الحوثيون .. قراءة في التكوين النفسي
الأثنين 21 أغسطس 2017

حِمير الحوري– كاتب يمني

 
خاص بالراصد

كشْف نفسية الإنسان يقود إلى فهم من هوَ؟، فمعرفة بنائه وتكوينه النفسي يُعرّفنا بنقاط ضعفه وقوته، وأيضًا يُعرّفنا ببواعث اختياراته الفكرية وتلمّس اتجاهاته المستقبلية، ومن الممكن أن تُدرس حالة التنظيمات والجماعات باعتبارها نفسية واحدة؛ ناتجة عن  تجمع واسع لنفسيات متعددة التقت  قواسمها المشتركة فذابت آحادها في الجماعة؛ لتكوّن بمجموعها كتلة واحدة يصلح أن نشبهها هنا بنفسية واحدة  لها خصائصها المميزة وشخصيتها الاعتبارية.

وسنتناول في هذا المقال النفسية المكوِّنة لجماعة الحوثي التي نشأت في نهايات القرن الماضي في شمال اليمن، وأثّرت في الواقع اليمني ومحيط الجزيرة العربية، بل كان لها مشاركات في أبعد من ذلك بكثير خارج مجالها الجغرافي، والتوقع أن يكون لها تأثيرات واضحة على مستقبل اليمن القريب، وفي هذا المقال نحاول التعرف عليها من الناحية النفسية بعيدًا عن ضجيج الإعلام وبعيدًا عن التناول الفكري البحت للجماعة وأفكارها؛ وذلك يساعدنا في معرفة إفرازات الجماعة القريبة على مستقبل اليمن والجزيرة العربية، كما يُمكّننا أيضًا من رصدها والتنبؤ بسلوكها؛ وذلك يعني معرفتنا بطرائق مواجهتها والسبل الملائمة للتعامل معها، وهذه القراءة للتكوين النفسي للجماعة سنعرضها عبر تقنيات وتوصيفات يقررها علماء النفس في كتبهم، ويمكن تلخيصها في التالي:

التنقيب الأثَري

التنقيب الأثري هو عملية بحث في بقايا آثار المجتمعات الغابرة التي من الممكن أن تدل على طبيعة حياتها وسلوكياتها في تلك الحقبة، ومن الممكن أن تنعكس في سلوك الأجيال التالية لها، وفي تنقيبنا في النفسية الحوثية وسبر أغوارها البعيدة نجد آثارًا ومعالمَ ضاربة في التاريخ لكنها مؤثرة وبشكل حيوي في النفسية الحوثية المعاصرة فكرًا وسلوكًا، وتلك "الحفريات" الأثرية في النفسية الحوثية يتلخص أهمها في:  
- تعصب سلالي واضح يظهر في حركات التمرد المستمرة التي قادها أجدادهم بحجة النسب الطاهر وما لديهم من آثار نبوية تعطيهم الحق في الحكم والسيطرة!

- ارتباط الذهنية التاريخية للنفسية الحوثية بمعارك وصدام دائم، شكّل السمة الملازمة للذاكرة الحوثية، ولا يخفى ما لذلك من أثر على تكوين نفسية الجماعة وانعكاسه السلبي على الإدراك والسلوك، ولعل هذا يفسر لنا سر استماتة الجماعة في التمسك بالسلاح كخيار مصيري في عملية التغيير التي ينشدونها. 
تلك الآثار المخبوءة في أعماق النفس الحوثية هي التي يعمل الحوثيون على إحيائها فكرًا كما في ملازم حسين الحوثي، أو سلوكًا كما في الحراك العسكري الذي اشتعل في العقود الثلاثة الأخيرة، ومن خلال هذا التنقيب في جذور الجماعة تتضح الأرضية السلالية
[1] والعصبوية التي نشأت عليها الجماعة وتؤثر بشكل واضح في تشكيل سياستها الحالية.

تقنية المشاركة الحرة

هذه التقنية تعني السماح للنفس بالتعبير في وسط عالٍ من الحرية أو بطريقة عفوية بقصد استكشاف ما يدور في داخلها من أفكار وإرادات تظهر بطريقة انسيابية دون قيود، وفي حال الاسترخاء النفسي للجماعة الحوثية والتعبير العفوي عن مكنوناتها الفكرية وتوجهاتها السياسية فيما يتعلق بالآخر - كمثال - من الممكن أن تُسَجل الملاحظة التالية:

الآخر في الذهنية الحوثية ما هو إلا عميل أو خائن ولا مكان لفكرة التشاركية الندية معه، تجليات هذه النزعة المتأصلة في النفسية الحوثية لا نقول إنها تظهر مع خصومهم في الشرعية فقط؛ إنما مع حلفائهم من حزب المؤتمر أيضًا، فقد وضع الحوثيون على كل مرفق حكومي أو إدارة تخضع لحزب المؤتمر مندوبا حوثيا يشرف ويتابع كل التفاصيل، ولا اعتبار هنا لوزير أو عضو مجلس الشعب، فحلفاؤهم ليسوا موضع ثقة فضلًا عمّن سواهم، فالآخر إذًا لا اعتبار له عندهم إلا بما يخدم أفكارهم وتوجهاتهم. 
تلك النزعة أدّت إلى فجورهم في الخصومة لدرجة أن وضعوا صور خصومهم في مناهج التعليم بجوار آيات النفاق، بطريقة
فجة وبأسلوب يضر بمناهج التعليم [2]وعقول الأجيال، وانعكاسًا لهذا التكوين النفسي الخطير في النظرة العلوية للنفس والدونية للآخر لم يبالوا بتفجير منازل خصومهم بل ومراكز القرآن الكريم التابعة لمنافسيهم، في سلوكٍ عملي يعكس طبيعة تكوينهم النفسي.

الوعي النفسي

الوعي هو جوهر الإنسان وخاصيته التي تميزه عن باقي الكائنات الحيّة الأخرى، فالوعي يصاحب كل أفكار الإنسان وسلوكه، فوعي الإنسان يُعد وعيًا تلقائيًا، كما أن ارتباطه بالأحاسيس والمشاعر يضيف إليه بُعدًا آخر يُعرف "بالوعي النفسي"، يظهر هذا الوعي في الحياة العمليّة، وقد يتجسد في شكل وعي سياسي أو ديني.

ولو بحثنا في سؤال: كيف تعي الشخصية الحوثية نفسها؟؛ لوجدنا أن ذلك الوعي النفسي يدور حول نقطة مركزية وهي الأحقية السياسية في الحكم، ومن الممكن أن نطلق عليها "الذات السياسية" وهذه الذات أسهمت في تشكيل الوعي النفسي للجماعة بشكل كبير، فالنفسية الحوثية ترى أنها تعيش لتحكُم، ولا مشكلة لديها بشكل الحكم أو الطرائق الموصلة إليه، فالوعي الذاتي والنفسي يدفعها لإعلان الولاء والحب لكل من يسندها في مشروعها  السياسي؛ فالنفسية الحوثية التي تضخمت لديها الذات السياسية؛ لا مشكلة لديها في التحالف حتى مع من يكفرّها دينيًا كما هو الحال في تحالف الجماعة مع إيران الإمامية التي يرى مذهبُها الرسمي كفرَ الحوثي وفقًا لمعتقدات الإثنى عشرية، وتلك النفسية السياسية المهيمنة على الوعي الحوثي تأخذ مبرراتها من تراثها الديني الجارودي الذي يرى أحقيتها في الحكم تفضيلًا إلهيًا!

اضطرابات الشخصية

  نجد أن الاضطرابات النفسية – بحسب المختصين- تتميز بأنماط سلوكية وإدراكية ثابتة وصعبة التغيير والتأقلم، وتظهر هذه الأنماط غير السوية خلال السياقات التفاعلية المختلفة للشخصية، وتجنح بعيدا عن السلوكيات المقبولة لثقافة المجتمع، وتتكون هذه الأنماط غير السوية غالبًا أثناء مراحل النمو، وتكون ذات طبيعة غير مرنة وغير متكيفة، ودائمًا ما يصاحبها قدر من التوتر والضغط النفسي. 
هذا التوصيف العام لمفهوم الاضطرابات النفسية نجد خطوطه فاقعة في النفسية الحوثية العامة، ويمكن أن نتناول مظاهر اضطرابات النفسية الحوثية في جملة خطوط: 

-نمط سلوكي وإدراكي ثابت وصعب التغيير والتأقلم؛ يستشعر هذه المشكلة أكثر من غيرهم السياسيون الذين اشتركوا مع الحوثيين في جلسات عمل سياسي، أو حتى جلسات حوار مذهبي، فالنفسية الحوثية متصلبة على مستوى الإدارك والسلوك، فالإدراك يظهر في تمسكهم بما يشبه ولاية الفقيه، ويريدون أن يكون زعيم الجماعة سيّدًا على كل اليمنيين دون مراعاة لقوى المجتمع الأخرى، فالإدراك عندهم هنا لم يستطع تجاوز نموذج حزب الله اللبناني، إذ يسعون لتطبيق ذلك النموذج دون مراعاة للحالة اليمنية، أما على مستوى السلوك فإن الثبات على حالة الخطاب الاستعلائي مع المكونات الأخرى والمجتمع اليمني والإقليمي قاد اليمن إلى أزمة حقيقية، ومردّ ذلك كله إلى هذا النمط المتصلب الذي تعاني منه النفسية الحوثية!
- السياق التفاعلي مع المجتمع يبرز تلك الاضطرابات ويثبتها، فحين اشترك الحوثيون في مؤتمر الحوار الوطني ظهر ذلك الاضطراب النفسي للجماعة بشكل مقزز، ففي أثناء الحوار مع الدولة ومكونات المجتمع اليمني بمؤتمر الحوار الوطني، كانوا يحملون السلاح على الدولة ويقاتلون المجتمع اليمني في دمّاج والجوف وحَجّة في نفس الوقت، في تناقض ومراوغة فجة لا تقيم وزنًا لأيّة اعتبارات دينية أو سياسية. 
- النفسية الحوثية لا تتسق مع شخصية المجتمع اليمني العامة، فهو مجتمع يقوم على تقدير الآخر واحترام الذات، ومجتمع يملك ذاكرة سياسية حية ما زالت تذكُر بشكل واضح تاريخ الإمامة السيء في اليمن، غير أن النفسية الحوثية -نظرًا للاضطرابات النفسية التي تعاني منها- لا تُقدّر ولا تُراعي كل هذا، وتريد فرض واقع ثقافي وسياسي شاذ لا يتسق مع بُنية المجتمع الثقافية تمامًا، وهو ما يعني خلق حالة من الانقسام الحاد والمزمن في المجتمع اليمني.

- غالبًا ما تؤثر مراحل النمو في خلق الاضطرابات النفسية، ونجد أن الحوثيين، سواء في ولادتهم المعاصرة ونموهم القريب، أو في ولادة فكرة السلالية في الحقبة التاريخية البعيدة والتي شكلت ذاكرتهم السياسية لاحقًا، تلك الولادة الحوثية عانت من تشوهات وآلام أسهمت في خلق نمط حاد ودموي أصبح مرتبطا عضويا بنفسية الجماعة وسلوكها.

- كما أن السمة الجامعة في اضطرابات الشخصية هي التوتر والضغط النفسي، وهذه السمة تفسر لنا هذا التشنج الحوثي الدائم القائم على التخوين وتضخم فكرة المؤامرة، ففي حين يبادرون لقتل وتشريد المجتمع يتهمون أمريكا بذلك، وفي حين ينادون باللعنة على اليهود، تتوجه لعنات بنادقهم نحو المجتمع اليمني لا المجتمع الصهيوني!

نفسية ذات طابع درامي

تُعد الشخصيَّة الدراميَّة، أو ما يعرف بالاستعراضيَّة، من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل والمحيرة، كما أنّها تعاني على الدوام من التناقض على المستوى الشخصي، لدرجة أنّه يصعب كثيرًا تفسير سلوك هذه النفسية على وجه الدقة لمخالفتها المعقولات، والشخصية الحوثية تُعد ذات نفسية درامية بما للكلمة من معنى، والنفسية الدرامية كما يشير أهل الاختصاص لها جملة سمات منها:

- معاداة المجتمع: فالنفسية الحوثية ذات نمط سلوكي معادٍ ومتجاهل ومنتهك لحقوق الآخرين، فهو عبارة عن صورة ذاتية منتفخة ومجموعة سلوكيات استغلالية ومتهورة، ونلاحظ مطابقة هذه السمة – معاداة المجتمع- للنفسية الحوثية بشكل فاقع وملفت، ويتمثل ذلك جليًا في فشلها بالتزام المعايير الدينية والاجتماعية، وعدم احترام السلوكيات القانونية، ويظهر أيضًا في تمرسها في الخداع من خلال الكذب مرارًا، وتسمية الأمور بغير مسمياتها، فبشار الأسد عندهم مناضل، وتفجير المساجد جهاد[3]!

كما تتسم النفسية الحوثية في إطار معاداتها للمجتمع بالاندفاعية والانفعالية والعدوانية، وهذا مشاهَد في إلقاء عناصرهم في التهلكة ودخولهم معارك غير محسوبة، فهي نفسية تستخفّ بسلامة نفسها فضلًا عن عدم مبالاتها بسلامة الآخرين، وهي لا تتحمل المسؤولية باستمرار وترمي المسئولية على الآخرين بطريقة فجة، فالسبب في ما آلت إليه اليمن من صراع واسع ودموي يتحملها خصومهم فقط - في نظرهم-  أما هم فليسوا سوى حمَامات سلام!، كما أنها نفسية تفتقر إلى الإحساس بالندم ويتضح في كونها غير مبالية بالألم التي تسببت به لكل اليمنيين وجيرانهم، بل إنها تبرر وجوده!

-شخصية حدية: وهذا يظهر في عدم الاستقرار في العلاقات مع الأطراف والكيانات الأخرى، حتى الزيدية منها، وهذه الحدية في النفسية الحوثية تظهر أيضًا في مفهوم الذات والهوية، فهم الجماعة التي ترى في نفسها علوًا على الآخرين وتميزًا لا يطاوله أحد! – رغم حالة الفقر المعرفي والسلوكي الذي تعانيه -، وتلك الحدية في النظرة للذات نتج عنها بطبيعة الحال الحدية في السلوك والممارسة! 
 شخصية هستيرية: في قراءة المكون النفسي للحوثيين نلحظ أن هذه السمة – الهستيرية- أبرز مكوناتها، فالمباهاة وحب الظهور  صفة ملازمة للنفسية الحوثية فلا يكاد يوجد مناسبة أو حادثة إلا وللجماعة فيها خطاب وصراخ لمجرد تسجيل الحضور السياسي والديني، وتضليلٌ للمجتمع عن القضايا الكبرى، وهي نفسية استعراضية، ويظهر ذلك في حجم الإنفاق الإعلامي والدعائي لتغطية هذه الحاجة النفسية المكونة للجماعة، والميل للمبالغة صفة مميزة للنفسية الحوثية مع الكذب والتلون والانفعالات السطحية والسريعة تبعاً للمصلحة، فالذات الحوثية مُقدمة على ذات المجتمع وصالحه. 

الخلاصة من كل ذلك:

أن النفسية الحوثية في مجملها شاذة فكرًا وسلوكًا، وهذا يعني أن الجماعة تُشكل عقبة حقيقية في طريق مستقبل اليمن، وستكون مصدر إزعاج للمجتمع اليمني، وخلال العقود القادمة ستشغل المجتمع بقضايا ثانوية ومسائل دعائية لا تشكل في ظاهرها ولا مضمونها أي قيمة حضارية، ومعالجة هذه النفسية للجماعة تتطلب بالإضافة إلى عمليات الردع والتأديب والتقزيم، جهودًا إعلامية وتوعوية ضخمة، وإعادة تأهيل فكري وسلوكي لعناصر الجماعة قدر الإمكان، وسيكون من الحكمة محاولة حصر هذه الجماعة في جغرافيا ضيقة في اليمن إن صعب إزالتها من الخارطة اليمنية، مع الاهتمام بتحصين المجتمع وتنويره من أفكارها الضارة.




[1] أكدت الوثيقة الفكرية والثقافية التي حررها الحوثيون بتاريخ 10/02/2012م، على أحقية الإمامة والرئاسة في ذرية علي، رضي الله عنه، التي يدعي الحوثي الانتساب إليها.

[2] يراجع مقال "تغيير طائفي ممنهج للمناهج الدراسية في اليمن" للكاتب صالح البيضاني على الشبكة العنكبوتية.

[3] يعتبر الحوثي هذه المساجد مساجد ضرار، وهي نفس الحجة والسلوك اللذين مارستهما الإمامية قديمًا مع مخالفيها.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق