زيارة كبير أساقفة كانتربري للسودان.. تجديد المشروع التنصيري بعد انفصال الجنوب
الأثنين 21 أغسطس 2017

 

 د. محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

 

خاص بالراصد

مقدمة:

مشروع تنصير السودان كان ولا زال أحد المشروعات الكبرى التي تعمل لها الكنيسة بمختلف مسمياتها وطوائفها في العالم، وكان أبرز ثمرات هذا المشروع الضخم انفصال جنوب السودان ليكون دولة مستقلة مسيحية علمانية، ولتكون هذه الدولة الوليدة سداً منيعا أمام تمدد الإسلام جنوبا باتجاه إفريقيا جنوب الصحراء، وظل حلمُ تنصير السودان يراود الكنيسة حتى بعد انفصال الجنوب، وسعت لتثبيت وتوسيع الوجود النصراني في السودان، خاصة المناطق المتاخمة لجنوب السودان مثل جنوب كردفان (جبال النوبة) وجنوب النيل الأزرق وغيرها.

وضمن حلقات تجديد المشروع التنصيري للسودان تأتي الزيارة الأخيرة لجاستين ويلبي، كبير أساقفة كانتربري، ورأس الكنيسة الإنجيليكانية الأسقفية في العالم للسودان، مع وفد كبير من أساقفة هذه الكنيسة على مستوى العالم، لافتتاح مجمع الكنيسة الأسقفية السودانية، وهو المجمع الإنجليكاني رقم (39) في العالم، وتنصيب المطران حزقيال كندو، رئيس الكنيسة الأسقفية السودانية وأسقف الخرطوم؛ ليكون كبيراً للأساقفة بالسودان، وهي الخطوة الأولى من نوعها بعد انتقال الكنيسة الأسقفية القديمة إلى دولة جنوب السودان عقب الانفصال.

يناقش هذا المقال النشاط التنصيري وتاريخ وجود الكنيسة الأسقفية بالسودان وبمنطقة جبال النوبة تحديدا، ودور الاستعمار الإنجليزي في توسيع العمل التنصيري في تلك المناطق، وزيارة كبير أساقفة كانتربري، وافتتاحه لمجمع الكنيسة الأسقفية السودانية، الذي يعتبر الأول في السودان بعد انفصال دولة جنوب السودان، حيث تعد الكنيسة الأسقفية من الكنائس التي لها أتباع كثر، أغلبهم من أبناء جبال النوبة، الذين ينحدرون من ولاية جنوب كردفان بالوسط الغربي للسودان، كما يناقش المقال أبعاد هذه الزيارة ودورها في تجديد المشروع التنصيري في السودان، وجبال النوبة تحديدا.

من تاريخ التنصير ونشاط الكنيسة الأسقفية بالسودان:

دخل الاسلام باكرا لمناطق الغرب الأوسط للسودان (كردفان وجبال النوبة وماجاورها) منذ القرن السادس عشر الميلادى بتمدد نفوذ دولة سنار الإسلامية، كما احتضنت أرض كردفان ممالك إسلامية مثل مملكة تقلي ومملكة المسبعات، والتي تعتبر من أعرق الممالك الإسلامية السودانية، وقد آوت المنطقة ونصرت الإمام محمد أحمد المهدي، زعيم الثورة المهدية، التي سيطرت على السودان في الفترة من 1881 وحتى 1899م.

تعود بداية الوجود المنظم للمسيحية في كردفان إلى عام 1871م بتأسيس كنيسة ومدرسة بمدينة الأُبيض بتوجيه ودعم من الأب دانيال كمبوني، ومنها امتدت بعملها إلي جبال النوبة لتدريب الأهالي علي الاكتفاء الذاتي من الغذاء عبر الزراعة كمدخل للتنصير، حيث تم تأسيس بعض المراكز والإرساليات، والتي خرجت بعد اندلاع الثورة المهدية، وكانت سياسة الأب كمبوني تقوم على إقامة قرى كنسية لمن تم تنصيرهم في جبال النوبة في مناطق منعزلة، على مسافة يوم أو يومين من أقرب مركز سكاني لإبعادهم تماما عن المؤثرات الإسلامية.

ويعتبر الأب ليوللين قويني (1863- 1957م) أول من بذر بذور الكنيسة الإنجيليكانية الأسقفية في السودان، وكان من أبرز المتعصبين لمشروع تنصير السودان، وهو أول من أقام مطرانية منفصلة للكنيسة الإنجيليكانية في مصر والسودان، وكانت سياسة هذه الكنيسة لتنصير المسلمين تقوم على أساس الخطاب المباشر وبث التعليم والخدمات الصحية.

كانت فترة الاستعمار الإنجليزي للسودان (1899- 1956م) هي الفترة الذهبية لنشاط التنصير فيه، وكانت للاستعمار اليد الطولى في تقوية ودعم النشاط التنصيري في البلاد، خصوصا مناطق جبال النوبة؛ ففي عام 1919م أصدرت الإدارة الإنجليزية أمرا رسميا بدعم العمل التبشيري في جبال النوبة من قبل الحكومة، وتم افتتاح مركز هيبان التنصيري في عام 1920م، ويعتبر حتى الآن المركز الرئيس، وتوالت من بعده المناطق الأخرى بدعم كامل وسند رسمي من حكومة المستعمر، ومنها تم تخصيص إرسالية السودان المتحدة لرعاية التبشير والتدريب ودعمه، قبل أن تتولى الكنيسة الأسقفية زمام الأمر في عام 1934 فافتتحت لها عدة مراكز في كل من: «سلارا ، كادقلي، عبري، هيبان ، كاتشا ، كاودا ، مورو ، تالودي، تبانيا» وتم دعم ذلك العمل حتى خروج الأجانب في عام 1962 ليتولى الخريجون السودانيون من النوبة الأمر من بعد للحفاظ على جذوة التنصير متقدة.

قام الاستعمار الإنجليزي بقفل منطقة جبال النوبة منذ 1943م وحتى استقلال السودان في 1956م في وجه المسلمين، فأصدر المفتشون الاستعماريون الإنجليز تعليمات بعدم دخول أي عنصر مسلم أو عربي لجبال النوبة إلا بتأشيرة دخول، وسعى لمحاربة كل ما هو إسلامي وعربي، ومنع التواصل بين قبائل الشمال وسكان جبال النوبة، وأطلق يد القساوسة والمنصرين لتنصير أبناء المنطقة، خاصة في المنطقة الجنوبية من كادوقلي عاصمة جبال النوبة لزراعة الكراهية بين أبناء النوبة والقبائل غير النوبية، وخاصة الدعاة الذين نشطوا في نشر الإسلام في جبال النوبة.

وقد استغلت الإرساليات التنصيرية عملها في المسح الميداني لمرض الجذام الذي ضرب المنطقة في تلك الفترة لنشر التبشير الكنسي، وإبعاد كافة مظاهر العروبة والإسلام في هذه المناطق، وعملت على ترجمة الأناجيل إلى اللغات واللهجات المحلية وكتابتها بالحروف الإنجليزية للمكونات القبلية في المنطقة كما في حالة «الأطورو، هيبان وغيرها». كما دعت الإدارة الاستعمارية المؤسسة التنصيرية المسماة بـ (الإرسالية المتحدة) لمباشرة جهودها في التنصير في جبال النوبة، ثم دعت كذلك (الجمعية المسيحية الإنجيليكانية) لفتح عدد من المدارس والمراكز والمحطات التبشيرية في المنطقة، حيث تمكنت الأخيرة من فتح مدرسة في منطقة سلارا في عام 1935م، تبعتها مدارس أخرى في عدد من المناطق.

تواصل النشاط التنصيري المحموم في جبال النوبة حتى بعد خروج المستعمر من السودان في 1956م، وكانت فترة حكم الرئيس إبراهيم عبود (1958- 1964) من أفضل الفترات التي تمت فيها محاربة التبشير النصراني في جبال النوبة وجنوب السودان، وبذلت فيها جهود مقدرة لدعم الوجود الإسلامي في تلك المناطق ونشر اللغة العربية، ويلاحظ أن كل الجهود التنصيرية في السودان تحاول دائما الربط بين جبال النوبة وجنوب السودان، ومعظم منظمات التبشير الكنسي التي تعمل في جبال النوبة تحت غطاء العمل الإنساني والتنموي لها فروع في جنوب السودان، مثل منظمة سمارتن بيرس الأمريكية ومجلس الكنائس النرويجي، ومنظمة العون الكنسى الأمريكى، ومنظمة سودان إيد، ومنظمة العون الكنسي الدنماركي، ومنظمة مثلث سرف جاموس التى تُصدر نشرة اسمها (استيقظ)، ومنظمة مدير البريطانية، ومنظمة كير السويسرية للإغاثة، ومنظمة سول للتعليم، وعدد آخر كبير من المنظمات والجمعيات، وقد أسست هذه المنظمات أكثر من 900 كنيسة في جبال النوبة في الفترة ما بين «2002 – 2011» معظمها مشيدة بمواد ثابتة، وأثاث فاخر، منها حوالى 300 كنيسة في المنطقة الجنوبية ومحلية برام، وأكثر من 200 كنيسة فى أم دورين وما جاورها، وأكثر من 130 فى هيبان، وأكثر من 130 فى كاودا وما جاورها، وأكثر من 120 في مناطق دلامى.

من الأسباب التي خففت من غلواء النشاط التنصيري في جبال النوبة النشاط الذي قاده الفقيه السوداني محمد الأمين القرشي في جبال النوبة بداية الأربعينيات إلى منتصف الخمسينيات بمناطق الدلنج وما جاورها، وقد تخوفت الإدارة الاستعمارية من نشاط الشيخ القرشي، وعرضت عليه منصب قاضي قضاة حضرموت ليتخلى عن نشاطه الدعوي، كما نشط الشيخ البرناوي في منطقة الليوي وكالوقي وتلودي، وكان لهذه الجهود وغيرها دور كبير في عدم دخول المسيحية في الجزء الأوسط والشمالي والشرقي والغربي لجنوب كردفان.

ومن أبرز نشاط المنصرين بالمنطقة ما قام به د. ديفيد رودن أستاذ الجغرافيا في جامعة الخرطوم عام 1964 من تدريب لأبناء جبال النوبة على طباعة الإنجيل باللغات المحلية، وما قام به القس (دون أبو سيل) راعي الكنيسة الرسولية الجديد، والذي نشط في التنصير في المناطق الطرفية والعشوائية، وكان للقس الأمريكي جون دانفورث والبارونة الإنجليزية كارولين كوكس دور كبير في دعم جهود التنصير وحركات التمرد في المنطقة، وظهرت مؤسسات نصرانية أخرى مثل الكنيسة الأرثوذكسية الإسرائيلية، وشهود يهوه، والكنيسة الخمسينية وغيرها، نشطت في جمع الأطفال المشردين من الحرب وشظف العيش وتنصيرهم، حيث تستخرج لهم أوراقاً ثبوتية، وترسلهم بالبر لدول الجوار، ومن ثم إلى أوربا، ويتم تدريبهم على وسائل التنصير وباللغة العربية ثم ترسلهم لمناطقهم ووسط قبائلهم.. وتقوم بتمويل مشاريعهم جمعية (حملة المسيح) التنصيرية ومقرها كينيا.

وهذه الجهود الكبيرة للتنصير في جبال النوبة لم ترد الكنيسة أن تضيع هكذا، وحاولت جاهدة بكل السبل أن تدعمها بزيارات القيادات الكنسية العالمية وبالدعم المادي والعيني وغيره، ومن المحطات المهمة في العمل التنصيري المعاصر في السودان زيارة بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني للخرطوم في فبراير 1993م، ورغم الاستقبال الرسمي والترحيب الذي لاقاه يوحنا بولس الثاني، لكنه في لقائه بالرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في أغسطس 1993م أيد القرار الأمريكي بفرض العقوبات على السودان، ووضعه على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وكان البابا قبلها بشهر واحد يجتمع مع قيادات التنصير الكنسي لبحث سبل العمل في السودان، وتلا ذلك مجموعة القرارات الدولية والأمريكية الخاصة بالسودان للتضييق عليه وحصاره لإعطاء فرصة أكبر لمؤسسات التنصير لاختراقه عبر العمل الإغاثي والطبي، فصدرت قرارات تدين السودان من الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية وصندوق النقد الدولي، ووصل الأمر إلى التهديد بإقامة مناطق آمنة للنصارى في السودان، كما أرسل بابا الفاتيكان رئيس الأساقفة الألماني بول كوردز مبعوثاً شخصياً له إلى السودان في تلك الفترة، وأعلن راديو الفاتيكان عن منظمة تنصيرية جديدة للعمل في السودان باسم "السامري الصالح".

ويبدو أن الزيارة الحالية لكبير أساقفة كانتربري، ورأس الكنيسة الإنجيليكانية الأسقفية في العالم تأتي في هذا الإطار لتجديد وتعضيد النشاط التنصيري في السودان، خاصة في مناطق نفوذ الكنيسة الإنجيليكانية الأسقفية في جبال النوبة بولاية جنوب كردفان.

من هو جاستين ويلبي كبير أساقفة كانتربري؟

ولد القس ويلبي في لندن في عام 1956م، وهو من أصول يهودية ألمانية، حيث هاجرت عائلته من هناك إلى بريطانيا، وتلقى تعليمه في كلية أتون وكلية ترينتي كامبردج، حيث درس القانون والتاريخ لمدة 11 عاماً، خمسة منها في باريس، وستة في لندن، ويعمل الآن في صناعة النفط، وأصبح أمينا لصندوق مجموعة شركة الاستكشاف والإنتاج البريطانية، وكان عضوا في كنيسة سانت مايكل في باريس.

حصل على درجة عليا في اللاهوت من كلية سانت جون دورهام بالتركيز علي موضوع الأخلاق في مجال العمل، وفي عام 2007م تم تثبيته كعميد لكاتدرائية ليفربول، وفي عام 2011م أعلن أنه الأسقف الجديد لدورهام، وفي نوفمبر 2012م أعلن جاستن ويلبي كمساعد لأسقف كانتربري، وفي فبراير 2013م أصبح رسمياً كبيرا لأساقفة كانتربري.

كشف ويلبي في مؤتمر صحفي كبير في أبريل 2016م أنه ابن غير شرعي لآخر سكرتير شخصي لرئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، خلافا لما كان يُعتقد بأنه ابن تاجر الويسكي غافن ويلبي، وذلك عبر فحص الحمض النووي، حيث ذكر ويلبي أن ذلك لا يشكل صدمة له، بل لا زال يفتخر بأمه، وقد ذكرت صحيفتا ديلي تلغراف والتايمز آنذاك أن قانون الكنيسة البريطانية كان لمدة قرون لا يسمح للأبناء المولودين لآباء غير شرعيين بتولي منصب كبير الأساقفة، لكن تعديلا جرى في الخمسينيات على القانون أباح توليهم المنصب.

أبرز محطات زيارة كبير أساقفة كانتربري:

أولى محطات زيارة ويلبي كانت افتتاح مجمع الكنيسة الأسقفية السودانية، وهو المجمع الإنجليكاني رقم (39) في العالم، وتنصيب المطران حزقيال كندو رئيس الكنيسة الأسقفية وأسقف الخرطوم ليكون كبيراً للأساقفة بالسودان، بحضور عدد من المسؤولين السودانيين، وأساقفة وممثلي مجامع كنسية مثل المجمع الإنجليكاني الأفريقي، ومجمع جنوب السودان، ومجمع يوغندا، ومجمع مصر، ومجمع سنغافورة، ومجمع الصين.

وخلال الاحتفال الذي أقيم بكاتدرائية جميع القديسين بحي العمارات بالخرطوم، كشف مسجل الكنيسة (أبو القاسم هابيل كومي) أن مجمع الكنيسة الأسقفية يتكون من أبرشية الخرطوم، كادوقلي، بورتسودان، ود مدني، وظهرت فكرة قيام مجمع داخلي في السودان منذ عام 2009م، عندما كان واضحا أن جنوب السودان سيكون دولة مستقلة، وفي اجتماع اللجنة المركزية للمجمع في رومبيك بجنوب السودان قدمت المجموعة الشمالية مقترح أثنى عليه المجمع العام الإقليمي الذي عقد في عام 2011م ونتيجة لذلك أصدر رئيس أساقفة السودان وجنوب السودان الأمر الثابت رقم (1) عام 2013م بإنشاء وإقامة مجمع السودان الداخلي، وتم انتخاب حزقيال كندو كأول رئيس أساقفة للمجمع.

في يوليو 2016م زار وفد المجلس الاستشاري الإنجليكاني السودان برئاسة الأمين العام للمجمع الإنجليكاني ورئيس أساقفة أستراليا وممثل رئيس الأساقفة، وكان الهدف من الزيارة معرفة ما إذا كان المجمع الجديد يفي بالمعايير الكنسية، وفي سبتمبر 2011م صوّت المجلس  الاستشاري بالإجماع على إنشاء المجمع رقم 39 في السودان.

يلاحظ خلال الاحتفال أن معظم الذين تحدثوا من القيادات الكنسية يحملون أسماء عربية وإسلامية مما يشير إلى أنهم من عائلات مسلمة، وأنهم ضحايا عمل تنصيري كبير وقوي، مثل مسجل الكنيسة (أبو القاسم هابيل كومي)، ومقدم فقرة التحضير القس (حسن الفيل) عميد كاتدرائية جميع القديسين الذي تناول فيها قراءات من الإنجيل، وفقرة الاعتراف العام التي قدمها عميد المجمع ومطران الأبيض الأسقف (إسماعيل جبريل) وقدم فيها دعاء من أجل المجمع الجديد، ودعاء الأحد، ومقدم فقرة قراءة الإنجيل الأسقف (عبد النور كودي) مطران أبرشية أم درمان، وفقرة الإيمان والممارسات القس (موسى أبو جم) الأمين العام للمجمع.

وخلال ذات الاحتفال أدى المطران حزقيال كندو القسَم بحماية ودعم الدستور وقوانين الكنيسة، وتكريس نفسه من أجل الإنجيل، وقدم عهد الطاعة أمام مطارنة أبرشيات السودان.

وفي كلمته في الاحتفال قال كبير أساقفة كانتربري إنه سعيد بوجوده في السودان لتدشين المجمع رقم (39) وتنصيب المطران حزقيال كندو كبيرا لأساقفة للسودان، مشيرا إلى التغييرات الحاصلة في العالم والتحديات الكثيرة التي تواجه العمل الكنسي، وقال:" هناك أرض وشعب رائع في السودان، ولذلك الكنائس لابد أن تعمل من أجل تطوير قدرات الناس في هذا البلد، ولدينا الكثير من الآمال والتطلعات".

وفي إشارة إلى تعلق الكنيسة الأسقفية بماضيها في السودان وجبال النوبة قال ويلبي: "قمنا بوضع أكاليل من الزهور على الذين رحلوا بكل أمانة وهم أساس لهذه الكنيسة، المطارنة رعاة الكنيسة"، وذكر أن  المهمة كبيرة جداً، وقال: "عندما كنا في كادوقلي بالأمس قابلنا نازحين وتم الترحيب بهم بسخاء في هذا البلد حتي يعيشوا فيه" وفي ذلك إشارة بضرورة النشاط التنصيري بين هؤلاء النازحين من جنوب السودان بمناطق جبال النوبة.

وشملت فقرات الاحتفال كذلك كلمات للأساقفة وممثلي المجامع كالمجمع الإنجليكاني الأفريقي، ومجمع جنوب السودان، ومجمع يوغندا، ومجمع مصر، ومجمع سنغافورة، ومجمع الصين، كما قدم كبير أساقفة كانتربري هدايا عبارة عن وسام للمطران حزقيال كندو، ولمطارنة الكنيسة الأسقفية بالسودان، وشكر وفد حكومة السودان لمشاركته وكلمته المؤثرة، وقال: نحن نتعاطف معكم من أجل رفع الحصار عن السودان.

وفي كلمة الأسقف حزقيال كندو أمام الاحتفال قال مخاطبا المطارنة والقسس: حضوركم يؤكد أننا موجودون لكي نستمر، ونصبر، وقدم شكره الخاص لكبير الأساقفة والضيوف الذين حضروا من جميع أنحاء العالم، وشكر شكرا خاصا أبرشية (جنوب السودان) والأسقف دانيال دينق كبير أساقفة دولة جنوب السودان، وقال إنه من خلالها  تولّد هذا المولود في السودان.

أما وزير الإرشاد والأوقاف السوداني أبو بكر عثمان فقد أكد خلال الاحتفال على التعايش الديني في السودان، وأن الناس سواسية في الحقوق والواجبات بغضّ النظر عن الدين والعرق، وقال: نحن نرعى مثل هذه الفعاليات التي تلعب دورا كبيرا في تجسير الوحدة الوطنية".

ومن أبرز محطات زيارة ويلبي لقاء رئيس الجمهورية المشير عمر البشير بالقصر الجمهوري، والذي رحب بالوفد الزائر، وتحدث عن الحريات الدينية بالبلاد، وذكر أن المسيحيين والمسلمين بالسودان يعيشون في أجواء من التسامح والوفاق على الرغم من محاولات الإعلام السالب سواء الخارجي أو من بعض الإعلاميين بالداخل تشويه صورة التعايش الديني بالبلاد، كما أكد البشير عدم تعرض الكنائس أو المؤسسات المسيحية إلى أي اعتداء، مما يؤكد أن المسيحيين في السودان ينعمون بسلام ويعيشون في محبة.

ومن محطات الزيارة ذات الدلالة التاريخية، والتي توضح أنها لا تنفك عن العمل التنصيري وتجديده في السودان ويلبي والوفد البريطاني المرافق له لمتحف القصر الجمهوري، والذي كان في السابق كنيسة، وكانت هذه الزيارة بطلب من كبير الأساقفة، حيث استفسر عن قبر شارلس غردون المُنصر المعروف وحاكم عام السودان، والذي قتلته قوات المهدي في فتح الخرطوم في 1885م بموقع القصر الجمهوري الحالي.

وفي بعض الأحاديث الإعلامية حول زيارته للسودان أوضح ويلبي أن التقارير الغربية عن الحريات الدينية بالسودان (مشوهة وغير دقيقة) وتستند على حالات خاصة جرى تعميمها، ودعا وسائلَ الإعلام إلى تصحيح الصورة الذهنية التي رسمتها التقارير في المخيلة الغربية عن السودان.

ودعا ويلبي المسلمين والمسيحيين في السودان إلى تدعيم التعايش الديني، وأضاف: “المسلمون والمسيحيون عليهم التضامن لإشاعة السلام في كل المنطقة”. وعبّر عن إعجابه الكبير بالتجربة السودانية، سواء من الحكومة أو الأهالي والتي قبلت واستوعبت اللاجئين. وأعرب ويلبي عن سعادته بوجوده في السودان، قائلاً إن لديه انطباعات تتمثل فيما شاهده من كرم في استقبال اللاجئين وإيوائهم وتقديم الدعم والعون لهم.

وشدد على أن الحكومة السودانية تعمل على تقوية التعايش بين الأديان والتداخل بين مكونات المجتمع المختلفة. وقال ويلبي إن عملية التعايش السلمي بين الأديان تمثل تحدياً كبيراً، ليس في السودان، بل في كل الدول التي عليها أن تظهر قدراً كافياً من القيم. وتمنى أن يعم السلام والتعايش بين جميع الأديان وأن يعم السلام كل أنحاء المنطقة والإقليم. ودعا الحكومة السودانية للمساهمة في تحقيق السلام في كافة ربوع المنطقة من أجل المئات من الأمهات والأطفال.

كما تحدث ويلبي بإيجابية عن التعايش بين المسلمين والمسيحيين في السودان، وقال إنه لاحظ ذلك أثناء زيارته لمدينة كادقلي، وبيّن أن الوضع مستقر في جنوب كردفان، وأن النازحين من دولة الجنوب يجدون تعاملا طيبا وسخاء من أهل المنطقة، وقال: هذا هو التعايش الحقيقي، ولكن المشكلة أن الإعلام الداخلي أو الوطني لم يعكس هذه الصورة للخارج، وأن هناك بعض المنظمات تستغل هذا الأمر سياسياً، وذكر أنه وجد في كادوقلي مسلما ومسيحيا في بيت واحد، وهذا مثال على التعايش الديني في السودان.

خاتمة:

يلاحظ أن زيارة رأس الكنيسة الإنجليكانية جاستن ويلبي إلى السودان حاولت إلقاء الضوء على أوضاع المسيحيين في السودان، والذين تدعي بعض الجهات الكنسية الغربية أنه بعضهم يعاني انتهاكات متكررة لحقوقهم، وأن بعضهم يعيش أوضاعاً صعبة زاد من حدتها انفصال جنوب السودان، حيث تحول ملف الكنائس في الخرطوم إلى ملف أمني تقلصت معه حقوق المسيحيين، وزادت شكواهم من التضييق الحكومي، وهو – بحسب تلك التقارير الغربية- أثر بشكل مباشر في تأخير قرار أميركي برفع العقوبات الاقتصادية عن السودان في يونيو الماضي. بجانب دعوى هدم الحكومة للكنائس التي دفعت تقريراً أميركياً إلى تصنيف السودان من ضمن الدول المنتهكة لحرية الأديان.

لكن على المستوى الإعلامي فقد كانت تصريحات ويلبي في ختام الزيارة إيجابية، حيث قال إن التعايش الديني السائد في البلاد بين المسلمين والمسيحيين سلمي ونموذجي ومخالف كثيراً للنظرة السائدة عنه في الغرب، وقال إنه وقف وشاهد نماذج عدة للتعايش بعكس النظرة السائدة في الغرب التي تضغط على السودان من هذا الباب. وشدد على أن الكنيسة الأسقفية ستقوم خلال المرحلة المقبلة بدور كبير من أجل رفع العقوبات الأميركية عن هذا البلد.

يمكن القول إن زيارة ويلبي أرادت أن تؤكد للعالم أن الكنيسة الإنجليكانية الأسقفية كانت وستظل موجودة في تربة السودان، وأن هذه الزيارة يراد لها أن تدعم وجود قادة الكنيسة المحليين ليواصلوا دورهم التنصيري بدعم ورضا من الخارج، كما أن زيارة كبير الأساقفة لمدينة كادوقلي عاصمة جبال النوبة فيها تأكيد على ضرورة استمرار وجود الكنيسة في جبال النوبة، ودورها في جنوب السودان كذلك عبر اللاجئين الجنوبيين الذين وصلوا للمنطقة بعد تدهور الأوضاع في بلادهم بسبب الحرب الدائرة هناك. 

مراجع:

1-  حسن مكي محمد أحمد، المشروع التنصيري في السودان، الخرطوم: منشورات المركز الإسلامي الإفريقي.

2-  دلدوم الختيم أشقر، النسيج الاجتماعي لولاية جنوب كردفان بقطاعاتها الثلاثة الغربي والأوسط والشرقي، صحيفة الصحافة، 8 ديسمبر 2012، العدد: 6933.

3-  تقرير حول زيارة كبير أساقفة كانتربري للسودان، 10 أغسطس 2017م، موقع سودان إنفو.

4-  موقع القس جاستن ويلبي: The archbishop of Canterbury jastin welby

5-  طارق أحمد عثمان، المسيحية في منطقة جبال النوبة بالسودان ودور الإرساليات في العمل التبشيري والتعليم، مركز الدراسات الأفريقية في جامعة أفريقيا العالمية، الخرطوم، 2011م.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق