السلاح الإيراني .. تصدير الثورة ونشر الفوضى
الخميس 25 مايو 2017

 

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

 

خاص بالراصد

إعلان مصر عن العثور على أسلحة إيرانية الصنع في إحدى المزارع بمحافظة البحيرة – شمال مصر – خلال شهر إبريل من عام 2017م لا يعد المرة الأولى التي يتم فيها الإعلان عن وجود مثل هذه الأسلحة على الأراضي المصرية، فقبيل أسابيع قليلة من هذا الإعلان شاهد العالمُ كلّه وعبر الفيديو الذي بثه تنظيم "ولاية سيناء" – المبايع لتنظيم داعش – وحمل عنوان "صواعق القلوب" كيف أن عناصر التنظيم المسلح يَقتلون عناصر وجنود القوات المسلحة المصرية باستخدامهم بنادق "إيه إم 50" إيرانية الصنع، وهو الأمر الذي طرح وقتها العديد من التساؤلات حول لماذا هذه البنادق بالذات، وكيف وصلت إلى هذه العناصر في سيناء، وما دلالة الظهور بها خلال هذا الفيديو؟

وعلى الرغم من أن السلطات المصرية لم توجّه اتهاما صريحا لإيران بالمسئولية عن تواجد هذه الأسلحة في مصر، بل على العكس فإن بعض المحللين القريبين من النظام السياسي برروا ذلك بأنه ربما تم تهريبها مع عناصر تنظيم "داعش" الذين كانوا يتواجدون على أرض العراق ونجحوا في الاستيلاء على كميات كبيرة من أسلحة الجيش العراقي عام 2014م، إلا أن ثمة شواهد وأدلة كثيرة تؤكد أن هذا السلاح لم يأتِ لمصر اعتباطا أو محض مصادفة، إذ المعلوم أن الأجهزة الأمنية في إيران ذات قبضة حديدية لأقصى درجة، بل إن الحرس الثوري الإيراني الذي هو أقوى الأجهزة الأمنية المسئول الأول والأخير عن مراقبة خروج الأسلحة ومن ثم فليس من المنطقي أن تنتقل هذه الأسلحة وبهذه الكميات الكبيرة خارج الحدود الإيرانية أو حتى خارج البلاد التي تخضع للسيطرة الإيرانية دون أن تكون إيران على علم بذلك.  

بل إننا حتى لو افترضنا جدلا صحة ما ذهب إليه هؤلاء المحللون فإن ذلك لا يعد أيضا دليل تبرئة لإيران لأن كل المؤشرات تؤكد أن عملية الانسحاب التي قامت بها القوات المسلحة العراقية من الموصل عام 2014م ودخول عناصر تنظيم داعش للعديد من المناطق دون قتال يذكر كانت بإيعاز مباشر من الحكومة العراقية التي تأتمر كما هو ثابت بأوامر القيادات الإيرانية، وهو حديث طويل يدرك تفاصيله وأبعاده كل المتابعين للشأن العراقي وتطورات الموقف هناك، وبالتالي فإنه وعلى أقل الافتراضات فإن مسئولية انتقال السلاح الإيراني الذي كان بيد الجيش العراقي إلى عناصر تنظيم داعش تتحملها إيران بالأساس خاصة وأن هذه التحركات كانت بمثابة الدفعة الأولى والأقوى للتنظيم الجديد كونها أعطت له زخما شعبيا وجماهيريا دفع البعض إلى مبايعته والاعتقاد بقدرته على تحقيق النصر.

إيران وداعش والقاعدة

تؤكد الوقائع وعلاقات إيران المتشابكة أن قيام إيران بمدّ التنظيمات المسلحة في مصر وغيرها بالسلاح والعتاد لم يعد أمرا بعيد التصور بل هو الأقرب للمنطق والعقل فقد باتت لدى الكثير من المتابعين قناعة كبيرة بأن إيران على علاقة قوية ومباشرة مع تنظيمي القاعدة وداعش، وأن القول بذلك ليس من باب الاستنتاج أو التكهن بعد أن تكشفت طبيعة هذه العلاقات، ففي مقال سابق تناولنا بالتفصيل كيف أن إيران ونظام بشار الأسد في سوريا نجحا في أن يوظفا وبشكل جيد وجود تنظيم "داعش" في كل من العراق وسوريا ليحوّلا أنظار العالم بعيدا عن استهداف نظام بشار الأسد لتكون كل تحركات العالم وجهوده هي لاستهداف التنظيم، وهو الأمر الذي مثّل للأسد طوق نجاة وقبلة حياة إذ كان قبيل ذلك قاب قوسين أو أدنى من السقوط والانهيار بيد الثوار في سوريا غير أن النفخ في هذا التنظيم عبر خطة إيرانية أفزع العالم ودفعه إلى أن تكون أولوياته هي مواجهة "الإرهاب" فيشكل تحالفا دوليا لمحاربة التنظيم وتكون الذريعة بأن تحشد روسيا قواتها وترسل بها إلى سوريا.

كذلك فقد كشفت الكثير من الأحداث على الأرض السورية أن تنظيم داعش كان واحدا من أهم المعضلات والعقبات أمام ثوار سوريا في معركة الحسم فقد كانت أسلحته وهجماته ضد الثورة وليس ضد النظام الذي دخل معه في صفقات علنية ومنها ما فضحته شبكة سكاي نيوز بشأن السيطرة على المدينة القديمة "تدمر" حيث تم تسليمها بشكل سلمي لقوات النظام السوري بالإضافة إلى سلسلة أخرى من اتفاقيات التعاون بين الطرفين حول تجارة النفط والمنشآت النفطية وترتيبات لإخلاء بعض المناطق من مقاتلي “داعش” قبل هجوم جيش النظام عليها.

وبالطبع لا يخفى على تنظيم داعش -الذي يُفترض أنه كان ردة فعل على الانتهاكات التي جرت بحق أهل السنة على يد الميلشيات الشيعية الطائفية في العراق وسوريا- هذه العلاقة القوية التي تربط بين إيران وكل من الحكومة العراقية والنظام السوري، وعليه فقد كان الأولى بالتنظيم – وهذا أضعف الإيمان - أن يوجّه سلاحه لإيران وأن يسعى بكل الطرق إلى أن ينشئ له فرعا في إيران، وهو ما لم يحدث، بل على العكس فإن التنظيم نفسه أعلنها صراحة أنه لن يستهدف إيران ومصالحها وهو ما تجلى في الرسالة التي وجهها المتحدث باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام أبو محمد العدناني لأيمن الظواهري حيث قال: "ظلت الدولة الإسلامية تلتزم نصائح وتوجيهات شيوخ الجهاد ورموزه ولذلك لم تضرب الدولة الإسلامية الروافض في إيران منذ نشأتها وتركت الروافض آمنين في إيران وكبحت جماح جنودها المستشيطين غضبا رغم قدرتها آنذاك على تحويل إيران لبرك من الدماء، وكظمت غيظها كل هذه السنين تتحمل التهم بالعمالة لألد أعدائها إيران لعدم استهدافها تاركة الروافض ينعمون فيها بالأمن والأمان امتثالا لأمر القاعدة للحفاظ على مصالحها وخطوط إمدادها في إيران".

ولا يتوقف أمر إثبات العلاقة بين داعش وإيران على علاقة التعاون بين نظام بشار الذي لا يتحرك إلا بأوامر إيرانية وبين داعش، ففي هذا السياق الكثير من الأدلة التي يمكن الاطلاع عليها عبر الكثير من المقالات التحليلية والتقارير التي تناولت هذه القضية فضلا عن أنها تأتي أيضا في إطار استحضار سابقة تتعلق بعلاقة إيران بتنظيم القاعدة، الذي هو الأب الروحي – إن جاز التعبير – لتنظيم داعش، وهي العلاقة التي لم يعد يشكك في طبيعتها أي طرف.

فمضمون الرسالة السابقة بين العدناني والظواهري واضح جدا، ففضلا عن أنها تؤكد أن تنظيم داعش لم يستهدف إيران فإنها تشير أيضا إلى أن ذلك جاء امتثالا لأوامر القاعدة وهي إشارة صريحة للعلاقة الوثيقة بين القاعدة والدولة الإيرانية وإن كان مبرر داعش لعدم استهداف إيران لا يمكن بالطبع أن ينطلي على أحد إذ أصبح معروفا أن العلاقة بين داعش والقاعدة سيئة لأقصى درجة أو بالأحرى فإن هذا المبرر إن كان مقبولا في السابق فإنه لم يعد مقبولا الآن بعدما أصبح كل من القاعدة وداعش في مواجهة مسلحة مباشرة في سوريا.

كما يبرز في هذا السياق الحكم الذي أصدرته إحدى المحاكم الأمريكية في مدينة نيويورك الأمريكية عام 2016 والقاضي بتغريم السلطات الإيرانية تعويضات بقيمة عشرة مليارات دولار لأُسر ضحايا أحداث سبتمبر 2001م حيث استند القاضي في حكمه إلى أن إيران أخفقت في الدفاع عن نفسها ضد الادعاءات التي تفيد بتورطها في هذه الادعاءات التي قام بتنفيذها عناصر محسوبة على تنظيم القاعدة.

وكان قد ثبت للعالم كله أن عددا من قيادات القاعدة كانت ولا تزال تربطه علاقات بإيران، وأنهم تواجدوا لفترات زمنية مختلفة على الأراضي الإيرانية بل إن بعض أفراد أسر هذه القيادات ربما لا يزال يتواجد على الأرض الإيرانية وهو ما يؤكد متانة هذه العلاقات التي ربما سمحت بأن يكون تنظيم القاعدة وسيطا في وجود علاقة طيبة تربط بين إيران وحركة طالبان الأفغانية رغم الاختلاف المذهبي والأيدلوجي، ومن ذلك ما جرى منذ أيام حيث تعرض الملا منصور أختر زعيم حركة طالبان الأفغانية إلى الاغتيال عبر ضربه بطائرة خلال عودته لأفغانستان قادما من إيران عبر باكستان.

وبالطبع، وفي هذا السياق لم يعد ما يتعلل به البعض من الرافضين للربط بين إيران وبعض التنظيمات المسلحة التي تنتسب إلى أهل السنة من أن الطرفين ليسا على توافق فكري أو عقدي ذا جدوى ذلك أن إيران دولة مصالح وكل ما يشغلها هو تحقيق هذه المصالح فأمامها تنهار الأيدلوجيا كما تنهار الشعارات ومواد الدستور الإيراني، بل لا نكون مبالغين إذا قلنا إن إيران ستكون أحرص الدول على بقاء مثل هذه التنظيمات المسلحة ذات السمعة العالمية السيئة لتظل فزاعة يمكن بها أن ترهب الغرب وأمريكا وتروج أنها الوحيدة القادرة على التصدي لهذه التنظيمات وتوقف زحفها.

إيران وإرهاب الخليج

والسلوك الإيراني تجاه أغلب بلدان الخليج يأتي كدليل ماثل أمام الأعين أن إيران بالفعل لا تتورع عن استخدام كل الوسائل من أجل إثارة التوتر وبث الفزع داخل دول الجوار وهو السلوك الذي اتخذ شكلين:

الأول: دعم الميلشيات والعناصر المسلحة بالمال والسلاح والتدريب في عدد من الدول لإشعال حروب طائفية كما هو الحادث في كل من سوريا والعراق واليمن ولبنان، ففيما يخص الشأن السوري لم تتردّد إيران ومنذ تصاعد حدة الثورة السورية في أن تقدم كل الدعم اللازم لبشار الأسد فأمدت النظام السوري بكل ما يحتاجه من أسلحة ودعم مالي بلغ عشرات المليارات من الدولارات فوفق وزير الاقتصادي السوري قدمت إيران لسوريا حتى عام 2014 نحو 15 مليار دولار فضلا عن إرسال أكثر من عشرة آلاف مقاتل إيراني فيما أوعزت إلى كل من شيعة لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان للانخراط في مقاتلة الثوار السوريين.

والأمر لا يختلف كثيرا في العراق حيث قامت إيران بتقديم الدعم اللازم، وفي المقدمة السلاح الإيراني، لقوات الحشد الشعبي التي تتشكل من نحو 67 فصيلا، أغلبها من الشيعة المتطرفين، والذي جاء على إثر ما عرف بفتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها رجل إيران في العراق والمرجعية الدينية في النجف "علي السيستاني" ورغم أنه تم إدراجه ضمن المؤسسة الأمنية الرسمية إلا أن أمر تورطه في انتهاكات جسيمة وبالجملة بحق أهل السنة يعلمه القاصي والداني وهو ما شكل التحفظ الرئيس لدى الكثير من بلدان المنطقة على إشراك هذه القوات في المعارك التي تستهدف تنظيم داعش في المدن العراقية.

وبصورة أخرى ترسل إيران السلاح الإيراني إلى ميلشيات الحوثيين في اليمن، وهو ليس مجرد اتهام توجهه لإيران الحكومة الشرعية بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي أو المملكة العربية السعودية ولكنه اتهام أكدته العديد من المؤسسات والهيئات الدولية، ومن ذلك ما أكده محققون دوليون في تقرير لهم نشر في 29 نوفمبر الماضي حول وجود خط بحري لتهريب الأسلحة من إيران إلى الحوثيين في اليمن عبر إرسالها أولا إلى الصومال وذلك بالاستناد إلى عمليات تفتيش بحرية تمت بين شهري فبراير ومارس 2016 وضبطت خلالها أسلحة مهربة على متن سفن الداو الشراعية التقليدية.

وقالت منظمة "أبحاث تسلح النزاعات" التي تتخذ من بريطانيا مقرا لها إنها حللت صورا فوتوغرافية للأسلحة التي صودرت من هذه السفن خلال عمليات تفتيش تولتها السفينة الحربية الأسترالية "إتش أم أيه أس دارون" والفرقاطة الفرنسية "أف إس بروفانس" وأنه تم ضبط أكثر من ألفي قطعة سلاح بينها رشاشات كلاشنيكوف و100 قاذفة صواريخ إيرانية الصنع. أما الفرقاطة الفرنسية فضبطت على متن سفينة داو أخرى ألفي رشاش تحمل مميزات "صناعة إيرانية" و64 بندقية قناص من طراز هوشدار-أم إيرانية الصنع.

وليست هذه المرة الأولى التي يتم الكشف فيها عن أسلحة إيرانية متجهة إلى اليمن بل تم إثبات ذلك عشرات المرات فيما اعترف العديد من المسئولين الإيرانيين بهذا بطريقة مباشرة أو ضمنية ما يعد انتهاكا واضحا لقراري مجلس الأمن رقم 2216 و2231.

ولا تكمن خطورة السلاح الإيراني الموجّه لليمن في استمرار النزاع اليمني فحسب، بل إن الأمر تعدى الحدود الجغرافية لليمن إذ لا يفتأ يهدد الحوثيون بشكل صريح الجارة السعودية، بل وكثيرا ما تحول هذا التهديد إلى فعل واقعي حيث وجه الحوثيون وأنصار الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح صواريخ إيرانية الصنع وغير إيرانية إلى الأراضي السعودية حتى أن الناطق باسم التحالف العربي الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين وحلفائهم كشف في تصريحات له في نهاية مارس الماضي أن المتمردين أطلقوا نحو 40 ألف صاروخ وقذيفة على الأراضي السعودية المجاورة ما أسفر عن مقتل نحو 375 مواطنا سعوديا وتهجير نحو 17 ألفا من قراهم ومدنهم، علاوة عن إغلاق نحو 500 مدرسة.

وتأتي لبنان كنموذج رابع لهذا النوع، فالمسلّم به أن إيران هي الداعم الأول والرئيسي لحزب الله اللبناني وهو أمر لا تنكره القيادات الإيرانية ولا حتى قيادات حزب الله التي تؤمن بولاية الفقيه فيما يعلن أمينه العام حسن نصر الله ولاءه لمرشد الثورة الإيرانية.

والسلاح الإيراني هو السلاح الأساسي بيد عناصر الحزب بل إن إيران اتخذت خطوات أكثر جرأة حيث أنشأت مصانع لتصنيع أسلحة داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما كشفته مؤخرا شبكة "سكاي نيوز" التي نقلت عن أحد مساعدي قائد الحرس الثوري الإيراني قوله إن طهران تنشئ مصانع للأسلحة والصواريخ لحساب حزب الله في لبنان على عمق يزيد على 50 مترا، فوقها طبقات مختلفة من المتاريس المتنوعة حتى لا تستطيع الطائرات ضربها، وأن المصنع ينتج أنواعا مختلفة من الصواريخ يصل مداها إلى أكثر من 500 كيلومتر بينها صواريخ أرض -أرض وأرض- بحر وطوربيدات بحرية تطلق من قوارب خفيفة وسريعة، وغيرها من الأسلحة.

وأضافت أن مصنعا واحدا لا يقوم بصناعة الصواريخ بشكل كامل بل تُصنع كقطع مستقلة في مصانع مختلفة، وفي النهاية يتم تجميعها، مشيرة إلى أنه تم تأسيس فرع خاص في جامعة الإمام الحسين في إيران التابعة للحرس الثوري يدرب لبنانيين وأجانب على صناعة الأسلحة.

وهنا يجدر أن نشير إلى أن الأكذوبة التي طالما رددتها إيران من أن دعم حزب الله إنما هو لمواجهة الكيان الصهيوني قد تكشفت أمام الجميع بعد أن سقط قناع الحزب وظهر على طائفيته المقيتة ومشاركته في محاربة الشعب السوري.

ومن قبل موقف حزب الله من الأحداث في سوريا فقد تابع العالم كله تدهور الوضع السياسي في لبنان وكيف أن حزب الله عطل لسنوات انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية وأعمال كل من الحكومة والبرلمان، الأمر الذي انعكس سلبا وبشكل ملحوظ على حياة المواطن اللبناني وهو الأمر الذي لم يكن لأي فصيل سياسي حتى الدولة اللبنانية نفسها أن تتعامل معه بشكل جدي خشية أن تتصاعد الأمور إلى حد خطير في ظل امتلاك حزب الله لكل هذا الكم من السلاح الذي يرهب به كل الداخل اللبناني.

الثاني: دعم العناصر الإرهابية والمخربة لتنفيذ تفجيرات وعمليات مسلحة واضطرابات في عدد من البلدان ومنها المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين، وهو ما أكدته مرارا وخلال التحقيقات القضائية في هذه البلدان العديد من العناصر التابعة للخلايا التي تم ضبطها سواء بعد تنفيذ عمليات أو خلال القيام بتهريب أسلحة ومتفجرات.

ويمكننا أن نستدل على ذلك بنماذج لا حصر لها، الأمر الذي دفع المملكة إلى أن تؤكد ذلك في كلمة نائب المندوب الدائم لوفدها في الأمم المتحدة أمام اللجنة الأولى خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في الدورة 71 للشق الخاص بالأسلحة التقليدية ألقاها في أكتوبر من العام الماضي حيث أعلن أن المملكة ألقت القبض على خلايا إرهابية تابعة لإيران قامت بتهريب الأسلحة والمتفجرات إلى المملكة والبحرين والكويت معربا عن قلق المملكة البالغ من الآثار الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية بالغة الخطورة لعمليات الاتجار غير المشروع في الأسلحة الصغيرة والخفيفة، داعيا المجتمع الدولي لبذل الجهود الممكنة للتعاون من أجل التصدي لتلك الظاهرة الخطيرة والتأكيد على استمرار التزام المملكة ببرنامج عمل الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في الأسلحة الصغيرة والخفيفة.

وقال الدبلوماسي السعودي: «ما تمارسه إيران من دعم النزاعات الطائفية في عدد من دول المنطقة من خلال تقديم الأسلحة إلى الميليشيات الطائفية والجماعات الإرهابية تأكيد على نهج إيران في نشر الدمار والخراب وتأجيج الطائفية بين أفراد المجتمع في تلك الدول بشكل يثير التساؤل: هل إيران دولة تحترم القانون الدولي أو أنها ثورة تريد تصديرها للدول الأخرى»؟

تصدير الثورة والتمدد

ويعد المشروع الإيراني للتوسع على حساب بلدان المنطقة العربية والإسلامية ودعوى تصدير الثورة الإيرانية كأحد أهم ما يفسر سياسة إيران لتسليح الجماعات والتنظيمات في هذه البلدان، فلِكي تحقق إيران هيمنتها على هذه الدول فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون إضعاف هذه الدول وتفكيك بُنيتها ومن ثم فإن أفضل ما يحقق ذلك هو نشوب الصراعات والنزاعات داخل كل دولة على حدة، الأمر الذي يسهل لإيران عملية الاختراق والنفاذ ودعم الأطراف الموالية لها لتحقيق المزيد من المكاسب السياسية وإخضاع هذه الدولة أو تلك لسيطرة الولي الفقيه، وهو ما شهدناه واقعا وفعلا في العديد من البلدان.

وتأتي الكثير من تصريحات القادة والمسئولين الإيرانيين للتأكيد على هذا ومنها مثلا ما صرح به حيدر مصلحي وزير الاستخبارات الإيراني السابق في حكومة أحمدي نجاد من أن "إيران تسيطر فعلاً على أربع عواصم عربية كما قال رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو" مضيفا أن "تصريحات نتنياهو تبين مدى تنامي قوة إيران في المنطقة".

وبحسب مصلحي فإن "الثورة الإيرانية لا تعرف الحدود وهي لكل الشيعة" مؤكداً أن "جماعة الحوثيين في اليمن هي إحدى نتاجات الثورة الإيرانية" وهو نفس ما أكده مرارا رئيس الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري، الذي قال "إن مشروع تصدير الثورة الإيرانية إلى الخارج يسير بشكل جيد وإننا نشهد صحوة ومقاومة إسلاميتين".

وليست هذه المرة الأولى التي تصدر فيها تصريحات عن قادة في إيران سياسيين وعسكريين حول توسعهم ونفوذهم في المنطقة العربية بواسطة الجماعات والميليشيات الطائفية التابعة لطهران في بعض الدول فقد سبق أن قال الجنرال حسين سلامي، نائب قائد الحرس الثوري الإيراني إن "المسؤولين في إيران لم يكونوا يتوقعون هذا الانتشار السريع لـ (الثورة الإسلامية) خارج الحدود لتمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين والبحرين واليمن وأفغانستان" فيما اعتبر مستشار الرئيس الإيراني لشؤون الأقليات علي يونسي في تصريحات سابقة أيضا أن العراق "عاصمة لإمبراطورية إيران الجديدة" وهي التصريحات التي أحدثت ضجة كبيرة وقتها وتسببت في نشوب خلافات داخل النظام الإيراني حيث اعتبر نواب بالبرلمان ومسؤولون بأن هذه التصريحات تضر بالأمن القومي الإيراني وتضعف نفوذ طهران بالمنطقة.

كذلك فقد سبق وأن قال نائب قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني اللواء إسماعيل قاناني إن "إيران مستمرة بفتح بلدان المنطقة وإن الجمهورية الإسلامية بدأت بسيطرتها على كل من أفغانستان والعراق وسوريا وفلسطين وإنها تتقدم اليوم في نفوذها في بقية بلدان المنطقة".

والموقف الإيراني من مسألة التوسع بذريعة تصدير الثورة ليس مجرد زلات لسان أو تعبير عن مواقف عابرة وإنما هو جزء أصيل متجذر في عقيدة ملالي وقادة إيران فهذا كله يأتي اتساقا مع ما قد أعلنه الخميني المرشد الأول للثورة حيث قال: "إننا سنصدر ثورتنا إلى كل العالم حتى يعلم الجميع لماذا قمنا بالثورة. لقد كان هدفنا الاستقلال بمعنى التحرر من القيود والتبعية للشرق والغرب أي أمريكا والاتحاد السوفيتي، والحرية أي التحرر من أغلال استبداد إمبراطورية شاه إيران والجمهورية الإسلامية، أي أن يحقق الإيرانيون حلمهم بإقامة حكومة على أساس الإسلام والديمقراطية".

وفي هذا الإطار، ووفق هذه القناعة، فهم يعتبرون أن احتلالهم للجزر الإماراتية استرداد للتراب الوطني الإيراني فقد سبق وأن أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي أن جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى الواقعة في الخليج (الفارسي) هي جزء لا يتجزأ من التراب الإيراني، الأمر الذي استفز رئيس البرلمان العربي أحمد بن محمد الجروان ليؤكد في بيان للرد على الخارجية الإيرانية بأن هذه التصريحات تنمّ عن جهل مَن يحكم إيران بالقوانين الدولية وتؤكد على تورط النظام الإيراني في العدوان على دول الجوار.

وقد تكرر الأمر أيضا مع البحرين، فقال نائب قائد الحرس الثوري الإيراني اللواء حسين سلامي عقب سيطرة قوات الأسد على مدينة حلب السورية إن "الانتصار في حلب مقدمة لتحرير البحرين" مشيرا إلى أن مشروع إيران التوسعي سيمتد إلى البحرين واليمن والموصل بعد سقوط مدينة حلب السورية ومضيفا أن "شعب البحرين سيحقق أمنيته وسيسعد الشعب اليمني وسيتذوق سكان الموصل طعم الانتصار وهذه كلها وعود إلهية".

ولا يخفى أن تصريحات سلامي تأتي في ضوء ما كان أعلنه المرشد الإيراني علي خامنئي صراحة عن دعم بلاده لمحاولات بث الفوضى في مملكة البحرين والمنطقة وأنها ستواصل هذا النهج العدائي في المستقبل، فضلا عن تصريحات أخرى لمسئولين وقيادات الدولة الإيرانية ما استدعى أيضا أن تصدر الخارجية البحرينية بيانا شاملا ترد فيه على هذه التصريحات فضلا عن استدعاء القائم بأعمال السفارة الإيرانية بالإنابة لدى المنامة وسلمته مذكرة احتجاج رسمية على تصريحات خامنئي الداعمة للمعارضة.

وتأتي أخيرا التهديدات الصريحة التي وجهها خلال شهر مايو من العام الجاري وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان للمملكة العربية السعودية حيث قال تعقيبا على تصريحات ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بشأن نقل المعركة إلى الداخل الإيراني إن إيران لن تُبقي أي مكان آمناً في السعودية باستثناء الأماكن المقدسة إذا ارتكبت الرياض "أي حماقة" رغم أن المسئول السعودي لم يتطرق إلى الأمور العسكرية وإنما كانت إشاراته إلى تعرية المشروع الإيراني.

والمعلوم أن هذا الموقف الإيراني ضد المملكة ليس مجرد ردة فعل على تصريحات الأمير محمد بن سلمان وإنما هو توجه ثابت لدى إيران تجاهها فلا زالت تتردد في الأصداء تلك التصريحات التي كان قد أطلقها اللواء محمد علي جعفري، القائد العام للحرس الثوري الإيراني عام 2015م والتي قال فيها "إن الحرس الثوري مستعد لتوظيف جميع قدراته لتوجيه رد سريع وعنيف في أي زمان ومكان ضد آل سعود بسبب كارثة منى واسترداد حقوق الحجاج الإيرانيين الضحايا وتحقيق طلب المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي".

بل إن خامنئي نفسه هدد وفي العام ذاته "برد عنيف وقاس في حال أساءت السعودية للحجاج" فيما قال العميد مقتدى قرباني المقرب جدا من الجنرال قاسم سليماني رئيس فيلق القدس "إن ألفي صاروخ جاهزة لضرب السعودية إذا أصدر مرشد الثورة أوامره بالتنفيذ".

وبالطبع لا يمكن التعاطي مع هذه التصريحات باعتبارها كلاما عابرا أو للاستهلاك المحلي وتأجيج المشاعر والتلاعب بالعواطف وغير ذلك من أمور تتعلق بالشحن النفسي والتعبوي للجمهور الداخلي إذ جاءت أغلب هذه التصريحات على لسان شخصيات لها وضعها وثقلها، بل وكان من بينها الشخصية الأولى في إيران ومن ثم فبكل تأكيد سيكون لها آثار وانعكاسات على أرض الواقع.

إيران وإشعال المنطقة

في ضوء ما سبق لم يكن من المبالغة على الإطلاق القول بأن هناك بالفعل خطة إيرانية تستهدف بسط النفوذ وأن أحد أهم أدوات تنفيذ هذه الخطة هو نشر الفوضى في كل الدول الإقليمية بل والخارجة عن الإقليم والتي يمكن عبر تمديد النفوذ الإيراني إليها أن تكون أدوات ضغط تمارس على دول أخرى وتحقيق مصالح تصب في النهاية لما تهدف إليه إيران وهو ما لا يمكن بطبيعة الحال أن يتحقق إلا بتسليح التنظيمات والجماعات داخل هذه البلدان وإثارة النعرات الطائفية والقومية، وهو الدور الذي تجيده إلى حد كبير الدولة الإيرانية بغض النظر عن الاتفاق الفكري أو الأيدلوجي مع هذه التنظيمات فالهدف هو ضرب الجميع بالجميع واستنزاف الطاقات لتبقى إيران هي اللاعب الأساسي والأقوى.

وتأتي مصر كواحدة من هذه البلدان التي تحتل مكانة متميزة في السياسة الإيرانية كونها من أهم القوى السنية التي يمكن أن تقف بالمرصاد وكحائط صد أمام النفوذ الإيراني وهو ما دفع إيران فور نجاح ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 إلى محاولة نسبة هذه الثورة المصرية لثورة الخميني وأنها بحسب المسئولين الإيرانيين مجرد سير على خطى الثورة الإيرانية أو استنساخ لها، الأمر الذي أثار حفيظة المصريين.

وقد عبرت كلمة رئيس الإذاعة والتلفزيون عزت الله ضرغامي التي ألقاها على مسامع وفد الدبلوماسية الشعبية المصرية الذي زار إيران بعد الثورة عن الكثير من نوايا إيران تجاه مصر إذ قال ضرغامي مخاطبا الوفد الزائر: "إن الغرب يريد شراء ثورتكم بـ40 مليون دولار ونحن سندفع أكثر فهل ستقبلون ببيعها؟"

كذلك فقد عملت كل جهدها على أن توطد علاقاتها بمصر وتفتح صفحة جديدة في هذه العلاقات حتى يكون لها ولرجالها موطئ قدم في الساحة المصرية لتحقيق المراد فانتهزت وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر حيث قام رئيسها أحمدي نجاد بزيارة البلاد لتكون أول زيارة لرئيس إيراني لمصر بعد أكثر من ثلاثين عاما، وهي الزيارة التي التقى خلالها بعدد كبير من الشخصيات السياسية والفكرية المعروفة فيما أثير النقاش حول فتح باب السياحة المصرية أمام السائحين الإيرانيين وغير ذلك ما قوبل برد فعل من قبل العديد من القوى والتيارات السياسية التي رأت في كل هذا محاولات إيرانية لاختراق مصر.

ولعل مما يدعم هذا التصور أن الدولة الإيرانية أيدت ودعمت الجماعة الإسلامية المصرية التي دخلت وعلى مدار سنوات في صراع مسلح مع السلطة في مصر، بل إنها أطلقت اسم قاتل الرئيس المصري الأسبق أنور السادات "خالد الإسلامبولي" ولا زالت تطلق اسمه على أحد شوارع العاصمة طهران في حين استضافت لسنوات العديد من قيادات الجماعة الهاربين خارج مصر وأسرهم.

وتأتي ليبيا كنموذج آخر رغم البعد الجغرافي بين إيران وليبيا ومن ثم فإنه من المفترض أن لا تكون ضمن القائمة المدرجة لديها للاستهداف غير أن العديد من التقارير أشارت إلى اكتشاف سفن إيرانية محملة بالسلاح متجهة إلى سيناء وليبيا فضلا عن أنه وخلال عملية الكرامة في ليبيا اكتشفت مختلف القوى الليبية وجود أسلحة إيرانية مع القوى الأخرى وهو ما يؤكد أن إيران ضالعة في كل ما يحدث من معارك وإرهاب في ليبيا وأن ما يشغلها هو احتدام الصراع بين جميع الأطراف.

والأمر نفسه يحدث مع البلدان الأفريقية، ففي أكتوبر عام 2010 قامت السلطات النيجيرية باعتقال أحد عناصر فيلق القدس ومعه حمولة من الأسلحة كان متجها بها إلى غامبيا التي تعرف بالصراعات السياسية وجهود نشر التشيع بين مسلميها البالغة نسبتهم 95% من عدد سكانها.

والنظر إلى تطور إنتاج السلاح في إيران لا يحتاج إلى كثير جهد لإثبات أنها متورطة بالفعل في توريد سلاحها للعديد من المنظمات والجماعات المسلحة في بلدان المنطقة خاصة وأن إيران محرومة وبشكل رسمي من تصدير السلاح حتى برغم توقيع الاتفاق النووي عام 2015 والذي مع إلغائه للعقوبات الاقتصادية إلا أنه أبقى على حظر شراء وبيع الأسلحة.

وتاريخ تصنيع السلاح في إيران يعود لزمن الشاه غير أنه وبعد عامين على الحرب الإيرانية – العراقية (1980– 1988) تمكنت إيران من إنشاء أكثر من 240 مصنعاً و12 ألف ورشة يعمل فيها 45 ألف شخص الأمر الذي يجعل الصناعة العسكرية تشكل 15% من المعدل الإجمالي للصناعات الإيرانية، وعليه فإنها مدفوعة إلى أن تسلك كل الطرق من أجل تصدير هذا السلاح لتحقيق أرباح مالية ومن ثم فهي تضرب عصفورين بحجر: نشر الفوضى وجني المكاسب.

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق