سطور من الذاكرة\العدد مائة وواحد وسبعون - ذو الحجة - 1438 هـ
ثورات الخوارج (11) خروج ابني أُديّة عروة ومرداس
الأثنين 21 أغسطس 2017

 

 هيثم الكسواني– كاتب أردني

 

خاص بالراصد

كان عبيد الله بن زياد صارما في أمر الخوارج كأبيه([1])، وقد اشتدّ عليهم في البصرة بعد خروج طواف بن غلاق عليه مع سبعين من أنصاره، في يوم عيد الفطر من سنة 58هـ، وكان ذلك هو أول تمرّد للخوارج في البصرة خلال ولاية عبيد الله عليها، كما كان هذا الخروج شؤمًا عليهم، فقد تشدّد عبيد الله في أمرهم بعد ذلك، "فقَتل عددا كبيرا منهم، وحبس آخرين، حتى أصبحوا بين مقتول ونزيل في سجون البصرة"([2]).

كانت البصرة –آنذاك- هي مركز الخوارج، ومنها تنطلق ثوراتهم، بعد أن اضمحلّ نشاطهم في الكوفة، التي كانت قبل ذلك هي مكان انطلاقهم، ونشأة حركتهم، ومنها انحدر معظم قادتهم ومؤسّسيهم.

وبعد القضاء على طواف وأتباعه من الخوارج، انتهج عبيد الله ما يُعرف حاليًا بـسياسة "الضربة الاستباقية"، فهو لم يكن ينتظر خروجهم عليه، بل كان هو مَن يبحث عنهم، مستعملاً كل الوسائل([3])، وإضافة إلى خشيته من حركاتهم المسلّحة، فإنه كان يخشى أيضًا من تأثيرهم الفكري على الناس، وحُسن كلامهم، وانخداع العامّة بهم، لذلك كان يقول: "أقمَع النفاقَ قبل أن ينجم. لَكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع"([4]).

 

عروة بن أُديّة

ويُعتبر قتل عبيد الله بن زياد لعروة بن أُديّة وابنته في العام نفسه (58هـ) أول صِدام بين عبيد الله والخوارج بعد قمع تمرّد طواف. وعروة هو أحد رموز الخوارج، ويقال إنّه هو أوّل من حكّم([5])، أي أنه هو الذي أطلق شعار (لا حُكم إلاّ لله) اعتراضا على حادثة التحكيم المعروفة بين عليّ ومعاوية، رضي الله عنهما، وسيفُه كان أوّل سيف سُلّ من سيوف الخوارج، وذلك أنه أقبل على الأشعث بن قيس([6]) فقال‏:‏ ما هذه الدنيّة يا أشعث؟ وما هذا التحكيم؟ أَشرْط أحدِكم أوثق من شرط الله تعالى‏!‏ ثم شهر السيف...([7]).

وعروة هو أحد النّاجين من معركة النهروان التي خاضها الخوارج ضدّ الخليفة الرابع، عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، سنة 37 (أو 38هـ)، وفي أيام خلافة معاوية أُتي به إلى والي العراق زياد بن أبي سفيان، ومعه مولىً له، فسأله زياد عن أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما، فقال فيهما خيراً، ثم سأله عن عثمان وعليّ، رضي الله عنهما، فتولّى عثمان ستّ سنين (أي الشطر الأول من خلافته)، ثم شهد عليه بالكفر، وقال في عليٍّ مثل ذلك، وأنه كان يتولّاه إلى حادثة التحكيم، ثم شهد عليه بالكفر.

وسأله زياد عن معاوية (الخليفة آنذاك) فسبّه عروة سبّاً قبيحاً، ثم سأله عن نفسه فأغلظ عليه القول، فأمر زياد بضرب عنقه‏.‏

ثم دعا مولاه فقال له‏:‏ صِف لي أموره فقال‏:‏ أأُطنب أم أَختصر؟ فقال‏:‏ بل اختصر، فقال‏:‏ ما أتيتُه بطعامٍ في نهارٍ قط، ولا فرشتُ له فراشًا بِليلٍ قط‏([8])، أي كناية عن شدّة عبادة عروة، فهو صائم في النهار، قائم في الليل، وهذا هو حال الخوارج كما وصفه لنا رسول الله، صلى الله عليه

 

وسلّم (تحقرون صلاتَكم مع صلاتِهم، وصيامَكم مع صيامِهم)، وهو من أسباب انخداع الكثيرين بهم في الماضي والحاضر، ولكن مع شدة العبادة لم يتورع لجهله وانحرافه عن تكفير عثمان وعلي رضي الله عنهما وهما مشهود لهما بالجنة!‏

لكنّ قتلَ عروة كان خلال ولاية عبيد الله بن زياد على البصرة، وأورد ابن الأثير في تاريخه أن "سبب قتلِه أن ابن زياد كان قد خرج في رهانٍ له، فلما جلس ينتظر الخيلَ اجتمع إليه الناسُ وفيهم عروة، فأقبل على ابن زياد يعِظه، وكان ممّا قال له‏:‏ ‏}‏‏أتبْنون بكل رِيعٍ آيةً تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبّارين‏{‏ [‏الشعراء‏:‏ 128‏ -‏ 130‏]‏‏.‏

فلما قال ذلك ظنّ ابن زياد أنه لم يقل ذلك إلاّ ومعه جماعة، فقام وركب وترك رهانه‏.‏ فقيل لعروة‏:‏ لَيقتلنّك‏!‏ فاختفى، فطلبه ابن زياد فهرب وأتى الكوفة، فأُخذ وقُدِم به على ابن زياد فقَطع يديه ورجليه وقتلَه، وقتَل ابنته‏"([9]).‏ ويقال إن سبب قتل ابنة عروة هو اعتناقها مذهب والدها([10]).

وإضافة إلى خشية عبيد الله من استفحال أمر عروة، وإمكانية وجود جماعة تحت إمرته، فقد ذكر بعض المؤرّخين سببين آخرين دفعا عبيد الله لقتله:

الأول: تكفيره لعثمان وعليّ، رضي الله عنهما، كما مرّ بنا قبل قليل.

الآخر: مساعدته أخاه مرداسًا على الخروج([11]). وقد أورد البغدادي اعتراف مرداس بذلك خلال قتاله الجيش الأموي: "وددتُ لو كنتُ قبلتُ فيكم قول أخي عروة؛ فإنه أشار عليّ بالاستعراض([12]) لكم كما استعرض قريب وزحاف الناسَ في طرقهم بالسيف، ولكنّي خالفتُهما وخالفتُ أخي"([13]).

 

مرداس بن أُديّة

ومرداس، هو الآخر كان من كبار الخوارج كأخيه عروة، يقول ابن الأثير: "وأما أخوه أبو بلال مرداس فكان عابداً مجتهداً، عظيم القدر في الخوارج، وشهد صفّين مع عليٍّ فأنكر التحكيم، وشهد النهروان مع الخوارج، وكانت الخوارج كلّها تتولاه"([14]).

ولأبي بلال مرداس أشعار في الثناء على الخروج ومدح رؤوس الخوارج كعبد الله بن وهب الراسبي، أورد منها المبرد قوله:

أبعْد ابن وهبٍ ذي النزاهة والتقى                  ومَن خاض في تلك الحروب المهالِكا

أُحبّ بقاءً أو أرجي سلامة                وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا

فيا ربّ سلّم نيّتي وبصيرتي              وهَبْ لي التقى حتى ألاقي أولائكا([15]).

وعلى الرغم من منزلته العظيمة عند الخوارج، وتمسّكه بمنهجهم، إلاّ أنه كان يخالفهم في بعض الأمور، منها أنه "كان لا يدين بالاستعراض، ويحرّم خروج النساء، ويقول: لا نقاتل إلاّ من قاتلَنا"([16]).

ومرداس كان أحد الخوارج الذين ملأ بهم عبيد الله سجنَه في البصرة، وعزم على قتلِهم، إلاّ أنّ السجّان تشفّع له عند عبيد الله (حيث كان زوج مرضعته) لِما رأى مِن كثرة عبادته، وكذلك من وفائه له، إذ كان السجّان يطلق مرداسا من السجن ليلا فيعود مع الصبح، وفعل ذلك حتى عندما

علِم بِنيّة عبيد الله قتل المسجونين، فقبل شفاعته وأخلى سبيل مرداس. وكان عبيد الله قد حبس أبا بلال قبل أن يَقتل أخاه عروة([17]).

 

وتعددت الآراء في سبب خروج مرداس على عبيد الله بن زياد بعد الإفراج عنه، منها أنه خشي من أن يطلبه عبيد الله ثانية([18])، ومنها أنه لم يحتمل ما حلّ بإخوانه الخوارج مِن قتلٍ وتنكيل، وقد قال: "إنه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين تجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل مفارقين للفصل، والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكننا ننتبذ عنهم، ولا نجرد سيفاً، ولا نقاتل إلا من قاتلنا" ([19]).

وعلى إثر ذلك "خرج مرداس في أربعين رجلاً إلى الأهواز، وكان إذا اجتاز به مالٌ لبيت المال أخذ منه عطاءه وعطاء أصحابه ثم يردّ الباقي، فلما سمع ابن زياد خبرهم بعث إليهم جيشاً عليهم أسلم بن زرعة الكلابي.

وكان الجيش ألفي رجل، فلما وصلوا إلى أبي بلال ناشدهم الله أن يقاتلوه فلم يفعلوا، ودعاهم أسلم إلى معاودة الجماعة، فقالوا: أتردّوننا إلى ابن زياد الفاسق؟ فرمى أصحاب أسلم رجلاً من أصحاب أبي بلال فقتلوه، فقال أبو بلال: قد بدؤوكم بالقتال. فشدّ الخوارج على أسلم وأصحابه شدة رجل واحد فهزموهم، فقدموا البصرة.

فلام ابن زياد أسلم وقال: هزمك أربعون وأنت في ألفين، لا خيرَ فيك! فقال: لأن تلومني وأنا حيّ خيرٌ من أن تثنيَ علي وأنا ميتٌ([20]).

واتخذّ الخوارج انتصارهم في هذه المعركة التي حدثت في بلدةٍ يُقال لها آسك، رغم قلّة عددهم، دليلا على إيمانهم وصحّة منهجهم، وقد خلّدوها شعرا، فقال أحدهم:

أألفا مؤمنٍ منكم زعمتم            ويقتلُهم بِآسكَ أربعونا

كذبتُم ليس ذاك كما زعمتم        ولكن الخوارج مؤمنونا

هي الفئة القليلة قد علمتم                على الفئة الكثيرة يُنصرونا([21])          

 

وقد عاود عبيد الله الكرّة، فأرسل إلى مرداس والخوارج جيشا جديدا مكوّنا من أربعة آلاف جندي، بقيادة عبّاد بن علقمة المازني، وتمكّن الجيش من إلحاق الهزيمة بالخوارج، وقتل مرداس، وجيء برأسه إلى عبيد الله، وكان ذلك في سنة 61هـ([22]).

ومما يُذكر أن عبّادا نفسَه لم ينجُ من القتل بعد ذلك، فقد خرج له جماعة من الخوارج فقتلوه في الكوفة([23]).

أحدث قتلُ مرداس صدمة لدى الخوارج لمكانته عندهم، وقد رثوه بقصائد منها قول عمران بن حطان:  

يا عينُ بكّي لمرداس ومصرعه             يا ربّ مرداس اجعلني كمرداس

أبقيتني هائماً أبكي لمرزئتي               في منزل موحش من بعد إيناس

أنكرت بعدك ما قد كنت أعرفه              ما الناس بعدك يا مرداس بالناس([24]).

   

المراجع

1-  الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، طبعة مؤسسة المعارف ودار ابن حزم، بيروت، 1430هـ، 2009م.

2-  ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية.

3-  أبو العباس المبرّد، الكامل في اللغة والأدب، نسخة إلكترونية.

4- عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.

5- د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي: نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، أدبهم، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الخامسة، 1425هـ - 2004م.

6-  د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأمويّ خلال (37 – 132هـ)، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، أيار (مايو) 2007م.

7-  د. علي محمد الصلابي، الدولة الأموية: عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الثانية، 1429هـ (2008م).

 



[1] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1611.

[2] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 128.

[3] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 73.

[4] - المبرّد، الكامل في اللغة والأدب، المجلد الثالث، نسخة إلكترونية. ومعنى ينجم: أي يطلع ويظهر، واليراع: القصب.

[5] - المبرّد، الكامل في اللغة والأدب، نسخة إلكترونية، و د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 78.

[6] - صحابي. وهو الذي حمَل كتاب التحكيم بعد توقيعه من شهود الطرفين، وأخذ يقرؤه على الناس (د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 77).   

[7] - المبرّد، الكامل في اللغة والأدب، نسخة إلكترونية، ص 506.

[8] - المبرّد، الكامل في اللغة والأدب، نسخة إلكترونية، ص 506.

[9] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 58هـ.

[10] - د. علي الصلابي، الدولة الأموية، المجلد الأول، ص 248، نقلاً عن كتاب "مرويّات خلافة معاوية في تاريخ الطبري" للدكتور خالد الغيث.

[11] - د. علي الصلابي، الدولة الأموية، المجلد الأول، ص 246.

[12] - جاء في بعض المعاجم: استعرض القوم أي قَتَلهُم، ولم يُبالِ بِمَن قتل.

[13] - عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 92.

[14] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 58هـ.

[15] - المبرّد، الكامل في اللغة والأدب، نسخة إلكترونية.

[16] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 58هـ.

[17] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 58هـ.

[18] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 129، نقلا عن تاريخ الطبري.

[20] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 58هـ.

[21] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 58هـ، و د. علي الصلابي، الدولة الأموية، المجلد الأول، ص 252.

[22] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 129.

[23] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 129.

[24] - عمران بن حطان قائل هذه الأبيات هو نفسه الذي أثنى على ابن ملجم عندما ضرب الخليفة الرابع عليّا بن أبي طالب، رضي الله عنه، بالسيف وقَتله، وقال:

يا ضربةً مِن منيبٍ ما أراد بها         إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يوما فأحسبُه                أوفى البريّة عند الله ميزانا

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق