الإسلام والسنة في دائرة الاستهداف حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (5) لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ (1) الروهنجيا في ميانمار.. الأقلية الأكثر اضطهادا في العالم ثورات الخوارج (12) مفارقة ابن الزبير قالوا - العدد مائة واثنان وسبعون - محرم - 1439 هـ "ترويض الإسلام" أكاديمياً في ألمانيا؟ الحوثيون .. النشأة والعلاقات المتأزمة سراب التغيير.. العرب والاعتدال الإصلاحي في إيران من صور الاختراق الشيعي لغزة في 2017 مهمات الحشد الشعبي في العراق الإمساك بالعصا من المنتصف.. سياسة إيرانية تجاه كردستان الحروب الخاسرة مع الإرهاب رسالة جديدة إلى المحيسني عن أي تحالف تركي - إيراني يتحدثون؟! في معنى أن تنتصر طهران لماذا التغيير الديموغرافي بالعراق؟ لماذا يذبحونهم؟.. البوذية والسيف مسمار جحا الإيراني هل انتهت الثورة السورية؟ إيران تستنزف مياه أفغانستان بعد جفاف أنهارها وبحيراتها قراءة في المخطط الإعلامي الشيعي الموجّه للمرأة مظلومية أهل السنة في إيران (5) المظلومية الدينية 2 الميلشيات الشيعية والطفولة.. انتهاكات يعلوها الصمت
 
الأدب النسائي الإسلامي .. تحديات وآفاق
الثلاثاء 25 يوليو 2017

 

 فاطمة عبد الرءوف

 

إذا كان الأدب يمثل جزءا أصيلا من روح الإنسان بما قد يسكنها من مشاعر وأفكار وأحلام ومخاوف وتطلعات وأشواق فأنه يمثل أيضا جزءا من روح الحضارة التي يحياها هذا الإنسان في لحظتها الراهنة وفي أفقها المستقبلي .. لذا فإن وجود الأدب يشبه الحتمية الإنسانية، فلا يمكن بحالٍ  أن ننكر أهمية الأدب أو نتصور حياة الإنسان بدونه.

والمضمون الذي يحمله الأدب وما به من تصورات عن الحياة وواهب الحياة وعن الإنسان نفسه تمثل نقطة حاسمة وجوهرية في ذلك الدور الذي يمكن أن يلعبه الأدب، ولا يمكن أبدا أن نقلل من أهمية الشكل الأدبي .. اللغة .. الجماليات في المتعة الوجدانية التي يستشعرها الإنسان، لكن يبقى المضمون أهم تحدٍّ يواجهه الأدب.

ومنذ اللحظة الأولى لنشأة الدولة الإسلامية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بدأ ما يمكن أن نطلق عليه الأدب الإسلامي، وكان وقتها الشعر هو الممثل الحقيقي للأدب، وكان  الشعراء الصحابة هم المجاهدون بلسانهم، جاء في سير أعلام النبلاء: قال ابن سيرين، كان شعراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك. قال عبد الرحمن بن كعب عن أبيه أنه قال: يا رسول الله، قد أنزل الله في الشعراء ما أنزل، قال إن المجاهد مجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده (لكأنما) ترمونهم به نضح النبل.

قال ابن سيرين: أما كعب فكان يذكر الحرب يقول فعلنا ونفعل ويتهدّدهم، وأما حسان فكان يذكر عيوبهم وأيامهم، وأما ابن رواحة فكان يعيّرهم بالكفر.

وإذا كان الشعر قديما هو أهم الأشكال الأدبية لدى العرب فإنه يمكن القول بكل ثقة إن الرواية الآن احتلت هذه القيمة لدى العربي المعاصر بعد أن احتلتها على مستوى العالم كله.

نجح المثقف العلماني اليساري والليبرالي في بلادنا في السيطرة على مفاصل الحركة الأدبية إبداعا ونقدا، وجاءت الكتابات المعبّرة عن الأدب الإسلامي خاصة في شكله الروائي  قليلة وغير مترابطة، ربما كمظهر آخر من مظاهر التراجع الحضاري وربما لاهتمام الحركات الإسلامية بالخطاب المباشر مع الجماهير، وبقيت كتابات نجيب الكيلاني تغرد خارج السرب، أما الأقلام النسائية التي تعبّر عن هذا الاتجاه فشِبه معدومة.

والأعمال الروائية العربية إما تتجاهل المتديّن وكأنه غير موجود، أو تشوّه صورته وسلوكه فهو إما برجماتي، وإما معقّد نفسيا، وإما شخصية منافقة يفتي وفقًا للهوى .. أما شخصية الفتاة المتديّنة مستقيمة الفطرة ناهيك عن الداعية المؤثرة فإن هذه الأعمال تخلو منهما.

ولا شك أن التيار الإسلامي أيضا يتخبط، فالبعض كان يتحرّج من الأدب، ومن الروايات على وجه التحديد، ويعتبرها أكاذيب تلهي الناس وتهدر أوقاتهم، والحقيقة أن الرواية تعمل بطريقة بالغة التأثير على الإنسان من الناحية النفسية، فالعمل الروائي المتقن يأخذك لعالمه وشخوصه وقوانينه وأفكاره الظاهرة والخفية بطريقة ناعمة، فتجدك وقد تعاطفت حد التقمّص مع الأحداث وكأنك تعايشها بالفعل وكأن ما يدور من سعادة وفرح أو ألم وحزن أو حيرة وتردد هو عين ما تشعر به، يكفي أن تطالع قارئا مندمجا مع روايته ستجده يقطب جبينه.. يبتسم أو تدمع عيناه ..

أتذكر جيدا ذلك اليوم الذي اندمجت فيه مع رواية وأنا في مكان مزدحم يضج بالناس من حولي  أنه ولشدة تفاعلي مع أحداثها وكانت تصف الحرب الأهلية الأمريكية حيث أبدعت الكاتبة في تصوير الخراب والدمار ورائحة الجثث المتعفنة و... أنني أخذت أنظر للحياة من حولي وهي تسير بهدوئها المعتاد وكأنما هي أمر غريب .. فأين طلقات الرصاص؟ وأين جثث الموتى؟ فأصوات الرصاص ومشاهد الترويع التي في خيالي أصبحت تحاكي الواقع الذي أصبح غريبا، فالخيال الخصب يتحول إلى واقع عندما تصدقه، بينما الواقع الذي ترفضه قد يتحول إلى خيال وكثيرا ما تجده غاضبا بعد انتهاء روايته حتى لو كانت خاتمتها سعيدة مبهجة، فقط لأنه خرج من أجواء الرواية من زمانها ومكانها وشخوصها من أحب فيها ومن كره .. من يوميات أبطالها وتفاصيلهم، فما بالك لو جاءت خاتمتها مؤلمة قاسية مروعة أنه يجد نفسه وكأنما يعتصر قلبه اعتصارا، ومن هنا تكمن الخطورة البالغة لتأثير الرواية فعندما يقوم القارئ بقراءة مقال أو دراسة عن موضوع ما فإنك ستجد عقله متيقظا منتبها يناقش ويفكّر وينتقد مهما كانت الحجج قوية وساطعة.

 والأمر ليس كذلك في العمل الأدبي حيث تخاطب الرواية قلبك قبل أي شيء، بل إن الرواية الناجحة هي التي تخاطب قلبك، فالمباشرة التي تخاطب العقل تقلل من قيمة العمل الأدبي، ولا بد من استذكار أن كاتب (أو كاتبة) الرواية نادرا ما يكون مؤهلا شرعيا أو فكريا لإعطاء الرأي الصواب فيما يطرحه في روايته.

ولذلك عندما يكون القلب هو المخاطَب فإن ما يقنعه هو عمق التأثير العاطفي ومن ثم قد يتعرض الإنسان لحالة من التشويش عندما تُعرض أفكارٌ مخالفة بطريقة تجبره على التفاعل معها تماما كتلك الروايات الكثيرة التي دافعت عن المرأة البغي المسكينة التي أجبرتها ظروفها بالغة القسوة على سلوك هذا الطريق بينما قلبها أنقى من قطرات الماء العذب الهاطلة من السماء .. ومن هنا كانت الأهمية البالغة لوجود أدب ملتزم يراعي القِيم والأخلاق الصحيحة وينشر الفكر الصحيح بتلك الطريقة الناعمة المؤثرة التي تتلمسها ما بين الكلمات والسطور.

نسائي إسلامي

شهدت السنوات الأخيرة مزيدا من الاهتمام بالأدب الإسلامي، والفن الروائي تحديدا، وشهدت ظاهرة بالغة الأهمية، ألا وهي بزوغ نجم عدد من الروائيات الملتزمات اللاتي كتبن روايات اجتماعية بل ورومانسية أيضا، ولكن انتصرن فيها للرؤية الإسلامية، خاصة فيما يتعلق بقضايا المرأة، وهي ظاهرة تستحق التوقف لأنها كانت لافتة للنظر حتى أن موقع "قنطرة" الألماني قام بعمل تحقيق مطوّل بعنوان "ظاهرة الكاتبات المنقّبات تثير جدلاً أدبياً في مصر".  

نظر النقاد التقليديون لهذا الأدب نظرة ريبة ورفْض، واعتبروا أن هذه الأعمال تفتقد الأسس الجمالية للرواية، وعلى الرغم من أن هذه الروايات حققت شعبية كبيرة، حتى أن بعضها طبع 26 طبعة، وهو ما يؤكد مدى تعطش الشارع الأدبي لنوعية جديدة من الروايات تحمل مضمونا مختلفا إلا أن الغالبية الكبرى من النقاد يحملون مشروعا مغايرا وإن لم يكن معاديا للمشروع الإسلامي، ومن ثم بدت الحاجة الماسة لنوعية مختلفة من النقاد تتوافق مع النوعية الجديدة من المبدعين. 

الماهية والأهمية

لكن في البداية لا بد من تعريف المقصود بالأدب النسائي الإسلامي .. إنه ليس أدب المنتقبات كما يذكر الموقع الألماني، فالمهم هو مضمون العمل وليس لباس صاحبته حتى يكون التعريف على قدر من الموضوعية، وهناك أديبات محجّبات وعلى الرغم من ذلك فإنه لا يمكن تصنيف أعمالهن تحت هذه النوعية.

فإذا انحزنا في تعريف الأدب الإسلامي لتعريف الدكتور مأمون جرار – الأستاذ في جامعة عمّان الأهلية ورئيس المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الأردن- "إن الأدب الإسلامي هو الأدب الذي يُقدِّم التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان؛ وهناك يجب التركيز على شرط الأدبية والإسلامية معًا" فإن الأدب النسائي الإسلامي هو ذلك كلّه ولكن برؤية أنثوية.

تكمن أهمية الأدب النسائي الإسلامي بفئتين من النساء:

الأولى: جمهور النساء المتدينات اللاتي يشتقن لقراءة أدب يحكي عنهن وعن عالمهن وعن المشكلات التي تواجههن، وعن مشاعرهن الخاصة الدفينة، بل حتى عن العواطف بين الرجل والمرأة بما لا يخدش الحياء .. وإلى من يذكّرهن بالمنهج الصحيح بطريقة غير مباشرة تلامس القلب والمشاعر قبل أن تخاطب العقل .. وإلى من يدعمهن ويشد أزرهن.

الثانية: النساء الحائرات اللاتي لعب الأدب المستهتر دورا كبيرا في تزييف الحقائق في قلوبهن قبل عقولهن، فكان ما كان من الحيرة والخيبة والألم الذي يعشن ويتجرّعن مرارته فتأتي هذه الكتابات كأنوار كاشفة وملهمة لهن.

قراءة من الداخل

إذا كان الأدب النسائي الإسلامي يمثل ظاهرة جديدة فإن أفضل الطرق للتعرف عليه عن قرب هو قراءته ونقده، وفي السطور القادمة عرض وقراءة سريعة  لبعض النماذج التي حققت نجاحا، ولتكن البداية من رواية "صرخات أنثى"، فعلى الرغم من أنها الرواية الأولى للأديبة زينب علي إلا أنها أحدثت حالة من الاهتمام الشديد في أوساط النساء الملتزمات، فبطلة الرواية "آمال" نموذج للفتاة الملتزمة التي تقوم لصلاة الليل كل ليلة وتحافظ على وِردها وأذكارها، وهذه هي النقطة المميزة في شخصيتها: تستعين بالله تعالى في كل أمورها الصغيرة والكبيرة وكلما صرخ قلبها لألم حلّ به تلجأ لدعائها وصلاتها ومن ثم ينجيها الله في كل مرة .. تتزوج آمال برجل لديه غيرة وشكوك مرضية ومن ثم يُسمعها الكثير من الكلمات المؤلمة والجارحة ولكنها تصرّ على نجاح حياتها الزوجية ومن ثم تصبر صبرا شديدا وتلجأ إلى الله تعالى مع كل مشكلة حتى تصل لبر الأمان ..

هذه الرواية تم نشرها كحلقات مسلسلة في منتدى نسائي إسلامي شهير، ومع كل حلقة كانت النقاشات الساخنة من عضوات المنتدى الملتزمات حول موقف "آمال" وعلاجها لمشكلةٍ ما من المشكلات الصعبة التي واجهتها تبيّن مدى أهمية الرواية الإسلامية للداخل الإسلامي وأن تأثيرها قد يفوق الوعظ المباشر بمراحل.  

ما يعيب الرواية من الناحية الفنية هو الخلط في بعض الأجزاء بين الرواية والمقال واللجوء للنصح المباشر والاستشهاد بأكثر من نص داخل النسيج الروائي حتى علّقت بعض القارئات أن الرواية تصلح ككتاب نصائح تحت عنوان "كيف تسعدين زوجك" أو "كيف تديرين منزلك؟" وهي ملاحظات صادقة، فالكاتبة كانت تستطرد في شرح برنامج  التنظيف اليومي والأسبوعي أو كيفية غسيل الملابس البيضاء أو حتى في فوائد بعض الأطعمة ربما لتفيد القارئة التي تم توجيه العمل إليها ولكن ذلك انتقص من القيمة الفنية للعمل الأدبي.

نضج فني

تأتي كتابات دعاء عبد الرحمن كأشهر الكتابات التي تمثل هذه النوعية من الأدب التي لا تزال تتشكل .. والمتتبّع لكتابات دعاء يلاحظ النضج الفني المتزايد في رواياتها .. روايتها: "مع وقف التنفيذ" تمتلئ بالأشخاص والمواقف الدرامية المعقدة وتدور في أجواء حي شعبي بسيط حيث الظروف الاقتصادية القاهرة من خلال شخصية "فارس" الذي كان يستحق التعيين في النيابة لحصوله على تقدير جيد جدا واجتيازه جميع الاختبارات بنجاح إلا أنه لا يمتلك واسطة، ويعيش في حي شعبي وتربطه علاقة صداقة بطبيب شاب ملتحٍ ومن ثم يفقد حلمه لكنه يحاول تعويضه بإصراره على النجاح كمحام ودراسته الأكاديمية حتى الحصول على درجة الدكتوراه .. صديقه الملتحي الدكتور بلال، وعلى الرغم من أنه ليس الشخصية المحورية في الرواية، لكنه النموذج المطلوب تقديمه فالدكتور شديد الاهتمام بالدعوة في كل المواقف الحياتية البسيطة ولدية طريقة لطيفه للدخول إلى قلب من حوله، خاصة كبار السن الذين يقفون موقفا متوجسا من كل صاحب لحية.

 أما عروسه عبير فهي الأخرى ليست محور الرواية ولكنها نموذج تقدّمه الكاتبة بلغة مرهفة، فعبير المنقّبة التي أتمّت الثلاثين من عمرها، والتي تتهم والدتُها النقابَ بأنه سبب تأخرها في الزواج، والتي تخطب أختها الصغيرة قبلها، والتي تسخر منها بعض الجارات بطريقة خفية، وتبدو متماسكة أمام الجميع تذرف دموعها ليلا على وسادتها، وتتساءل الكاتبة: لماذا يظنّ البعض أن المنتقبة إنسانة بلا مشاعر؟ .. حقّا هي صامدة متماسكة لكن بداخلها مشاعر وهواجس تؤرّقها ولكن وبطريقة غير متوقعة، يتقدم لها الدكتور بلال الذي لم يكمل عامه الرابع والثلاثين بعد، ثم يرزقها الله بأربعة أطفال توائم، وكأنما يعوضها صبرها وانتظارها سنوات من عمرها ..

الرواية لا تخلو أيضا من بعض الإشارات السياسية من خلال المناقشات التي دارت في المعتقل والمشاهد التي رآها أبطالها في سجن طرة بل والحوار المهم الذي دار بين الدكتور بلال وأحد النزلاء حيث اتهمه النزيل أن المشايخ يضربون الزوجات والأخوات لأنهم متشددون وإرهابيون، وكان حوارا ممتعا عن العلاقة بين الفن والسياسة والدعوة والواقع.

حرصت دعاء عبد الرحمن أيضا في هذه الرواية على أن توضح مدى التلاحم الإنساني والاجتماعي بين المسلمين والمسيحيين، وكيف أن من يمنح المسيحيين كامل حقوقهم هم الملتزمون، فعندما يتعرض الدكتور فارس لموقف تحكيم بين حماه المسلم وبين جاره المسيحي لا يتردد في نصرة الحق الذي كان مع المسيحي بينما تولى صديقه الدكتور بلال إقناع  الرجل المسلم أن الإسلام هو مع العدالة المطلقة، وأنه في ظل الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يُظلم أحد بسبب دينه .. ويتجلى ذكاء الكاتبة في إبراز كيف أن الجار المسيحي كان هادئا مطمئنا بينما كان ابنه الشاب ممتلئا بالغضب وهو لا يتصور أن يأخذ حقه عبر تحكيم رجل ذي لحية.

وبنفس هذه الطريقة الاجتماعية الرومانسية جاءت روايتها "اغتصاب لكن تحت سقف واحد" لتناقش موضوع حجاب الفتاة وأنه يحميها من ظن السوء وكيف أن المظهر السليم يحمي القلب الطيب من خلال شخصية "مريم" التي تتعرض لتجربة قاسية قاربت الاغتصاب بسبب تبرجها رغم أنها ترتدي غطاءً صغيرا للشعر وحديثها مع الشباب كأصدقاء وإخوة، ثم بسبب صديقة السوء التي صادقتها واعتبرت أن كل إنسان مسئول عن عمله في المقابل كانت أختها إيمان التي درست الشريعة في جامعة الأزهر نموذجا للفتاة التي يحترمها الجميع والتي ييسر الله أمرها في كل صعب حتى عندما تتزوج برجل لا يحبها، فقط ينفذ نصائح والده الذي هو عمها فإن قربها من الله تعالى يجعل حبها يسكن قلبه بطريقة لا تتصورها على الإطلاق.

أما روايتها الأخيرة "إيماجو" فتبدو الأكثر نضجا من الناحية الفنية فالإشارات فيها خفية لا تكاد تُرى أو تلحظ.

رومانسية اجتماعية

تعد الأديبة منى سلامة التي عرفَتها أيضا الساحة الأدبية النسائية الإسلامية فارسة الرواية الاجتماعية ذات المذاق الرومانسي الهادئ، ولاقت كتاباتها نجاحا وقبولا منقطع النظير. تهتم منى سلامة اهتماما خاصا بالفتاة المصرية العادية سمراء اللون التي لا تملك حظا كبيرا من الجمال، التي لا توصف أبدا بالقبح ولكنها لا تمتلك الجمال الصارخ .. الكثير من بطلات منى يحملن هذه الصفات الشكلية ويحملن أيضا مشاعر إيمانية قوية في قلوبهن وحجابا واسعا يغطي أجسادهن، لذلك فلا عجب أن وصلت كتاباتها لقلوب الفتيات بهذه البساطة.

في روايتها "مزرعة الدموع" تدور الأحداث حول شخصية "ياسمين" الطبيبة البيطرية الملتزمة التي تتزوج من مهندس بترول يفتقد إلى الحد الأدنى من المقومات الإنسانية والتي لا تلبث أن تكتشف ارتكابه للفواحش ومن ثم تطلب الطلاق منه فيضربها بعنف وقسوة فتهرب منه لاجئة لبيت والدها وترفع عليه قضية خلع ولكنه يهددها، ومن ثم توافق على عرضٍ للعمل بمزرعة بعيدة عن القاهرة في طريق الإسماعيلية حيث تسافر إلى هناك بصحبة والدها وأختها.

 وبفضل حجابها وتعاملها المتحفظ مع الرجال تلفت انتباه رجل الأعمال الثري صاحب المزرعة الذي عانى كثيرا من جراء خطبته لفتاة مدللة بالغة التبرج من قَبل في سعى للزواج منها بمجرد حصولها على الخلع لكنها تتردد كثيرا خشية أن يكون ممن يستحلّ الحرمات فأُسرته الثرية المنفتحة وقريباته المتبرجات وتلميحات بعض الموظفات تجعلها لا تطمئن له، فهي لا تبحث عن الثراء أو حتى الحب وإنما تبحث عمّن يرضي الله ويحفظ حرماته، وهو ما تتأكد منه بعد عدد من المواقف .. ليست ياسمين فقط وإنما أختها ريهام التي تقتدي بأختها وصديقتها المقربة التي لفتت انتباه زوجها عندما وجدها جالسة تقرأ القرآن بخشوع في صالة الانتظار بالمطار .. كل ذلك في قالب رومانسي اجتماعي وبوليسي بعض الشيء .. رسالة منى سلامة واضحة فأي فتاة ستقرأ كلماتها لن تتبرج من أجل أن تحصل على زوج، إنها لا تدعو لذلك ببرجماتية ولكن بطريقة شفافة تصل للمعنى الذي تريده وهو أن ما عند الله لا يُنال بمعصيته.

وفي روايتها "جواد بلا فارس" بالغة الرومانسية تناقش الكاتبة فكرة الظلم وكيف أن البحث عن ردّ المظالم لا بد أن يكون بطريقة عادلة وإلا تحول المظلوم إلى ظالم، من خلال شخصية الدكتور آدم الذي تنكّر لقِيمه حتى يسترد حقه حتى أنه خطب فتاة بريئة فقط لينتقم من عمّها إلا أن أمره يتم كشفه، وتتحطم مشاعر الفتاة ولا تستردها إلا بالسير على طريق الالتزام الذي يشفي قلبها من جروحه، وبعد محاولات مشتتة وتائهة من الدكتور آدم يهتدي لنفس الطريق ومن ثم يبدآن معا  فصلا جديدا من قصتهما.

وفي أجواء مختلفة بعض الشيء تأتي روايتها "قطة في عرين الأسد" حيث تدور أحداث الرواية بين القاهرة والصعيد .. الرواية أيضا بوليسية اجتماعية تغوص في أعماق النفس البشرية وأيضا تلعب فيها الفتاة السمراء ذات الثلاثين ربيعا "مريم" دور الشخصية المحورية، وهي فتاة ملتزمة للغاية، وعلى الرغم من أنها تعيش وحدها لأنها يتيمة إلا أنها تحافظ جدا على نفسها ومتحفظة جدا في علاقاتها، وهي تعيش حياة وحيدة قاسية بعد وفاة والديها وبعد ذلك وفاة خطيبها الذي كان قد تم عقد زواجه عليها.

 يستطيع أهل والدها في الصعيد العثور عليها بعد أن فرّ والدها قديما من الصعيد لأنه كان مطلوبا في عملية ثأر غامضة، وهناك -وبطريقة درامية- تتزوج من مراد رجل الأعمال الذي بُترت ساقه وظل يعاني من مشاعر الرفض أو الشفقة خاصة بعد أن طلبت زوجته الطلاق وتزوجت بآخر ولكنها تعاني كثيرا في زواجها من مشكلات زوجها النفسية ومن ملابسات الزواج نفسه حتى تنجح في نهاية المطاف، وعن طريق الحب اللا مشروط الذي تقدمه له ولأسرته تستطيع كسب ثقته والخروج به من أزماته النفسية وتحظى أخيرا بالإحساس بالأمان والدفء الأسري .. تسرد ذلك كله بطريقة مشوقة ومواقف مليئة بالمفاجآت غير المتوقعة.

مذاق مختلف

لكتابات حنان لاشين مذاق مختلف تماما، فهي تعشق الغوص في أعماق النفس البشرية وما يعتملها من ضغوط نفسية حقيقية أو وهمية ففي روايتها "غزل البنات" تناقش أحلام اليقظة خاصة لدى الفتيات .. تلك القصص الصغيرة التي تدور في رؤوسهن عن فارس الأحلام .. تلك الأحلام الممتعة التي تشبه مذاق حلوى غزل البنات التي سرعان ما تذوب .. تلك الأحلام كيف تكون حاجزا حقيقيا يمنعهن من اكتشاف الواقع وما به من جمال قد يفوق الحلم لو تم تأمّله جيدا حتى أن بعضهن وبعد أن تتسرب لحظة الحقيقة من بين يديها تتحول إلى حلم يقظة.

ناقشت الكاتبة في روايتها الفارق بين حلم اليقظة الذي يمنح الإلهام، وذلك الذي ينهي على حياة صاحبه لأنه يعيش فقط في عالم من الخيال وذلك كله من خلال شخصية دعاء الاختصاصية النفسية التي تتعايش مع مشكلات البنات وتحاول حلّها، وفي خضمّ ذلك تكتشف حقائق عن نفسها، هي الأخرى.

أما في روايتها "الهالة المقدسة" فتناقش قضية الحياة والموت وما بينهما عندما يغيب الإنسان عن وعيه وعن أحلامه وأفكاره وعلاقته بما يسمع من حوله ..ت حكي روايتها عن جدلية العلاقة بين الفرد والجماعة والطموح الشخصي ودفء الأسرة .. تدفعك دفعا كتاباتها للتأمل ومحاولة الوعي بالذات وما يجري في دهاليزها ولكن ذلك في إطار من الأحداث المشوقة.

روايات شائكة

 كتابات آلاء غنيم هي الأخرى ينبغي التوقف عندها لأنها قد تهدد هذا التيار الوليد كله لأنها -وعلى الرغم من لغتها الثرية الدافئة المليئة بالرموز والأفكار والمسكونة بالمشاعر- تروج لأفكار بالغة الخطورة، يكفي في هذا الصدد الإشارة لروايتها "الذاهبون إلى الشهادة" التي وإن كانت تدور في إطار رومانسي مهذب إلا أنها تناقش التيارات والمذاهب الإسلامية الموجودة على الساحة .. فالرواية منحازة للتيار الجهادي كما تمثله القاعدة مثلا في أفغانستان، ولكنها تنتقدها أيضا خاصة تلك العمليات التي نفذت في الغرب ..

الرواية أيضا تتحدث عن الإخوان والسلفيين وما تطلق عليه السلفية المستقيمة ونحو ذلك من خلال الحوار بين أبطالها الذين هم أبناء للحركة الإسلامية، والرواية أيضا تتطرق للعلاقة بين السنة والشيعة التي وصفت في جملة في الرواية أنها تشبه نهر له رافدان .. فالبطل المحوري  أبو البراء "عصام الشرقاوي" كان زميلا أيام الدراسة لمهدي العراقي الشيعي الذي يصبح أحد المرجعيات في النجف بعد ذلك، ورغم الخلاف الفكري كانت تجمعهما صداقة عميقة، وكان ذلك أثناء الثورة الخمينية التي قرّبت كثيرا بينهما وجعلت ثمة حلما مشتركا - بحسب الكاتبة - ولكن وبمرور الوقت أصبح كل منهما رمزا لتيار معاد للآخر، لكن مهدي ظل على احترامه لعصام الشرقاوي - أبو البراء - ويرى أن الإعلام يشوه صورته.

وفي لقاء لمهدي مع شاب سنّي يتهمه بالعمالة للإيرانيين تُظهر الكاتبة الوجه الإنساني لمهدي وقدرته على التبرير والدفاع وتناقش الكاتبة العلاقة بين الشيعة الفرس والشيعة العرب .. يستقيل مهدي من البرلمان العراقي ويصدر كتابا يكشف فيه حقيقة تدخل الإيرانيين وينتهي الأمر بقتله وهي أفكار بحاجة لكثير من المناقشة خاصة عندما يشهر سلاح الأدب في المعركة.

بغضّ النظر عن الاختلاف مع أفكار ولاء غنيم إلا أنها تمثل نمطا مختلفا من الأدب، نمطا مرتبطا بعالم المتديّنين وما يدور فيه من أفكار وحوار ومراجعات، وفي لغتها رموز لا يفهمها إلا أبناء التيار الإسلامي .. هو نمط شائك، نعم، ولكنه قيمته الكبيرة أنه قد يشحذ نوعية جديدة من النقاد لإثراء الساحة الأدبية الإسلامية التي تتخفف تدريجيا من الوعظ المباشر ومناقشة الأفكار بالتنظير لأفق أوسع وأشد رحابة.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق