سطور من الذاكرة\العدد مائة وثمانية وستون - رمضان 1438 هـ
ثورات الخوارج (8) الخروج على والي البصرة عبد الله بن عامر
الخميس 25 مايو 2017

 

 هيثم الكسواني– كاتب أردني

 

خاص بالراصد

انتقلت مسؤولية مقاومة الخوارج بالدرجة الأساسية إلى الواليين الّلذين عيّنهما خليفةُ المسلمين الجديد، معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه، على الكوفة والبصرة، المغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عامر، رضي الله عنهما، وقد تناولنا في الحلقة الماضية دور المغيرة، والي الكوفة، في محاربة الخوارج والقضاء على حركاتهم وثوراتهم، كوْن الكوفة كانت مركز الخوارج، ومنها خرجت معظم ثوراتهم، أما البصرة فاحتلت –آنذاك- المرتبة الثانية.

ومما يجدر ذكره قبل الحديث عن حركات الخوارج في البصرة الإشارة إلى أن ولاية المغيرة على الكوفة امتدّت حتى وفاته في سنة 50هـ([1])، حيث خلَفه على الكوفة زياد بن أبي سفيان.

أما البصرة فقد ولِيها عبد الله بن عامر كالمغيرة، في عام 41هـ، وهو العام الذي شهد المصالحة بين معاوية والحسن بن علي، رضي الله عنهما، فيما عُرف بعام الجماعة، لعودة الوفاق إلى الأمة، واتفاقها على خليفة واحد. ومثلما أشهَر الخوارج سيوفَهم في وجه المسلمين والصحابة في الكوفة، فعلوا ذلك في البصرة، دون أن يعطوا للمسلمين فرصة لالتقاط أنفاسهم وترتيب أوضاعهم، وتجاوز آثار الخلافات التي نشبت بينهم، وهذا تصرف لا يصدر عن مسلم يحبّ الخير لأهله، ما يؤكد وجود جهات خفيّة تشعل الفتن كلما خبت!

وعبد الله بن عامر، رضي الله عنه، صحابي وُلد -على الأرجح- بعد الهجرة، وقد ذكره ابن كثير في وفيات سنة 58هـ، فقال: "عبد الله بن عامر بن كريز ...، ابن خال عثمان بن عفان، وُلد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفَل في فِيه، فجعل يبتلع ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ (إنه لمسقاء)، فكان لا يعالج أرضاً إلا ظهر له الماء، وكان كريماً ممدحاً ميمون النقيبة‏.‏

استنابه عثمان على البصرة بعد أبي موسى، وولاّه بلادَ فارس بعد عثمان بن أبي العاص، وعُمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، ففتح خراسان كلّها، وأطراف فارس وسجستان وكرمان وبلاد غزنة‏.‏

وقُتل كسرى ملك الملوك في أيامه - وهو يزدجرد - ثم أحرم عبد الله بن عامر بحِجّة‏‏ -وقيل‏:‏ بعمرة- من تلك البلاد شكراً لله عز وجل، وفرّق في أهل المدينة أموالاً كثيرةً جزيلةً، ... ولم يزل على البصرة حتى قُتل عثمان، فأخذ أموال بيت المال وتلقى بها طلحة والزبير وحضر معهم الجمل‏.‏ ثم سار إلى دمشق ولم يُسمع له بذكر في صفين، ولكن ولاّه معاوية البصرة بعد صلحه مع الحسن..."([2]).

ورغم اختلاف المؤرخين في سنة وفاته، إلاّ أنهم يَذكرون أنه تُوفي قبل معاوية، الذي حزن على وفاته، وقال: "بِمن نُفاخر وبِمن نُباهي بعده؟!"([3]). ويذكر د. علي الصلاّبي أن تعيين عبد الله بن عامر واليًا على البصرة من قِبل معاوية لم يكن لأسباب شخصية، بل "كان نتيجة خبرته السابقة في ولاية البصرة وحرب سجستان وخراسان أيام عثمان، فما كان من معاوية إلاّ أن أسند الأمر إلى أهله، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب"([4]).

واجَه عبد الله بن عامر الخوارجَ في البصرة في وقت مبكر، فقد سبقت الإشارة إلى أن الخوارج لم يعطوا المسلمين فرصة لالتقاط أنفاسهم، وخلال السنوات الثلاث التي قضاها واليًا على البصرة، يُعتبر خروج يزيد الباهلي وسهم الهجيمي، في سنة 41هـ، أبرز ثورة للخوارج في البصرة.

ففي هذه السنة خرج سهم بن غالب الهجيميّ على ابن عامر، في سبعين رجلًا، منهم الخطيم الباهلي، وهو يزيد بن مالك، وقد سمّي بالخطيم لضربةٍ أصابتهُ على وجهه، فنزلوا بين الجسرين والبصرة، فمرّ بهم الصحابي عُبادة بن قرص الليثي ومعه ابنه وابن أخيه، فقال لهم الخوارج‏:‏ من أنتم؟

قالوا‏:‏ قوم مسلمون.

 قالوا‏:‏ كذبتم‏.‏

قال عُبادة‏:‏ سبحان الله‏!‏ اقْبلوا منّا ما قبِل رسول الله صلى الله عليه وسلم مني، فإني كذّبته وقاتلتُه، ثم أتيتُه فأسلمتُ، فقبِل ذلك مني‏.‏

قالوا‏:‏ أنت كافر، وقَتلوه وقتلوا ابنه وابن أخيه([5]).‏

تذكّرنا جريمة خوارج البصرة هذه بقتل صحابي وابنه وابن أخيه، واستباحة دماء الصحابة والمسلمين وتكفيرهم بجريمة إخوانهم من قبل بقتل عبد الله بن خباب، زمن الخليفة الرابع علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقد أسروه وامرأته معه وهي حامل، فقالوا‏ له:‏ من أنت‏؟‏

قال‏:‏ أنا عبد الله بن خباب، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم قد روّعتموني‏.‏

فقالوا‏:‏ لا بأس عليك، حدّثنا ما سمعت من أبيك‏.‏

فقال‏:‏ سمعت أبي يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ (‏ستكون فتنةٌ القاعدُ فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي)‏. فقادوه بيده، فذبحوه، وجاؤوا إلى امرأته فقالت‏:‏ إني امرأة حبلى، ألا تتقون الله‏ عز وجل!‏ فذبحوها، وبقروا بطنها عن ولدها([6]) ومن هنا نعرف مصدر طريقة الذبح للخصوم والمخالفين عند دواعش العصر‏.‏

ولم يُبدِ هؤلاء الخوارج الندم على ما اقترفوا من سفك دماء الأبرياء والصالحين، بل أرسلوا إلى عليٍّ، رضي الله عنه، يقولون: "كلّنا قتل إخوانكم، ونحن مستحلّون دماءهم ودماءكم"([7]).

وعلى خطى هؤلاء وهؤلاء يسير الخوارج المعاصرون، فقد رأينا "الدواعش" يتباهون بالذبح والنحر والحرق أمام الشاشات، وبعض من فعلوا ذلك بهم مسلمون صالحون، لا لشيء إلاّ لأنهم لم يسيروا في ركابهم، ولم يتّبعوا جماعتهم، ولم يتبنّوا بدعتهم، فكان الحكم عليهم بالرّدة، والإفتاء بقتلهم.

وبالعودة إلى عبد الله بن عامر، فقد خرج إلى هؤلاء المفسدين بنفسه وقاتلَهم، وقَتل عددا منهم، وفرّ الآخرون، وفيهم سهم والخطيم([8]).

لكن ابن عامر، رضي الله عنه، لم يسِر بالوتيرة ذاتها بمحاربة الخوارج والتشدد معهم، وقطْع شأفتهم، فإن هؤلاء سألوه الأمان بعد ذلك، فمنحهم إيّاه، ورفض أمر معاوية بقتلهم، وكتب إليه يقول: قد جعلتُ لهم ذمّتك. فقال معاوية: تلك ذِمّة لو أخفرتها([9]) لا سُئلت عنها. فلم يزل هؤلاء الخوارج آمنين حتى عُزل ابن عامر عن البصرة([10]).

وفي تفسير ذلك التساهل، يقول ابن كثير إن عبد الله كان "ليـّنَ العريكة، سهلاً كريمًا، وكان لا يأخذ على أيدي السفهاء، ولا يقطع لصًّا، ويريد أن يتألف الناس، ففسدت البصرة بسبب ذلك"([11])، وهنا خبرة تاريخية مهمة وهي أن التساهل مع الخوارج المتورطين بجرائم وإراقة دماء يعتبر نوعا من العجز، ومآله الفساد العريض في المجتمع.

كان عبد الله بن عامر مسالمًا، يحاول أن يبتعد –ما أمكن- عن استخدام السيف، حتى مع الخوارج، فعندما شكى إلى زياد بن أبي سفيان فساد الناس في البصرة، قال زياد: جرّد فيهم السيف. فقال ابن عامر: إنّي أكره أن أُصلحهم بفساد نفسي([12]).

ورغم تسامح عبد الله بن عامر مع الخوارج إلاّ أن تحركهم وثوراتهم في البصرة كانت محدودة مقارنةً بالكوفة، وترى د. لطيفة البكّاي أن ذلك مردّه إلى توجيه ابن عامر الناس نحو الفتوحات شرقا، وكذلك قلة عدد الخوارج في البصرة، وافتقادهم للتنظيم([13])، وهذا دليل على أن إشغال شباب الخوارج الذين لم يتورطوا في جرائم بأعمال نافعة سياسة حكيمة وناجحة.

وفي العام التالي، أي 42هـ، كان عبد الله بن عامر على موعد جديد مع الخوارج، ذلك أن الخوارج الذين حاربوا المغيرة في الكوفة بقيادة المستورد بن علّفة، وخلال عمليات الكرّ والفرّ، والبحث عن مدينة ينطلقون منها، حاولوا دخول البصرة، فاستدعى ابنُ عامر شريك بن الأعور الحارثي، وكان من شيعة عليٍّ، على رأس جيش من 3000 مقاتل، لصدّ الخوارج، وقال له‏:‏ اخرج إلى هذه المارقة، ففعل([14])‏. وعلى الرغم من أن جيش البصرة لم يشتبك مع الخوارج، إلاّ أنه تمكّن من الدفاع عن أراضيها، ومنعهم من دخولها([15]).‏

وقد استخدم عبدُ الله بن عامر في ذلك نهجا كان المغيرة قد سبقه إليه، بالاستعانة بأنصار عليٍّ في قتال الخوارج، لأن لهم خبرة سابقة في قتالهم، وذلك في معركة النهروان، سنة 37هـ، كما أن الحقد ملأ قلوبَهم على الخوارج بعد قيامهم باغتيال عليٍّ، وقد كان المغيرة يهدف من ذلك إلى إشغال أنصار عليّ من الكوفيين عن معارضة الأمويين، ومنْع قيام أي تقارب بينهم وبين الخوارج([16])، ونحن نرى اليوم خطورة تحالف الشيعة وإيران مع الخوارج من تنظيم القاعدة وداعش وكيف أنه شوّه صورة الإسلام وضرَب الثورتين السورية والعراقية، وزعزع أمن عدد من بلاد الإسلام وغيرها.

لم يطُل مقام عبد الله بن عامر في البصرة، فقد عُزل عنها في سنة 44هـ، وعَيّن معاويةُ بدلا منه الحارث بن عبدالله الأزدي، لكنه لم يمكث سوى أربعة أشهر، إذ قام معاوية بعزله، وعيّن بدلا منه زياد بن أبي سفيان، لتبدأ مرحلة جديدة في التعامل مع الخوارج، قائمة على القسوة والقمع، وشنّ حرب بلا هوادة، وهو ما سنتحدّث عنه في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى. 

المراجع

1-  الإمام ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، 1963.

2- الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، طبعة مؤسسة المعارف ودار ابن حزم، بيروت، 1430هـ، 2009م.

3-  ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية.

4- الإمام الذهبي، سيَر أعلام النبلاء، نسخة إلكترونية.

5-  د. علي محمد الصلابي، الدولة الأموية: عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الثانية، 1429هـ (2008م).

6-  د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأمويّ خلال (37 – 132هـ)، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، أيار (مايو) 2007م.

 



[1] - ابن كثير، البداية والنهاية، ج 3، ص 1588.

[2] - ابن كثير، البداية والنهاية، ج 3، ص 1614.

[3] - الإمام الذهبي، سير أعلام النبلاء، نسخة إلكترونية.

[4] - الدولة الأموية: عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، المجلد الأول، ص 304.

[5] - الإمام ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 5، ص 171، وابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 41هـ.

[6] - ابن كثير، البداية والنهاية، ج 3، ص 1513.

[7] - ابن كثير، البداية والنهاية، ج 3، ص 1513.

[8] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 41هـ.

[9] - جاء في المعاجم: خفر العهد أي نقضه، وخفر بالرجل أي غدر به.

[10] - الإمام ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 5، ص 171، وابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 41هـ.

[11] - ابن كثير، البداية والنهاية، ج 3، ص 1575.

[12] - ابن كثير، البداية والنهاية، ج 3، ص 1575.

[13] - حركة الخوارج، ص 67.

[14] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، حوادث سنة 42هـ.

[15] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 64.

[16] - د. علي محمد الصلابي، الدولة الأموية، ص 248.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق