نفوذ إيران ينحسر في طاجيكستان
الأثنين 21 أغسطس 2017

 محمد عباس ناجي - العرب اللندنية 15/8/2017

 

لم تكن العلاقات بين إيران وطاجيكستان على ما يرام خلال العامين الأخيرين، لكنها وصلت حاليا إلى درجة غير مسبوقة من التوتر، بسبب مواصلة طهران التدخل في شؤونها الداخلية ومحاولة زعزعة استقرارها على المستويين السياسي والأمني.

وجهت طاجيكستان اتهامات إلى إيران في 9 أغسطس الحالي، بإرسال قتلة ومخربين خلال فترة الحرب الأهلية التي اندلعت بين عامي 1992 و1997، وبث التلفزيون الحكومي فيلما وثائقيا تضمن اعترافات لثلاثة أشخاص قالوا إنهم تلقوا تدريبات ودعما ماليا في إيران، واعترفوا بتنفيذ اغتيالات لشخصيات عامة وشن هجمات على قاعدة روسية داخل أراضيها.

إيران سارعت كعادتها إلى نفي هذه المعلومات، معتبرة أن مشاركة وزير الطاقة الطاجيكي في مراسم أداء الرئيس روحاني اليمين الدستورية في 5 أغسطس دليل على علاقاتها القوية مع دوشنبه، مؤكدة أن ظهور هذه المعلومات في الوقت الحالي يعود إلى “وجود دوائر لا تريد صداقة أقوى بين البلدين”.

لكن هذا الرد لا ينفي أن طهران تحاول باستمرار استغلال نفوذها الناعم في طاجيكستان، الذي توفره عوامل عديدة، مثل اللغة الفارسية وتزايد حاجة دوشنبه إلى المساعدات الاقتصادية.

بالطبع، هذه العوامل تمثل بيئة جاذبة بصفة دائمة لإيران، التي تتحرك للبناء عليها بهدف دعم تمددها في الداخل، على نحو ما تفعل في دول أخرى بالمنطقة، مثل سوريا والعراق ولبنان واليمن.

تكتسب تلك الاعترافات، التي جاءت بعد انتهاء الحرب الأهلية بنحو عشرين عاما، أهميتها من توقيتها، فقد تزامنت مع تزايد الاتهامات الموجهة لإيران بدعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار لبعض دول المنطقة، بالتوازي مع مساعي الأخيرة لنفي ذلك وتأكيد أنها طرف بارز في الحرب ضد الإرهاب بدليل دورها في تحرير الموصل من تنظيم “داعش”.

من هنا، فإن هذه المعلومات الجديدة تثبت أن مزاعم إيران لا تتسامح مع الواقع، وأن هذه الاتهامات تكتسب المزيد من المصداقية، خاصة أن الاعترافات الأخيرة التي بثها التلفزيون الطاجيكي جاءت بعد نحو ثلاثة

 

 

أسابيع من القرارات التي اتخذتها السلطات الكويتية بتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إيران وإغلاق مكاتبها الفنية وتجميد نشاط اللجان المشتركة، احتجاجا على دورها في دعم “خلية العبدلي” الإرهابية وتهريب بعض عناصرها.

كما أن هذه الاعترافات جاءت بعد تصريحات الرئيس روحاني، خلال مراسم أداء اليمين الدستورية، التي أبدى فيها اهتمامه بتحسين العلاقات مع دول الجوار، وهو ما يضعف من موقفه ويؤكد أن قدرته على تنفيذ سياساته وتحويلها إلى خطوات إجرائية على الأرض مرتبطة بمدى قبول القيادة العليا والحرس الثوري لها.

ويضفي ذلك وجاهة خاصة على التكهنات التي تشير إلى أن العلاقات مع دول الجوار، مثل العراق وأفغانستان وطاجيكستان، لا تخضع لسلطات الرئيس، وإنما لنفوذ المؤسستين العسكرية والأمنية المدعومتين من المرشد.

وتوحي الاتهامات بأن إيران تسعى دائما إلى تأسيس حزام أمني حول حدودها عبر دعم نفوذها في دول الجوار، في ظل مخاوفها المستمرة من مصادر التهديد الخارجية، التي لا تنحصر في الولايات المتحدة وإنما تمتد أيضا إلى روسيا.

دعم كبيري والحزب الإسلامي يمثل قاسما مشتركا جديدا بين إيران وقطر، التي سعت بدورها إلى تقديم دعم لهذا الحزب وحرصت على الترويج لمواقفه في وسائل إعلامها

حاولت إيران استخدام أدواتها الناعمة، وأنشأت مراكز ثقافية تروج لأفكارها وأيديولوجيتها، مثل مركز “إيرانيان” في مدينة خجند الذي كان يقوم قبل إغلاقه بنشر كتب لمؤلفين محليين وإجراء مسابقات ثقافية وتوفير خدمة الإنترنت للسكان وتنظيم رحلات لبعض الشباب الطاجيكي إلى إيران.

كما زادت طهران من نشاط مؤسسات “البونياد”، وهى مؤسسات خيرية اجتماعية تستغلها لدعم دورها في الخارج دون أن تكون لها علاقة رسمية مباشرة بالحكومة، كمؤسسة الإمام الخميني للإغاثة، التي قدمت في السابق خدمات في بعض المدن الطاجيكية، مثل رعاية الأيتام ودعم الفقراء.

بالتوازي مع ذلك حاولت طهران استقطاب تأييد بعض الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية، حتى لو كانت معارضة للنظام الحاكم، مثل حزب النهضة الإسلامي الذي صنفته دوشنبه كتنظيم إرهابي منذ سبتمبر 2015، بعد اتهامه بارتكاب أعمال عنف في البلاد.

 

 

ودعت طهران أمين عام الحزب محيي الدين كبيري لحضور مؤتمر “الوحدة الإسلامية” الذي نظمته في ديسمبر 2015، وحظي باهتمام واضح من جانب السلطات الإيرانية التي اعتبرته “ضيفا خاصا” والتقى المرشد الأعلى علي خامنئي ومستشاره للعلاقات الدولية علي أكبر ولايتي.

المفارقة هنا، أن دعم كبيري والحزب الإسلامي يمثل قاسما مشتركا جديدا بين إيران وقطر، التي سعت بدورها إلى تقديم دعم لهذا الحزب وحرصت على الترويج لمواقفه في وسائل إعلامها.

من دون شك، يلقي ذلك بالمزيد من الضوء على أوجه التشابه الكثيرة بين إيران وقطر اللتين تسعيان إلى تبني آليات متقاربة لمواصلة التدخل في الشؤون الداخلية لبعض دول المنطقة.

ويشير حرص إيران على دعم نفوذها في طاجيكستان، إلى أنها تسعى لتأسيس حزام أمني حول حدودها، وترى أن مصادر التهديد الخارجية التي تواجهها باتت متعددة، ولا تقتصر على واشنطن، لكنها تمتد إلى موسكو، على الرغم من التوافق الظاهر بينهما حول العديد من الملفات، على رأسها الأزمة السورية.

وتثبت اعترافات الأشخاص الثلاثة بشن هجمات على قاعدة روسية في طاجيكستان أن طهران حاولت تهديد مصالح موسكو في دوشنبه، وممارسة ضغوط عليها لتقليص وجودها العسكري بالقرب من حدودها.

هذه السياسة فرضت تداعيات سلبية كثيرة على علاقات إيران وطاجيكستان، التي أبدت دول في المنطقة اهتماما بتقديم مساعدات عديدة لها. واعتبرت دوشنبه أن هذه التحركات الإيرانية تمثل محاولة لزعزعة استقرارها، بما دفعها إلى اتخاذ خطوات مضادة للتعامل معها.

ولم تكتف بإغلاق المراكز الثقافية والمؤسسات الاجتماعية والصحية التي أنشأتها طهران إلى جانب منع تداول كتب الخوميني وبعض رجال الدين، وإنما سعت إلى امتلاك أوراق ضغط للتلويح بها في مواجهة الأخيرة، مثل عرقلة جهودها للحصول على عضوية كاملة في منظمة تعاون شنغهاي.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق