَن كتب عن مقتل السادات يؤكدون أنه قُتل بسبب رصاصة استقرت في عنقه أطلقها حسين عباس، الذي كان قناصاً بالقوات المسلحة، بينما صور جثة السادات لا يوجد فيها طلقة في الرقبة وإنما في ترقوته اليسرى، لكن تشريح جثة السادات وبعض القتلى في المنصة أثبت أن رصاص الحرس هو الذي تسبب في مقتله، مما يدعم مزاعم قتل السادات برصاصٍ من داخل المنصة ومن الخلف ربما!!

وعقب نشر صورة جثة السادات في عهد مبارك قبل بضعة أعوام، يقال إن مبارك غضب جدا وأمر بمعاقبة الصحفي المسؤول عن نشرها، وفعلا تم فورا إقالة رئيس تحرير صحيفة الميدان سعيد عبد الخالق!

من الأشياء التي لم تفهم بشكل واضح للآن سبب اقتصار خالد الإسلامبولي على قتل السادات فقط دون بقية المسؤولين كنائبه مبارك ووزيري الدفاع والداخلية، بل لقد صرخ خالد في وزير الدفاع أنه لا يقصد إلا السادات، وكذلك زميله عبد الحميد الذي خاطب حسني مبارك: "أنا مش عايزك، إحنا عايزين فرعون"، وهو ما يتعارض مع نية التنظيم عمل انقلاب وثورة شاملة، ولذلك حاول عبود الزمر القيام بذلك لكنه فشل ولذلك تحرك التنظيم في أسيوط لاحقاً!

لكن منتصر الزيات يفسر ذلك بأن الإسلامبولي لم يكن مهتما بموضوع الانقلاب على عكس محمد عبد السلام فرج، وأنه قال لفرج ورفاقه: أنا لا علاقة لي بهذا وإنما فقط "أقتل فرعون مصر أنور السادات"([25])، بينما د. محمد مورو يرى أن التنظيم في القاهرة وصل لقناعة بفشل الثورة فاكتفى باغتيال السادات وحاول إبلاغ جماعة أسيوط لكن تعذر ذلك، وهذا سبب اضطراب موعد حركة تنظيم أسيوط([26])!!

كان قتل السادات سهلا جدا لدرجة أنه لم يُقتل أحد من المهاجمين! بل تمكن أحدهم وهو حسين عباس من الهرب مشياً على أقدامه ولم يُقبض عليه إلا بعد يومين، فبرغم كل أطواق الحراسة على السادات وحراسه المنتخبين والبالغ عددهم 150 تمكن خالد وعبد الحميد من الوصول للمنصة وقتل السادات! والعجيب أن خالد قال لرفاقه في السجن قبل إعدامه إنه لم يضع خطة لكيفية الانسحاب بعد تنفيذ المهمة ورفض أن يصطحب معه ذخيرة للانسحاب لأنه لم يتصور نجاته، وأن خطته مبنية على موتهم في العملية([27])، بل إن خالد ورفيقيه توقفوا عن إطلاق النار واستسلموا برغم توفر الذخيرة معهم!([28])

الأعجب من هذا أن التحقيق مع خالد في البداية قبل أحداث أسيوط لم يتطرق لوجود تنظيم خلف العملية، وحقق معه على أنه اغتيال فردي، برغم معرفة الأمن بِنية تنظيم الجهاد اغتيال السادات([29])، فهل كان هذا عفويا أيضا من أجهزة الأمن؟

تمرد أسيوط:

العجيب أن أعضاء التنظيم في أسيوط انقطعت الصلة بينهم وبين أعضاء التنظيم في القاهرة يوم 5/10/1981، وظنوا أن عملية الاغتيال لن تتم يوم 6/10/1981 بسبب أنهم لم يعطوا خالد الإسلامبولي بعض القنابل التي اشترط عليهم إحضارها للقيام بالعملية، وهنا قررت جماعة أسيوط المضي بالخطة منفردين بالتحرك للاستيلاء على أسيوط يوم 10/10/1981 ورتبوا أمورهم على ذلك، ولسذاجتهم وجهلهم وقلة عقلهم وعلمهم لم يكلفوا أحدا أن يتصل هاتفيا بالقاهرة يستطلع الأخبار ولا حتى تابعوا الأخبار عبر الراديو، بل الأدهى من ذلك أن بعض قيادة أسيوط سافرت للقاهرة بالسيارة حيث وصلوا حوالي المغرب ولم يكونوا يعلمون أن العملية قد تمت وأن السادات قُتل وأن المنفذين نجوا من القتل، وعندها قرروا الرجوع لأسيوط التي وصلوها فجر يوم 7/10 حيث اجتمعوا وقرروا تنفيذ خطتهم يوم 8/10([30])، والذي يصادف يوم عيد الأضحى وذلك لاستغلال تجمع الناس ومناصرة ثورتهم، حيث هاجموا عددا من مقرات الأمن وسيطروا على المدينة، ولكن بعد يومين استعادت الشرطة السيطرة وفر المهاجمون للجبال.

وهذا يبين أن القرارات تتخذ بشكل غير مدروس وعفوي وبسذاجة منقطعة النظير، برغم أنها قرارات تمس قيادة دولة، بل أكبر دولة عربية، مما يدلنا على خطورة أفكار هذه الجماعات الشبابية المتهورة، ولعل تراجعات قادة الجماعة الإسلامية ونقدهم لأنفسهم بعد سنوات في السجن أكبر دليل على انحراف هذه المجموعات شرعياً وواقعياً.

وبعد اغتيال السادات وفشل الثورة في القاهرة وأسيوط تم الاتفاق على المقاومة وعدم الاستسلام، وأقنعوا أنفسهم أنهم نجحوا بتحقيق هدف لمختلف الفصائل الإسلامية ألا وهو إزاحة السادات([31])، ولكن هل تغيرت الأحوال بإزاحة السادات؟ نفس من قَتلوا السادات عادوا يقولون إن السادات كان خيرا من خلفه مبارك! وبعد قيام الثورة المصرية وإزاحة حسني مبارك عقب 30 سنة لم تتحسن الأمور ولم تتبدّل! لأن إزاحة رأس الحكم لا تبدل كثيرا في منظومة الحكم، ولأن الشعب لم يتطور إيجابيا، وهذا هو الأهم.

ما بعد اغتيال السادات:

بعد انكشاف التنظيم والقبض على 302 عضو وتقديمهم للمحاكمة تبين أن معظمهم تتراوح أعمارهم بين 20-30 سنة، وأنهم خليط من طلبة وموظفين([32])، ولم يكن فيهم مَن هو مؤهل شرعيا إلا الشيخ عمر عبد الرحمن لكنه لم يكن مؤسس التنظيم وواضع أفكاره أصلاً ([33])!

وتم اعتقال 7 آلاف شخص تعرضوا للتعذيب، خرج بعضهم بعد عدة سنوات وبقي قسم لمدد طويلة، ولكن هذا الفكر بقي يتمدد في السجن وخارج السجن، فوقعت عدة عمليات لنصرة المساجين ومحاولة الإفراج عنهم، وتم القيام بعدة عمليات ضد رجال الشرطة، وأعاد بعض القادة والأعضاء تنظيمي الجهاد والجماعة الإسلامية خارج السجن بعد فراقهما في داخل السجن! وتكونت تنظيمات جديدة، وتتكرر المأساة من جديد في عمليات عنف كارثية لا فائدة منها.

خاتمة:

الخلاصة التي أظنها الصواب أن تنظيم الجهاد تشكل بغرض ثورة شعبية شاملة يتم الإعداد لها بنفَس طويل يستغرق 3 سنوات، لكن تسارع الأحداث السياسية فرض على التنظيم تجاوز خطته وهذا ملحظ متكرر لدى تجارب هذه التنظيمات.

وحين قرر التنظيم اغتيال السادات درس عدة احتمالات، فالتنظيم كان معلوماً للأمن ومخترقا، وإن ليس بشكل كامل، وحادثة القبض على نبيل المغربي أكدت نية التنظيم قتل السادات.

قد يكون هناك جهة أمنية (الدولة العميقة) سعت للاستفادة من نية التنظيم اغتيال السادات بتسهيل ذلك عبر عضو التنظيم خالد الإسلامبولي، حيث فتح له المجال مع التحكم للقيام فقط باغتيال السادات دون غيره! وأنهم كانوا جاهزين لإكمال المهمة التي يبدأ بها خالد!

ولذلك لا أستبعد أن تظهر في المستقبل دلائل على مثل هذا التورط وأن يكون للموساد أو غيره دور في ذلك بسبب استعادة السادات لسيناء من اليهود، كما سبق أن هوجم السادات من تنظيم صالح سرية عقب انتصاره بمعركة 73 على اليهود بعدة أشهر!

ولذلك فإن هذه التجارب الشبابية المتهورة والتي تجلب الكوارث والتي تقوم بعيدا عن العلماء السلفيين وبعكس آرائهم ستبقى تتكرر ما لم يكن هناك توعية صحيحة للشباب في المكان والزمان المناسبين.

ولعل مما يلخص كارثية هذه التجارب الشبابية المتهورة هذه الكلمة العجيبة لأحدِ مَن قاموا باغتيال السادات والذي قال: " لقد كانت أكبر خسائر عملية اغتيال السادات هو نجاحها، ذلك أن النجاح يصور لصاحبه أنه على صواب"!([34]) ولذلك مضت الجماعة الإسلامية وجماعة العنف في مسار العنف ردحا من الزمن قبل أن تتوصل لخطأ مسارها وتتراجع عنه وهو ما سنعرض له في الحلقة القادمة بإذن الله.

 



[1] - مجموع الفتاوى، 8/425.

[2] - موسوعة العنف، ص 487، وانظر شكوكه حول تورط جهات بالأمن في ذلك، ص 327.

[3] - استمع لكرم زهدي يروي القصة عند الدقيقة 6:50: https://www.youtube.com/watch?v=IWjJie9W2e8

[4] - الجماعات المصرية المتشددة، ص 44.

[6] - انظر تصريحات كرم زهدي لوسائل الإعلام المختلفة في شبكة الإنترنت.

[8] - المصدر السابق، ص 44.

[9] - الإسلام السياسي، ص 208.

[10] - المصدر السابق، ص 211.

[11] - موسوعة العنف، ص 462.

[12] - المصدر السابق، ص 502، 506.

[13] - المصدر السابق، ص 509.

[14] - الإسلام السياسي، ص 209.

[16] - الإسلام السياسي، ص 212.

[17] - موسوعة العنف، ص 495.

[18] - الإسلام السياسي، ص 214.

[19] - المصدر السابق، ص 215.

[20] - المصدر السابق، ص 215.

[21] - مقابلة العربية نت مع منتصر الزيات، http://cutt.us/yzBlB

[22] - الإسلام السياسي، ص 217.

[23] - ومضمون القصة يطابق ما أقره صاحب الإسلام السياسي، ص 218.

[25] - مقابلة العربية نت مع منتصر الزيات، http://cutt.us/yzBlB

[26] - الإسلام السياسي، ص 216، 222.

[27] - مذكرات خالد، على شبكة الإنترنت.

[28] - الإسلام السياسي، ص 220.

[29] - المصدر السابق ، ص 216.

[30] - موسوعة العنف، ص 496.

[31] - الإسلام السياسي، ص 222.

[32] - المصدر السابق، ص 260.

[33] - المصدر السابق، ص 244.

 

[34] - صفحة حزب البناء والتنمية، أمانة الفيوم، وهو حزب الجماعة الإسلامية، http://cutt.us/o6G4E

 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق