على خلفية دعوة السبسي ..هل انتصر الفكر النسوي في تونس ؟
الأثنين 21 أغسطس 2017

 فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

 

 

 

خاص بالراصد

على الرغم من كل ما قيل عن أن دعوة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي لمساواة المرأة التونسية بالمساواة مع الرجل في الميراث ومنحها الحق في الزواج بغير المسلم قد جاء لأسباب مرتبطة بقرب موسم الانتخابات وفي تفسير آخر لبعض المحللين السياسيين والمراقبين للحدث التونسي أنه جاء ربما لإحراج حركة النهضة  ودفعها للكشف عن مرجعيتها الدينية إلا أن الأمر المؤكد أن هذه الدعوة  تؤكد عمق الصراع العقائدي والفكري الدائر في تونس وأن خطوة جديدة وكبيرة قادمة على طريق علمنة تونس وأن الفكر النسوي ذو المرجعية الأممية على وشك تحقيق نجاح وانجاز حقيقي لتطبيق مقررات السيداو التي دعت للمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة في الحقوق الاقتصادية ومنها الميراث والتي دعت في بند آخر للمساواة في المركز القانوني للرجل والمرأة  أثناء الزواج.

وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تتم في الداخل التونسي إلا أن آثارها تتعدى ذلك بكثير لتمس العالم الإسلامي كله والعربي منه بوجه خاص حيث تضغط المنظمات النسوية والقوى العلمانية للسير على الطريق التونسي.

المساواة في الميراث 

لا يمكن فهم مقاصد الشريعة المتعلقة بتقسيم الميراث دون ربطها بمقاصدها المرتبطة بنظام النفقات ولا يمكن فهم ذلك كله إلا بفلسفة الإسلام المرتبطة بتوازن العلاقة بين الفرد والجماعة من جهة والتوازن بين حرية المرأة وحمايتها من جهة أخرى، الفهم المبتسر الذي يتعامل بمنطق التجزئة هو الذي يورث الشبهات الفردية المطلقة والمساواة المطلقة تمثل العمق الاستراتيجي للفكر الغربي الذي يتم تقديمه كفكر معياري يحاولون إخضاع أحكام شريعتنا إليه.

الشريعة الإسلامية تقدم تصور مختلف للحياة الاجتماعية والاقتصادية وهي بوجه عام تجعل الرجل هو المسئول الأساسي عن النفقة ومن ثم يتضاعف نصيبه من الميراث في بعض الحالات التي تتساوى فيها درجة القرابة من المتوفى.

مسئولية الرجل عن النفقة أحد الأسباب المهمة لجعل القوامة مسئولية الرجل لكن واقعا مختلفا بعض الشيء تعيشه البلاد الإسلامية وتصور آخر للحياة تتم الدعوة له بقوة ترسم ملامحه اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة "السيداو" والتي هي أكبر من مجرد وثيقة تحوي قيم فكرية وثقافية مغايرة فداخل هذه الوثيقة آليات لضمان تنفيذها ومن ضمنها تعديل القوانين المحلية وإدماج القبول بها في الدساتير وهو ما يتم تنفيذه حرفيا في تونس هذه الأيام.

يتم التمهيد للدعوة بالمساواة في الميراث بأن الواقع الاجتماعي تغير، وفي الحقيقة هم يدفعونه للمزيد من التغير، فمن ناحية أصبحت المرأة تتحمل وبشكل متزايد مسئولية النفقة على الأسرة أو كما قال الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في خطابه الكارثي الذي ألقاه بمناسبة الاحتفال بيوم المرأة التونسية أن 45%  من الأسر تعولها نساء فكان ذلك في رأيه مبررا كافيا لتغيير أحكام الميراث ومن ناحية أخرى حدث انهيار للعائلة الكبيرة الممتدة فثارت شبهة أخرى وهي أن المرأة المعاصرة لا تجد من يهتم بها وبالنفقة عليها حتى يكون لها من يشاركها في الميراث من قرابتها وأبناء عمومتها بل حتى إخوتها، وأنها تقع بين دائرة التهميش من جهة ودائرة الاستغلال من جهة أخرى، هذه هي أبرز الشبهات التي يستند إليها القائلين بضرورة تغيير أحكام المواريث.

صاحبات الفكر النسوي المتطرف لا مانع لديهن من استغلال هذه الشبهات التي قد تلاقي صدى عند بعض النساء اللاتي تخلى عنهن المجتمع ولكن الحقيقة أنهن يسعين وبشكل حقيقي وجدي لجعل النساء مسئولات عن النفقة ليس بحكم الاضطرار ولكن عن طريق الخيار الواعي ويسعين أيضا لهدم  فكرة القوامة  عن طريق استقلال المرأة الاقتصادي.

بالطبع لا يمكن إنكار أن هناك واقع اجتماعي تضطر فيه المرأة للقيام بمسئولية النفقة وأنها في كثير من الأحيان تفتقد البيئة الحاضنة لها وبدلا من مواجهة أزمة واحدة تصر بعضهن بمضاعفة الأزمة فالعلاج السهل الذي يتم تداوله وهو المساواة في الميراث ومن ثم المساواة في المسئولية الاقتصادية وما يترتب على ذلك من تغيير المنظومة الاجتماعية كلها سيؤدي لنتائج كارثية على المرأة إن لم يكن على المجتمع ككل.

تحدي المرجعيات 

هذه النتائج الكارثية التي أشار إليها الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر في رده السريع على تلك الدعوة المشبوهة التي أطلقها الرئيس التونسي حيث قال: "إن دعوات التسوية بين الرجل والمرأة في الميراث تظلم المرأة ولا تنصفها وتتصادم مع أحكام شريعة الإسلام".

 

 وأضاف: "المواريث مقسمة بآيات قطعية الدلالة لا تحتمل الاجتهاد ولا تتغير بتغيير الأحوال والزمان والمكان، وهي من الموضوعات القليلة التي وردت في كتاب الله مفصلة لا مجملة، وكلها في سورة النساء، وهذا مما أجمع عليه فقهاء الإسلام قديما وحديثا".

وأضاف: "أن دعوات التسوية بين النساء والرجال في الميراث بدعوى إنصاف المرأة هي عين الظلم لها، لأن المرأة ليست كما يظن كثير من الناس أنها أقل من الرجال في جميع الأحوال فقد تزيد المرأة على نصيب رجال يشاركونها نفس التركة في بعض الأحوال كمن ماتت وتركت زوجا وأما وأخا لأم فإن الأم نصيبها الثلث بينما نصيب الأخ لأم السدس أي أن الأم وهي امرأة أخذت ضعف الأخ لأم وهو رجل كما أنها تساويه في بعض المسائل كمن ماتت وتركت زوجا وأما، فإن نصيب الزوج نصف التركة ونصيب الأم النصف الآخر فرضا وردا، كما أن فرض الثلثين وهو أكبر فرض ورد في التوريث لايكون إلا للنساء ولا يرث به الرجال فهو للبنات أو الأخوات فقط، فمن ماتت وتركت بنتين وأخا شقيقا أو لأب فللبنتين الثلثين وللأخ الباقي وهو الثلث، أي أن البنت تساوت مع الأخ، وهناك العديد من المسائل التي تساوي فيها المرأة الرجل أو تزيد عليه، وكلها راعى فيها الشرع بحكمة بالغة واقع الحال والحاجة للوارث أو الوارثة للمال لما يتحمله من أعباء ولقربه وبعده من الميت وليس لاختلاف النوع بين الذكورة والأنوثة كما يتخيل البعض".[1] 

رد الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر في مصر لن يوقف بالتأكيد اللجنة التي تم اختيارها لبحث مسألة مساواة المرأة في الميراث والتي جاءت كلها من الفضاء العلماني التونسي بمختلف أطيافه، بل إن هجوما ساحقا تم شنه على الأزهر من هذا الفضاء العلماني واصفين إياه أنه يمارس كهنوتا ووصاية على الأجواء الفكرية الصحية التي تعيشها تونس، ولكن بيان وكيل الأزهر قد يوقف إلى حين دعوات الاستحسان والمطالبة بالتقليد في أوساط العلمانيين والنسويات في مصر حتى صرح بعضهم أن على الأزهر أن يهتم بشئونه في الداخل المصري فقط  حاسدا التونسيين على آفاق الحرية والمساواة التي يعيشون فيها.

المؤسف في الأمر حقا أن ديوان الإفتاء بتونس أكد أن مقترحات "السبسى" تدعم مكانة المرأة وتضمن وتفعل مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة فى الحقوق والواجبات، التى نادى بها الدين الإسلامي فى قوله تعالى "ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف"، فضلا عن المواثيق الدولية التى صادقت عليها الدولة التونسية التى تعمل على إزالة الفوارق فى الحقوق بين الجنسين.

 

واعتبر ديوان الإفتاء فى بيانه، على أن المرأة التونسية نموذج للمرأة العصرية التى تعتز بمكانتها وما حققته من إنجازات لفائدتها وفائدة أسرتها ومجتمعها، من أجل حياة سعيدة ومستقرة ومزدهرة، معتبرا رئيس الجمهورية أستاذا بحق لكل التونسيين وغير التونسيين، وهو الأب لهم جميعا، الغريب أن التيار النسوي يكره هذا المصطلح جدا "الأبوي" لكنهم فقط يتقبلونه عندما يأمر هذا الأب بما يتفق مع رؤيتهم وافكارهم.[2]  

الزواج بغير المسلم 

وهذه هي الكارثة الثانية التي فجرها الرئيس التونسي السبسى فى كلمته فى قصر قرطاج أمام حشد من السياسيين والحقوقيين حيث قال: "إن هناك متغيرات تمت على صعيد الواقع، من بينها سفر المرأة إلى الخارج سواء للعمل أو الإقامة فضلا عن زواج العديد من التونسيات بأجانب، تتطلب إعادة صياغة المنشور 73 بشكل جديد يتناسب مع الواقع الجديد، داعيا رئيس الحكومة  ووزير العدل إلى العمل مع مؤسسة رئاسة الجمهورية على تغيير المنشور وفق ما يقتضيه الفصل السادس من الدستور مشيرا إلى أن الفصل 6 يقر بحرية المعتقد والضمير و يحمل الدولة بتكفل ذلك".

العبث بأحكام الزواج والأسرة في الإسلام حتى تصبح المحرمات والفواحش أمرا مشروعا هو عبث كارثي يراد له أن يقنن من الناحية القانونية، بعد أن شهدت الأيام الماضية زواج عدد من الشيعيات اللبنانيات من النصارى بعد فتوى من بعض المرجعيات الشيعية كالسيد على الأمين[3]، وكانت آخر هذه الزيجات التي أثارت الكثير من الجدل زواج النصراني بطرس كتورة من الشيعية المحجبة مروة فواز، حيث احتلت صور زواجهم داخل الكنيسة وهي ترتدي الحجاب وتقوم بالمراسم الكنسية الأخبار الرئيسة في كثير من وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، هذا الزواج الذي تم بمباركة الأهل تم على ثلاث مراحل: الأول على يد مرجعيتها الدينية، والثاني كان زواجا كنسيا، أما الثالث فهو عقد زواج مدني لا علاقة له بالدين.

وفي حال تم السماح في تونس بزواج المسلمة بغير المسلم فانه لن يكون حاجة لكل هذه الخطوات وسيكون الزواج المدني هو الشكل الرسمي الذي يتم عبر آلياته هذا الزواج، هذا الملف الخطير للأسف يشغل الكثير من الفتيات اللاتي لا يعرفن عن الدين إلا قشور ويكفي في هذا الصدد الدخول لبعض المنتديات أو كتابة زواج المسلمة بغير المسلم في خانة البحث وسنجد الكثير من الجدل والنقاش حول هذا الأمر المفترض أنه يكون من المعلوم من الدين بالضرورة وفي هذا يؤكد  الدكتور عباس  شومان وكيل الأزهر أن "الدعوات المطالبة بإباحة زواج المسلمة من غير المسلم ليس كما يظن أصحابها في مصلحة المرأة، فإن زواجا كهذا الغالب فيه فقد المودة والسكن المقصود من الزواج، حيث لا يؤمن غير المسلم بدين المسلمة ولا يعتقد تمكين زوجته من أداء شعائر دينها.. فتبغضه ولا تستقر الزوجية بينهما، بخلاف زواج المسلم من الكتابية لأن المسلم يؤمن بدينها ورسولها وهو مأمور من قبل شريعته بتمكين زوجته من أداء شعائر دينها، فلا تبغضه وتستقر الزوجية بينهما".

وتابع "أنه لذات السبب منع المسلم من الزواج من غير الكتابية كالمجوسية لأنه لا يؤمن بالمجوسية ولا يؤمر بتمكينها من التعبد بالمجوسية أو الكواكب ونحوها فتقع فتقع البغضاء بينهما فمنع الإسلام هذا الزواج، ولذا فإن تدخل غير العلماء المدركين لحقيقة الأحكام من حيث القطعية التي لا تقبل الاجتهاد ولا تتغير بتغير زمان ولا مكان وبين الظني الذي يقبل هذا الاجتهاد هو من التبديد وليس التجديد"[4].

إن ما يحدث في تونس هذه الأيام من السير قدما في تغيير كل ما هو معلوم من الدين بالضرورة في الحيز الصغير المتبقي من الأحوال الشخصية مع زخم تصل أصداؤه لكثير من البلدان العربية الأخرى التي يرى بعض مثقفيها أن تونس دائما متقدمة بخطوة وهم في حالة من الشغف بالحالة التونسية يدل على أن المخطط النسوي الأمممي يسير بخطوت ثابته لتحقيق هدفه مستغلا الواقع السياسي المتأزم الذي تعيشه بلادنا فتهبط التشريعات النسوية دائما من الأعلى كما فعل الحبيب بورقيبة من قبل دون قدرة حقيقية على المعارضة من قبل الإسلاميين الذين جاء رد فعلهم متلعثما لأنهم غير قادرين للأسف على الجهر بهويتهم الفكرية فجاء رفضهم لمشروع فكري واضحة ملامحه بالتشكيك في التوقيت تارة وبالقول أن قوانين الأحوال الشخصية ليس لها الأولوية في وقت يعاني فيه الشعب من الفقر والبطالة تارة أخرى.

هذا المخطط الذي لا يجد من يواجهه بطريقة فعالة، سوف يحاول قدر ما يستطيع أن يواصل طريقه بنعومة أو كما قال السبسى: "لدى ثقة فى ذكاء رجال القانون، وسنجد صيغ قانونية لتجنب الاصطدام بمشاعر التونسيين"، مشددا: "لن نمضى فى إصلاحات قد تصدم مشاعر الشعب، الذى فى أغلبه مسلم، لكننا نتجه نحو المساواة فى جميع الميادين"، وأردف: "مقتنعون أن العقل القانونى التونسى سيجد الصيغ الملائمة التى لا تتعارض مع الدين ومقاصده، ولا مع الدستور ومبادئه فى اتجاه المساواة الكاملة". 



[2] - ww.facebook.com/permalink.php?story_fbid=1671712956234363&id=642700865802249&hc_location=ufi

للمزيد عن تسلط الفكر النسوي في تونس.. http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=6445

 

[3] - نص فتوى الأمين: http://cutt.us/QOev3

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق