أثر العامل الديني على العلاقات العُمانية الإيرانية
الأثنين 21 أغسطس 2017

 

 بوزيدي يحيى – كاتب وباحث جزائري

 

 

خاص بالراصد 

انفردت سلطنة عُمان بعلاقة متميزة مع إيران مقارنة بدول الخليج الأخرى، فلم تتأثر بوصول الثورة الإسلامية إلى الحكم، على عكس العديد من العلاقات الإيرانية مع الدول العربية والخليجية منها على وجه التحديد([1]). فقد حافظت عُمان على علاقاتها بإيران رغم العداء المتنامي ضد طهران في المنطقة، وعلى الصعيد العالمي على حد سواء، وحتى بعد اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية في 1980، والتي استمرت نحو عقد من الزمن وساندت دول الخليج خلالها العراق، استمرت العلاقات العمانية الإيرانية دون انقطاع([2]) 

وخلال العقود الأربعة من عمر النظام الإيراني لم تشهد العلاقات بين البلدين صراعات حادة باستثناء بعض الأزمات العابرة التي سرعان ما تزول لتعود العلاقات إلى سابق عهدها([3])، ولم تنقطع رغم العواصف الكثيرة التي مرّت على منطقة الخليج([4]). بل على العكس من ذلك شهدت منحى تصاعديا، خاصة في الفترة الأخيرة، حيث عرفت العلاقة بين الطرفين قفزات نوعية سياسيا وعسكريا واقتصاديا، في مقابل توترها مع الدول الخليجية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. فمنذ الزيارة التي قام بها السلطان قابوس لطهران في أوت 2009، والعلاقات تزداد تماسكا وتداخلا، وتشهد صعودا بوتيرة متسارعة، متعددة الأبعاد. وقد ازدادت صعودا وتماسكا بعد أحداث الربيع العربي، وزيارة السلطان قابوس في أوت 2013([5]). 

 

 

 

استندت جلّ القراءات على البعد الجيوسياسي بدرجة أولى والتاريخي بدرجة ثانية في تفسير هذه العلاقة المتميزة بين البلدين، أما البعد الديني فيكاد يغيب عن قراءة تأثيره في العلاقة بين مسقط وطهران، وإن كان هذا البعد أقل حضورا في السياسة الخارجية العمانية فإنه لا يمكن تحييده من نظيرتها الإيرانية، وعند مقارنة العوامل التي ساهمت في نسج هذه العلاقة بين الطرفين تظهر بعض المفارقات، خاصة بالنسبة للسياسة الخارجية الإيرانية، فكثير من عوامل التشابك والتصادم التي تسببت في توترها مع دول الخليج بشكل خاص تنطبق على السلطنة، والركون إلى مبادئ دبلوماسية الأخيرة قاصر أيضا في تفسير هذه العلاقة، كل هذا يدفع لإعادة النظر في دور مختلف العوامل على العلاقات بين البلدين وفي مقدمتها العامل الديني.  

 

الدين ومبادئ السياسة الخارجية العمانية: 

تنطلق سلطنة عمان في سياستها الخارجية من جملة مبادئ يأتي في مقدمتها إقامة علاقات صداقة مع العالم وتعزيز العلاقات الحسنة والمتكافئة، واعتماد سياسة حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير واحترام القوانين والمواثيق والأعراف الدولية([6]) 

وإذا كانت مثل هذه المبادئ تتّسم بقدر كبير من المثالية، وجل الدول تدبج بها رؤيتها ورسالتها، إلا أنه في الحالة العمانية تجسدت الكثير من هذه المبادئ في الأدوار الدبلوماسية التي لعبتها في القضايا الإقليمية، ويرجع محللون عمانيون الدور الفعال لعمان في المنطقة إلى مبدأ الحياد الإيجابي الذي تمسكت به حتى في لحظات حرجة جدا مرت بها المنطقة إقليميا وعربيا، كالحرب الإيرانية العراقية، والمقاطعة العربية لمصر، وحرب الخليج الأولى والثانية، وآخرها موقفها من الملفات الحديثة في السياسة العربية بعد 2009، ومنها الملف المصري، والتونسي، والسوري، والليبي، واليمني، وحتى البحريني. ولذلك؛ استطاعت سلطنة عمان أن تجعل من هذا المبدأ المحرك الديناميكي لملفاتها الخارجية([7]). 

تنسب هذه الاستراتيجية إلى السلطان قابوس الذي حاول صياغة جملة من المبادئ بالتفاعل مع خصوصيات بلده، خاصة الجغرافية منها، فقد فرض عليها موقعها الجيوسياسي انتهاج هذا المسار لتجنب ارتدادات الأزمات الإقليمية عليها، وعلى أهمية هذا العامل لكن لا يمكن الاستناد عليه وحده في فهم السياسة الخارجية العمانية.  

وبالنسبة للبعد الديني لا توجد إشارات مباشرة عن دوره في التأثير على المواقف العمانية، ولكن في الوقت نفسه لا يوجد نفي لتأثيره بالمطلق، ويعبر عنه بطريقة غير مباشرة من خلال الإشارة إلى البنية المجتمعية العمانية، فرغم ضيق هوامش المشاركة السياسية، وانعدام تأثير الرأي العام في عملية صناعة الخيار الاستراتيجي، فإن صانع القرار العماني لا تغيب عنه انعكاسات التنوع الديموغرافي على الاستقرار السياسي والسلام الاجتماعي، الأمر الذي يُخضِع السياستين الداخلية والخارجية لحسابات الديموغرافيا([8]) 

فالكتل الإثنية والثقافية في الداخل العماني لها امتدادات خارج الحدود الجغرافية، وهذا يفرض على صُنّاع السياسة الخارجية استبطان المصالح والارتدادات المرتبطة بتلك الامتدادات العرقية والثقافية([9]). ومن جهة أخرى فإن للشخصية العمانية دور في بناء الراهن السياسي لعُمان؛ فسلطنة عمان التي استقلت من الدولة المركزية الإسلامية (أمويا وعباسيا وعثمانيا) لأسباب تاريخية دينية، لا تزال تمارس شخصيتها السياسية الراهنة من خلال تاريخها السياسي؛ ذلك التاريخ الذي صاغته بتحولاته ومساراته كافة، سياقات ظرفية، وتراكمات تاريخية، دفع عمان إلى إحداث قطيعة سياسية مع قضايا العمق العربي.  

فعُمان، وإن أصبحت عضوا فاعلا في الجامعة العربية، وعضوا مهما وفاعلا في منظومة مجلس التعاون الخليجي فهي لا تزال تمارس أدوارها الإقليمية والدولية باعتبارها دولة ذات كيان تاريخي مستقل عن التمركزات التاريخية للبلدان العربية والإسلامية([10]) 

وبذلك فإن الموقف العماني الحيادي ينبع من خصوصية تركيبتها الديمغرافية المتنوعة بغضّ النظر عن حجم التباين بينها، فالإباضية أدت دوراً مهماً في تشكيل التاريخ السياسي الحديث لسلطنة عُمان، ولا زالت المضامين الفكرية لهذا المذهب تؤثر في توجهات السياسة العُمانية المعاصرة، المحلية والإقليمية([11]). إلى جانب وجود كتلة سنية([12])، وأقلية شيعية، لذلك تتجنب الانحياز إلى أحد الأطراف الإقليمية (السعودية أو إيران) تخوفا من انعكاساته الداخلية عليها، إذ يمثل الجو الطائفي في الإقليم عاملا مساعدا في حرص سلطنة عمان على أخذ مسافة متساوية من جميع الأطراف في النزاع الإقليمي الحالي، وتفادت عمان أن تكون طرفاً في أي تحالف أو ترتيبطائفي، وعززت حيادها لتطور علاقات موثوقة مع جميع الأطراف وهو ما سمح لها بلعب دور مختلف عن أي دولة خليجية أخرى([13]) 

فمن جهة تتخوف عُمان من توسع النفوذ السلفي فيها، خصوصاً مع خروج أحاديث عمانية متخوفة من هذه النقطة تحديدا ومشيرةً إلى عمل بعض الشخصيات الدينية السعودية على نشر المذهب الوهابي والفكر السلفي في البلاد([14]). ومن جهة أخرى تتوجس من إيران، لذلك انحصر التعامل معها في حدود العلاقات التي لا يمكنها التأثير على مكونات الاجتماع السياسي في عمان، ولهذا ظلت تلك العلاقة تشتغل في مناطق ومساحات ضيقة جدا، وغابت أي علاقة بينهما في الملفات الأخرى كالملف الديني والاجتماعي والثقافي، بل حتى التجاري؛ إذ تعتبر عمان الأضعف من حيث التبادل التجاري مع إيران؛ لأن كل تلك الملفات هي التي يمكن أن تشتغل عليها إيران فيما إن كانت تملك فعلا مشروعا أيديولوجيا في المنطقة([15]). 

 

الحياد على الطريقة العمانية: 

عند الغوص في تعقيدات أزمات المنطقة وتشابكاتها يبدو هنالك التباس في مفهوم الحياد عند سلطنة عمان، والذي يصبح مشابها إلى حد كبير لمفهوم عدم الانحياز في حقبة الحرب الباردة؛ فهذه الكتلة العالم ثالثية التي أعلنت عدم انحيازها لأحد من  القطبين كانت عمليا منحازة بقدر كبير إلى الاتحاد السوفيتي.  

والأمر نفسه ينطبق على السلطنة، فرغم اتخاذها من الحياد وعدم الانحياز إلى أحد الأطراف مبدأ تجاه القضايا الإقليمية غير أنها –عمليا- منحازة بطريقة ما إلى الجانب الإيراني، ففي مختلف الأزمات الخليجية مع إيران لم تبدِ السلطنة تضامنا مع رفقائها في التحالف، إلا بقدر محدود جدا، وإيران تَعتبر علاقاتها المتطورة والمتقدمة مع سلطنة عمان مكسبا كبيرا يعزز من نفوذها في منطقة الخليج على حساب المملكة العربية السعودية، لذلك فالبعد التنافسي حاضر في العلاقة، ولا شك أن السلطنة تدرك ذلك جيدا.  

من هنا فإن المواقف التي تساند فيها عمان إيران يمكن وصفها بالمنحازة، فقد كان السلطان قابوس أول زعيم عربي يزور طهران بعد تولي روحاني للسلطة في أغسطس 2013، وعُمان كذلك كانت هي الوجهة الإقليمية الأولى لروحاني([16]) 

والعلاقات العُمانية - الإيرانية لم تقف عند حدود العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، بل وصلت إلى توقيع اتفاق دفاعي عسكري مع إيران في سبتمبر 2014، وكان من الواضح أن هذا الاتفاق يفتح المجال لتنسيق وتعاون عسكري لا يستهان بهما، لعل المناورات البحرية المشتركة في مضيق هرمز دليل واضح على مستوى التنسيق الكبير في هذا الجانب، ما يهدد أمن بلدان مجلس التعاون الذي مسقط عضو فيه([17])كما لعبت مسقط دورا مهما في تآكل الحصار الدولي والإقليمي على إيران([18])ناهيك عن أن الأخيرة تبدو عازمة على استغلال موقع عُمان الإستراتيجي للانطلاق نحو أفريقيا، التي تزايد الدور الإيراني فيها في الفترة الأخيرة؛ فقد أعلنت إيران عن استثمارات بقيمة 4 مليارات دولار في ميناء الدقم العُماني ومشروعات بنية تحتية أخرى في عُمان([19]). 

وفي الأزمة السورية أثبتت السلطنة قدرا من الانحياز إلى جانب نظام الأسد حيث رفضت عبر وزير الدولة للشؤون الخارجية يوسف بن علوي، طرد سوريا من الجامعة العربية على أساس أن ذلك يصبّ في مصلحة داعش والنصرة وأن الوساطة والحل السياسي هما الأفضل([20]) 

وتبرير هذا الموقف بخطر داعش والنصرة قراءة تتسم بعدم الموضوعية بإغفال ممارسات النظام التي ترتقي إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، كما أنها من جانب آخر تغفل الإرهاب الشيعي ممثلا في المليشيات المدعومة من إيران والتي لا تختلف في منطلقاتها وأعمالها عن داعش والنصرة، والموقف العماني تجاوز كل هذا إلى كسر العزلة الدبلوماسية من خلال قيام «يوسف بن علوي» بزيارة إلى سوريا ولقائه برئيس النظام السوري بشار الأسد. وهناك مجال واسع للقيام بوساطة دون الحاجة إلى الإقدام على خطوات يدرك صانع القرار العماني أنها توظف لخدمة النظام على حساب جهود حل الأزمة، فلا شك أن النظام استغل الزيارة داخليا لتأكيد شرعيته الخارجية. 

والالتباس يزداد أكثر في الحالة اليمنية، فمع تفهّم الموقف العماني الرافض للمشاركة في عاصفة الحزم تماشيا مع مبادئها، غير أن الأخذ بعين الاعتبار تأثير الأزمة على الأمن القومي العماني يلزم الأخيرة باتخاذ اجراءات متقدمة رافضة للدعم الإيراني للحوثيين لانعكاساته الخطيرة عليها، فاليمن يتموضع أو ينبغي أن يتموضع، في قلب الرؤية الإقليمية العمانية. فهناك الالتماس الجغرافي، والتداخل الثقافي، والامتدادات القبلية مع الجزء الجنوبي من عمان. ولهذه الاعتبارات وغيرها، لا تملك الدولة العمانية رفاهية الإعراض عن الشأن اليمني، أو حتى التعاطي معه عن بعد([21]) 

فالحالة اليمنية بتداعياتها الحرجة تشكل مصدرا محتملا لمهددات استراتيجية عالية الكلفة، ومع هذا لم تعلن السلطنة رسميا عن مبادرة مستقلة تستبطن المصالح العمانية العليا، وتفتح أفقا لتوافقات موضوعية عادلة، بعيدا من حسابات مشروعي الهيمنة الأمريكي والإيراني. ولم تبد موقفا رادعا إزاء الهجوم الحوثي على مؤسسات الدولة اليمنية، ولم تستثمر دالتها على إيران التي كانت حاضرة في جولات التفاوض تلك، للدفع في اتجاه عقلنة المشروع الحوثي([22]). 

 

إيران والاستثناء العماني: 

تشكل سلطنة عمان الاستثناء في طريقة تعامل إيران مع دول المنطقة، فهي المعروفة بزعزعة أمن واستقرار الدول، لم تشكّل خطرًا على استقرار عُمان الداخلي، ولم تحاول تقويض وحدتها الوطنية بأي شكل من الأشكال([23]). وحتى المشكلات الحدودية التي تعتبر من أعقد الأزمات في العلاقات الدولية بشكل عام، يلاحظ أنه في الوقت الذي تثير فيه إيران المشكلات الحدودية مع الدول الخليجية (الإمارات الكويت)، فإنها تحرص على حلّ المشكلات ذاتها مع السلطنة بالطرق السلمية([24]) 

وتُرجع بعض القراءات العلاقات الإيجابية بين البلدين إلى سياسة قابوس التي تجنّبت الصدام مع إيران، حيث تفسر هذا الاستثناء بالطبيعة الهادئة للسياسة العُمانية ومبدأ الانفتاح على الجميع التي لعبت دوراً هاماً في وصولها إلى هذه الدرجة من التعاون والارتباط([25]) 

لكن بالمقارنة مع حالات أخرى نجد أن هناك دولا كان لها دور مشابه للدور العماني، سواء في حرب الخليج الأولى حيث رفضت الانحياز إلى أحد أطراف الأزمة وعملت على حلها دبلوماسيا، وحتى رعاية المصالح الإيرانية؛ فالدوران الجزائري والعماني متشابهان إلى حد كبير جدا، ولكن مع ذلك فإن النظام الإيراني لم يولِ كل هذه المؤشرات أي أهمية حين تدخّل في الشؤون الجزائرية الداخلية وانحاز إلى أحد طرفيها في تسعينيات القرن الماضي.  

وما يُفهم من هذه القراءة أيضا؛ أن السياسة الإيرانية ماهي إلا رد فعل على سياسات الدول الأخرى، وأنها دفاعية وليست هجومية، ولا شك أن هذه القراءة قاصرة، فالسبب لا يعود إلى السياسة الخارجية العمانية لأن منطلقاتها تشاركها فيها دول أخرى ولكنها لم تسلم من السلوك العدواني الإيراني، كما أن بعض الدول تبنتها في مرحلة من المراحل على الأقل، فالدول الأخرى لم تكن في حالة صدام دائم مع إيران، ورغم المحاولات العديدة لتجنب التوتر والخلاف إلا أن طهران كانت سرعان ما تعود لتؤزمها بطرق مختلفة، ورغم الخطوات الإيجابية بقي السلوك الصراعي هو المرتكز الأساسي في علاقتها معها، فبعد حرب الخليج الثانية والتحول في الموقف الخليجي من نظام صدام حسين ووصول رفسنجاني ثم خاتمي للسلطة مثلت كل هذه الفترة محاولات خليجية لنسج علاقات تعاونية وودية مع طهران لكن مع ذلك استمر المنطق الإيراني الثوري هو المحدد الأساسي لعلاقتها مع هذه الدول. فعلى سبيل المثال لا الحصر في الحالة البحرينية كان واضحا السلوك العدواني تجاهها من أول يوم للثورة إلى غاية كتابة هذه السطور، ففي المخيلة الإيرانية دولة البحرين ما هي إلا محافظة إيرانية. 

وبمعالجة الموضوع من زاوية أخرى، نجد أن الأسباب التي تبرر بها إيران عداءها لدول الخليج لم تختلف عنها سلطنة عمان فيها، بداية من الموقف من نظام الشاه، فالعلاقات الوطيدة التي جمعته ببعض الدول الخليجية جعل منها النظام الإيراني الثوري منطلقا في تصنيف أعدائه وحلفائه، ورغم علاقة السلطنة بالشاه إلا أن النظام الثوري لم يأخذ ذلك بعين الاعتبار. فنظام السلطان قابوس في عمان كان حليفا للشاه، ويعود الفضل الكبير لاستمراره إلى هذا الأخير الذي دعمه عسكريا، فقد ساعدت إيران الشاه السلطنة في السبعينيات على إخماد "ثورة ظفار" اليسارية المدعومة من المعسكر السوفييتي([26]) 

وبالتالي فيفترض بالعداوة أن تستمر كون النظام العماني امتدادا للسياسة التي كان يمثلها الشاه. وحتى بالنسبة للموقف من الكيان الصهيوني رفضت مسقط قطع علاقاتها مع مصر إبان إعلان الأخيرة معاهدة "كامب ديفيد"، والتي عارضتها معظم الدول العربية، والتي كانت مؤشرا للولاء والعداء للشيطان الأصغر. 

وتمثل العلاقة مع أمريكا المفارقة الأبرز، فقد تمحور الخطاب الثوري الإيراني حول مجابهة الشيطان الأكبر والأنظمة الطاغوتية المدعومة من طرفه، وكان المقصود بذلك الأنظمة الخليجية، غير أن السلطنة لم تكن معنية بذلك، رغم أنها حليف قديم لبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وكان لبريطانيا دور كبير في تولية السلطان السلطة ومقاومة الثورات ضده، وهو ما يذكّر بالممارسات نفسها التي قامت بها بريطانيا والولايات المتحدة في حقبة الشاه ضد محمد مصدق، ولكن يبدو أن إيران أغمضت عينيها عن الشيطان الأكبر في عمان واستثنته من الأنظمة الطاغوتية العميلة له، كما كان يردد الخميني ولازال خامنئي خلال كل هذه العقود. 

وبينما تطرح إيران التعاون والتنسيق الأمني مع دول الخليج كبديل عن ذلك الموجود مع الولايات المتحدة الأمريكية فإنها لم تطالب بالأمر نفسه مع سلطنة عمان التي تربطها اتفاقيات عسكرية وتعاون أمني بين البلدين. فعسكريا تعد مسقط السباقة إلى التعاون في هذا المجال مع الولايات المتحدة، فقد قدّمت سلطنة عُمان تسهيلات عسكرية للقوات الأمريكية العاملة في منطقة الخليج العربي باستخدام المرافئ والمطارات العُمانية حسب الاتفاقية التي أبرمتها مع الولايات المتحدة في جوان 1980، كما أن الاتفاقية أتاحت إقامة منشآت في جزيرة مصيرة والثمريات والسيب لاستخدام سلاح الجو الأمريكي فضلاً عن منشآت أخرى لقوات البحرية الأمريكية([27]) 

وكان ذلك بسبب القلق من الثورة الإسلامية، قبل أن توقّع دول الخليج الأخرى الاتفاقيات الأمنية مع الولايات المتحدة بعد الغزو العراقي للكويتوبالرغم من أن التواجد الأمريكي العسكري في عُمان قد شهد تراجعا في الفترة الأخيرة، إلّا أن الولايات المتحدة أبقت على مخازن أسلحة ضخمة وقواعد عسكرية يمكنها استخدامها، وقد استخدمتها بالفعل في تنفيذ بعض الضربات في أفغانستان وباكستان. كما تحتفظ بمحطات مراقبة وقواعد لانطلاق طائرات التجسس، كما وتعتبر عُمان مركزاً للقيادة المشتركة للعمليات الخاصة والسي آي إيه في منطقة الشرق الأوسط([28]). 

والأدهى من ذلك كله أن عُمان أضحت هي الوسيط بين إيران والشيطان الأكبر كما يحلو للساسة الإيرانيين نعتها، فقد توسّطت مسقط في مشاهد كثيرة بين الغرب وإيران كإطلاق سراح بريطانيين وأمريكيين محتجزين في إيران بين أعوام 2007 و2011، وأيضا إطلاق سراح عالم إيراني كان محتجزًا في الولايات المتحدة عام 2013([29]). والدور الأهم كان في موضوع الملف النووي حيث رتبت العديد من اللقاءات السرية المباشرة بين واشنطن وطهران. 

 

الخلاصة: 

تشير جلّ الدراسات إلى وقوع سلطنة عمان بين دولتين في المنطقة تمثلان واجهتين لمشروعين سياسيين بخلفيتين دينيتين متمايزتين، حيث تعبّر إيران عن مشروع شيعي، والسعودية عن مشروع سني. تؤثر هذه الخلفية على السياسة الخارجية العمانية بطريقة مباشرة، مما يؤكد على محورية البعد الديني فيها، كونها تأخذ بعين الاعتبار تركيبتها التي يتجاوز فيها السنة الإباضيين بقليل إضافة إلى أقلية شيعية، غير أن الظروف التاريخية جعلت الإباضيين يسيطرون على السلطة في جل الفترات. 

 وقد كشفت العديد من الأزمات، خاصة منها اليمنية والسورية، عن انحياز عماني واضح إلى إيران رغم كل محاولات تغليف مواقفها بالحيادية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه إلى تنسيق سياسي وتوطيد للعلاقات من خلال الاتفاقيات الأمنية والعسكرية، والبعد الجيوسياسي أثبت احتمالات الانعكاسات السلبية للدور الإيراني في اليمن على أمن عُمان القومي.  

وغياب البعد الديني في العلاقات الإيرانية العمانية من الواجهة، كما هو حال علاقة إيران بدول وجماعات أخرى، لا يعني عدم حضوره في خلفية المشهد السياسي، كشكل من أشكال التحالف بين الأقليات، لأن الغوص في حجم التعارض بين العقيدتين الإباضية والشيعية يفترض قدرا من التباعد والتنافر بين الطرفين أكبر بكثير منه مع السنة، ذلك أن المعتقدات تبلغ حد التناقض، مع ذلك فإن عُمان لا ترى في إيران مصدر تهديد كبير لها([30])والمذهب الديني السائد في السلطنة (الإباضية) لا يرى ضيراً من إقامة مختلف العلاقات مع إيران والتحاور معها([31]). 

وتمايز السلطنة عن بقية الدول الخليجية والعربية بالحضور القوي للإباضية فيها جعلها تميل إلى الشيعة تخوفا من احتمالات ذوبان مجتمعها في محيطه السني، خاصة مع حضورهم القوي فيه، والذي يبلغ أو يقارب نصف السكان، بينما التعارض العقائدي مع الشيعة يعتبر حواجز ذاتية تجعلها لا تخشى من انتشار معتقداتهم في الوسط الإباضي، وأيضا عدم تأثير الأقلية الشيعية بحد ذاتها. وسيطرة الإباضية على السلطة السياسية وموقفهم المخالف للسنة وتوجّسهم منهم معطى هام جدا بالنسبة لإيران توظفه بما يخدم مصالحها الممثلة في التوسع على حساب الدول والمجتمعات السنية التي تبقى أهم عائق وخطر بالنسبة لإيران، وعدم وجود أقلية شيعية كبيرة في المجتمع العماني لم يحفزها للاستثمار فيها لدعم نفوذها على غرار ما تفعله مع المجتمعات السنية الأخرى التي تحاول خلق أقليات شيعية فيها من العدم من خلال سياسات نشر التشيع، كل هذه العوامل ساهمت في انتهاج إيران سياسة تعاونية مع سلطنة عمان لتحييدها عن العرب من جهة، والبحث عن فرص التعاون لكسبها إلى جانبها من جهة أخرى. 

 



[1] - محمد الشحري، الدور العماني في الاتفاق النووي الإيراني، رأي اليوم، 04/12/2013، على الرابط: http://www.raialyoum.com/?p=27694

 

[2] - بسمة مبارك سعيد، قراءة في رؤية عمان لقضيتي التقارب مع إيران والاتحاد الخليجي، مركز الجزيرة للدراسات، 8/1/2014، ص3.

[3] - تسببت حرب الخليج الثانية (1990-1991) في توتر العلاقات بين مسقط وطهران بعد قيام الأخيرة بالتعرض لناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز، وكذلك نشرها للصواريخ المضادة للسفن بالقرب منه؛ مما حدا بعُمان إلى تكثيف تواجدها العسكري في مسندم، المطلة على مضيق هرمز، والتي تبعد مسافة لا تتجاوز الستين كيلومترًا عن الحدود الإيرانية. لكن الطرفين تجاوزا التوتر الطارئ، وعادت العلاقات إلى طابعها التعاوني. ينظر: بسمة مبارك سعيد، المرجع نفسه، ص 04.

 

[4] - محمد سيف الرحبي، عمان وإيران تسابقان الوقت لتعزيز علاقاتهما الاقتصادية، جريدة الحياة، 20/09/2015، على الرابط: http://cutt.us/elAK9

 

[5] - مريم يوسف البلوشي، أثر العلاقات العمانية الإيرانية في أمن دول مجلس التعاون الخليجي بعد الربيع العربي، مجلة المستقبل العربي، العدد 445، مارس 2016، ص 57.

[6] - السياسة الخارجية، موقع وزارة الخارجية العمانية، على الرابط: https://www.mofa.gov.om/?p=424

 

[7] - أحمد الإسماعيلي، العلاقات العمانية الإيرانية وتأثيرها في الاندماج الخليجي، موقع شرق وغرب، 26/01/2015، على الرابط:

http://sharqgharb.net/alalaqat-alamanett-alieeranett-wtatherh/

 

[8] - لتفاصيل أكثر حول الموضوع ينظر: أحمد الإسماعيلي، التعددية الإثنية واللغوية والدينية في عمان وعلاقتها بالاستقرار السياسي، مجلة عمران، العدد 11، المجلد الثالث، شتاء 2015، ص 85-105.

 

[9] - عبد الله بن محمد الغيلاني، عُمان وعاصفة الحزم، الجذور التاريخية والدلالات الاستراتيجية 1/2، مجلة الفلق الإلكترونية، على الرابط:

http://www.alfalq.com/?p=7402

 

[10] - مريم يوسف البلوشي، المرجع السابق، ص 56.

[11] - واثق محمد السعدون، التوجهات المعاصرة للسياسة الخارجية العُمانية، 22/09/2012، على الرابط:

http://hekaaitnfar.blogspot.com/2013/11/blog-post_9939.html

 

[12] - المصادر العمانية تشير إلى أغلبية إباضية في البلد، في حين هناك مصادر أخرى  تؤكد أن السنة يمثلون خمسين بالمائة من عدد السكان، وبين 40  إلى 45 بالمائة إباضيون، وهم المسيطرون على السلطة السياسية، والبقية شيعة.

[13] - بسام صلاح، الدبلوماسية الهادئة: عمان وإدارة العلاقات في إقليم مضطرب، القاهرة: المركز العربي للبحوث والدراسات، 19/10/2016،  على الرابط: http://www.acrseg.org/40375

[14] - صلاح عبد اللطيف، السياسة الخارجية العُمانية: عُمان بين الخليجيين وإيران، موقع مصر العربية، 15/09/2015، على الرابط:  http://cutt.us/VReii

 

[15] - أحمد الإسماعيلي، العلاقات العمانية الإيرانية وتأثيرها في الاندماج الخليجي، المرجع السابق.

[16] - صلاح عبد اللطيف، المرجع السابق.

[17] - عبادة الزرقان، عُمان دولة بعقل بارد تفضل لعب السياسة من خلف الكواليس، عربي 21، 20/10/2015، على الرابط: http://cutt.us/PZ9aD

[18] - كريستيان كواتس أولريتشسن، التقارب الإيراني العُماني وتأثيره على السعودية، عربي 21، 24/04/2014، على الرابط: http://cutt.us/MM1YA

[19] - صلاح عبد اللطيف، المرجع السابق.

[20] - صلاح عبد اللطيف، المرجع السابق.

[21] - عبد الله بن محمد الغيلاني، عُمان وعاصفة الحزم، الجذور التاريخية والدلالات الاستراتيجية 1/2، المرجع السابق.

[22] - مريم يوسف البلوشي، المرجع السابق، ص 66.

 

[23] - بسمة مبارك سعيد، المرجع السابق، ص 06.

[24] - أشرف محمد كشك، دول الخليج وإيران: قضايا الصراع واستراتيجيات المواجهة، مجلة الدراسات الإيرانية، العدد 1، السنة الأولى، ديسمبر2016، ص 13.

[25] - بسام صلاح، المرجع السابق.

[26] - بدر الراشد، عُمان... دبلوماسية الأبواب المغلقة في هواية الوساطات، العربي الجديد، 02/11/2015، على الرابط: http://cutt.us/UT5gx

 

[27] - واثق محمد السعدون، المرجع السابق.

[28] - صلاح عبد اللطيف، المرجع السابق.

[29] - ومن الأمثلة كذلك دورها في الإفراج عن الدبلوماسي الايراني نصرت الله طاجيك في ديسمبر 2012، المتحفظ عليه في لندن منذ 2006، كما ساهمت مسقط في الإفراج عن الصحفية الأمريكية سارة شورد في سبتمبر 2010، والتي اعتقلت مع زميلين لها أفرج عنهما بوساطة عمانية أيضا في سبتمبر 2011، هما شين بوير وجوش فاتال، كانوا في رحلة في إقليم كردستان العراق واجتازوا الحدود الإيرانية في العام 2009، حسبما تقول المصادر الصحفية، أضف إلى ذلك فقد رعت سلطنة عُمان المصالح الإيرانية في كل من بريطانيا وكندا. ينظر: محمد الشحري، المرجع السابق.

[30] - صلاح عبد اللطيف، المرجع السابق.

[31] - واثق محمد السعدون، المرجع السابق.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق