هل تراجع خطر التطرف والغلو وداعش؟ حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (4) الأدب النسائي الإسلامي .. تحديات وآفاق الخميني في فرنسا ثورات الخوارج (10) الخوارج في بداية عهد عبيد الله بن زياد قالوا - العدد مائة وسبعون - ذو القعدة 1438 هـ العنف في التراث الديني الشيعي.. وحيِّ (المسورة) الإسلاميون العرب في الرؤية الإيرانية .. الثابت والمتغير إيران واستغلال الأزمات.. ولا عزاء للشعارات المشهد العراقي: مرحلة ما بعد داعش إمبراطورية إيران الإعلامية تأزم العلاقات الإيرانية التركية | الدوافع والآفاق تضامن القاعدة وإيران.. واقع ينفيه الطرفان تقية خسارة الأقصى من "التطبيع" "الشبراوي": الائتلافات الصوفية الجديدة تخدم السلفيين والمتشددين الحرب الدائرة بين الأقطاب والمريدين في البيت الصوفي سوق «الشأن الإيراني» طابور إيران الخامس «آيات الله» الصغار في مصر علاقة إيران بقيادات الإرهاب في ليبيا .. ومخطط طهران لنشر الفوضى في شمال أفريقيا فريغ القدس والأقصى لماذا اهتم نور الدين وصلاح الدين بإنشاء المدارس السُّنية؟ ماذا بقي من ثورتنا؟ مدينة الذهب الأسود على موعد مع المجهول معارك خطيرة منسية في حرب التغيير الديموغرافي هل سيستفيد "الروهينغيا" من تدويل قضيتهم ؟! هل يتحقق سلام مع إسرائيل ؟
 
فرق ومذاهب\العدد مائة وسبعون - ذو القعدة 1438 هـ
حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (4)
الثلاثاء 25 يوليو 2017

أسامة شحادة – كاتب أردني

خاص بالراصد

تمهيد: تفاقمت ظاهرة الغلو والتطرف والإرهاب في واقعنا المعاصر لتصبح من أكبر التحديات التي تشهدها أمتنا اليوم بعد أن كانت ردة فعل ساذجة، وهذه طبيعة الضلال والانحراف، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالبدع تكون في أوّلها شبراً، ثم تكثر في الأتباع، حتى تصير أذرعاً، وأميالاً، وفراسخ"([1])، وهذا واقعٌ في تطور فكر جماعات العنف عبر عدة عقود، حيث أصبح تكفير غالبية المسلمين هو معتقدها بعد أن كان الدفاع عن المسلمين هو مبرّر تشكيلها!

... في هذه السلسلة سنتناول العوامل التاريخية والسياسية والأمنية والثقافية لظهور جماعات العنف والقتال، ومن ثم مسار تطورها التاريخي ومسار تطور انحرافها الفكري والنتائج الكارثية لها على الإسلام والمسلمين، مع التنبيه على الثغرات التي تضخّمت وتفاقمت من خلالها هذه الظاهرة السلبية، وسيكون الإطار الزمني والمكاني الذي نتناوله في هذه المقالات هو منذ انتهاء حقبة الاحتلال الأجنبي وقيام الدول العربية (المستقلة) التي لم تلبِّ طموحات شعوبها، وتصادمت مع هوية الجماهير، مما ولّد مناخا مأزوما، وظهرت فيه ردات فعل عنيفة، عُرفت بجماعات الجهاد. 

 

شكري مصطفى خارج السجن

أفرج عن شكري عقب وفاة عبد الناصر وقيام السادات بتفريغ السجون سنة 1971، فأكمل دراسته الجامعية وأخذ شكري يطور من أفكاره ويضع لها كتبا يشرحها فيه، وأخذ يدعو الناس لفكره، والأصوب لبدعته وضلاله، ليشكل منهم جماعة لتعبيد الناس لله وإعادة الإسلام في الأرض كلّها.

يقول عبد الرحمن أبو خير عن شخصية شكري في هذه المرحلة: "وكنتُ كلما استمعت إلى الأخ شكري ازددت يقينا في أنه تغير، فلم يعد شكري ذلك الفتى العصبي الذي لا يؤبه بشأنه كما شاهدته آخر مرة في معتقل طره السياسي، لقد كان حينئذ شكري الداعية المكتمل لعناصر الإمامة لولا بقية من الهياج العصبي الذي يدفعه لتجريح محدّثه إن لمس فيه أدنى من ذرة من الخلاف في الرأي"([2]).

فكره:

فكر شكري مصطفى لا قيمة له لأنه فكر رجل جاهل أصلا بالعلوم الشرعية فهو خريج زراعة، ثانيا أخذ فكره بطريقة مشوهة من خلال علي إسماعيل، حين انحرف نحو التكفير وأعاد إحياء فكر الخوارج واخترع بدعة التوقف في الحكم على المسلمين، ولذلك جاء فكر شكري متناقضا ويحوي الأعاجيب، ولم ينطبق فكره على واقعه هو، وهو مثال ساطع على خطورة امتزاج الجهل والبدعة وكيفية تصاعدها لتصبح بدعة ضخمة قد تصل لحد الكفر والخروج من الإسلام!

فهو يكفّر كل الحكام ويكفّر كل أعوانهم في الحكومة والأمن والجيش، ثم يكفّر من لم يكفّرهم من العلماء والناس، ويكفّر العامة بطاعة الحكومات الكافرة، ويكفّر بارتكاب الكبيرة، ومع ذلك يتعاون مع الأمن ضد الحركات الإسلامية الأخرى باسم نصرة الجماعة الحقة ويكذبون على غيرهم!([3])

ومدّ شكري حكم الكفر على كل تاريخ الإسلام من القرن الرابع الهجري بحجة أن التقليد في الإسلام كفر لا يجوز، وأن الاجتهاد واجب على كل مسلم! وأن التقليد كان أول كفر وقع بين المسلمين، والحقيقة إن شكري نفسه كان مقلدا في ذلك للمعتزلة ولابن حزم والشوكاني، وكان أتباعه مقلدين له!!([4])

وقد اضطرته هذه الضلالات لرمي الصحابة بالجهل، وإنكار الإجماع والقياس، والزعم بأنه وجماعته أفضل من جيل الصحابة([5])، ورأى بعض أتباع شكري أن الصحابة وقعت منهم أخطاء، ولو كانوا في عصرنا وعُرض عليهم فهم شكري وجماعته ثم رفضوه لكفروا!([6])

واعتقدوا أن شكروا هو المهدي وأمير المؤمنين الواجب الطاعة والاتباع، برغم أن شكري لا يطابق اسمُه اسمَ النبي صلى الله عليه وسلم، وليس من أهل البيت كما تخبر الأحاديث! وهذا الاعتقاد جعله لا يأبه لأحد من العلماء على جهله وقلة فهمه وبضاعته.

ومن خلال أجوبة شكري لأسئلة المحكمة يلخص مختار نوح فكر شكري بـ: "أن الأصل في أمة الإسلام أنها أمة أميّة لا تقرأ ولا تكتب، ويَحرم عليها تعلم الكتابة، ويفر من أمام إسرائيل ويعتبر أن الأصل هو الفرار من العدو – وهو شخص لم يقرأ الدستور ولا يعرفه، والخلافة عنده هي سلطة مطلقة للإمام على المحكومين-"([7])

وطوام شكري وأتباعه كثيرة وقد سطروها في كتبهم المعروفة، وضلالهم يتطور مع الزمن إما بالغلو فيه أو بالانشقاق عنه وتكوين جماعة ضلال جديدة، أو بالتسلل لمجموعات أخرى وحرفها كما حدث في اختراق بعض أتباع شكري لجماعة جهيمان الذي احتل الكعبة المشرفة! في تدحرج من ضلال إلى ضلال أكبر([8]).

استراتيجية شكري في الدعوة

كان السائد لدى مجموعات العنف السابقة لشكري مصطفى اعتماد أسلوب الانقلاب العسكري من داخل الجيش على الحاكم والاستيلاء على السلطة والحكم، وكان البعض يفضل خيار الثورة الشعبية وحرب العصابات، لأن صراعهم كان مع السلطة، لكن شكري مصطفى ساوى بين السلطة والمجتمع في التكفير ولم يعد مهتما بالمجتمع، ومنها تغيرت استراتيجيته في العمل لإقامة الجماعة المسلمة، ومن هنا اخترق شكري وجماعته لصالح السلطة لضرب المجتمع أو فئات منه لصالح السلطة!

"إن جماعة المسلمين كان لها استراتيجية مغامرة تتسم بالنفس الطويل لأن الحكم "بالكفر" لم يكن قاصرا على النظام... وبالتالي فإن الاستراتيجية الخاصة "بالانقلاب العسكري السريع" لم تكن هي الملائمة لأفكار شكري مصطفى.

وتقوم استراتيجية الجماعة على تحقيق أهدافها من خلال المراحل المختلفة التي تبدأ بتشكيل خلية للجماعة أو "مجتمع صغير من المؤمنين" يكون هو الخطوة الأولى في سبيل تنفيذ استراتيجية الجماعة، التي تجعلها الجماعة على ثلاث مراحل: الأولى هي التبليغ التي يتبعها التنظيم حتى يستطيع نشر أفكارها ودعوتها، تليها الهجرة وهي مرحلة ثانية، وفي هذه المرحلة تنشغل الجماعة ببناء المجتمع المسلم والتدريب على استخدام السلاح ... وقد مارست الجماعة المرحلتين معا حيث هاجر جزء منها للإقامة بالمنيا منذ 1973 في عزلة عن المجتمع، وتأتي المرحلة الأخيرة حين تخرج الجماعة من عزلتها لتفتح الأراضي "الكافرة""([9]).

مسيرة شكري

يلخص مختار نوح محطات حركة جماعة شكري بقوله: "تمثل في كف الأيدي خلال المرحلة الأولى، وفي الإعلان عن الجماعة في المرحلة الثانية، وأخيراً الجهاد من أجل التمكين في المرحلة الثالثة"([10]).

باشر شكري نشاطه ودعوته بمحافظته (أسيوط) ثم انتقل للقاهرة، وكان أول من قبل دعوته ابن اخته ماهر عبد العزيز بكري في عام 1971([11])، وتمكن شكري من استقطاب أتباع له، كان غالبهم من صغار السن والطلبة، والذين كانوا يوظفون في نشر الدعوة مباشرة.

فلم يكن شكري يكتفي من متابعيه بطاعته، بل كان يأمرهم بدعوة الناس لضلالهم، يقول د. السيد عبد الستار: "زارنا في مسجد الفرقان والسيدة عائشة بالنزهة بمصر الجديدة شاب نحيف عليه مظاهر البؤس والفاقة، وعرّفنا بنفسه عبد المحسن تاجر البيض، هكذا باقتضاب شديد، وقال إنه مكلف من أمير المؤمنين شكري مصطفى لإبلاغنا بالحق الذي هم عليه، وطلب أن نناظره، فإن كان على الحق فقد وجبت في أعناقنا بيعته، وبالفعل اجتمعنا في بيت الأخ محمد شريف الفخفاخ... غير أنه اتضح خلال المناقشة أن تاجر البيض خالٍ تماما من المعرفة بالدين وأنه مجرد مردّد لمقولات شكري... خلال عام 1976 بدأ شكري يفرض أفكاره على الناس بالقوة، وحدث هرج ومرج ومشاجرات وسالت دماء في أكثر من حي"([12]).

كما يروي د. عبد المنعم أبو الفتوح أيضًا نشاط أتباع شكري مصطفى في الدعوة لضلالهم وتوزيع كراساتهم بين شباب الجماعة الإسلامية في جامعة القاهرة، ولكنهم رفضوا فكرهم القائم على تكفير المجتمع بالكلية([13]).

هذه كانت الخطوة الأولى في نشر الدعوة/ الضلالة بين الناس، وعقبها جاء تنفيذ الخطوة التالية وهي العزلة والهجرة من المجتمعات الجاهلية للجبال، وفعلا هاجرت مجموعة من الطلبة لجبال المنيا والوجه القبلي في شهر 9 من سنة 1973 بعد أن تصرفوا بالبيع في ممتلكاتهم وزودوا أنفسهم بالمؤن اللازمة والسلاح الأبيض، وسرعان ما قبض عليهم وعلى شكري ولكن أفرج عنهم بعد 6 شهور([14]).

عاود شكري -بعد الإفراج عنه- لنشاطه بقوة وتوسع في إرسال مبعوثين عنه للدول الأخرى للتبشير به وجلب الدعم المالي، فوسع انتشار ضلاله وبدعته لخارج مصر([15])، حيث وصلت السعودية وأفغانستان وباكستان والجزائر([16]).

لقد استطاع ضلال شكري مصطفى أن يجد له قبولا وأتباعا، حيث "أن جماعة التكفير قد أحرزت تواجدا في الجامعة أيضا، وخاصة في بيوت الطلبة المغتربين بالقاهرة وفي المدن الجامعية بالأقاليم ... وفي خارج الجامعة كان تيار التكفير ينتشر انتشار النار في الهشيم لكنها كانت ومضة خاطفة كومض البرق سرعان ما خبت وزالت"([17])، لقد ظهرت "حركة التكفير والهجرة بصورة عملاقة أكبر من حجمها الواقعي أو السياسي وأكبر حتى من حجم المعرفة السياسية لدى مؤسسها"([18]).

نعم زالت قوة تنظيم جماعة شكري لكن فكر التكفير لا يزال حي للآن في بؤر محدودة ومتعددة عبر الدول([19]) وإذا وجد مناخا مناسبا فسينفجر من جديد!

وفي أثناء هذه المسيرة للدعوة كانت تقع مشادات مع الرافضين لفكره من قبل الدعاة والجماعات الإسلامية ومن المنشقّين عنه أو التائبين عن غلوه وتكفيره ومن العلماء الرسميين الذين يفندون شبهاته وأباطيله.

"وكان التيار السلفي (الجهادي والمدرسي) له الأثر الكبير في محاصرة أفكار شكري وجماعته"([20])، ومن أبرز المناظرات التي تمت مع شكري وجماعته مناظرتهم مع حسن الهلاوي، الذي كان زعيم جناح القاهرة في تنظيم إسماعيل طنطاوي ومن ثم انضم لتنظيم صالح سرية لكنه لم يشارك في حادثة الكلية الفنية حيث كان معروفا بمرجعيته الفكرية لابن تيمية، ولذلك "استطاع أن يدخل في مرحلة مبكرة مع شكري مصطفى في جدل لنقض مذهبه الفكري، ونجح في ذلك بحيث كان شريط المناظرة سببا في نهاية جماعة التكفير، فبرغم تماسك البناء الفكري للتكفير إلا أنه فكّكه عن طريق منهج أهل السنة، وكان ذلك سببا في اقتحام (الكتيبة الخضراء) لمنزله ومحاولة قتله"([21]).

ومن الذين حاول شكري وجماعته قتله رفعت أبو دلال بسبب انشقاقه عن الجماعة رغم أنه من مؤسسيها، والمهندس أحمد عرفة والمهندس محمد سعد الدين([22]).

وهنا نجد أن شكري يخالف منهجه بالعزلة والهجرة للقيام بتصفية خصومه والانشغال بالاعتداء عليهم بينما يرى ترك المواجهة مع الدولة الكافرة! فهل كان هذا من وسوسة الشيطان أم من وسوسة شياطين الإنس الذين راقبوا أو رعوا هذه الغلو والتطرف والتكفير والإرهاب في السجن وعقب السجن؟

وقد أشار الشيخ محمد سرور لظاهرة تفتت جماعة الإخوان في السجن وأنها ظاهرة لم تلقَ حقها من العناية والدراسة والمراجعة، وتسببت بظهور كثير من الجماعات والشخصيات التي سببت أضرارا بالغة لمسار الدعوة والمجتمعات الإسلامية([23]).

ويبدو أن أجهزة الأمن التي تعرف شكري منذ كان في السجن وتعرف استقلاله عن بقية المساجين والجماعات عادت لاستثماره وجماعته، فيروي عضو الجماعة، عبد الرحمن أبو الخير، أن زملاءه في قيادة الجماعة أخبروه بوجود اتصالات مع الحكومة في بداية شهر 9/1976 حيث "عرضت الحكومة على الجماعة رغبتها في التعاون معها، على أساس أن جماعتنا تصرف الشباب عن المناهج الانقلابية، وتدعو إلى الهجرة، إن الحكومة في حاجة إلى جماعة إسلامية تستوعب الخاصة من الشباب، ثم إلى جماعة أخرى تستوعب العامة، ونحن إن شاء الله جماعة الخاصة، وقد قبلنا ذلك. وقد يقولون عنا عملاء، فليقولوا، المهم إن شاء الله نحقق تقدم الجماعة وستصبح إن شاء الله الجماعة الوحيدة في مصر.

وفي مقابل أي شيء يطلق الطاغوت أيدينا...؟ في مقابل صرف الشباب عن الانقلابات، فالحكومة قدمت هذا العرض وهي تعلم أن منهجنا لا يتصادم مع خطتهم حاليا، فهو منهج هجرة ويصرف الشباب عن التجمعات ذات المناهج الانقلابية ... إن الحكومة جادة في عرضها، وقد عرضت علينا أيضا تعويضنا عمّا لحق بنا من أضرار في الماضي كدعاية سيئة أو اعتقال، وطلبت منا رفع قضية ضد دور الصحف والأجهزة الأخرى للحصول على التعويض المناسب ... إننا في حاجة إلى المال لتقوية الجماعة"([24]).

وهكذا تهادنت جماعة شكري مصطفى مع الحكومة والأمن، كما تهادنت داعش اليوم مع نظام بشار، وكما أطلقت يد تنظيم شكري ضد التيار الإسلامي أطلقت يد داعش ضد فصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية الأخرى!

وأيضا كشفت معلومات موثقة عن شراء نظام بشار النفط من داعش، وثبت تقاضي داعش والقاعدة الفدية والأموال من جهات تكفّرها بحجج شتى! وأنها تفاوضت مع "المرتدين والكفار" بينما كفّرت بقية الفصائل لأنها تحاورت وتفاوضت مع "المرتدين والكفّار"، لكنها التناقضات والضلال!!

لم يقتصر قبول جماعة شكري للتعاون مع نظام السادات، بل حين تلقوا عرضا ليبياً من القذافي بدعمهم للانقلاب على السادات، قرروا قبول الدعم المالي منه لكنهم رفضوا الانقلاب لأنهم لا يؤمنون به!([25]) مما يؤكد قابلية هذه الجماعات للتقاطع مع الأنظمة (الجاهلية) لتحقيق مصالحها، كما حدث من تنسيق تنظيم القاعدة مع إيران عقب تورا بورا وتنسيقهم مع نظام بشار عقب احتلال العراق 2003، وقبول جبهة النصرة وتحرير الشام لصفقات مع إيران وحزب الله في قطر في مارس 2017.

العجيب أن مستشار شكري مصطفى، السياسي الصحفي عبد الرحمن أبو الخير، كتب لشكري محذرا أكثر من مرة من فخ ينصب لهم قال فيه: "وإني أرى أننا مقبلون على محنة نقدم فيها من خلال أجهزة الإعلام للجمهور على أننا خوارج القرن العشرين وسوف نضرب بتفويض من مجلس الشعب"([26])، وهو ما حدث، إلا أن شكري لم يستفد من مستشاره الذي كان يشخص أزمة شكري وأمثاله بأنهم جهلة بسبيل المجرمين، وهو ما تكرر لاحقا مع عدة جماعات لم تتيقظ لما ينصب لها من فخاخ لتشويه الإسلام من خلالها وضرب مسيرة الدعوة الإسلامية، وآخرها ما حدث من إفساح المجال لداعش لتتمدد وتتوحش وتعلن بشاعتها بأعلى درجات الاحتراف الإعلامي، ومن ثم انطلقت صافرة النهاية!

وفعلا بدأت عمليات الاعتداء على المنشقين عنها والاعتداء على حسن الهلاوي الذي ناظرهم وهزمهم، وقامت الجماعة بتفجير عبوة ناسفة في سينما، وتفجير في معهد الموسيقى وتفجير في ميدان العتبة، ولكن الأمن لم يتحرك بجدية لردعها ومعاقبتها([27])، حتى حدثت قضية خطف وقتل الشيخ الذهبي من قبل جماعة شكري مصطفى في 3/7/1977 هذه الحادثة التي يختلط فيها التطرف والإرهاب الناشئ عن الجهل والغلو مع الاختراق الأمني والسياسي والتوجيه للإرهاب واستثماره لصالح أجندات وتصفيات سياسية لصالح السلطة!

فهناك الكثير من التساؤلات عن سبب اختيار الجماعة لخطف الشيخ الذهبي: هل فعلا بسبب مواقفه من الجماعة وردّه عليهم أم كان بتوجيه خفي من الدولة لوجود خلافات بينه وبين الدولة؟

أم أن الجماعة هي التي اختارت خطف واغتيال الذهبي لكن الدولة استثمرت ذلك وتخلّصت من خصم ووجدت من يتحمل المسؤولية ويصنع قصة تلهي الشارع عن استثمار الدولة للجريمة؟

أم أن جناحا في جهاز الأمن أراد توريط السادات مع الجماعات الإسلامية التي أفسح لها المجال في وجه الناصريين والشيوعيين؟([28])

وسبب هذه التساؤلات التعامل البارد من أجهزة الأمن مع قضية بهذا الحجم حيث يُخطف وزير من بيته بشكل بدائي، حيث لم تحضر قوى الأمن لمسرح الحدث إلا بعد ساعات! تمكن فيها الجيران من القبض على أحد الجناة بعد أن قام أحد مجموعة المراقبة دون مبرر في لفت الأنظار لجريمة الخطف من خلال تهديد أحد المارة بمسدسه بدون مناسبة مما دعاه للتوقف ليشاهد جريمة الخطف! ويصبح الشاهد الرئيسي في القضية([29])، فهل السذاجة وصلت لهذا الحد أم أنها حركة متعمدة لِلفت النظر للعملية من أحد المخترقين في التنظيم؟

أيضا: أليس من السذاجة أن ترسل الجماعة 3 من أفرادها لرئاسة الوزراء ووكالة الأنباء الفرنسية وصحيفة الجمهورية يحملون بيانا بتبني الاختطاف ومطالبهم ويقبض عليهم الأمن ثم لا يتم معرفة مكان الذهبي وتحريره([30])!

هناك الكثير من الشكوك في كون نظام السادات هو المستفيد من إزاحة الذهبي حيث يقال إنه كان معترضا على سرقة كبيرة من وزارة الأوقاف ورفع قضية ضد بعض المتنفذين في الأوقاف والمقربين من السادات، فجاء اختطافه وقتله للتغطية على القضية([31])!

ومما يعزز هذه الشكوك عدم تحرك الشرطة لمحاصرة المكان إلا بعد 3 ساعات، رغم تبليغهم بعد 5 دقائق من حدوث الاختطاف! ورفض الداخلية دفع فدية للإفراج عنه([32])، وأن السادات كان في الجابون لحضور القمة الأفريقية فلم يقطع زيارته بل واصل سفره لرومانيا والمغرب([33]).

وتم قتل الذهبي برصاصة في عينه لتخرج من رأسه([34]) في داعشية مبكرة، ولكن الغريب في الموضوع أن من تولى ذلك هو ضابط سابق يدعى أحمد طارق، والذي كانت تحوم حوله الشكوك، فهل أحمد طارق هو عميل مزروع في الجماعة كما ثبتت زراعة الكثير من رجال الاستخبارات بين قادة داعش والقاعدة اللتين تعلنان كل فترة عن إعدام عدد من قادتهما بتهمة الخيانة والتجسس لأجهزة المخابرات([35])!

وبعد قتل الذهبي تمكن الأمن المصري من القبض على الجناة وأعضاء الجماعة وزعيمها بالكامل وتعرضوا للتعذيب المعهود في السجون، وخلال شهور قليلة تمّت محاكمة أعضاء الجماعة، وفعلا نفذ حكم الإعدام بشكري وعدد من أعوانه في صبيحة يوم سفر السادات لتل أبيب في 30/3/1978!

وبعد إعدام شكري الذي كان يعتقد أنه المهدي ولن يعدم! أصبح فكر الجماعة يعتمد على انتظار ظهور المهدى للانضمام إليه، وبقي بعض الأعضاء على أفكار الجماعة ونشروها في مصر وخارجها مثل تأثيرهم على جماعة جهيمان في المدينة المنورة، وقسم أصبح مخبرا للأمن([36]) على جماعته والجماعات الأخرى وهي الظاهرة المنتشرة في غالب الجماعات الإسلامية مع الأسف، والتي يبدو أن الأمريكان اقتبسوها من الأمن المصري بدسّ جواسيس على الشخصيات الإسلامية في أمريكا والتي تطورت لاحقاً لتعرف باسم الأدلة السرية!

من اللافت للنظر أن عبد الرحمن أبو الخير يلخص فشل شكري مصطفى بكونه تحاكم للطاغوت حين قبل بالتعاون معها وطلب تعويضات من محاكمها!([37]) وهو الذي زعم أنه أقام دعوته على محاربة الطاغوت حتى كفّر سائر المسلمين من القرن الرابع الهجري، وكيف أن الغلو ينعكس على أصحابه.

الخلاصة: تزاوُج الجهل والظلم من جديد لإنتاج نسخة أشد من الغلو والتكفير، وتقاعُس الإخوان المسلمين عن علاج أفكار الغلو وتواطؤ الأمن المصري في التلاعب بشكري وجماعته تسببت في ارتكاب عدة جرائم وتشويه صورة الإسلام وانتشار هذا الفكر لخارج مصر.

وللأسف لا تزال جهالات هذا الفكر حية بصورة مطورة ولا تزال سياسات شكري الخاطئة تتكرر عند كثير من جماعات العنف والتكفير المعاصرة، ولا يزال كثير من الشباب المتحمس يندفع للتورط في فكر الغلو والتكفير وسلوك الإرهاب والإجرام، وهو يظن أنه يجاهد في سبيل الله!

 

 

 



[1]- مجموع الفتاوى، 8/425.

[2]- ذكرياتي مع جماعة المسلمين، ص 18، بواسطة الحكم بغير ما أنزل الله ج1، ص 305.

[3]- الحكم وقضية تكفير المسلم، سالم البهنساوي، ص 305، نقلا عن الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو، ج 1 ص 320.

[4]- الحكم بغير ما أنزل الله، ج 1، ص 48.

[5]- نفس المرجع السابق، ج 1، ص 71، 96، 101، 311، والموسوعة الميسرة.

[6]- التكفير والهجرة وجها لوجه، رجب مدكور، ص 79، نقلا عن الفرق والجماعات الإسلامية المعاصرة، د. سعد الدين صالح، ص 210.

[7]- موسوعة العنف، ص 237.

[8]- الحكم بغير بما أنزل الله، ج 1 ص 226، 229.

[9]- الإسلام السياسي في مصر، هالة مصطفى، ص 148. وقريب منه الأصولية في العالم العربي، ريتشارد دكمجيان، ترجمة عبد الوارث سعيد، ص 142.

[10]- موسوعة العنف، ص 198.

[11]- نفس المرجع السابق، ص 232.

[12]- تجربتي مع الإخوان، ص 184.

[13]- عبد المنعم أبو الفتوح، شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر، ص 64.

[14]- الحركة الإسلامية من المواجهة إلى المراجعة، ص 35. والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، فصل جماعة المسلمين (التكفير والهجرة)، نسخة الكترونية.

[15]- الموسوعة الميسرة.

[16]- موسوعة العنف، ص 308.

[18]- موسوعة العنف، ص 201.

[19]- الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو، ج 1، ص 12.

[20]- الحركة الإسلامية من المواجهة إلى المراجعة، ص 36.

[21]- نفس المرجع السابق، ص 33. وانظر كلام الهلاوي على الحادثة في موسوعة العنف، ص 308.

[22]- الحكم بغير ما أنزل الله، ص 315.

[23]- نفس المرجع السابق، ص 294.

[24]- ذكرياتي مع جماعة المسلمين، ص 58، نقلا عن الحكم بغير ما أنزل الله، ص 322.

[25]- موسوعة العنف، ص 223، 254.

[26]- نفس المرجع السابق، ص 260.

[27]- موسوعة العنف، ص 205، 226، الحكم بغير ما أنزل الله، ج 1 ص 340.

[28]-نفس المرجع السابق، 205، 228.

[29]- نفس المرجع السابق، ص 212.

[30]- نفس المرجع السابق، ص 220، 223.

[31]- الحكم بغير ما أنزل الله، ج1، ص 333.

[33]- الفرق والجماعات الإسلامية المعاصرة، د. سعد الدين صالح، ص 205.

[34]- موسوعة العنف، ص 204.

[35]- آخرها إعدام جيش خالد بن الوليد في درعا والتابع لداعش عددا من قادته منهم قائده السابق أبو عبيدة قحطان في 4/6/2017.

[36]- ذكرياتي مع جماعة المسلمين، ص 134، نقلا عن الحكم بغير ما أنزل الله، ج1 ص 318.

[37]- موسوعة العنف، 268.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق