الإسلام والسنة في دائرة الاستهداف حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (5) لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ (1) الروهنجيا في ميانمار.. الأقلية الأكثر اضطهادا في العالم ثورات الخوارج (12) مفارقة ابن الزبير قالوا - العدد مائة واثنان وسبعون - محرم - 1439 هـ "ترويض الإسلام" أكاديمياً في ألمانيا؟ الحوثيون .. النشأة والعلاقات المتأزمة سراب التغيير.. العرب والاعتدال الإصلاحي في إيران من صور الاختراق الشيعي لغزة في 2017 مهمات الحشد الشعبي في العراق الإمساك بالعصا من المنتصف.. سياسة إيرانية تجاه كردستان الحروب الخاسرة مع الإرهاب رسالة جديدة إلى المحيسني عن أي تحالف تركي - إيراني يتحدثون؟! في معنى أن تنتصر طهران لماذا التغيير الديموغرافي بالعراق؟ لماذا يذبحونهم؟.. البوذية والسيف مسمار جحا الإيراني هل انتهت الثورة السورية؟ إيران تستنزف مياه أفغانستان بعد جفاف أنهارها وبحيراتها قراءة في المخطط الإعلامي الشيعي الموجّه للمرأة مظلومية أهل السنة في إيران (5) المظلومية الدينية 2 الميلشيات الشيعية والطفولة.. انتهاكات يعلوها الصمت
 
سطور من الذاكرة\العدد مائة وسبعون - ذو القعدة 1438 هـ
ثورات الخوارج (10) الخوارج في بداية عهد عبيد الله بن زياد
الثلاثاء 25 يوليو 2017

 هيثم الكسواني– كاتب أردني

 

خاص بالراصد

توفي زياد بن أبي سفيان سنة 53هـ (673م)، بعد أن شنّ على الخوارج حربا بلا هوادة، وتمكّن في السنوات التي كان فيها واليًا على الكوفة والبصرة أن يضبط أمور العراق، لدرجةِ أنه تطلّع لحكم الحجاز أيضا، وبعث إلى خليفة المسلمين، معاوية، رضي الله عنه، يقول: "إنّي قد ضبطتُّ لك العراق بشمالي ويميني فارغة، فأشغِلها بالحجاز"([1]).

أما النوّاب الذين كان زياد قد عيّنهم قبل موته، فقد أقرّهم معاويةُ في بادئ الأمر، فأبقى سمرة بن جندب واليًا على البصرة، وعبد الله بن خالد بن أسيد على الكوفة، لكنّ هذا الحال لم يدم طويلا، إذ قام معاوية بعزل سمرة بعد ستة أشهر، وعيّن بدلاً منه عبد الله بن عمرو بن غيلان([2])، كما عيّن الضحّاك بن قيس واليًا على الكوفة.

عبيد الله واليًا على البصرة

 

 

 

 

في هذه الأثناء يفِد عبيد الله بن زياد على معاوية، فيسأله الأخير عن نوّاب أبيه في البلاد، ثم يولّيه على خراسان، وهو ابن خمسٍ وعشرين سنة([3])، وماهي إلاّ بضعة أشهر حتى عزل معاويةُ عبد الله بن عمرو بن غيلان، وعيّن عبيد الله واليًا على البصرة، حيث وجد معاوية أن خير من يخلف زيادا على البصرة ابنُه عبيد الله([4]).

كانت البصرة -آنذاك- تشهد حالة من الهدوء بفعل الإجراءات الصّارمة التي اتخذها زياد فيها قبل موته، وبتولي ابنه عبيد الله الإمارة هناك سنة 55هـ، كان أول قرار اتخذه هو الإفراج عن الخوارج الذين كانوا في سجون والده في البصرة، ويبدو أنه أراد من ذلك استمالة الخوارج وتأليفهم، وتجنّب ثوراتهم([5]).

لكنّ الأيام ستثبت أن القرار لم يكن في محلّه، إذ أن الخوارج لم يحفظوا هذا الجميل لعبيد الله([6])، فما هي إلاّ ثلاث سنوات حتى عاد الخوارج في البصرة لممارسة "هوايتهم" بالتمرد والخروج، وهو ما يذكّرنا بصنيع بعض جماعات العنف في مصر إزاء الرئيس السادات، الذي بدأ عهده بالإفراج عن المعتقلين الإسلاميين الذين كانت تغصّ بهم سجون جمال عبد الناصر، والتنصّل من النهج الاشتراكي الذي تبنّاه سلفه، وإبعاد القيادات الناصرية تدريجيًا من السلطة، ومحاربة إسرائيل في أكتوبر 1973م، ليُفاجأ بعد أشهر قليلة بمحاولة الانقلاب عليه، فيما عُرف بحادثة الكلية الفنّية، في نيسان/ أبريل من سنة 1974م.

 

 

 

 

أما السنوات الثلاث التي ظلّ فيها الخوارج بدون تمرّد وثورات في البصرة، فلم تكن لرغبتهم بحفظ الجميل لعبيد الله، بل لأسباب أخرى، تتمثل بحالة التشتت التي صاروا عليها بعد سلسلة الإجراءات والعقوبات التي كان زياد قد اتخذها ضدّهم ومراقبة تحرّكاتهم([7]).

بدأ الخوارج بعقد اجتماعات سرّية في بيت أحدهم، وفيها شرعوا بالتهجّم على بني أميّة وذمّ حكمهم، ولمّا علِم عبيد الله بأمر هذه الاجتماعات وما يدور فيها قام باعتقال الخوارج المشاركين فيها، وألقى بهم في السجن([8])، لكنه كان مصمّمًا -هذه المرة- على قتلهم، وعدم إعطائهم الفرصة للتمرّد والخروج عليه.

يقتل بعضُهم بعضًا!

وابتكر عبيد الله طريقة لقتل الخوارج رأى أنها ستزيد من الخلافات فيما بينهم وتشقّ صفّهم وتخلّصه من العناصر النشيطة منهم، وهي الطلب منهم أن يَقتل بعضُهم بعضا مقابل الإفراج عن القاتلين، وبالفعل نجحت خطّته، وأخذ الخوارج يقتلون إخوانَهم، في انتهازية واضحة، أملاً في الخروج من السجن، وأفرج عبيد الله عن القتلة كما وعدَهم([9]).

وحقّقت الخطّةُ بعضَ ما كان يهدف إليه عبيد الله من إحداث الفرقة بين الخوارج، إذ أخذوا يتلاومون فيما بينهم([10])، وفي المقابل كان لها تأثير عكسي، فقد استاء هؤلاء الخوارج مما اقترفته أيديهم، وقرّروا التصعيد ضد عبيد الله، كنوع من التكفير عن الذنب([11]).

 

 

 

ومِن بين الذين أَفرج عنهم عبيد الله من الخوارج بعد قتلهم إخوانهم رجلٌ يدعى طواف بن غلاق، استفتى أحد (علمائهم) بكيفية التكفير عن الذنب والتوبة، بعد رفض أهالي المقتولين قبول الدية والقوَد([12])، فأشار عليهم بالهجرة، استنادًا إلى قوله تعالى:} ثم إنّ ربك للذين هاجروا من بعد ما فُتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفورٌ رحيمٌ{  (سورة النحل‏:‏ 110) ([13]).

وما يزال منهج "الهجرة" يتوارثه الخوارج المعاصرون عن أسلافهم، بل إنّ إحدى هذه الجماعات المعاصرة اشتهرت باسم "التكفير والهجرة"، حيث شكّلت الهجرة العنصر الثاني في فكرها بعد التّكفير، ويُقصد بها العزلة عن المجتمع، بحكم أن المجتمعات الحالية كلها مجتمعات جاهلية([14]).

واستجابةً لفتوى عالِمهم، خرج طواف مع سبعين من أنصاره من بني عبد القيس بالبصرة، بعد أن بايَعوه، وأخذوا يستعرضون الناس([15])، ما يدلّ على أن تكفير الخوارج لم يكن ينحصر بالولاة والحكّام، بل شمل كل الذين لا يسيرون في ركب الخوارج، أو يرتضون منهجهم وبدعتهم.  

وعندما علِم عبيد الله بخروج طواف وأتباعه أرسل إليهم الجند فقاتلوهم، وقاتل أهلُ البصرة مع الجند، في استمرار للسياسة التي درج عليها الأمويون بضرورة اشتراك الأهالي والقبائل بمحاربة الخوارج، ولِما رأوه من إفسادهم، وانتهت مغامرة طواف بهزيمته، ومقتله، ومقتل أصحابه، وكان ذلك يوم عيد الفطر، سنة 58هـ (678م)([16]).

خروج شؤم!

 

كان هذا الخروج شؤمًا على الخوارج، فقد تشدّد عبيد الله في أمرهم بعد ذلك، "فقتل عددا كبيرا منهم، وحبس آخرين، حتى أصبحوا بين مقتول ونزيل في سجون البصرة، وقد فاق ابن زياد أباه في تشدّده عليهم، فقد كان زياد يقتل المُعلن ويستصلح المسرّ، أما عبيد الله فقتلهم على الشبهة والظنّة"([17]).

ومِمّا جعل عبيد الله يصبّ جام غضبه على الخوارج أيضا، ويعزم على قتل المسجونين منهم تحدّيهم له، وقيامهم باغتيال السّجّانين، وقد عبّر عبيد الله عن غضبه من ذلك بقوله: "ما أدري ما أصنعُ بهؤلاء! كلّما أمرتُ رجلاً بقتل رجلٍ منهم فتَكوا بقاتله! لأقتلنّ مَن في حبْسي منهم"([18]).

وقد أخذ الخوارج المعاصرون من أسلافهم نهجَ قتل الشرطة والضباط والسّجانين لإخافتهم، وكان شكري مصطفى، زعيم إحدى هذه الجماعات المعاصرة التي خرجت من مصر، واشتهرت باسم "التكفير والهجرة" يدافع عن ذلك، ويرى قتْل كلّ من اشترك في تعذيب المعتقلين ليكونوا عبرة لغيرهم، وأنه لو قُتل ضابطٌ واحدٌ فلن يفكّر آخر بتعذيب معتقل واحد بعد ذلك... وكان يقول إنه من العار على المسلمين أن يُمسك بهم كالدجاج دون مقاومة ... فلماذا لا نستشهد عندما يفكّرون بالقبض علينا ... ولماذا لا نبدؤهم بالحرب؟ .. وكان يقول إننا نستطيع تصفية هذه الحرب لصالحنا بقتل بضع مئات من الضباط قبل أن ينتبهوا.

وعندما سأله أحدُهم: وما نتيجة ذلك في نظرك؟

أجاب: سوف نخلق جيلا جديدا من الضباط المؤمنين سيخافون من القتل، وينتبهون لكلمة الإسلام، ولن ينفّذ واحد منهم الأوامر، نحن نسلب الظالم سيفه الذي يضرب به الناس([19])، لكن هذا لم يحدث بل ازداد التعذيب والظلم في السجون للمعتقلين، وازداد الظلم والإرهاب من المعتقلين وأنصارهم ضد المجتمع وليس السجانين!!

 

المراجع

1-  الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، طبعة مؤسسة المعارف ودار ابن حزم، بيروت، 1430هـ، 2009م.

2-  ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية.

3-  أبو العباس المبرد، الكامل في اللغة والأدب، نسخة إلكترونية.

4- د. مانع بن حمّاد الجهني (إشراف وتخطيط ومراجعة)، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة ، إصدار الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الرياض، الطبعة الثالثة، 1418هـ.

5- د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي: نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، أدبهم، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الخامسة، 1425هـ - 2004م.

6-  د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأمويّ خلال (37 – 132هـ)، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، أيار (مايو) 2007م.

 



[1] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 53هـ، والحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1598.

[2] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1601.

[3] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1601.

[4] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 127.

[5] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 127، و د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 72.

[6] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 127.

[7] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 72.

[8] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 127، و د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 72.

[9] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 127، و د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 72.

[10] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 127.

[11] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 72.

[12] - أي القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل.

[13] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 58هـ.

[14] - د. مانع الجهني، الموسوعة الميسرة، المجلد الأول، ص 338 – 339.

[15] - جاء في بعض المعاجم: استعرض القوم أي قَتَلهُم، ولم يُبالِ بِمَن قتل.

[16] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 58هـ، و د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 127.

[17] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 128.

[18] - المبرد، الكامل في اللغة والأدب، نسخة إلكترونية.

[19] - أسامة شحاده، حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج(3)، المنشور في مجلة الراصد، العدد 169، شوال 1438هـ، نقلاً عن: سراديب الشيطان لأحمد رائف.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق