كتاب الشهر\العدد مائة وواحد وسبعون - ذو الحجة - 1438 هـ
المنشقّون
الأثنين 21 أغسطس 2017

 عرض أسامة شحادة – كاتب أردني

 

 

 

 

خاص بالراصد

صدر هذا الكتاب حديثا للأستاذ عبدالله بن صالح العجيري عن مركز تكوين للدراسات والأبحاث، وهو في 240 صفحة من القطع الكبير.

الكتاب يعالج قضية بالغة الأهمية في هذا الوقت وهي حقيقة جماعات العنف والقتال المعاصرة، وهل هي من الخوارج أم أن ذلك هو اتهام سياسي تطلقه الأنظمة الحاكمة نكاية بهذه الجماعات، وكيف نجعل هذه الجماعات من الخوارج وهم لا يكفّرون بالكبيرة ؟ ولا يعادون عثمان وعليًّا، رضي الله عنهما؟

هذه القضية الشائكة، والتي جعلت الكثير من أهل العلم والفضل وعامة الناس يتعاطف أو يناصر هذه الجماعات، وخاصة داعش، في بداية ظهورها ومن ثم تراجعت قوة التعاطف والمناصرة عند غالب الناس وأهل العلم، وللوصول للحقيقة رأى المؤلف أن يسعى للإجابة عن السؤال المركزي: من هم الخوارج بمعنى الذمّ الشرعي؟

وللإجابة عن هذا السؤال اعتمد الباحث البعد التاريخي لِلَحظات التشكل الأولى وما تبعها مِن تطورات، بالتوازي مع بيان البعد العقدي لهذه التطورات.

لكن السنة النبوية أرشدت لظاهرة الخوارج قبل تشكلها التاريخي والواقعي فستكون البداية مع مقررات الوحي بخصوص الخوارج ومن ثم بيان تطابق واقعها وتاريخها مع نبوءات الوحي.

وقسّم الباحث هذه المسيرة التاريخية لحقبة ما قبل الخوارج، وحقبة الخوارج، وحقبة ما بعد الخوارج.

ففي حقبة ما قبل الخوارج سنجد أن البذرة ظهرت زمن النبوة بذاك الجاهل خويصرة التميمي، المعترض على قسمة الغنائم يوم حنين، والذي خاطب النبي صلى الله عليه وسلّم بقوله: اعدل يا محمّد!

ينبّه الباحث إلى أن الأحاديث النبوية عن الخوارج تنقسم إلى قسمين، الأول يتحدث عن الخوارج الأوّلين الذين قاتلهم عليٌّ وهم الحرورية أو المحكّمة الأولى أو أهل النهروان وهم الأكثر عددا، والقسم الثاني هم جماعات الخوارج عبر التاريخ حتى قيام الساعة، فقد أخبرت السنة أن الدجال يخرج بين الخوارج!

وقد كشفت الأحاديث النبوية عن مجموعة الصفات لكل قسم، وصفات مشتركة بين الجميع، وبيان الصفات المشتركة هو غاية البحث وهدفه، لتحديد مفهوم الخوارج عبر الزمن.

وهذا التفريق مهمٌّ لإبطال مزاعم خوارج العصر بعدم "خارجيتهم" لعدم توفر بعض الصفات التي أخبرت السنة النبوية أنها في الخوارج، كصفة التحليق وشدّة العبادة مثلاً، بينما خوارج اليوم يطيلون شعورهم وليسوا من أهل العبادة، بل بعضهم يرتكب الكبائر ويدمن المخدرات!

فالتركيز على الصفات الجامعة للخوارج عبر الزمن أو المكونات الصلبة بتعبير الباحث هو الأساس الذي يجب التركيز عليه، والغلو هو المكون المركزي لظاهرة الخوارج إذ "غلوا في الدين غلوا جازوا به حده، لنقص عقولهم وعلمهم ... وأوجب ذلك لهم عقائد فاسدة، ترتّب عليها أفعال منكرة، كفرهم بها كثير من الأمة وتوقف فيها آخرون" كما يقول ابن تيمية، فغلوهم مركب من محددين هما عقائد فاسدة وأعمال منكرة.

فمحدد العقائد الفاسدة هو التكفير بغير حق، ومحدد الأعمال المنكرة هو القتل بغير حق، بناء على التكفير، وقد بينت السنة النبوية ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رئيت بهجته عليه وكان ردئا للإسلام، غيره إلى ما شاء الله، فانسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك" قال حذيفة: قلت: يا نبيّ الله، أيهما أولى بالشرك، المرمي أم الرامي؟ قال: "بل الرامي"، رواه ابن حبان وحسّن إسناده الألباني.

وهذا الغلو عند الخوارج سببه: صغر السن، والسفه، والكِبر والتعالي، ولذلك لم يكن أحد من الصحابة مع الخوارج رغم أن كثيرا منهم عاصر الخوارج.

وبسبب هذا الغلو المنحرف عند الخوارج جاءت الأحاديث بالذم الشديد لهم فوصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم "شر الخلق والخليقة" و"يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّمية" و"كلاب أهل النار"، ومن جهة أخرى جاءت السنة بتشديد المواجهة والقتال مع الخوارج ،وأن قتالهم أولى من قتال المشركين لعظيم فسادهم.

وقد نبّهت السنة على خطورة الفتنة بالخوارج لأنهم يظهرون للناس بمظهر مخادع، فهم ذوو قول حسن يجذب الناس، إذ يدعون لتحكيم الشريعة وإقامة الجهاد! لكن الحقيقة أنهم يحكّمون أهواءهم ويقتلون المجاهدين والأبرياء كما شاهد المسلمون أجمعون من جرائم داعش بحق الثورتين السورية والعراقية.

ومن القضايا المهمة في مفهوم الخوارج أن السنة النبوية لم تجعل تكفير مرتكب الكبيرة من علامات الخوارج! ولا كان تكفير مرتكب الكبيرة من صفة الخوارج الأوّلين الذين قاتلهم الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

أما الخوارج في حقبة الظهور والتحقق فقد بيّنت السنة النبوية زمن ظهورهم الأول في قوله صلى الله عليه وسلم: "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق" رواه مسلم، فالخوارج هنا فئة ثالثة وليست من إحدى الطائفتين المتقاتلتين.

وفي هذا الواقع العملي لخروج الخوارج تحققت النبوءة النبوية، فقد كفّر الخوارج الخليفة الراشد عليّا، والمشهود له بالجنة كما كفّروا عثمان بن عفان أيضا بأثر رجعي في غلوّ غبي، ومن ثم قتلوا عليّاً ظلما وعدواناً، ويَعتبرون ذلك من أعمال البر والتقوى!! وبذلك اجتمع المحددان: الغلو الاعتقادي والغلو العملي بالتكفير الجائر والقتل الظالم، والذي هو حقيقة منهج الخوارج مهما تبدلت الأسماء والألقاب.

وقد عالج الصحابة غلو الخوارج بالعلم حين ناظرهم حبر الأمة عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، فرجع فئام منهم عن الباطل، وحقت الشقوة على أغلبهم بعنادهم على الجهل والهوى حين رفضوا سماع كلام ابن عباس أصلاً، فكان السيف آخر الدواء لهم.

ولكن بقيت ظاهرة الخوارج مستمرة ومتكررة، غلو في التكفير وجرأة على الدم الحرام، وبقي علاج الصالحين لهم بالعلم لمن يقبل، والسيف لمن يعاند ويكابر ويعتدي تكفيرا وقتلا.

ومع الأيام بدأ يتشكل انحراف الخوارج في فهم الدين على أصول منحرفة هي:

1-  التعلق بالمتشابه.

2-  تنزيل النصوص على غير محلّها.

3-  تبعيض الوحي.

4-  رد السنة لوهم معارضتها لظاهر القرآن.

5-  عدم قبول خبر الآحاد.

6-  الإعراض عن تفسير القرآن بالسنة.

7-  ردّ اجماع الصحابة وفهمهم.

8-  احتكار حق الفهم.

9-  التعجل في تأويل القرآن دون التمكن من أدواته.

أما حقبة ما بعد الخروج الأول، فقد تعددت تعريفات الخوارج في كتب الفرق والمقالات وذلك لم يكن إلا تعريف ببعض مكون الظاهرة، وبما تطورت إليه ظاهرة الخوارج، فأصبح تكفير بعض الصحابة وتكفير مرتكب الكبيرة من أهم مكونات التعريف، لكن الخوارج الأوّلين لم يكونوا يكفّرون بالكبيرة!

ولذلك كان الأصوب في مفهوم الخوارج هو أنهم من يكفّر بغير حق ويقتل بناء على ذلك، سواء كان التكفير والقتال للسلطة السياسية أو لغيرها، وبذلك يمكن أن يندرج تحت اسم الخوارج مذاهب وشخصيات متعددة.

فالشيعة والرافضة الذين يكفّرون المسلمين ويقتلونهم لذلك هم خوارج من جهة، وشيعة من جهة أخرى، وقد أطلق بعض العلماء على الحَجّاج وصف الخوارج لأنه يكفّر خصومه ثم يقتلهم ويستحل دماءهم، وأطلقوا اسم الخوارج على القرامطة.

ولكن مع تعقّد المشهد السياسي في واقع المسلمين فقد ينضمّ فرد أو أفراد لجماعة من الخوارج لظروف قاهرة كأن يستولوا على مناطقهم ويجبرونهم على القتال معهم، أو لكونهم يواجهون عدوا مجرما يجبرهم على الانضمام للخوارج، لكن هذا الفرد أو الأفراد لا يشتركون مع جماعة الخوارج في فكرهم أو جرائمهم، فهنا يبقى للجماعة التي تتساهل في التكفير وتتجرأ بلا تقوى على الدماء المعصومة وصف الخوارج وحكمهم، ولكن بعض الأفراد قد لا يشملهم ذلك الوصف.

والخلاصة التي وصل إليها الباحث هي أن ما شاع من تعريف الخوارج بتكفير مرتكب الكبيرة خطأ، وأن الصواب هو تعريف الخوارج بمن "يكفّر بغير حق ويقتل بغير حق"، وهذا يكشف عن عمق انتشار ظاهرة الخروج المعاصر في أوساط جماعات العنف والقتال.

وتبقى ملاحظة مهمة كنت أتمنى لو أن الباحث تصدى لها وهي الحاجة لبيان مدى انطباق المفهوم الصحيح للخوارج على جماعات العنف والقتال المعاصرة، من خلال نصوصهم وأدبياتهم، ومن خلال جرائمهم وإرهابهم، حتى لا تبقى مثل هذه الدراسات نظريات معلقة في الهواء، لا يستفيد منها إلا المختصون، في الوقت الذي نحتاج فيه لتحصين عموم المسلمين من خطر الخوارج وغلوّهم، وخاصة الشباب المتحمس.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق