أمريكا وإيران.. وعند اللوبي الخبر اليقين!
الأثنين 21 أغسطس 2017

 

 أسامة الهتيمي– كاتب مصري

 

خاص بالراصد

منذ العام 1979م، وبعد أن قام المئات من الطلاب الإيرانيين الثوار من أتباع ما يطلق عليه "خط الإمام" باقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز نحو 52 من الأمريكيين كرهائن، ومن ثم محاولة واشنطن الفاشلة لإطلاق سراحهم، التي تحطمت خلالها طائرتان عسكريتان وراح ضحيتها ثمانية جنود أمريكيين ومدني إيراني، ولا زالت الولايات المتحدة الأمريكية -ووفق ما هو معلن- تنظر إلى إيران باعتبارها بلدا إرهابيا يستحق أن تفرض عليه العقوبات، وهو التقييم الذي أكدت صحته السياسات الإيرانية فيما بعد وعلى مدار أكثر من سبعة وثلاثين عاما حتى أن الخارجية الأمريكية وفي تقريرها الأخير حول الإرهاب في العالم عام 2016م صنفت إيران باعتبارها الدولة الأولى الراعية للإرهاب، الأمر الذي لاقى قبولا لدى العديد من الدوائر ليس في أمريكا فحسب بل وفي الكثير من البلدان وفي مقدمتها دول الخليج التي عانت ولا زالت تعاني من الإرهاب الإيراني.

وعلى الرغم من أن كل الشواهد تدعم ما ذهبت إليه واشنطن ومعها عواصم البلدان المتضررة فيما يخص النظرة إلى إيران وتؤكد أن السياسات الإيرانية تحتاج إلى وقفة جادة وحاسمة توقف العدوان الإيراني الذي يتصاعد عاما بعد عام إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية، التي يفترض أنها القوة الأولى في العالم، لم تتخذ مواقف قوية ولم تفعّل قوتها للرد على السلوك الإيراني فانحصرت المواقف الأمريكية عند ترديد عبارات الإدانة والشجب والاستنكار ووضع بعض التنظيمات المحسوبة على إيران في خانة الإرهاب، تتساوى في ذلك مع العاجزين، اللهم إلا من بعض الإجراءات المتعلقة بفرض حزمة من العقوبات الاقتصادية التي تدرك واشنطن قبل غيرها بأنها لا يمكن بأي حال من الأحوال وفي ظل تعقد وتشابك العلاقات والمصالح الدولية والإقليمية أن تكون رادعا قويا أو ذات تأثير يضطر إيران إلى إعادة النظر في سياساتها.

بل إن الأدهى من ذلك أن نشهد مواقف أمريكية معاكسة ومغايرة لما يجب أن تكون عليه وغير منسجمة بالمرة مع ما ترفعه من شعارات وتردده من تصريحات على لسان قادتها بل ولا تمثل حتى الحد الأدنى من الرد على الوصف الإيراني لأمريكا كونها الشيطان الأكبر لتبدو ملامح المشهد الحقيقية مؤكدة أن الوصف الدقيق لطبيعة العلاقات الأمريكية – الإيرانية هو أنها تشبه جبل الجليد، فما يطفو منه على السطح أقل بكثير مما هو أسفل الماء وأن ثمة بونا شاسعا بين ما هو معلن وبين ما هو خفي.

علاقات لم تنقطع

يعتقد الكثيرون - ولهم بعض العذر – أن العلاقات الأمريكية الإيرانية ومنذ نجاح الثورة الخمينية في حالة توتر دائم نتيجة الشعارات التي رفعتها الثورة وأبرزها "الموت لأمريكا – الموت لإسرائيل" والتي كانت تعكس إلى أي مدى يحنق قادة إيران الجدد على أمريكا والكيان الصهيوني.

غير أن الكثير من الشواهد والدلائل المناقضة لذلك تكشفت يوما بعد يوم حتى تعرت تماما وأصبحت على مرأى ومسمع من الجميع، فالتواصل بين الخميني وأمريكا يعود للعام 1963م بعد أشهر من الإفراج عن الخميني، الذي سجن نحو ثمانية أشهر بعد احتجاجه على ما أسماه الشاه وقتها بالثورة البيضاء.

إذ تشير الوثائق الأمريكية التي تم الكشف عنها مؤخرا إلى تبادله الرسائل مع الرئيس الأمريكي وقتها جون كيندي، واستمر تواصل الخميني مع أمريكا حتى بعد الثورة، إذ أكدت الوثائق أن الخميني بعث برسالة إلى الرئيس جيمي كارتر – صديق الشاه- عام 1979.

وفي الثمانينيات كانت الفضيحة التي أطلق عليها إعلاميا "إيران كونترا" والتي كانت سببا في القضاء على المستقبل السياسي للرئيس رونالد ريجان حيث قام بتوريد أسلحة أمريكية بقيمة نصف مليار دولار إلى إيران عبر الكيان الصهيوني وخلال الحرب القائمة آنذاك بين إيران والعراق، وهو ما آثار دهشة واستياء الشعب الأمريكي وقتها إذ يفترض أن العلاقات بين البلدين تشهد توترا وخلافات عميقة.

واستمر التواصل بين قادة البلدين للتنسيق بشأن العديد من الملفات ومنها حرب الخليج الثانية  عام 1991م التي لم يخفَ خلالها على أحد الدعم الإيراني للقوات الأمريكية خلالها حتى جاءت أحداث سبتمبر 2001 والتي سارع على إثرها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي ليؤكد إدانة إيران ورفضها للإرهاب حتى لا يقع في فخ معاداة أمريكا بعد تقسيم رئيسها وقتئذ جورج بوش العالم إلى قسمين: قسم معه وقسم ضده، ثم الدعم الإيراني للقوات الأمريكية خلال غزو أفغانستان 2001، فمساعدة إيران في عملية غزو العراق 2003، ثم انخراط أمريكا في مفاوضات متعددة الأطراف بشأن الملف النووي الإيراني والتوصل إلى الاتفاق النووي "مجموعة 5 + 1" في يوليو 2015م.

ولم يقتصر الأمر عند ذلك فحسب بل امتد التنسيق الأمريكي – الإيراني إلى حد أن تتوافق الأجندة الأمريكية مع الأجندة الإيرانية في العديد من الملفات الإقليمية المهمة كما هو الحادث في العراق وسوريا أو غض الطرف الأمريكي عمّا يحدث في اليمن ولبنان، والتي يعلم الجميع مدى فاعلية الدور الإيراني فيهما.

وبكل تأكيد فإن هذا التوافق يحمل إشارة مهمة مفادها أن واشنطن لا تستغني عن توظيف الدور الإيراني في المنطقة مهما كان مؤيداً لها كما كان الأمر زمن الشاه، أو معارضاً لها كنظام الملالي لتحقيق مصالحها الخاصة.

ولعل في المقارنة بين المواقف الأمريكية تجاه العراق أو بعض المكونات والتنظيمات السنية في المنطقة ورد الفعل الأمريكي تجاه تحركاتها ما يكشف عن تباين المواقف الأمريكية تجاه إيران، ففي العام 1981 قامت القوات الصهيونية وبموافقة أمريكية بضرب المفاعل النووي العراقي، وفي العام 2003 تحركت جحافل الجيش الأمريكي لغزو العراق على خلفية شبهات حول وجود برنامج نووي عراقي ثبت فيما بعد أنها أكاذيب وأباطيل في الوقت الذي لم تحرّك فيه أمريكا ساكنا إزاء إيران التي تأكد بالأدلة والبراهين أنها بالفعل تتبنى برنامجا نوويا فضلا عن الدعم الإيراني للميلشيات الطائفية التي تقوم بأدوار أقل ما توصف بأنها قذرة في بلدان المنطقة وتسببت في حالة من عدم الاستقرار بها.

اللوبي والخبر اليقين

بطبيعة الحال كان الفارق الكبير بين مواقف أمريكا العلنية والخفية من إيران مثيرا للتعجب وللتساؤل أيضا حول الأسباب الحقيقية التي تجعل أمريكا تسلك هذا المسلك المتناقض، حتى أن الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب والذي لم يفتأ يدلي بتصريحات شديدة اللهجة بحق إيران والاتفاق النووي خلال حملته الانتخابية يصبح عاجزا عن فعل أي شيء إلا من السير على نهج أسلافه في فرض حزمة من العقوبات بين الحين والآخر بحق بعض الأشخاص والمؤسسات الإيرانية، والتي بكل تأكيد لن توقف إيران عند حدها.

وتفسير الأمر لا يحتاج إلى كثير عناء، فالتقاء المصالح بين البلدين هو المحدد الرئيس لطبيعة العلاقة بينهما، فعلى الرغم من إعلان ملالي إيران بعد الثورة العداء مع أمريكا إلا أن إيران قدمت نفسها وبثوبها الجديد لأمريكا كبديل عن إيران الشاهنشاهية التي تحافظ على المصالح الأمريكية في المنطقة سواء كانت تلك المصالح متعلقة بتأمين مصادر الطاقة وممرات العبور لنقل النفط أو بتلك المتعلقة بإجهاض المشاريع الإسلامية السنية التي ينظر إليها الغرب الاستعماري باعتبارها مهددة له لاختلافها الأيدلوجي معه، أو تلك المتعلقة بضمان أمن الكيان الصهيوني عبر أسلوبين: أحدهما تكوين ميلشيات ترفع شعارات المقاومة زورا وبهتانا وتنتهي علاقتها بالكيان الصهيوني بإحداث توافق فيما بينهم كما هو الحال مع حزب الله اللبناني أو عبر احتواء فصائل المقاومة السنية كما هو الحادث مع الفصائل الفلسطينية في الوقت الحالي.

في هذا الإطار فإيران حتى يمكنها أن تقوم بهذا الدور لا بد لها من إعلان العداء مع أمريكا لتستقطب أفئدة الملايين من العرب والمسلمين في بقاع الأرض وتكون قبلة لهؤلاء الذين يتطلعون إلى إيران لتحقيق أحلامهم فسمحوا لها بأن تتاجر بهم وأن تستخدمهم كأدوات أساسية وفاعلة لتحقيق مشروعها الخاص حتى تكشفت المواقف وسقطت أوراق التوت.

وقد استغلت إيران -وبحسب كل مرحلة تاريخية- الكثير من الأوراق لإقناع أمريكا بهذا الدور حتى لا تفقد أمريكا حماسها لإيران أو أن يستشعر قادة البيت الأبيض أنه يمكن أن تحل قوة أخرى محل إيران، وهو الدور الذي لعبه بإتقان شديد اللوبي الإيراني في أمريكا.

النشأة والقدرات والتمثيل

من المعلوم أن اللوبي هو مجموعات منظمة تمارس ضغطا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وإعلاميا، وتسعى للتأثير على القرارات الحكومية والتشريعات القانونية والانتخابات والرأي العام وتقديم الدعم المادي والمعنوي والفكري للجهة التي تمثل مصالح اللوبي سواء الاقتصادية أو الفكرية أو الاجتماعية، لكنها لا تخطط لممارسة نفوذ حكومي رسمي.

وفي دراسة نشرتها مجلة Perspectives on Politics التابعة لـ Cambridge Journals ولخصتها الـ BBC NEWS حاولت تحليل نظريات السياسة الأمريكية، واستنتجت أن نموذج الحكم الأمريكي ليس ديمقراطياً بالمعنى الحقيقي، إنما حكماً أقلوياً بالمعنى العملي، لكن "حكم الأقلية" هذا ليس هو المفهوم المعروف في دراسات النظم السياسية، إنماهو "حكم اللوبيات" التي تحوز على الثروة والمال والنفوذ والعلاقات.

وقامت الدراسة بتحليل المتغيرات اعتماداً على بيانات كبيرة، وخرجت بنتيجة مفادها أنّ المجموعات الصغيرة أو اللوبيات لها تأثير أكبر من الجماهير أو مجموعات العمل المدني التي تمثل الجماهير على صناعة السياسات وتوجيه القرارات المعنية بالشأن الداخلي أو الشؤون الخارجية.

يضاف إلى ذلك فإن عملية التواصل مع الشخصيات الأمريكية المؤثرة أمر ليس صعبا على الإطلاق، فالدراسات تشير إلى أن أكثر من 40% من أعضاء الكونجرس الأمريكي يعملون في شركات اللوبيات بعد التقاعد، كما أن عددا كبيرا من الباحثين والصحفيين والكتّاب الأمريكيين لا يمانعون على الإطلاق من أن يتعاونوا مع هذه اللوبيات ويقدموا لهم خدمات.

وعلى الرغم من أن وجود الجالية الإيرانية ربما يعود للستينيات من القرن الماضي حيث شهدت أمريكا أول موجة لهجرة الإيرانيين مطلع عام 1960 إلا أن إيران لم تكن في هذا الوقت في حاجة إلى لوبي فقد كانت العلاقة بين الشاه وأمريكا على ما يرام.

ثم جاءت الموجة الثانية من الهجرة الإيرانية إلى أمريكا في أعقاب اندلاع الحرب الإيرانية العراقية التي امتدت لثماني سنوات "1980 – 1988" فكان أغلب المهاجرين من الفارين من الخدمة العسكرية واللاجئين السياسيين.

وتزايد الإيرانيون بشكل كبير في أمريكا، وتركز تواجدهم في مناطق بعينها ومن ذلك تواجدهم المكثف حول لوس أنجلوس حتى أطلق عليها البعض طهران أنجلوس أو إيران أنجلوس كما تضم كلًّا من “بيفرلي هيلز” و”إرفاين” أكبر الجاليات الإيرانية الأمريكية وهو ما يفسر كيف وصل جيمي – جامشيد- دلشاد وهو إيراني أمريكي كعمدة لبيفرلي هيلز في عام 2007 ثم أعيد انتخابه في 2010.

إذ يتواجد في أمريكا من 3 إلى 4.5 مليون إيراني في أمريكا، وُلد أكثر من نصفهم على الأراضي الأمريكية فيما نجحوا في أن يتوغلوا في عالم السياسة والمال بأمريكا، إذ أسس هؤلاء نحو 320 شركة، ويساهمون في 450 شركة أخرى وتصل ثرواتهم إلى نحو 400 مليار دولار، ومن بينهم نحو 7000 طبيب و1300 متخصص في العلوم البحثية والتطبيقية يعملون في المؤسسات الأمريكية، وهناك 980 سيدة إيرانية يعملن في قطاع الاتصال والعلاقات العامة والترجمة والخدمات اللوجستية، فيما تصل نسبة الحاصلين منهم على درجة الليسانس حوالي 26% ما يضعهم في المرتبة الأولى بين المهاجرين من حيث التعليم العالي بحسب دراسة عن اللوبي الإيراني للكاتب لي سميث.

وقد أدركت إيران الخمينية ومن خلال استقرائها لما يقوم به اللوبي الصهيوني في أمريكا الذي يعود إلى الستينيات من القرن الماضي ويتشكل من عدة شخصيات ومؤسسات ومنظمات أبرزها منظمة "إيباك" إلى أهمية هذا الدور في أمريكا الذي نجح إلى حد كبير في أن يؤثر على الموقف الأمريكي لدعم الكيان الصهيوني والانحياز له دائما رغم أن نسبة اليهود في أمريكا لا تتجاوز الـ 3% من السكان ومن ثم فقد حرصت إيران، هي الأخرى، على أن يكون لها لوبي قوي يحقق لها مصالحها في الداخل الأمريكي.

كذلك فإنه وبحسب مراكز دراسات أمريكية فإن الحكومة الإيرانية تستغل المنح الدراسية التي تقدمها الجامعات ومراكز الأبحاث في أمريكا لترسل رموزها تحت ستار الدراسة، منهم ثلاثة من نواب وزراء الخارجية الإيرانيين السابقين، وأحدهم كان مستشاراً لمرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي، حتى خلال عمله كباحث في جامعة هارفارد الأمريكية.

ومع تطور الأحداث وتعقّد العلاقات وتشابكها أصبحت الحاجة إلى تشكيل لوبي إيراني في أمريكا في تزايد يوما بعد يوم، فهو أداة قوية وأقل تكلفة في دولة تتيح أوضاعها القانونية ذلك، الأمر الذي دفع بالمعارضة الإيرانية في أمريكا إلى تشكيل نواة للّوبي الإيراني الذي يسعى لحماية إيران من التدمير في صراع أمريكا مع نظام الملالي على غرار ما تعرض له العراق من تدمير بحجة إسقاط نظام صدام حسين.

فاللوبي الإيراني يحثّ الإدارة الأمريكية على إسقاط نظام الملالي لا تدمير إيران، وقد وَجد نظام الملالي في ذلك فرصة لبعض المكاسب فوثّق علاقته بشكل غير مباشر بهذا اللوبي الإيرانى الأمريكي.

 فنائب وزير الخارجية الإيراني الأسبق صادق خرازي - الذي أقام في الولايات المتحدة بين عامي 1989- 1996 وتولى موقعه في الحكومة من 97 وحتى 2003– هو الذي بادر إلى التفكير جديا في التقاطع والاستفادة من هذا اللوبي في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني (89 – 97) ثم تعاظم هذا التوجه في عهد خاتمي (1997 – 2005) ليشهد تراجعا في عهد أحمدي نجاد (2005- 2013) ليستعيد أهميته مجدداً بعد وصول روحاني إلى السلطة منذ يونيو 2013 وحتى الآن.

وكما هو ملاحظ فإن منحنى صعود وهبوط التقاطع مع اللوبي يرتبط بانتماء الرئيس الإيراني للتيار المحافظ أو التيار الإصلاحي، حيث يركز الاصلاحيون على تحقيق أهدافهم بشكل ناعم وبالعمل على اختراق مؤسسات الحكم الأمريكية، وهو ما تنبّه له الرئيس روحاني المحسوب على الإصلاحيين خلال زيارته الأولى للولايات المتحدة حيث طالب الجالية الإيرانية المؤيدة للنظام أن تقوم بدور وطني وتشكل مجموعات ضغط فعالة للتأثير على الرأي العام الأمريكي لمصلحة إيران.

وكعادة اللوبيات فقد عمل اللوبي الإيراني على اختراق أجهزة الإعلام الأمريكية ومراكز الدراسات والأبحاث والمنظمات الحقوقية حيث يتركز نشاط هؤلاء على الكونجرس فيما كان لآخرين نشاط مرتبط بصناعة النفط وهو ما ساهم في إيجاد مصالح مالية في أمريكا.

وتمثل هذا اللوبي في عدة مؤسسات بدأت بالنشاط الاقتصادي، حيث وقّعت حكومة رفسنجاني اتفاقاً مبدئياً مع شركة النفط الأميركية "كونوكو" لتنفيذ مشروع في إيران وهو ما اعتبرته شركات النفط الكبرى الأمريكية إشارة إيجابية فشرعت على إثرها في الإعداد لحملة تهدف إلى كسب تعاطف الرأي العام مع إيران، وسارع هوشنك أمير أحمدي، الأستاذ في جامعة روتجرز، الذي كان يعمل سابقاً مع الحكومة الإيرانية إلى عقد سلسلة مؤتمرات بين إيران وأمريكا لتعزيز الصداقة بين البلدين، ثم جاء "مشروع الخليج 2000"، عام 1993 ليكون ثمرة هذه الخطوة.

أعقب ذلك تشكيل مجموعات ضغط إيرانية نشطة كان أبرزها مندوبي شركات النفط الأمريكية الكبرى والمجلس الأمريكي – الإيراني، الذي أسسه هوشنك أمير أحمدي عام 1997 في أمريكا، وهي منظمة كانت تسعى إلى رفع العقوبات عن طهران وشملت في عضويتها دبلوماسيين أمريكيين سابقين ومديرين تنفيذيين في قطاع النفط، بما في ذلك شركة هاليبرتون وشيفرون وإكسون موبيل، وغيرها من الشركات، فيما كان يتلقى رئيسها أحمدي الدعم السياسي والمالي من طهران مؤكدا في تصريحاته أن المجلس منظمة ضغط نيابة عن إيران.

ونجح المجلس في أن يكون مركز ثقل، إذ تزامن وجوده مع اهتمام من إدارة كلينتون بالرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي غير أنه فقد الكثير من مصداقيته بسبب علاقات أحمدي الوثيقة مع معسكر المحافظين الإيرانيين.

وتعد رابطة التجارة الإيرانية التي تأسست عام 1997 واحدة من مؤسسات اللوبي الإيراني وكانت تسعى للتأثير على السياسة الأمريكية والعمل على دفعها لإلغاء العقوبات ضد إيران حيث حظي مؤسسها شهريار أفشار بدعم شركة النفط "كونوكو" وشركات أمريكية أخرى لكن أنشطة الرابطة توقفت عام 2003.

وقام تريتا بارسي، الذي كان حينها طالباً يعيش في السويد ثم انتقل إلى أمريكا عام 2001، بإنشاء مؤسسة "إيرانيون للتعاون الدولي"، والتي اعتمدت على أعضائها في أمريكا لإرسال عرائض ومخاطبة أعضاء الكونجرس بضرورة رفع العقوبات عن إيران، غير أن هذه المؤسسة توقف عملها إثر ذلك عام 2002.

ولم يمنع توقف مؤسسة "إيرانيون للتعاون الدولي" بارسي من أن يواصل دوره حيث عمل على تأسيس المجلس الوطني الإيراني الأمريكي (NIAC) عام 2002، الذي سرعان ما تحول إلى الواجهة الرئيسة للّوبي الإيراني حيث عمل المجلس على تحسين العلاقة بين أمريكا وإيران وفتح الفرص التجارية بينهما، مما ساعده على الحصول على تمويل سخي من بعض شركات النفط الأمريكية.

الدور والأدوات والتمويل

بات واضحا للجميع أهمية الدور الذي لعبه اللوبي الإيراني في إيران ولا زال، وقدرة عناصره على الوصول إلى أعلى مؤسسة للحكم في أمريكا وهي البيت الأبيض، فقد أفاد الموقع الإعلامي الأمريكي "واشنطن فري بيكون" بأن بارسي زار البيت الأبيض ثلاثًا وثلاثين مرة في حين زاره الدبلوماسي ومساعد أمين مجلس الأمن القومي الإيراني الأسبق حسين موسويان ثلاث مرات على الأقل.

وكانت تتركز اللقاءات التي عقدها عضوا اللوبي الإيراني مع مسئولي البيت الأبيض على  تقريب وجهات النظر بين أوباما وإيران حول توقيع الاتفاق النووي الإيراني، وهي الجهود التي عدّها البعض جزءًا بسيطًا من مجموعة ضغط تجاه هذا الاتفاق بقيادة مسؤولين كبار في إدارة أوباما كان لهم دور في تضليل الكونجرس الأمريكي حول طبيعة الاتفاق.

ولتحقيق هذا الدور السياسي الذي يقوم به اللوبي فقد استند إلى عدة أدوات أبرزها التغلغل في مراكز الفكر ومؤسسات صنع القرار الأمريكي واستخدام وسائل الإعلام والتحدث من خلال هذه المنابر المهمة عن عدم فاعلية العقوبات الاقتصادية في التأثير على السياسة الإيرانية.

كذلك فقد نجحت جهود اللوبي في تعزيز التعاون التجاري بين الشركات الأمريكية وإيران حيث كشفت صحيفة لوفيجارو الفرنسية أن هناك غزوا سريا من قبل الشركات الأمريكية في مجال الأعمال الإيرانية في مجال البترول والغاز الطبيعي الغنية بهما إيران، مضيفة أن قطاعات الاقتصاد الأمريكي بما فيها الشركات المدرجة في بورصة ناسداك أرسلت مندوبيها إلى إيران والذين غالباً ما يستخدمون جوازات سفر سويسرية ويرسلون منتجاتهم إلى إيران عبر الدول المجاورة بشكل سري.

يضاف إلى ذلك أن اللوبي الإيراني نجح في أن يقنع الإدارة الأمريكية بتعزيز التعاون مع إيران بشأن أفغانستان والعراق وسوريا واليمن وغير ذلك من الملفات الإقليمية التي بدا فيها أن إيران لاعب قوي في تفاصيلها.

وتعد قدرة اللوبي على الترويج لدى الأمريكيين بأن لدى إيران استعدادا لأن تطور من علاقتها مع "إسرائيل" واحدة من أهم الأدوات التي استخدمها، مستندا في ذلك إلى أن مسافة شاسعة تفصل بين ما يردده قادة إيران حول "إسرائيل" وحقيقة الموقف تجاه إقامة علاقات مشتركة، حتى أن بارسي أشار إلى أنه من الممكن أن يتعامل "الإسرائيليون" مع الإيرانيين كحليف محتمل، كاشفا عن الضغوط التي مارسها شيمون بيريز عام 1980 لإقناع واشنطن بتعزيز الدفاعات الإيرانية بهدف إعادة طهران إلى الحظيرة الغربية في حين أعلن أرييل شارون على قناة "بي سي إن" أن "إسرائيل" ستستمر في بيع أسلحة لإيران رغم الحظر الأمريكي.

ويأتي أخيرا حسن استغلال اللوبي لمواقع وعلاقات عناصره، إذ ضم اللوبي الإيراني عددا من الشخصيات ذات الحيثية في المجتمع الأمريكي وأبرزهم "سحر نوروزيان" – إيرانية الأصل - وكانت مستشارة الأمن القومي الأمريكي العليا وموظفة سابقة في "المجلس الوطني الأمريكي الإيراني" الذي كان يضم اثنين من الدبلوماسيين الأمريكيين السابقين أيضا هما: توماس بيكرينغ السفير السابق في "إسرائيل" وجون يمبرت الذي احتجز رهينة من قبل النظام الثوري في عام 1979.

كما تضم شبكة علاقات تريتا بارسي، مؤلف كتاب اللوبي "الإسرائيلي"، ستيفن والت من جامعة هارفارد والكاتبين هومان مجد ورضا أصلان، فضلا عن شخصيات من رجال الأعمال الإيرانيين مثل عطية بهار، والناشط حسن داي.

وتضم قائمة الشخصيات أيضا فريال جواشيري – إيرانية الأصل – وكانت تعمل ككاتبة خاصة للرئيس أوباما ومساعدة له منذ كان عضوًا في الكونجرس، ورامين طلوعي – إيراني الأصل - وقد عين عام 2014 كنائب وزير الخزانة للشؤون الدولية وفاليري جارت، أقرب المستشارات إلى أوباما وأكثر الشخصيات تأثيرًا عليه.

ويحصل اللوبي الإيراني في أمريكا على تمويله المالي عبر دعم المجتمع المحلي حيث يجمع اللوبي أموالا من التبرعات والدعاية والضغط والعلاقات مع الكبار، بينما يأتي جزء من المؤسسات مثل صندوق بلاوشيرز، التي أنفق ملايين الدولارات للتأثير على سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران وفقا لـ "مايكل روبين"، مؤلف كتاب عن الدعم الإيراني لهذا اللوبي فضلا عن مؤسسة "بيناد علوي" التي أسسها شاه إيران عام 1973 في نيويورك تحت اسم "بيناد بهلوي" ثم تغير اسمها بعد أن سيطر عليها الملالي إلى "بيناد مستضعفان" ثم "بيناد علوي"، ويسيطر عليها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، والتي تمتلك ناطحة سحاب في قلب مدينة نيويورك تعود عليها بإيجارات ضخمة تستخدمها في تمويل أكثر من 30 مؤسسة تعليمية في عموم أمريكا.

وتنفق هذه الأموال بالطبع على أنشطة اللوبي، كما تستخدم لمكافأة الأكاديميين الذين يكتبون ما يرضي إيران والمؤسسات التربوية التي تُصدر دراسات تخدم مصلحة طهران.

مستقبل اللوبي الإيراني

ولا شك أن النجاح الذي حققه اللوبي الإيراني بدفع الإدارة الأمريكية إلى توقيع الاتفاق النووي (5+1) مع إيران كان يعكس قدرة هذا اللوبي على تجاوز الكثير من العقبات والتحديات والانتصار على الجهات التي ترغب في عرقلة التوصل للاتفاق، وهو ما يعد في الوقت ذاته دافعا قويا لهذا اللوبي لأن يواصل نشاطه بل ويعمل على انتقاله لمرحلة أهم وأخطر.

وقد أشارت عدة صحف أمريكية إلى أن اللوبي الإيراني يقترب من تدشين مرحلة جديدة من العمل السياسي في أمريكا حيث أعلن "المجلس الوطني الإيراني الأمريكي" عن الانتقال إلى هذه المرحلة الجديدة وأنه يعتزم الإعلان عن إنشاء مجموعة ضغط "لوبي" إيرانية جديدة تخوض غمار العمل السياسي مباشرة، على النحو الذي تفعله جماعات الضغط الأخرى مثل اللوبي الصهيوني.

وأعلن المؤسسون للّوبي الإيراني الجديد على لسان المدير التنفيذي له جمال عابدي – وفق التقارير الأمريكية - أن الهدف الأساسي هو استخدام الأموال التي يحصلون عليها، وخصوصاً من الإيرانيين في أمريكا من أجل القيام بنشاط سياسي فاعل ومؤثر ومباشر، قائلا: "لقد حصلنا على كل هذه الأموال وهي موجودة على الطاولة وتمثل في حد ذاتها نفوذاً سياسياً لم نستخدمه بعد.. والآن بمقدورنا أن نبدأ فعلياً في لعب اللعبة السياسية كاملة".

 في حين أعلن المؤسسون للّوبي الجديد أن هدفهم المحوري هو إحداث تحول سياسي في واشنطن، لصالح إيران طبعاً، وممارسة تأثير بعيد المدى على السياسة الأمريكية، في مواجهة جماعات ضغط أخرى تناهض إيران وتنتقد مثلاً المفاوضات معها والاتفاق الأمريكي الإيراني مؤكدين في الوقت ذاته أنهم سوف يفتتحون 30 فرعاً له في مختلف أنحاء أمريكا.

ومِن بين ما يعتزم اللوبي الجديد القيام به في المرحلة القادمة التركيز على أمرين أساسيين، أولهما: تمويل حملات مرشحين إلى الكونجرس الأمريكي والمواقع السياسية الأخرى، وثانيهما: تنظيم الحملات السياسية المنتظمة دفاعاً عن إيران والترويج لعلاقات إستراتيجية جديدة بينها وبين أمريكا.

لكن في المقابل، ربما يشكل انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يتبنّى مواقف أكثر حزما تجاه إيران تحديا جديدا أمام اللوبي الإيراني، إلا أنه في نهاية الأمر يمكن أن نصف دور اللوبي بأنه ناجح، إذ استطاع أن يحجّم من ردود فعل ترامب بعد وصوله للبيت الأبيض فقد كان أقصى ما فعله ترامب هو فرض عقوبات جديدة بحق شخصيات ومؤسسات إيرانية لكنه لم يستطع إلغاء الاتفاق النووي أو حتى تصنيف الحرس الثوري الإيراني باعتباره منظمة إرهابية وهو في حد ذاته انتصار لإيران ذلك أنه في كل الأوقات كانت هناك عقوبات أمريكية مفروضة على إيران.

وليس مستبعدا أن يمارس هذا اللوبي حزمة من الضغوط التي تضطر الإدارة الأمريكية إلى عدم تجاوز نقطة بعينها في التعاطي مع إيران، وهو ربما ما تكشف مؤخرا، والذي رغم عدم امتلاكنا أدلة على مسئولية اللوبي الإيراني عنه إلا أننا لا نستبعد أن يكون وراءه بقصد الـ "بروبجندا" أو رسالة للضغط، حيث قامت نهاية شهر يوليو من العام الجاري مجموعة تطلق على نفسها "جيش حزب الله أمريكا" بتوزيع بيان مطبوع باللغة الفارسية في أمريكا، هددت بضرب المصالح الأمريكية داخل أراضيها في حال عدم انسحاب القوة البحرية الأمريكية من الخليج العربي وذلك بالتزامن مع مصادقة الكونجرس على عقوبات جديدة تطال الحرس الثوري الإيراني.

كيفية المواجهة

من المثير للدهشة أن نشأة اللوبي السعودي في أمريكا سبقت اللوبي الإيراني إذ تعود هذه النشأة إلى أواسط الثمانينيات حين تم تعيين الأمير بندر بن سلطان سفيرًا للمملكة في واشنطن وكان له الدور الأكبر في تطوير العلاقات السعودية– الأمريكية التي نجحت في أن تصمد أمام هزات عنيفة أشهرها أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م.

ومنبع الدهشة أن اللوبي السعودي لم يستطع أن يحقق ما حققه نظيره الإيراني فيدفع الإدارة الأمريكية إلى أن تتحول عن توقيع الاتفاق النووي الذي يمثل تهديدا حقيقيا لأمن المملكة والمنطقة بأكملها ذلك أنه ليست هناك ضمانات حقيقية تمنع إيران عن الاستمرار في استكمال برنامجها النووي أو اقتصاره على الجانب السلمي.

غير أن تفسير ذلك ربما يعود إلى افتقاد اللوبي السعودي إلى حاضنة شعبية قوية كما هو الحال بالنسبة للوبي الإيراني، فعدد السعوديين المقيمين في الولايات المتحدة لا يقارن على الإطلاق بالإيرانيين الذين بلغوا الملايين، والسبب بالطبع أن المملكة ليست طاردة لأبنائها، فأغلب السعوديين المتواجدين بأمريكا هم زوار أو مبتعثين للدراسة.

لكن على كلٍّ فإن اللوبي السعودي يمتلك من الأدوات والإمكانيات ما يمكنه -في حال أحسنَ استغلالَها بالإضافة إلى تفعيل التنسيق مع بقية اللوبيات العربية الأخرى- أن يحقق قفزات هائلة، فاللوبي السعودي يتميز بقربه من كبار صناع القرار في الولايات المتحدة ويقوم بتمويل عدد من مراكز الأبحاث والمؤسسات ومنها "معهد الشرق الأوسط ومجلس سياسة الشرق الأوسط ومؤسسة بيل وهيلاري وتشيلسي كلينتون" ودعَم لفترة "مجلس الأطلسي" وهو مركز أبحاث للدراسات الإستراتيجية يقدم النصح والإرشاد للنواب الأمريكيين.

ويحتاج اللوبي السعودي والعربي بشكل عام إلى أن يموّل حملات إعلامية في التلفزيون والصحافة للترويج لأهمية المصالح الأمريكية – العربية المشتركة سياسيا واقتصاديا ويكشف عن الدور الإيراني الخبيث في المنطقة وكيف أنها بالموقف الأمريكي السلبي ترتكب جرائم شنيعة.

كما أن مسألة التنسيق بين اللوبي السعودي وبقية اللوبيات العربية مهمة لأقصى درجة ذلك أن اللوبيات الخاصة ببعض الدول يمكن أن تعوض النقص فيما يتعلق بالحضانة الشعبية فالمهاجرون العرب من غير الخليجيين كُثر في الولايات المتحدة ومن ثم فلا داعي لحالة التنافس فيما بين اللوبيات العربية خاصة وأن المصالح العربية مشتركة والأمن العربي واحد.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق