فرق ومذاهب\العدد مائة وثمانية وستون - رمضان 1438 هـ
حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (2)
الخميس 25 مايو 2017

 أسامة شحادة – كاتب أردني

 

 

 

خاص بالراصد

تمهيد: تفاقمت ظاهرة الغلو والتطرف والإرهاب في واقعنا المعاصر لتصبح من أكبر التحديات التي تشهدها أمتنا اليوم بعد أن كانت ردة فعل ساذجة، وهذه طبيعة الضلال والانحراف، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالبدع تكون في أوّلها شبراً، ثم تكثر في الأتباع، حتى تصير أذرعاً، وأميالاً، وفراسخ"([1])، وهذا واقعٌ في تطور فكر جماعات العنف عبر عدة عقود، حيث أصبح تكفير غالبية المسلمين هو معتقدها بعد أن كان الدفاع عن المسلمين هو مبرّر تشكيلها!

... في هذه السلسلة سنتناول العوامل التاريخية والسياسية والأمنية والثقافية لظهور جماعات العنف والقتال، ومن ثم مسار تطورها التاريخي ومسار تطور انحرافها الفكري والنتائج الكارثية لها على الإسلام والمسلمين، مع التنبيه على الثغرات التي تضخّمت وتفاقمت من خلالها هذه الظاهرة السلبية، وسيكون الإطار الزمني والمكاني الذي نتناوله في هذه المقالات هو منذ انتهاء حقبة الاحتلال الأجنبي وقيام الدول العربية (المستقلة) التي لم تلبِّ طموحات شعوبها، وتصادمت مع هوية الجماهير، مما ولّد مناخا مأزوما، وظهرت فيه ردات فعل عنيفة، عُرفت بجماعات الجهاد. 

********

أولاً: الساحة المصرية

2- تنظيم الكلية الفنية العسكرية، 1974

 

 

 

في يوم 18/4/1974 قام عدد من الشباب الصغار وبعض طلاب الكلية الفنية العسكرية بالهجوم على حراس بوابة الكلية وحراس مستودع الأسلحة من أجل السيطرة على الكلية والاستيلاء على الأسلحة الموجودة فيها لمهاجمة مقر اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي واحتجاز الرئيس السادات وإجباره على التنازل عن الحكم وإعلان قيام حكم إسلامي في مصر!

وفعلا تمّ الهجوم، وقُتل 11 شخصا وأصيب 27 آخرون([2])، لكن لم يتمكن المهاجمون من السيطرة على الكلية، وفشلت العملية لكنها جرّت مصر وبقية بلاد الإسلام لمسار من دوامة العنف والتطرف والتكفير لم يتوقف إلى اليوم!

إذ لم تمضِ 6 شهور على انتصار السادات على اليهود في معركة العبور، وسنتان على الإفراج عن آلاف المساجين الإسلاميين من سجون عبد الناصر، وثلاث سنوات على استلامه الحكم بعد موت عبد الناصر، حتى قام الشباب المسلم بمحاولة انقلاب على السادات، الذي أطلق على عهده دولة العلم والإيمان!!  

فما هي خلفيات ذلك الهجوم وما هي تفاصيله؟

في غياهب السجون

سبق أن ذكرنا أن عبد الناصر تبنّى سياسة عدائية تجاه الإسلام وحارب العديد من الحركات الإسلامية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، والذين ملأ بهم السجون، وسامَهم سوء العذاب ظلما وعدواناً، حتى أفرز هذا مناخا غاضبا عاما بسبب الظلم وبسبب هزائمه المتكررة أمام اليهود مما دعا الشباب بكافه شرائحه للنزول للميادين متظاهرا ومحتجا على الهزيمة النكراء سنة 1967([3]).

وفي نفس الوقت، ولكن في السجون، كان هناك مناخ آخر أكثر سوءًا وظلماً، ويبدو أن هذا المناخ كان يتشكل بوعي من سلطات عبد الناصر، فمعلوم أن عبد الناصر اعتمد سياسة تقوم على افتعال التخريب والتفجير كما أقرّ بذلك خالد محيي الدين، أحد الضباط الأحرار في مذكراته، ومنها حادثة المنشية، وبسبب هذه الجرائم المفتعلة تم حلّ جماعة الإخوان ومن ثم اعتقال الكثير من قادتهم وأفرادهم.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل كان هناك التعذيب المنظم([4]) الذي يستهدف -فيما يبدو- تحويل السجناء لقنابل موقوتة تؤمن بالعنف وتمارسه بوحشية، ولما يكفِ التعذيب لذلك، تم تدبير وافتعال عدة محاولات للتمرد في السجون من أجل إقامة مجزرة بحق السجناء([5]).

لقد كان تأثير الظلم والتعذيب في السجن كبيرا على السجناء، ويكفي أن نستمع لما يقوله محمد قطب عن بداية مرحلة السجن وكيف غيّرته رغم أنه لم يُسجن طويلاً: "أول تجربة من نوعها كانت من العنف والضراوة بحيث يمكن لي القول إنها غيرت نفسي تغييرا كاملا، كنت أعيش من قبلها في آفاق الأدب والشعر والمشاعر المهمومة، أعاني حيرة عميقة، وكانت تلك الحيرة تشكل أزمة حقيقية في نفسي استغرقت من حياتي عدة سنوات، غير أن الدقائق الأولى منذ دخولي ذلك السجن، والهول الذي يلقاه نزيله، بدّلت ذلك كل التبديل. لقد أحسست إذ ذاك أنني موجود، وأن لي وجودا حقيقيا، وأن الذي في نفسي حقيقة وليس وهْما، وهذه الحقيقة هي السير في طريق الله، والعمل من أجل دعوته، وعرفت حينها حقيقة المؤامرة الضارية ضد الإسلام، وانتهت الحيرة الضالة، ووجدت نفسي على الجادة"([6]).

وأما عن التأثير البعيد للسجن والظلم والتعذيب فيحدّثنا عنه سيد قطب فيقول: "العنف الذي يتضمن التعذيب  والقتل والتشريد وتخريب البيوت .. هذا العنف هو الذي أنشأ فكرة الرد على الاعتداء إذا تكرر بالقوة"([7]).

سيد قطب وردة العنف السياسي

خلال هذا السجن أعاد سيد قطب البحث والتأمل في تجربة جماعة الإخوان المسلمين مع زميله محمد هواش، فوصلا للنتائج التالية: "الحركة الإسلامية اليوم تواجه حالة شبيهة بالحالة التي كانت عليها المجتمعات البشرية يوم جاء الإسلام أول مرة من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة الإسلامية ... ولا بد إذن أن تبدأ الحركات الإسلامية من القاعدة: وهي إحياء مدلول العقيدة الإسلامية في القلوب والعقول... وعدم إضاعة الوقت في الأحداث السياسية الجارية، وعدم محاولات فرض النظام الإسلامي عن طريق الاستيلاء على الحكم قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات هي التي تطلب النظام الإسلامي ... وفي الوقت نفسه .. لابد من حماية الحركة من الاعتداء عليها من الخارج وتدميرها ووقف نشاطها وتعذيب أفرادها ... كالذي حدث للإخوان سنة 1948 وسنة 1954 وسنة 1957 ... وهذه الحماية تتم عن طريق وجود مجموعات مدربة تدريبا فدائيا بعد تمام تربيتها الإسلامية من قاعدة العقيدة ثم الخلق .. هذه المجموعات لا تبدأ هي الاعتداء، ولا المحاولة لقلب نظام الحكم، ولا المشاركة في الأحداث السياسية المحلية ... ولكنها تتدخل عند الاعتداء على الحركة والدعوة والجماعة ... بالقدر الذي يسمح للحركة أن تستمر في طريقها"([8]).

هذا كان الإطار الحركي والعملي للتصور الجديد لدى سيد قطب، وهو أيضا يتضمن مضمونا جديداً لم تعرفه جماعة الإخوان من قبل، يقول سيد قطب: "أصبحت هذه الصورة للحركة الإسلامية في حسّي تماما – كما أصبحت واضحة في حسّ الأخ هواش- وبقيت مهمّة نقلها إلى أفراد ومجموعات أخرى من الإخوان بأية وسيلة، لبدء حركة على أساسها. وفي سنة 1962 بدأت الحركة فعلا"([9]).

من هنا وصف د. كمال حبيب، أحد مؤسسي تيار الجهاد في مصر -تركه مبكرا- فكرَ سيد قطب الجديد بقوله: "أما سيد قطب فقد طوّر نظرية متكاملة ذات طابع ثوري تقف من النظم موقف الرفض، من منطلق كونها أنظمة جاهلية لا تفرِد الله بحق الحكم والتشريع.. كما جرى وصف المجتمعات بأنها مجتمعات جاهلية أيضا لأنها تحكم بقوانين غير إسلامية"([10]).

بدأ سيد قطب نشر أفكاره الجديدة بين الإخوان في السجون، وحيث أنه كان في مستشفى سجن "ليمان طره" فقد كان يتواصل مع مساجين الإخوان القادمين للعلاج بالمستشفى، سواء من سجن طره أو سجن الواحات أو سجن القناطر، وكانت هذه اللقاءات تتنوع بين لقاءات عابرة بسبب قلة مكث السجين المريض في المستشفى، وبين لقاءات مطوّلة ومتكررة لمن يمكث مدة أطول للعلاج، وكانت فسحة الرياضة اليومية هي فرصة للالتقاء وتعريفهم بالأفكار الجديدة بحذر لكون سيد قطب ليس له "صفة حركية إدارية في الجماعة تعطى له الحق الشرعي في رسم خطة حركية ولا من توجيه الإخوان إليها"([11])، ولذلك تراوح الموقف من أفكار سيد قطب لدى السجناء الذين قابلوا سيد قطب بين القبول والتوقّف والرفض بسبب تباين أعمارهم وخلفياتهم الفكرية ومدة اللقاء بسيد قطب. مما أدّى لتنوع صورة فكر سيد الجديد عند القطاعات والقيادات الإخوانية، حيث فهِم البعض في سجن الواحات أن سيّد يكفر الناس، ولما جاء مندوب من قيادة الجماعة بسجن الواحة للعلاج بيّن له سيّد أنه لا يكفّر الناس، ولكن "ظل الآخرون في القناطر يلحّون عليهم بوجوب وقف ما أسموه بالفتنة في صفوف الجماعة، وظل الحال كذلك حتى نُقل إلى مستشفى طره الأستاذان عبد العزيز عطية وعمر التلمساني، من أعضاء مكتب الإرشاد الباقين في السجون، والتقيا بي وأفهمتُهما حقيقة المسألة فاستراحا لها"([12]).     

إذًا أحدث سيد قطب تجديدا في الفكر، واعتبر نفسه من سنة 1962 منفصلاً عن جماعة الإخوان وبدأ في طريق جديد، وقد سجل بعض رفاق سيد وأتباعه خلفيات هذا التطور الفكري، فيقول رفيقه في السجن وأحد المقربين منه في تنظيم 65 أحمد عبد المجيد: (حدث تغيير في أفكار سيد قطب، فعندما كان في مستشفى ليمان طرة، طلب من أسرته كُتب الشهيد حسن البنا، والأستاذ أبو الأعلى المودودي، فبدأ يتنبه إلى أمور كانت غائبة عنه، خاصة في ضرورة التركيز على موضوع العقيدة، ثم بدأ يطلب كتب ابن تيمية وابن القيم، وبدأ التغير في تفكيره وكتاباته، وظهر ذلك جليًّا في الطبعة الثانية من «الظلال»، بدءًا من الجزء (13) والأجزاء الأخيرة، وكتاب «خصائص التصور الإسلامي»، و«مقومات التصور الإسلامي» و«معالم في الطريق»)([13]).

ويقول الشيخ يوسف القرضاوي: (حدثني الأخ د. محمد المهدي البدري أن أحد الإخوة المقربين من سيد قطب -وكان معه معتقلا في محنة 1965م- أخبره أن الأستاذ سيد قطب عليه رحمة الله، قال له: إن الذي يمثل فكري هو كتبي الأخيرة: «المعالم»، والأجزاء الأخيرة من «الظلال»، والطبعة الثانية من الأجزاء الأولى، و«خصائص التصور الإسلامي ومقوماته»، و«الإسلام ومشكلات الحضارة»، ونحوها مما صدر له وهو في السجن، أما كتبه القديمة فهو لا يتبناها، فهي تمثل تاريخًا لا أكثر.

فقال له هذا الأخ من تلاميذه: إذن أنت كالشافعي لك مذهبان: قديم وجديد، والذي تتمسك به هو الجديد لا القديم من مذهبك. قال سيد رحمه الله: نعم، غيّرت كما غيّر الشافعي رضي الله عنه. ولكن الشافعي غيّر في الفروع، وأنا غيّرت في الأصول!). ويعلّق القرضاوي: (فالرجل يعرف مدى التغيير الذي حدث في فكره، فهو تغيير أصولي أو إستراتيجي كما يقولون اليوم)([14]). 

ويوضح القرضاوي طبيعة هذا التحول الفكري بأنه "ركون إلى فكرة التكفير والتوسع فيه، بحيث يفهم قارئه من ظاهر كلامه في مواضع كثيرة ومتفرقة من (الظلال) ومما أفرغه في كتابه (معالم في الطريق) أن المجتمعات كلها قد أصبحت (جاهلية). وهو لا يقصد بـ (الجاهلية) جاهلية العمل والسلوك فقط، بل (جاهلية) العقيدة، إنها الشرك والكفر بالله، حيث لم ترضَ بحاكميته تعالى، وأشركت معه آلهة أخرى، استوردت من عندهم الأنظمة والقوانين، والقيم والموازين، والأفكار والمفاهيم، واستبدلوا بها شريعة الله، وأحكام كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم"([15]).

ويورد القرضاوي عددا من نصوص سيد قطب التي تقطع بالتكفير منها قول قطب: "ذلك أن المسلمين اليوم لا يوجدون!.. إن قضية (وجود) الإسلام ووجود المسلمين هي التي تحتاج إلى علاج"([16]).

وهذه القراءة لطبيعة تطور فكر سيد قطب وأنها باتجاه التكفير والغلو فيه يقررها عدد من كبار قادة ومفكري جماعة الإخوان المسلمين منهم: المستشار سالم البهنساوي، د. عبد الله أبو عزة، ولعل مما يدعم هذه القراءة لتوجه فكر قطب الجديد شهادة محمد رأفت، الذي كان عضو قيادة الإخوان المسلمين في الأردن في نهاية الستينيات الميلادية من القرن الماضي، ثم وصلته مناهج التربية التي أقرها سيد قطب لتنظيم 65، فانقلب محمد رأفت على فكر الإخوان سنة 1973 وأسّس مجموعة باسم "طليعة البعث" تبنّت تكفير المجتمع، وسحب خلفه غالبية أعضاء الإخوان في منطقة مخيم البقعة في الأردن، وقد استنجدت جماعة الإخوان يومها بالشيخ الألباني للقدوم للأردن ومعالجة هذا الانقلاب الفكري التكفيري والذي نجح الألباني في إخماده بتوفيق الله([17]).

وهذا التأثير السلبي للفكر الجديد لسيد قطب حصل في زمن سيد نفسه، وعلم به وتبرأ منه! فقد سجّل هو في أوراق اعترافاته بالسجن أن البعض فهِم منه تكفير الناس ولكنه اعتبر ذلك فهما منحرفا بسبب قلة وقت اللقاء أو عدم أهلية من فهِم ذلك([18])، ويروي عدد من الشخصيات الإخوانية كزينب الغزالي أنها راجعت سيد قطب شخصيا في ذلك فاستغرب هذا القول، وبيّن أنه فهْم خاطئ لما كتبه، وأنه سيوضح ذلك في الجزء الثاني من كتاب (معالم في الطريق)، ويروي عبد الحليم خفاجي أنهم أرسلوا مع إبراهيم الطناني لسيد في مستشفى السجن يسألونه عن فكر التكفير الذي ينتشر بين الشباب ويُنسب إليه، فأجابهم سيد: لقد فهموني خطأ، ولقد وضعت حملي على حصان أعرج!([19]).

إذًا هناك فكر جديد نشرَه سيد قطب في السجن بين سنتي 1962-1964، حيث انقسم الناس في السجون لمؤيد لفكر سيد قطب الجديد، وقسم يعارض تلك الأفكار تمامًا، وقسم لم يحسم أمره، ومن الذين تبنوا الفكر الجديد: مصطفى كامل، ورفعت الصياد، وسيد عيد، وفوزى نجم، لكن سيد لم يبيّن لنا هنا الذين تبنوا التكفير الأهوج بين المساجين والذي اشتكى منه قادة الإخوان من أي الأقسام هم؟!([20]).

سيد قطب والخروج للحرية

وفي خارج السجن كان فكر سيد قطب الجديد ينتشر من خلال كتبه التي بقيت تصدر وهو مسجون، خاصة (في ظلال القرآن) والتي أَدخل عليها سيد قطب فكره الجديد، حيث ضمّن سورة الأنعام أصل كتابه المركزي (معالم في الطريق)([21])، وقد اعترضت الرقابة على طبع كتاب معالم في الطريق، ولم يسمح بطباعته إلا عندما قرأه عبد الناصر وقال لا مانع من نشره([22])، فهل كان عبد الناصر يجهل قيمة الكتاب؟ أم كان يسير على سياسة واضحة في رعاية تطور وتوسع هذا الفكر القلِق على الأقل، كما تفعل السلطات الأوروبية بالسماح لمنظّري التكفير في البقاء في أوروبا، ونشر تطرفهم وغلوهم علنا في أرجاء العالم، لتوظيف هذا الفكر مباشرة أو استثمار الفوضى الذي يتسبّب بها؟

وفي تلك الأثناء أيضا بدأ يتشكل خارج السجن وفي داخل الإخوان تنظيم لإعادة جماعة الإخوان، من عبد الفتاح إسماعيل وزينب الغزالى، وبموافقة المرشد حسن الهضيبي، وفي سنة 1962 تواصلت زينب الغزالي مع سيد قطب وهو بالسجن من خلال شقيقات سيد لطلب مشورته في منهج تثقيف التنظيم الجديد، وكان من ضمن المنهج مقدمة سورة الأنعام، وعدد من كتب محمد قطب التي تطورت لتصبح كتاب معالم في الطريق، وقد اطلع الهضيبي عليه ووافق على تدريسه، "وبإذن من المرشد الهضيبي كان الأستاذ محمد (قطب) يأتي بشكل دوري إلى بيتي في مصر الجديدة، ليوضّح للشباب ما غمض عليهم فهمه، وكان الشباب يستوضحونه ويسألونه أسئلة كثيرة يجيب عنها"([23]).

وحين خرج سيد قطب من السجن سنة 1964 التقى بمسؤولي هذا التنظيم الإخواني الجديد (عبد الفتاح إسماعيل، وعلي عشماوي، وأحمد عبد المجيد، ومجدي (عزيز)، وصبري (عرفة))([24]) والذي كان سيد يشرف على منهجه التربوي، وحرِص سيد على أن لا يتصل من آمن بفكره بالسجن بهذا التنظيم خارج السجن لأنهم شباب قليلو الخبرة وقد حاولوا مع عدد من قيادات الجماعة قيادةَ التنظيم السري الجديد فلم يوافقوا، وبعد قراءتهم لكتابات سيد قطب فهموا ضخامة المهمة وطلبوا منه قيادتهم، وأصبح سيد بين خيارين: رفْض ذلك لكونهم لم يكملوا تكوينهم الفكري والعقدي قبل البدء ببعض التدريبات الفدائية، وبين قيادتهم واستكمال النقص في التكوين العقدي والخُلقي وضبط حركتهم، واختار سيد قطب الخيار الثاني، فكانت قيادته لهم قيادة فكرية لم تتعدَّ لقاء أسبوعيا في أفضل الحالات([25]).

بدأ سيد مع التنظيم بترسيخ مبدئين، الأول إحياء العقيدة في قلوب الإخوان والمسلمين، لكن كان تركيز سيد قطب على قضية الحاكمية تأثرًا بأبي الأعلى المودودي([26])، لكن مع ذلك كان لديه اضطراب في معرفة مفهوم العقيدة والتوحيد عند أهل السنة، فهو مثلا يخلط ويعكس بين مفهومي توحيد الألوهية وتوحيد الربوية، وفي توحيد الأسماء والصفات كان يُثبت حيناً ويؤول حينا، ولذلك يستنتج د. هاني نسيرة عدم قراءة سيد قطب لتراث ابن تيمية وتلامذته([27])، وهذا يؤكد أن فكر العنف والصدام والتكفير نشأ بعيدا عن مدرسة ابن تيمية.

والمبدأ الثاني الذي عمل على ترسيخه سيد قطب في التنظيم الجديد مبدأ رد الاعتداء على الحركة الإسلامية، فطُرحت فكرة تفجير بعض المنشآت العامة كالجسور والقناطر، ثم نبّههم علي العشماوي إلى خطأ ذلك، وأنه تنفيذ لمخطط أعداء الإسلام فتراجعوا عنه، وهذا يكشف عن سذاجةٍ في التفكير! وقد توسع د. صلاح الخالدي في بيان خطأ فكرة الرد على الاعتداء وما جلبتْه من كوارث على الحركة الإسلامية عند تطبيقها([28])، ثم عرض عليهم العشماوي توفير أسلحة للتنظيم، وهو ما يعتبره د. الخالدي توريطا للتنظيم([29]) وهو يتساوق مع رواية زينب الغزالي عن تعاون العشماوي مع المحققين في السجن([30])، وهذا يؤكد قدرة الأنظمة على اختراق هذه التنظيمات الشبابية وتوريطها في العنف للبطش بها وتمرير أجندتها الظالمة، وقد بيّن سيد قطب أن إمكانيات التنظيم كانت محدودة، وأنه اضطر لمسايرة واقع التنظيم ولذلك جاءت الضربة للتنظيم سريعة، ومن هنا نعلم أن الكارثة هي ما ينتظر التنظيمات المستعجلة والشبابية ولو كان مثل سيد قطب على رأس التنظيم([31])!

وفي هذه المرحلة القصيرة لسيد قطب خارج السجن، والتي استمرت لعدة أشهر التقى سيد بالكثير من الناس من مصر وخارجها، فقد كان يوم الجمعة مفتوحا لاستقبال الضيوف، وهذا سمح لسيد بنشر رؤيته، فقد زاره مندوبون عن إخوان العراق والأردن والسودان وسوريا والجزائر([32]) كما أن كتب سيد قطب بقيت تطبع وتنتشر في مصر وفي العالم، ويتفاعل معها الناس بدرجات مختلفة.

المحنة الأخيرة لسيد قطب

سرعان ما رجع سيد قطب للسجن بتهمة تكوين تنظيم عرف باسم تنظيم 65، وتعرض للتعذيب ومن ثمّ حكموا عليه بالإعدام ونفذوه سنة 1966، رحمه الله، وبدأت مرحلة جديدة من التعذيب الشديد تولد عنه ظهور فكر تكفير المجتمعات المسلمة بشكل صريح على يد شكري مصطفى -وهو ما سنتناوله لاحقا- وصالح سرية نوعا ما، كما أن إعدام سيد قطب كان له تأثير كبير على الشباب في كثير من الدول حيث ملأ قلوبهم بكره السلطة السياسية المصرية عموما، والناصرية خصوصا، وجعل من السهل تقبل فكرة سيد قطب بجاهلية الأنظمة الظالمة وجاهلية الشعوب اللاهية!

نتائج فكر سيد قطب

ماذا كان أثّر فكر سيد قطب الجديد، يجيبنا على ذلك الشيخ يوسف القرضاوي: "ومما قاله بعضُهم: إن الناس قرأوا (الظلال) ولم يفهموا ما فهمته من فكرة (التكفير) وهذا كلام غير صحيح، فقد أثار جدلا طويلا داخل الإخوان في السجون، ومن آثاره بحث قضية: هل نحن جماعة المسلمين؟ أم نحن جماعة من المسلمين؟ حتى أن مكتب الإرشاد أرسل إلى سيد الأخَ عبدالرؤوف أبو الوفا يسأله عن هذه المسألة... وقد رأينا تجمعات في أقطار مختلفة يُسمون (القطبيين) يتبنّون فكرة التكفير... على أن الذين لم يأخذوا فكرة التكفير لم تخطئهم رشحات من تأثير هذا الفكر الثائر الرافض على مفاهيمهم وعلاقاتهم بالآخر ورفض الانفتاح والحوار.."([33]).

ويقول د. عبدالله أبو عزة، الذي كان بمثابة سكرتير التنظيم الدولي للإخوان: "وقد ظهرت من ثمار هذا التوجيه المعالمي -معالم في الطريق- مجموعات من الشباب تردّد هذه الأفكار بحرفية وتزمّت شديدين، حتى أنهم كفّروا آباءهم وأمهاتهم، رغم صَلاتهم وصيامهم، بل كفّروا إخوانهم في التنظيم لأنهم لم يوافقوا على القول بتكفير المجتمع"([34])

الخلاصة أن فكر سيد قطب الجديد، الذي كُتب بِلغة أدبية وليس بِلغة علمية منضبطة، مهد لوجود قراءات عدة له: منها القراءة التي كفّرت المجتمع، واستنكرها قادة الإخوان وراجعوا سيد فيها فأنكرها وتبرأ منها، وذلك بين سنتي 62-64، لكن لم نعرف أين ذهب هؤلاء وماذا فعل سيد ليصلح فهمهم! وتكرر ذلك في سنة 1965 ونفى سيد أن يكون هذا فكرُه!([35]) وهناك قراءة بقيت داخل تنظيم 65 وداخل الإخوان وتتكون من المجموعة التي رافقت سيد فى محنته الثالثة والأخيرة، وهي المجموعة التي تُتّهم بأنها تقود جماعة الإخوان حتى الآن، منذ ذلك الوقت ولو من خلف ستار[36]، وهناك قراءة ثالثة لفكر سيد قطب نبعت من خارج الإخوان، وتنقسم إلى شقّين: قراءة شقيقه محمد قطب الذي لم يكن في تنظيم 65، والتي واصلها بعد وفاة سيد، وقراءة في داخل تنظيم 65 لكنها خرجت من الإخوان، وهي قراءة عبد المجيد الشاذلي([37]) (جماعة التوقف والتبين) وسنعود لها لاحقا، وقراءة رابعة، وهي التي تلقفها كثير من الشباب وأسسوا -بتأثير منها- تنظيمات العنف أو انضموا إليها، فقد كانت كتابات سيد قطب ملهمة لقادة تيار العنف والقتال مثل صالح سرية ومحمد عبد السلام فرج وأيمن الظواهري وأبي قتادة وغيرهم([38])، وهي القراءة التي تهمنا في الوقت الراهن.

ومع وفاة عبد الناصر وتولي السادات للحكم أفرج الأخير عن السجناء وخرج الإخوان والقطبيون وبدأ الشباب يتجه بقوة ناحية الإسلام([39])، وأصبحت مصر تشهد مناخاً فكريا مزيجا من قراءة خاطئة لفكر ابن تيمية كما بيّنا سابقا، وبين قراءة حرفية -بتعبير د. أبو عزة- لفكر سيد قطب الجديد " وهكذا تولّدت لدى هذا الجيل فكرتان: الأولى قتال الطائفة الممتنعة، والثانية جاهلية النظام السياسي"([40])، يقول د عبد المنعم أبو الفتوح بصفته رئيسا لاتحاد الطلبة سنة 1974عن وعي الشباب في تلك المرحلة تجاه العنف فيقول: "في ذلك الوقت كانت فكرة استخدام العنف في التغيير مقبولة عندنا أو على الأقل لا تجد منا رفضا صريحا.. وكان أقصى خلافنا مع من تبنوا العنف منهجاً للتغيير  أنهم يتعجلون بطرح أفكارهم في غير أوانها... وكان خلافنا حول التوقيت فقط والملائمة"[41].

أما د السيد عبد الستار فيصور عقيدة الشباب في تلك اللحظة التاريخية فيقول: "أستطيع القول أن الحرب  بدأت وانتهت ولم يشعر بها غالبية الشباب المتدين، الحرب كانت في بداية الصحوة (1973) وفي هذا التاريخ كانت العقيدة الميطرة على الشباب أن الحاكم فرعون والجيش هامان والشباب المتدين يمثلون موسي وهارون، وكان الخطاب الديني السائد يتمحور حول التكفير وجاهلية المجتمع". ([42])   

وفي خضم هذا المناخ وصل للقاهرة صالح سرية هاربا من نظام البعث العراقي، لتبدأ فصول تنظيم شباب محمد أو تنظيم الكلية الفنية.

 صالح سرية

يعدّ صالح سرية شخصية مركزية في جماعات العنف والتطرف المصرية بشكل خاص، والعابرة للقارات أيضا، فصالح سرية يعد أول من أسس تنظيما ذا خلفية إسلامية للاستيلاء على السلطة بالقوة  العسكرية، مما جرف خلفه الكثير من الشباب والطاقات لمسار مدمّر ومهلك دون ثمرة، ولم يتبين ذلك لأغلبهم إلا بعد سنوات طويلة في غياهب السجون كقادة الجماعة الإسلامية وبعض قادة جماعة الجهاد، بينما لا يزال يواصل نهج الفوضى والتدمير آخرون كأيمن الظواهري وأتباعه ومن انشقّ عنهم كالخليفة المزعوم أبي بكر البغدادي. 

وقد ساهمت عوامل مختلفة في تكوين شخصية صالح سرية، سنحاول التعرف عليها من خلال تجميع سيرته الذاتية من شتات الكتابات الجزئية عنه، والغريب أن سيرة سرية غير واضحة ولا معلومة بشكل جيد رغم دوره المركزي، وكثير من المعلومات المتداولة عنه مغلوطة أو ناقصة وغير مترابطة!

مولده وتعليمه ووظائفه:

ولد صالح سرية في قرية إجزم التابعة لقضاء مدينة حيفا في فلسطين سنة 1936م، وبقي فيها حتى وقعت هزيمة 1948م وقامت دولة اليهود، فقامت قوات الجيش العراقي التي انسحبت بنقله وكثيرٍ من الفلسطينيين للعراق ليبدأ مسيرة اللجوء في الشتات وعمره آنذاك 11 سنة، فأكمل تعليمه الأساسي هناك، ثم انتظم في كلية الشريعة بجامعة بغداد([43]) بعد وساطة الشيخ الصواف له بصفته رئيس جمعية إنقاذ فلسطين حيث كان يحظر على الفلسطينيين دخول الجامعات العراقية.

أتمّ البكالوريس سنة 1958 تقريبا، ثم واصل دراسته بعد انقطاع لعدة سنوات، فأخذ الماجستير من كلية التربية، وكانت رسالته بعنوان "تطوير التعليم الصناعي في العراق" وقد نشرتها دار الجاحظ ببغداد سنة 1969، وواصل تعليمه حين انتسب لجامعة عين شمس غالبا سنة 1971 للحصول على الدكتوراه، والتي نالها عن أطروحته "تعليم العرب في إسرائيل" سنة 1972، وطبعت في بيروت عن مركز الأبحاث الفلسطيني سنة 1973([44])، وقد كان لهذا التخصص في موضوع التربية وعلم النفس دور بارز في كارزمية صالح سرية التي أسر بها الكثيرين، فبجانب الموهبة الربانية كان يمتلك المعرفة العلمية بفنون التأثير والإقناع.

عمل في جامعة بغداد وترقى -بدعم الرئيس عبد السلام عارف- ليصبح وكيل كلية الهندسة التكنولوجية في 1965، وبعد حصوله على الدكتوراه سنة 1972 من القاهرة تعاقد مع كلية اللغة العربية بجامعة الرياض لكن سرعان ما تم إيقاف تعاقده قبل السفر من قبل وزارة الداخلية السعودية، ثم وظّف في منظمة التربية والثقافة بجامعة الدول العربية بالقاهرة كخبير في إدارة التربية، ثم سكرتيراً أول لها([45]).

ميوله الفكرية ونشاطاته التنظيمية المتعددة:

الدارس لسيرة صالح سرية يجد فيها تنوعا وتعددا وتبدلا وتقلبا وجمعا بين المتناقضات، وأعتقد أن ذلك يرجع لشخصيته القوية من جهة، ولذكائه ونزعته القيادية وصغر سنه وفرط نشاطه، وأظن أن هذا كان المدخل الذي تم فيه التلاعب بصالح سرية أيضا من قبل آخرين متعددين!

فعلى الصعيد الديني: تعرف الصبي صالح سرية في سنة 1951على أنشطة جماعة الإخوان المسلمين الدعوية والخيرية في العراق، وخاصة دروس الشيخ الصواف، وانضم لهم وانخرط في أنشطتهم بالكامل عام 1958، وجزء من ذلك أن النشاط الفلسطيني كان ممنوعا، فاتخذ من الإخوان جسرا للعمل والنشاط، وأصبح لاحقا من رموز الإخوان القيادية والعسكرية، حين تولى قيادة الإخوان أو فصيل منهم على الأقل سنة 1970 وهم الذين رفضوا اشتراك رئيس الإخوان عبد الكريم زيدان في حكومة البعث برئاسة أحمد البكر([46]).

لكنه أيضا تعرّف على الشيخ عبد الكريم الصاعقة، وحضر بعضَ دروسه، وهو أبرز العلماء السلفيين في العراق في وقته (توفي سنة 1959) مما ترك بصمات في وعي سرية، ولعل من تأثير الصاعقة عليه تأليف سرية كتاب "بين الاتباع والتقليد"، والذي طبع سنة 1956 بتحقيق د. عبد الكريم زيدان.

وأيضا كان لصالح سرية علاقة بحزب التحرير الذي تأسس عام 1950 من جهتين، الجهة الأولى أن مؤسس الحزب الشيخ تقي الدين النبهاني هو مِن نفس القرية التي ينحدر منها صالح سرية وهي قرية إجزم، وأن النبهاني أيضا هو عمّ زوجة عبد الله سرية شقيق صالح سرية، ومن الطبيعي أن يكون صالح قد سمع بفكر وحزب النبهاني، واطّلع على كتبه ونشراته أو أن يكون هناك ما يزيد على ذلك من صلة مباشرة أو بالمراسلة.

ومن جهة ثانية، كان لحزب التحرير نشاط في العراق، فقد أرسل النبهاني بعض منظري الحزب للدعوة له في العراق في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، كان أولهم وأهمهم عبد القديم زلوم، الذي سيخلف النبهاني في قيادة الحزب([47])، وقد استجاب لدعوة زلوم الشيخ عبد العزيز البدري فانتسب للحزب ورحل إلى عمّان والتقى بالنبهاني ودرس عليه فكر الحزب، وأصبح البدري زعيم الحزب في العراق([48]).

وعبد العزيز البدري هو من أصدقاء صالح سرية المقربين لكنه يكبره بعدة سنوات، فهو من مواليد 1929، وكان لهما لقاءات كثيرة، وقد ترافقا في جولة لعدة دول ضمن وفد العراق في المؤتمر الإسلامي للتعريف بالقضية الفلسطينية سنة 1967([49])، فكم ساهم البدري في زرع مفاهيم حزب التحرير بعقل صالح سرية؟

بل هناك من يقول إن سرية كان أحد الأعضاء الموقعين على عريضة ترخيص حزب التحرير في العراق سنة 1954([50]). لكن لا أدري مدى صحة هذا، فسنّ صالح سرية آنذاك 18 سنة! وهل كان يسمح لغير العراقيين بالمساهمة في إنشاء الأحزاب أم أنه كان حاصلا على الجنسية العراقية؟

لكن بالتأكيد أن صالح سرية كان على معرفة بفكر حزب التحرير ومتأثرا به على الأقل، وساهم ذلك في ميله نحو المشاركة في الأعمال العسكرية للاستيلاء على السلطة في العراق ومصر استجابة لفكرة طلب النصرة من الجيش ضد السلطة، والتي يتبناها حزب التحرير.

على صعيد نشاطاته الحركية مع جماعة الإخوان: بحسب رواية صالح نفسه في المحكمة فإنه كان منتسبا للإخوان المسلمين وأصبح من قادتهم، وأنه كان يرى ضرورة قيام الإخوان بانقلاب عسكري قبل ثورة 1958 بالعراق، وأنه فاتح القيادة بذلك، والتي طمأنته أن العمل جارٍ على ذلك، وبعد الانقلاب اكتشف صالح أن الإخوان شركاء فيه وليسوا قادته، وهو ما أغضبه ولم يقبل به، وحاول مع بعض الضباط في الإخوان المسلمين أن يستولوا على الحكم، لكن الشيوعيين كانوا أسرع من الإخوان وجاؤوا بعبد الكريم قاسم واستولوا على الحكم.

وهنا حاول صالح سرية مرة ثانية مع ضباط الإخوان المسلمين في الجيش القيام باغتيال عبد الكريم قاسم، لكن د. عبدالكريم زيدان، رئيس الإخوان المسلمين آنذاك رفض ذلك.

ولكن يبدو أن سمعة سرية الثورية أصبحت معروفة، فاتصل به البعثيون نهاية سنة 1962 للقيام بثورة مشتركة ضد قاسم لكنه رفض العرض لأنه يرغب بأن يكون الإخوان هم قادة الثورة، ولما نجح البعثيون في انقلابهم تم اعتقاله سنة 1963 حتى سنة 1964.

ويبدو أن صالح سرية أصبح مغرما بالانقلابات العسكرية والمؤامرات السرية، ولم يتعلم من تجاربه الفاشلة لكنها حماسة أو تهور الشباب والجهل وقلة العلم، ففي سنة 1968 طلب منه آمر الحرس([51]) الجمهوري أن يقنع الإخوان بالاشتراك معه في الانقلاب على الرئيس عبد الرحمن عارف، ويبدو أن آمر الحرس كان قد نسّق مع البعثيين أيضا، فلما علِم الإخوان ذلك توقّفوا عن المشاركة، ومرة أخرى سبق البعثيون الإخوان وقاموا بالانقلاب، ولكن شارك بعض ضباط الإخوان الذين لم يُبلّغوا بالتوقف عن المشاركة في الانقلاب، وعيّن البعثيون رئيسَ الإخوان عبد الكريم زيدان وزيرا في حكومة الرئيس الجديد أحمد البكر.

لكن مرة أخرى يرفض صالح سرية وبعض قادة الإخوان المشاركة مع غيرهم في الحكم، وبدأ سرية يعمل من جديد على ترتيب انقلاب لإسقاط حكم البعثيين الجديد، يحدثنا ابن صالح سرية أن بعض شباب الإخوان وحزب التحرير طلبوا من صالح سرية المساعدة في اغتيال البكر ونائبه صدام حسين، الحاكم الفعلي، وأنه تم التخيط لذلك بمشاركة عبد العزيز البدري والعميد محمد الفرج من قيادات الإخوان في الجيش، ولكن العملية كُشفت وقُبض عليهما وأُعدِما، وللتغطية على إعدامهما اتهم النظام صالح سرية بمحاولة قتل البكِر أثناء خضوعه لعملية جراحية من خلال ممرض بالمستشفى من الإخوان المسلمين([52]) ويقول سرية إنه رفض المحاولة لما علم بها لأنها لا تسقط النظام بل تبدل الأشخاص فقط، ويؤكد قصي عبد العزيز ذلك وأنه وصالح سرية لا علاقة لهما بهذه القصة المفبركة، وأنه هرب للكويت ومنها للسعودية وهرب صالح لسوريا عبر الأنبار، وتم القبض على زوجة صالح ووالدة وشقيق عبد العزيز بسبب ذلك([53]).

وعلى الصعيد العسكري الفلسطيني: يبدو أن صالح سرية كان يشتعل نشاطا وهمّة نحو تحرير فلسطين كحال الغالبية من الشباب الفلسطيني في الشتات، فانتسب للكلية الحربية ببغداد وتخرج منها سنة 1959 برتبة ملازم ثان([54])، وانضم لجيش التحرير الفلسطيني الذي أنشأه الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم حتى أصبح أقدم ضابط فيه سنة 1962.

 ولكن صالح سرية لم يكتفِ بهذا العمل العسكري الرسمي، فسرعان ما انخرط بشكل سرّي سنة 1959 في تأسيس "جبهة التحرير الفلسطينية"، مما يؤشر لتعدد الأدوار التي يقوم بها سرية وهو في وقت مبكر من عمره!

"جبهة التحرير الفلسطينية" ستتطور لاحقا بقيادة أحمد جبريل سنة 1968 لتصبح "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" المعتمِدة على الفلسفة الماركسية، والتي سينشق عنها أبو العباس سنة 1976 ليعود للاسم القديم، وهنا يبرز تناقض كبير بين توجّه صالح سرية الديني وبين رفاقه في الجبهة، الذين هم من التيار اليساري الماركسي، وإذا كان صالح لم يكن يعرف حقيقة رفاقه في سنة 1959، فهو بالتأكيد عرفها سنة 1968 حين عُقد مؤتمر بدمشق لكافة مكونات وفروع الجبهة في الدول العربية دعا له سرية نفسه([55])!

ويقول صالح سرية إن ياسر عرفات جاء إليه في العراق في 1961 و1962 لتوحيد عمل المنظمتين (جبهة التحرير وحركة فتح)، ومن هنا نسجت علاقته الوطيدة مع عرفات، والتي ستتوج بعد هزيمة 1967 باندماج في حركة فتح سنة 1968 وأصبح سرية عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني، وشارك في مؤتمره بالقاهرة في نفس العام.

ويقول صالح سرية إن جبهة التحرير كانت بحاجة إلى المال والسلاح بعد أن كبرت، فوجد أن الحل يكمن في السطو على أموال يهود العراق، وفعلاً نظّم ونفّذ سرية وتنظيم الجبهة عدة عمليات ضد اليهود أفرادا وشركات، وهذا يبيّن جانبا من طريقة تفكير سرية غير السوية، ويواصل سرية بيان انحراف مسار جبهة التحرير عن قضية فلسطين حين طلب فرع الجبهة في الأردن منه المساعدة في قبول نظام عبد السلام عارف على دعمهم في اغتيال الملك الحسين وقلب النظام الملكي، لكن عبد السلام رفض الفكرة([56]).  

وهنا نلاحظ ازدواجية الأدوار الذي يقوم به صالح سرية، فهو منتمٍ للإخوان المسلمين لكنه أيضا عسكري في جيش التحرير التابع للحكومة العراقية، وأيضا يقود تنظيما فدائيا فلسطينيا سريا ثم يصبح عضوا في المجلس الوطني الفلسطينى ذي الصبغة العلمانية، وفوق هذا كله على علاقة وطيدة بزعيم حزب التحرير في العراق، ويشارك في عدة محاولات فاشلة للانقلاب على السلطة!

يقدم حازم الأمين تحليلا بخصوص تناقضات صالح سرية هذه مفاده أن "الجهاديين الفلسطينيين" حاولوا توظيف جماعة الإخوان للصدام مع الأنظمة العربية، لكن الإخوان لم يلبّوا تطلعاتهم فتوجهوا للعمل على ضفاف التنظيم وفي هوامشه الأمنية!([57]).  

الخروج من العراق:

بسبب اتهام صالح سرية بمحاولة اغتيال الرئيس البكر، التي ينفيها سرية وصديقه قصي عبد العزيز، هرب سرية إلى سوريا في أواخر سنة 1971 وطلب اللجوء السياسي من سفارة مصر بدمشق ولكنها لم ترد عليه فجاء إلى مصر بشكل طبيعي لإكمال دراسته في جامعة عين شمس.

وصول صالح سرية إلى مصر:

جاء سرية لمصر نهاية سنة 1971 محملا بأفكاره المتنوعة ومواقفه الحادة والعسكرية وعلاقاته المتعددة والمتناقضة، في البداية انشغل بإكمال دراسته للدكتوراه، والتي حصل عليها في السنة التالية، وفي القاهرة قدم طلب لجوء سياسي لسفارة الأردن، وذكر في الطلب أنه سبق له الاشتراك بمحاولة انقلاب في الأردن فرفض طلبه! وكذلك قدم طلب لجوء لسفارة ليبيا ورُفض الطلب أيضا، وسنعود لقصة سفارة ليبيا لاحقا. وبعد حصوله على الدكتوراه تعاقد مع جامعة الرياض، ولكن في ليلة السفر جاءت برقية للسفارة بمنعه من السفر للسعودية، فتعاقد مع منظمة التربية والثقافة التابعة للجامعة العربية([58]).

تواصل سرية مع جماعة الإخوان المسلمين:

كانت البداية في تواصل سرية مع الإخوان من خلال زينب الغزالي في بداية سنة 1972 والتي زارها عدة مرات وتدارس معها حال الإخوان وأنه لا يصلح النهج السلمي الذي يسيرون عليه، وأنه لا بد من استعمال القوة للوصول لتطبيق الإسلام! فوافقته زينب على ذلك ولكن أخبرته بضرورة مراجعة المرشد حسن الهضيبي بأي شأنٍ يخصّ الإخوان، ورتّبت له مقابلة مع المرشد بناء على طلب سرية، وفي اللقاء أخبره سرية بسوء أوضاع الإخوان في مصر والخارج وضرورة إعادة تنظيم صفوفهم ليتمكنوا من الاستيلاء على السلطة وإقامة الدولة الإسلامية! وتكررت اللقاءات وتكرر عرض سرية وتكرر رفض المرشد لذلك التصوّر! فيئس سرية من الإخوان وأيقن أنه لا فائدة ترجى منهم في تنفيذ عمل مسلح، وقرر تكوين تنظيمه الخاص بعيدا عن الإخوان، هذه رواية سرية ولكن شهادة زينب الغزالي تخالف كثيرا ما قاله سرية، فهل أخطأت زينب أم أخطأ سرية تحت التعذيب، أم أنه يميل للمبالغة في دوره أم يكذب ليموّه على تنظيمه([59])!؟

علاقة سرية بفكر سيد قطب:

كان سرية مؤمنا بضرورة العمل العسكري لإقامة الدولة الإسلامية قبل قدومه إلى مصر، وتاريخه في العراق يؤكد ذلك([60])، أيضا كان مندوبٌ لإخوان العراق قد زار سيد قطب في سنة 1964 عن طريق علي العشماوي، وأعجب بفكر سيد الجديد، وأخبر جماعته بالعراق بذلك، وعاد بعد مدة وقدم 200 جنيه دعما للتنظيم الجديد الذي يقوده سيد قطب([61])، فهل كان هذا مندوب أهل العراق فعلا؟ وهل تعرف صالح سرية من خلال ذلم على فكر سيد قطب الجديد وتبنيه فكرة ردة الاعتداء والقوة؟ أم كان هذا أيضا فخّا من العشماوي للتنظيم؟

لكن تأثير سيد قطب على فكر صالح سرية محل اتفاق بين الباحثين، فمعتز الخطيب يقول: "صالح سرية، وهو صاحب أول تطبيق فعلي للعنف في مصر عام 1974 (تنظيم الفنية العسكرية) يقول في "رسالة الإيمان" التي كتبها سنة (1973): "إن كل الأنظمة وكذلك كل البلاد الإسلامية التي اتخذت من نفسها آلهة وأربابا. فكل من أطاعها مقتنعا بها فهو كافر" معتبراً هذا "الفرض الأول لأنها أساس التوحيد والشرك في هذا العصر"، ومحيلا إلى سيد قطب. بل إنه اعتبر في مقدمة رسالته تلك أن مِن خير التفاسير لمعرفة التفسير الحق للقرآن "في ظلال القرآن" في طبعاته الأخيرة"([62]).

أما هاني نسيرة فيعتبر سرية "الرابط بين تحول الفكر القطبي إلى فكر جهادي انقلابي" وأن سرية كان جاهلا بتراث ابن تيمية وخطابه أو مقولاته([63])، وهذا الجهل مفهوم في ضوء سن سرية الصغيرة حيث كان في سن 37 حين اعتُقل في قضية الفنية العسكرية، وكان مشغولا بدراسة التربية في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، فضلا عن انضمامه للكلية الحربية ببغداد وسجنه هناك سنة تقريبا، فضلا عن دوره في نصرة القضية الفلسطينية وسفرياته من أجلها عدة مرات، فمتى يطالع سرية مطولات ابن تيمية ويفهمها؟ ويرى د. محمد مورو أن سرية اعتمد على ابن تيمية وسيد قطب([64]).

عموما؛ كان صالح سرية بحكم تكوينه وتجربته في العراق جاهزاً للتفاعل مع فكر سيد قطب الجديد الثوري والمناخ الشبابي الغاضب، وحين قرر سرية تكوين تنظيمه الخاص بدأ يبحث في محيط الإخوان المسلمين وبقية المجموعات الشبابية المائلة للعنف.

فكر صالح سرية:

بلور صالح سرية فكره في "رسالة الإيمان" التي ألفها سنة 1973، وهي سنة تأسيس التنظيم، وذكر في مقدمة الرسالة تعريفا بها يكشف ملامح فكره العامة فقال: "وهذه الرسالة – حسب علمي- هي أول رسالة من نوعها في تشخيص الكفر الذي وقع فيه المسلمون عن علم أو عن جهل؛ بسبب الظروف الجديدة التي وقعوا فيها، ودراستها -في نظري- أهمّ ألف مرة من دراسة قضايا العقيدة التي كُتبت في الماضي"([65])، ونلاحظ هنا الانطلاق من الكفر والتكفير للتنظير! وواضح التأثر بفكر سيد قطب في هذا المنطلق، وواضح تصريح سرية بالتأسيس لهذا الفكر التكفيري، الذي يكفّر غالب المجتمع بدعوى الرضى بالحكومة الكافرة([66]).

لكن يجب أن نتنبّه إلى أن سرية له مشارب متعددة، لذلك فقد مزج هذا التأثر بسيد قطب الذي يدعو للمفاصلة الشعورية مع فكر حزب التحرير الإسلامي[67] وتجربة منظمة التحرير الفلسطينية، فخرج بنظرية خليطة تأخذ من سيد قطب نظرة تعميمية في التكفير، ومن حزب التحرير فكرة الانقلاب العسكري التي مارسها الحزب في الستينيات ثم تخلى عنها وآمن بطلب نصرة الجيش له! ولذلك لم يمانع سرية في الانخراط في الجيوش للانقلاب على السلطة (الكافرة)([68])، واليوم تطور فكر جماعات الجهاد والعنف وأصبح الانتساب لمؤسسات الدولة، وخاصة الجيش والأمن، كفرا مخرجا من الملة، ولذلك فهي تستهدف معسكرات الجيش ومراكز التجنيد في عدد من الدول.

تأسيس التنظيم:

التقى سرية بعدد من قادة المجموعات التي تكونت سابقا في تنظيم نبيل البرعي وانشقّت عنه، وغيرهم، فالتقى بإسماعيل طنطاوي، لكنهم لم ينسجموا بسبب فكر طنطاوي المائل للمنهج السلفي نوعا ما، بينما كان سرية -المتأثر بالإخوان وحزب التحرير- يرغب بتأجيل نقاش القضايا الشرعية والمنهج المتبع، وعدم تقييد العضوية بمن يوافق على ذلك فقط، وقابل سرية يحيى هاشم ولكنهما اختلفوا على منهج التغيير حيث كان سرية يفضل أسلوب الانقلاب العسكري بينما كان هاشم يصر على طريقة حرب العصابات([69])، والتقى سرية بمجموعة تكفيرية متطرفة يقودها محمد إبراهيم سالم وشكري مصطفى([70])، وبعبد الله السماوي([71])، لكنه لم ينجح معهم أيضا، الغريب أن هذه المشاورات كانت شبه علنية! يقول د. السيد عبد الستار: " ومثل عملية اغتيال السادات تماما كانت عملية الفنية العسكرية محسوسة لدى العديد من الإسلاميين الذين دعاهم صالح سرية للمشاركة في الانقلاب، في منطقة النزهة بمصر الجديدة حيث إقامتي في هذا الوقت تحدث معي أحد الإسلاميين حول استعدادي أن أشارك في عملية لقلب نظام الحكم وكعادتي بدأت مناقشته حول الموضوع، وعندما قلت له يجب أن يتلقى المشاركون تدريبا على السلحة أولا ثم يختار منهم من يصلحون، قال يبدو أنك من الذين يقولون لو نعلم قتالا لأتبعناكم.. إنسى الموضوع ولا تحدث به أحد"[72]، وتحتار أيهما أغرب العرض أم الرد!

لكن بحكم شخصية سرية الكارزمية استطاع استقطاب بعض الشباب الصغار الذين كانت لهم صلة بجماعة الإخوان، على رأسهم كان طلال الأنصاري ينتمي لمجموعة من شباب المرحلة الثانوية بالإسكندرية تؤمن بجماعة الإخوان، لكنها تربّت على أفكار سيد قطب ومحمد قطب منذ سنة 1968، وكانوا يبحثون عن دور ونشاط يقومون به لخدمة الإسلام، وعقب إفراج السادات عن عناصر الإخوان سنة 1971 تواصلوا مع الشيخ علي إسماعيل -شقيق عبد الفتاح إسماعيل رفيق سيد قطب في تنظيم 65 وأول من تبنّى فكر التكفير في السجن علنا ثم تراجع عنه، ومنه استلم شكري مصطفى فكر التكفير وهو ما سنفصّله لاحقا- فعرّفهم على قادة الإخوان في الإسكندرية ثم عرّف طلال على زينب الغزالي، ومن ثم عرّفه على المرشد حسن الهضيبي وبايعه([73])، وقد تمكن سرية من تسخير تنظيم الأنصاري ورفاقه لصالحه، فعند صالح سرية وجدوا الدور الذي يبحثون عنه وهو الإعداد لانقلاب عسكري ضد الدولة. 

لكن سرية فصلهم عن الإخوان ولم يعد لهم صلة بالإخوان في الحقيقة، فيقول طلال الأنصاري طالب الطب الذي يعد من أقرب مساعدي سرية والذي تعرف عليه بوساطة زينب الغزالي: "فهمتُ بعد ذلك أن (حسن الهضيبي) قد توصل إلى صيغة جديدة لاستمرار تنظيمنا وبقائه في يده، ولكن من خلال قيادة أخرى هو صالح سرية، وأنا اسمّي ذلك مرحلة تسليم وتسلم... فور انتقالنا لقيادة صالح سرية طرحت مسألتين اثنتين:

 الأولى: البيعة التي بايعناها لحسن الهضيبي.

 والثانية: علاقتنا الحالية – وقتها- بالإخوان كجماعة إسلامية.

 وقال لنا صالح: إن البيعة السابقة للهضيبي مستمرة، وقرر أن علاقتنا بالإخوان لن تكون إلا من خلاله فقط، وبعدها لم أقابل لا حسن الهضيبي، ولا زينب الغزالي"([74]).

وفرض هذه القطيعة بين الأنصاري والهضيبي في ظنى حيلة من صالح للسيطرة على مجموعة الأنصاري وعدم فضحه عند قيادة الإخوان([75]) خاصة أن المرشد رفض هذا التنظيم وكذلك سبق أن رفض عدد من قادة الإخوان طلب بعض شباب الإخوان اعادة التنظيم والتي قبل بها سيد قطب، كما ان شخصية الهضيبي ليست شخصية صدامية أو مغامرة، ولكن بساطة طلال الأنصارى وقلة خبرته بدهاليز التنظيمات جعلته يظن أن صالح سرية كان يعمل لصالح الإخوان، ولذلك بقي يصر على اخوانية التنظيم وهذا خطأ، لكن قد يصح أن الأنصارى ومجموعته بقيت على ولائها للإخوان ولكنها لم تفهم أنها في تنظيم مستقل!![76] ويؤكد حسن الهلاوي والذي يعد قائد جناح التنظيم في القاهرة أن تنظيم سرية كان منفصلا عن الإخوان.

الشخصية الثانية المهمة في التنظيم كان طالب الكلية الفنية كارم الأناضولي، الذي كان شخصا عاديا وله عاطفة دينية، وبعد دخوله الكلية صُدم بوقاحة بعض الطلبة في التطاول على الدين وشتم الله عز وجل مما جعله يزداد تمسكا بالدين واعتزالا لهذه الفئة، لكنها حاربته وأمثاله في الكلية([77]) فقد كانت الناصرية والشيوعية لا تزال هي المسيطرة على الجيش، وهناك روايتان لتعرّف كارم على سرية، الأولى أنه تعرّف عليه أيضا عند زينب الغزالي([78]) والثانية أن طلال الأنصاري هو الذي قام بذلك، ولكونهما في القاهرة تطورت علاقتهما سريعا([79])، وكارم فتح الباب لسرية للتعرف على مجموعة من زملائه بالكلية الفنية وسخّرهم للتنظيم.

ثم انضم للتنظيم حسن الهلاوي الذي كان انفصل عن تنظيم إسماعيل طنطاوي([80])، وكان ذلك مفاجأة للجميع.

مكونات تنظيم سرية:

وبذلك أصبح التنظيم في سنة 1973 يتكون من ثلاث مجموعات أساسية:

1- مجموعة الإسكندرية بقيادة الدكتور كامل عبد القادر وطلال الأنصاري.

2- مجموعة القاهرة والجيزة بقيادة حسن هلاوي.

3- مجموعة العسكريين ويرأسها صالح سرية شخصيًّا، وهي قسمان: عسكريو الجيش ويتبعون سرية، وطلبة الكليات العسكرية ويترأسهم كارم الأناضولي([81]).

وكان هدف التنظيم هو التمهيد لانقلاب عسكري من داخل الجيش للاستيلاء على السلطة، وذلك ضمن برنامج زمني ينتهي بنهاية سنة 1975([82])، لكن حدث ضغط على سرية جعله يسرّع من موعد التنفيذ ويبدل الخطة من انقلاب عسكري إلى خطة للقبض على الرئيس السادات في المطار أثناء عودته من يوغسلافيا، لكن لم تنجز مجموعة الهلاوي التجهيزات فألغيت، وتم استبدالها بخطة القبض على السادات ومعاونيه، في اجتماع لهم يوم 19/4/1974، ولكن تغيرت الخطة فجأة وما حدث هو هجوم فاشل على الكلية الفنية التي كانت خارج الخطط!([83]) فكيف حدث هذا وما تفسيره ودلالاته؟

لا توجد إجابة واضحة وصريحة، ولكن من شتات التصريحات والمعلومات يمكن أن نقدم تصورا قريبا لما حدث، المهم يجب أن نستحضر أننا نناقش تنظيما غالبه من الشباب صغير السن وقليل التجربة، فبحسب أوراق المحاكمة لهذا التنظيم فهو يتكون من 92 متهما، منهم زعيم التنظيم الذي يحمل شهادة الدكتوراه ولا يزال عمره 37 سنة، وهو أكبر الأعضاء، ومعه شخص واحد بنفس السن، و6 أعضاء فوق 30 سنة، و84 عضوا تحت 30 سنة، و74 عضوا منهم تحت سن 25 غالبية طلاب!

هذا التنظيم بهذه الإمكانيات الساذجة المادية والمعنوية يريد إقامة دولة إسلامية والقضاء على دولة قائمة انتصرت في حربٍ قبل أشهر ولديها جيش وشرطة مدربان وقويان! وللأسف لا تزال تتكرر هذه السذاجات، فها هو أبو بكر البغدادي يعلن إقامة دولة الخلافة، وهو لا يستطيع أن يؤم أتباعه علنًا في الصلاة في مقر دولته وعاصمة خلافته، ثم تجد الشباب المتحمس يطير بذلك فرحا وشوقا ويصبح حطبا في هذه الفخاخ والمؤامرات.

وتنظيم بهذا المستوى هو ما يعده الباحثون النواة الأساسية لتنظيم الجهاد([84]) الذي سيكبر مع الأيام ويتفرع عنه تنظيمات ويقوم باغتيال السادات، ومن ثم يُدخل مصر في دوامةٍ من العنف المدمر الأهوج، ثم يخرج للخارج ويتحالف مع أسامة بن لادن ويقوم بعملية 11/9 في أمريكا، ويجرّ العالم الإسلامي كله لهجمة أمريكية هوجاء على الإسلام والعمل والإسلامي ولا تزال هذه المسيرة تفرّخ تنظيمات أكثر دموية وإرهابا وتكفيرا كداعش، وقد أصبحنا حاليا على مشارف مرحلة جديدة قد تشهد اندماج القاعدة وداعش أو ظهور ما بعد داعش!

حادثة الكلية الفنية:

يقول طلال الأنصاري إنه ورفاقه في الإسكندرية لم يطيقوا الصبر حتى سنة 1975 وضغطوا على سرية لدرجة التآمر تقريبا على سرية للقيام بعمل الآن، فقد اكتملت التجهيزات وهم في شوق للجهاد! ويعترف الأنصاري أن ذلك الضغط كان خطأ وهو يشبه الضغط على عبود الزمر لقبول فكرة عملية اغتيال السادات([85]) -وهو ما سنفصّله لاحقا- وهذا يؤكد لنا عفوية وبساطة وسذاجة إدارة هذه التنظيمات، هذا في حالة حسن الظن بها!

ولكن هذه المعلومة لا تتوفر عند غير الأنصاري لأن أغلب المصادر تتحدث عن ضغط كارم الأناضولي على سرية للاستيلاء على الكلية الفنية([86])! ويمكن أن نجمع بين الروايتين بأن هناك نوعين م الضغط حصلا فعلاً، ضغط الأنصاري ورفاقه من أجل تقديم الموعد من سنة 75 إلى سنة 74، وتم ذلك فعلا، ثم حصل ضغط من الأناضولي في آخر ليلتين لتغيير الخطة لتكون مهاجمة الكلية الفنية([87]) والاستيلاء على الأسلحة فيها واستخدامها في مهاجمة اجتماع السادات! إذ كانت الخطة تقضي بأن يتحرك العسكريون التابعون لسرية لمهاجمة اجتماع السادات وقادته في اجتماعهم بمبنى اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، لكن كارم كان -قبل يومين- قد أبلغ كامل عبد القادر زميل الأنصاري أن الهجوم سيكون على الكلية الفنية، وهم لم يكن في مخططات الجماعة كما يقول الأنصاري، ورغم اندهاشه والأنصاري لكنهما كانا يريدان أي عمل وحركة فلم يدققا في الأمر وصحته وجدواه([88])! ويزعم الأنصاري أنه لم يتح له مراجعة سرية والأناضولي عن سبب تغيير الخطة بسبب إعدامهم سريعا([89]). ولا تزال هذه العقلية المتهورة تقود كثيرا من الأعمال في تنظيمات العنف، وتجلب الكوارث على المسلمين بحجة حب الجهاد والاستشهاد!

لكن حسن الهلاوي ينقل عن سرية أنه أبلغه أن الأنصاري والأناضولي انقلبا على سرية واتهماه بالخوف على أولاده كونه ليس مصريا، وأنه انسحب من قيادة التنظيم الذي تولاه الأناضولي، وهو الذي وضع الخطة الساذجة للهجوم([90])! وهذا إن صح، فإنه يكشف عن خلل في قيادة هذه التنظيمات مما يؤكد تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من كوارث "حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام"!

لم تتوقف السذاجة على ذلك، بل حتى تنفيذ الهجوم على بوابة الكلية الفنية العسكرية كان من السذاجة أو الخيانة بمكان، حيث قام بضعة طلبة من جامعة الاسكندرية غير مؤهلين بقيادة طلال الأنصاري بالهجوم فقُتل بعض الجنود وبعض المهاجمين، وحاول بعض طلبة الكلية مهاجمة حراس مخازن السلاح لكنهم فشلوا، وفشلت العملية، وتم القبض على الجميع خلال العملية أو بعدها بأيام.

وعُثر مع الطلبة المهاجمين على دفتر به أسماء الطلبة ومهمّاتهم في الهجوم! ومخططات لمبنى كلية الطيران، وهذا يدلل على مدى ذكاء قيادة هذا التنظيم ودقة تخطيطه!

لكن أمر هذه السذاجة والغباء قد يزول أو يتضاعف إذا علمنا أن عضوا من التنظيم ذهب إلى أمن رئاسة الجمهورية وأخبرهم بكل تفاصيل الخطة قبل يوم من تنفيذها، لكنهم لم يأخذوا الأمر على محمل الجد!([91]) وأثناء الاقتحام هرب أحد الأعضاء وذهب للأمن يبلّغ عن الهجوم([92])، ومع ذلك لم يتحرك الأمن بالشكل المطلوب، ويعزو مختار نوح ذلك لإخفاق الأمن وتراخيه حتى قُتل السادات فيما بعد([93]).

لكن هناك تفسيرات أخرى من أعضاء بالتنظيم، فطلال الأنصاري يعلق على رضوخ سرية لضغط الشباب بتجاوز المخطط الرئيسي الذي ينتهي في 1975 بقوله: "هل كان هذا الموقف ضعفا من صالح أمام ضغط الشباب عليه أم كان لصالح تصور آخر يُخفيه؟"([94]).

ومن مظاهر السذاجة أن أحمد الرجال الذي بلّغ عن التنظيم قبل حادثة الفنية العسكرية بساعات كان يَعتقد أن حسين الشافعي، نائب الرئيس السادات، هو قائد التنظيم([95])! وينقل عن طلال الأنصاري أن كارم الأناضولي كان على خصومة مع عميد الكلية، ولذلك أراد الانتقام منه([96])، وهذا يتّسق مع شهادة كارم في المحكمة عن حياته في الكلية الفنية!

وهذا يفتح الباب للتساؤل: هل تمكّن الأمن المصري من كشف التنظيم قبل قيامه بالعملية، وقبل التبليغ عنها؟ وما هو سبب التراخي في التعامل معه وتركه يقوم بمهاجمة بوابة الكلية؟

لا يمكن الجزم بشيء لكن من الممكن ذلك، بل لعله الأرجح، لأن تنظيما بهذه السذاجة لا يصعب اختراقه والتجسس عليه، ولا يصعب أيضا توجيهه لصالح الأمن، وهذا قد يفسر سبب تقاعس مجموعة الهلاوي عن تنفيذ مهمّتها الأساسية في استطلاع المطار، مما أدى لإلغاء العملية، ولما تم التوافق على اقتحام الكلية الفنية أيضا تقاعست مجموعة الهلاوي عن المشاركة لدرجة أنه لم يصدر أي حكم على عضو بمجموعة الهلاوي في حادثة الكلية سنة 74([97])، لكن لاحقا سيقوم أحد اعضاء المجموعة القاهرة بقيادة عملية سنة 1977 لكن وُجد في المجموعة عضو مرتبط بالأمن، وسلّم المجموعة([98])! أيضا من تحرّك فقط الطلبة المدنيون والعسكريون وبلا نتيجة، بينما جناح التنظيم العسكري لم يتحرك ولم يتم الكشف عن أعضائه في المحاكمة! فهل كان وجودهم ادعاء من سرية وكذب؟ أم تم تركهم بمعرفة الأمن لمرحلة تالية انتهت باغتيال السادات؟

 وهنا أيضا يبرز سؤال عمّا إذا كان الأمن المصري يريد ترك التنظيم أن يعمل؟ وهو أمر قد تكرر مع أكثر من تنظيم مسلح؟([99])

هناك فرضيتان، إحداهما ترى أن كارهي السادات في الأمن من الناصريين كانوا يرغبون بتورط الإسلاميين بصِدام مع السادات ليعود إلى نهج عبد الناصر، ويعود السادات لهيمنة الناصريين الذين انقلب عليهم، وقد يتقاطع مع هذه الرؤية الاتهامات لسرية بتلقي الدعم من الرئيس الليبي معمر القذافي لتنفيذ اغتيال السادات، حيث يقول طلال الأنصاري إنه تعرض لضغوط أثناء التحقيق للاعتراف بدور للقذافى في دعم التنظيم([100])، حيث سبق لسرية أن طلب اللجوء من السفارة الليبية، وكان عضوا بمنظمة التحرير الفلسطينية، وله رفاق يساريون مما قد يكون فتح له صلة بليبيا أو القذافي، حيث كان سرية معجبا بثورة القذافي وجيفارا([101])! وأيضا نجد ريتشارد ديكون يورد في كتابه "المخابرات الإسرائيلية" أن سرية وضباطاً مصريين كانوا على صلة بمخابرات القذافي([102])، ومعلوم أن القذافي كان مؤيدا قويا لعبد الناصر، فهل أراد الانتقام له من السادات الذي انقلب على نهج عبد الناصر؟ أم فعل القذافي ذلك انتقاما لليهود حيث يعتقد كثيرون أن القذافي يهودي الأصل وكذلك عبد الناصر؟

الفرضية الثانية تقول إن الأمن المصري الذي كشف التنظيم كان يتبع السادات فعلاً، وقام بتحييد العسكر وسرية عن التنظيم، وترك الطلبة الصغار (يلعبون) ولو قُتل بعضهم وبعض العسكر مقابل إيجاد مناخ ملائم للتخلص من بقايا الناصريين وخصوم السادات في الداخلية والأمن والمخابرات، يقول مختار نوح: "لقد قام الرئيس السادات بعد هذه الواقعة بتغيير الهيكل الأمني، وقد بدأ بوزير الداخلية في هذا الوقت .. تغيير الجهاز الأمني بأكمله"([103]).

وعموما؛ فحتى لو كان الأمن المصري لم يعلم بالتنظيم وفوجئ به وتخاذل عن التصدي له كسلا وإهمالا أو تقصدا وعمدا، فإن كل الدارسين يؤكدون أن السادات استغل ذلك لترتيب الجهاز الأمني لصالحه، مقابل تقديم عشرات الشباب والعساكر ضحية للتهور والجهل وربما الاختراق الأمني أيضا!! 

تنظيم الفنية وبداية سلوكيات داعش:

لفت نظرى بعض التصرفات التي رواها أحمد الرجال، والتي أصبحت سلوكيات دائمة في تنظيم داعش، منها قيام سرية بإعطاء أحد المشاركين في الهجوم على الكلية الفنية سكين (مطواة) وقال له بالحرف الواحد: "هتتقدم إنت ومحمد عشرة ومحمد مرسي، أعضاء التنظيم، إلى الحارس وتدّعي أنك مريض "وتذبحوا هذا الكلب"([104])، وقد تطور هذا السلوك عند داعش وأخواتها حتى اخترعوا لها اسما باطلا هو (سنة الذبح)!!

ومنها قول الرجال إن أميرهم صالح سرية كان يردد دائماً "راياتنا سود كراية أحمد"([105])، وهو ما تحقق لاحقا في رايات تنظيم القاعدة وداعش!

ما بعد القبض على عناصر التنظيم وفشل العملية:

مَن تورط بالهجوم تمت محاكمته، فحُكم بالإعدام على صالح سرية وكارم الأناضولي، والسجن على الكثير من الشباب الصغار، والذين اختلطوا في السجن بجماعات وتنظيمات أخرى مما أفرز انشقاقات فيما بينهم، حيث انفصل الهلاوي ومن معه عن مجموعة الأناضولي التي تبنّت العنف([106]).

وفي عام 1975 قامت مجموعة يحيى هاشم -التي كانت قد ظهرت سابقا كانشقاق عن تنظيم إسماعيل طنطاوي([107])- بمحاولة تهريب سجناء الكلية الفنية من خلال تزوير أوامر ترحيلهم من سجن لسجن، وقد كُشفت المحاولة في اللحظات الأخيرة، فهرب هاشم إلى الصعيد ولكن الأمن استطاع الوصول إليه وقتله، فتشتّتت مجموعته وانضم بعضهم لمجموعة الكلية الفنية - مجموعة الاسكندرية ([108]).

أما الذين لم يُقبض عليهم أو تمت تبرئتهم فيقول ياسر سعد، أحد من برّأتهم المحكمة: "حصلنا على تعليمات أخرى من صالح سرية بتأسيس تنظيم ينقسم إلى أربعة أقسام، قسم مدني، والثانى جيش، وقسم دعوي، وقسم حرب عصابات"([109])، وقد يفسر هذا قيام بعض أعضاء التنظيم بعملية لاحقة، وعَيّن سريةُ أحمد صالح زعيما للتنظيم.

انقسم التنظيم لمجموعة الاسكندرية التي تعصبت لأفكار سيد قطب وبقراءة متشددة لها، بل إن طلال الأنصاري قد انحاز لفكر شكري مصطفى التكفيري المتطرف، أما مجموعة الجيزة بقيادة حسن الهلاوي فقد رفضت ذلك، وتصدى الهلاوي لمناظرة شكري مصطفى نفسه بفضل متابعة الهلاوي لشيخ الإسلام ابن تيمية، وسوف نستعرض تفاصيل ذلك لاحقا عند دراسة تنظيم شكري مصطفى.

كان في مجموعة الاسكندرية بعض الشباب المتهور، الذي يجاهر بضرورة الصّدام مع الدولة بأي طريقة وبأي وسيلة، ولو كانت إبرة! وفعلا تمكن أحدُهم من إقناع عدة شباب معه لا يتجاوزون 6 أشخاص بتهوّره، وفي يوم مرّوا بجوار حارس للسفارة القبرصية كان نائما وبجواره بندقيته، فقاموا بسرقتها فاستيقظ فطعنوه، ومات، فاهتم الأمن بالحادثة ولكنه لم يصل لنتيجة، لكن خال أحد الشباب حين وَجد البندقية مخبأة أبلغ عن ابن اخته، فطلب الأمن منه التجسس عليه لمعرفة أبعاد الموضوع، وفعلا قَبض الأمن على المجموعة السارقة، لكن الأمن توسّع في الاعتقال لحد اعتقال 200 شخص منهم أحمد صالح، وحسن الهلاوي، إذ اختلق الأمن تنظيما غير موجود وحكم عليهم أحكاما عالية، مما جمع الكثير من الشباب في تنظيم متطرف جديد كوّنه أمن الدولة في السجن، وكان له الدور الأكبر في حادثة اغتيال السادات لاحقا([110])!

فهل كان هذا التجميع مقصودا أم هو خطأ متكرر من أجهزة الأمن لليوم؟ فحديثا في العراق جُمع في سجن بوكا بين قادة القاعدة وضباط الاستخبارات العراقية، والذي نتج عنه لاحقا ظهور تنظيم داعش الذي يجمع بين أبي بكر البغدادي وحجي بكر (سمير عبد محمد الخليفاوي) وهو عقيد استخبارات سابق في نظام صدام حسين!  

وبعد حملة الاعتقالات التي طالت حسن الهلاوي، برز خلفه مصطفى يسري وهو أحد من أفرجت عنهم المحكمة مبكرا، فأخذ يجمع أعضاء الجيزة والقاهرة من جديد، ولكن تمكّن الأمن من اختراق التنظيم عن طريق عبد القوي حيث سلّمته بعض القنابل ليسلمها للتنظيم، وقبضت عليهم الشرطة أثناء التسليم، لكنه اعترف أمام المحكمة بالحقيقة فبرأتهم المحكمة، فحلّ مصطفى التنظيم الذي بات مكشوفاً([111]).

وبذلك انتهت مجموعات تنظيم الكلية الفنية، لكن فِكر صالح سرية انتشر بين الشباب فطبعت (رسالة الإيمان) عدة مرات ووزّعت في الجامعات من قبل اتحاد الطلبة، وكذلك شريط مرافعة كارم في المحكمة([112])، وبذلك صار المناخ مناسبا لظهور جماعات جديدة، وفعلا قام بعض أعضاء تنظيم سرية لاحقا بتأسيس تنظيم الجهاد الذي سينموا ليغتال السادات سنة 1981.

في الحلقة القادمة إن شاء الله سنتعرف على جماعة شكري مصطفى وفكر التكفير والهجرة.



[1] - مجموع الفتاوى، 8/425.

[2] - الإسلام السياسي في مصر من حركة إصلاح إلى جماعات عنف، هالة مصطفى، ص 139. سيشار له لاحقا الإسلام السياسي في مصر.

[3] - الحركة الإسلامية من المواجهة إلى المراجعة، كمال حبيب، ص 26.

[4] - حول تعذيب سيد قطب، راجع: سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، صلاح الخالدي، ص 347.

[5] - لماذا أعدموني، سيد قطب، ص 15. من اللافت للنظر أن سيد قطب يتهم تلميحا الصاغ (الرائد) عبد الباسط البنا، شقيق حسن البنا، وقائد كتيبة ليمان طره بمحاولة جرّ الإخوان لفخّ التمرد لإبادتهم! ص 14.

[6] - علماء ومفكرون عرفتهم، محمد المجذوب، ص 280.

[7] - لماذا أعدموني، ص 62.

[8] - المصدر السابق، ص 18، 28.

[9] - المصدر السابق، ص 19.

[10] - الحركة الإسلامية من المواجهة إلى المراجعة، د. كمال حبيب، ص 15.

[11] - لماذا أعدموني، 20.

[12] - المصدر السابق، ص 24.

[13] - سيد قطب والتكفير، تحرير: معتز الخطيب، ص 116، 147.

[14] - ابن القرية والكتّاب، د. يوسف القرضاوي، ج 3، ص 62، نقلا عن سيد قطب والتكفير.

[15] - سيد قطب والتكفير، ص 55.

[16] - المرجع السابق، ص 75، نقلا عن الظلال، ج 10، ص 191.

[17] - انظر القصة كاملة بقلم محمد رأفت في كتاب (نصائح وتوجيهات المفكرين وعلماء الإسلام للجماعات والأحزاب الإسلامية)، ص 366 وما بعدها. 

[18] - لماذا أعدموني، ص 23.

[19] - سيد قطب والتكفير، ص 135.

[20] - لماذا أعدموني، ص 23، وسيد عيد بعد الإفراج عنه سيرحل للكويت ويلتقي به هناك عصام برقاوي، والذي سيشتهر لاحقا باسم أبي محمد المقدسي!

[21] - سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، صلاح الخالدي، ص 367، 546، 554.

[22] - النبي وفرعون، جيل كيبيل، ص 27.

[23] - أيام من حياتي، زينب الغزالي، ص 35.

[24] - سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، ص 379.

[25] - لماذا أعدموني، ص 29 وما بعدها.

[26] - حين اطلع المودودى على كتاب سيد قطب (معالِم في الطريق)، قال: إن ما ورد في الكتاب هو نفس ما أراه، بل كأنني أنا الذي كتبتُه، فقد عبّر عن أفكاري بدقة. أعلام الحركة الإسلامية، عبد الله العقيل، ص 47، وسيد قطب والتكفير، ص 147. الحركات الإسلامية في الوطن العربي، اشراف د عماد عبد الغني، ج 1 ص 255.

[27] - متاهة الحاكمية، ص 175، والصواب عندى أن سيد تعرّف على ابن تيمية في نهاية حياته بحسب شهادة أحمد عبد المجيد، والتي سبق إيرادها، لكنها لم تتعمق بسبب إعدامه، وفي ظنى أن سيد لو امتدت به الحياة لغير وعدل في فكره وكتبه كما عدل غالب ما تم انتقاده عليه في الطبعات الأولى من الظلال وغيره، وقريب من ذلك عرضه في أخر حياته المصالحة مع عبد الناصر، راجع سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد لمعرفة المزيد.

[28] - سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، ص 397.

[29] - المصدر السابق، ص 400.

[30] - أيام من حياتي، ص 149.

[31] - يرى محمد قطب أن تنظيم 65 كان فخّا لضرب الشباب المسلم، البوابة السوداء، أحمد رائف، ص 386.

[32] - لماذا أعدموني، ص 61 وما بعدها، ومهمٌّ هنا زيارة مندوب العراق الذي أعجب بالفكر الجديد لسيد قطب، حيث سيأتي صالح سرية لمصر من العراق بعد عدة سنوات.

[33] - سيد قطب والتكفير، ص 117.

[34] - المصدر السابق، ص 41.

[35] - يقول القرضاوي: "حكى ذلك الأخ إبراهيم عبده نفسه حين قال: لما دخلنا المعتقلات سنة 1965 فوجئت -كما فوجئ كثيرون غيري من الإخوان- بفتنة عارمة، تقول بتكفير المسلمين جميعا! وتزعم أن هذا القول مرجعه الأستاذ سيد قطب، أوحى به إلى الذين التقوه في مستشفى طره" سيد قطب والتكفير، ص 125.

[36] - مرشد الإخوان محمد بديع وعضو هيئة الارشاد محمود عزت كانوا ضمن المتهمين بتنظيم 65، الإخوان المسلمون سنوات ما قبل الثورة، حسام تمام، ص 41، بواسطة اختلاف الإسلاميين، أحمد سالم، ص 474. 

[37] - في ترجمته لعبد المجيد الشاذلي كتب رفاعي سرور عن صلة فكر الشاذلي بفكر سيد قطب: "وكان قد سبقها إلى الخروج - أي رسالة حد الإسلام - كتاب "معالم في الطريق" للأستاذ سيد قطب فكانت أوراق "المعالم" و"الحد" كقطرات اللبن للرضيع، حتى أصبح شباب الدعوة الجدد يردّدون عبارات هذه الكتابات بثقة ويقين"، فجعلهم شيئاً واحداً!!

[38] - المصدر السابق، ص 26.

[39] - الحركة الإسلامية من المواجهة إلى المراجعة، ص 27.

[40] - المصدر السابق، ص 29. الاخوان المسلمون الحركة الأم، د عبدالله أبو عزة، ص 209.

[41] - عبد المنعم أبو الفتوح شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر 1970-1984، ص 65.

[42] - تجربتي مع الإخوان من الدعوة إلى التنظيم السري، د اليد عبد الستار، ص 182.

[43] - مِن اعتراف صالح سرية للمحكمة، موسوعة العنف، مختار نوح، ص 119، ويقول سرية في الاعتراف إن دراسة الماجستير كانت في كلية الشريعة أيضا، لكن بعد صفحة من نفس الاعتراف يقول إنه تخرج من كلية التربية! ثم يعود بعد عدة صفحات ليقول إنه درس ماجستير شريعة في جامعة بغداد!!

فهل هذا خطأ من صالح أو هو من طابع الاعتراف في المحكمة؟ الغريب أنه في مقابلة مع ابنه أحمد صالح بموقع محيط ينفي دراسة والده للشريعة ويؤكد أنه خريج تربية! ورسالتاه في الماجستير والدكتوراه مطبوعتان ولا علاقة لهما بالشريعة!

[44] - الموسوعة الفلسطينية، ج 3، ص 2.

[45] - اعترافه بالمحكمة، موسوعة العنف، ص 119. الموسوعة الفلسطينية، ج 3، ص 2.

[46] - صفحات من تاريخ الإخوان المسلمين في العراق، نبذة عن التنظيم العسكري، قصي عبد العزيز فهمي، ص 17، 28، وهو ينقل اعتراف صالح سرية للمحكمة وينسبه لمذكرات صالح سرية! لكن تعليقاته توضح جوانب من الغموض والاضطراب الموجود في اعتراف صالح سرية.

[47] - أمالي السيد طالب الرفاعي، رشيد الخيون، ص 99.

[48] - الحركات الإسلامية في الوطن العربي، إشراف د. عبد الغني عماد، 1/776. عبد العزيز البدري، محمد الآلوسي، ص 69، ويقول الآلوسي إن البدري ابتعد عن الحزب منذ سنة 1956 لكنه لم يعلن ذلك لعدة سنوات.

[49] - صفحات من تاريخ الإخوان المسلمين في العراق، ص 24.

[50] - الحركات الإسلامبة في الوطن العربي، نقلا عن الإسلام السياسي في العراق الملكي، رسول محمد رسول، ص 84.

[51] - في موسوعة العنف: آمر الحزب الجمهوري، وهو خطأ مطبعي واضح من السياق، والصواب آمر الحرس الثوري، وهو ما صحّحه أيضا قصي عبد العزيز في كتابه صفحات من تاريخ الإخوان، ص 34.

[52] - في مقابلة موقع محيط مع ابن صالح سرية يقدم رواية ثانية: أن عضوا بالإخوان اسمه عدنان السعد كان ابن خالته تمرجيا (ممرضا) في مدينة الطب، فحاول إقناعه بالاشتراك في عملية اغتيال صدام حسين وأحمد حسن البكر بدون علم الوالد، وكان هذا الشخص من صفوف حزب البعث، فقال له أنا سوف أقوم بالمهمة لوحدي، لكن أعطني مسدسا وسوف أنهي المسأله، وأوهمه أنه سوف يساعده، وأبلغ عنه صدام حسين شخصياً، وتم إلقاء القبض على عدنان السعد.

[53] - صفحات من تاريخ الإخوان المسلمين في العراق، ص 10، 36.

[54] - الموسوعة الفلسطينية، ج 3، ص 2.

[55] - الفصائل الفلسطينية من النشأة إلى حوارات الهدنة، تحرير: صبحي عسيلة، ص 129.

[56] - موسوعة العنف، ص 120.

[57] - السلفي اليتيم، حازم الأمين، ص 26.

[58] - موسوعة العنف، ص 123.

[59] - موسوعة العنف، اعتراف سرية، ص 127، وشهادة زينب الغزالي، ص 146، حيث تقول زينب إن سرية قدم نفسه لها بصفته عالم حديث، وجاء بعدد من الشخصيات عدة مرات يشهدون له بالتبحر في علم الحديث ولا يوجد ما يدلل على علاقة سرية بعلم الحديث! وإنه كان معجبا بجيفارا كثائر ناجح! وقد اتهمت زينب سرية بالكذب في إحدى إجاباتها على النيابة.

[60] - الإسلام السياسي، ص 186.

[61] - لماذا أعدموني، ص 42.

[62] - سيد قطب والتكفير، ص 26، وانظر أصل كلام صالح سرية في كتاب النبي المسلح، ص 33، وقد عزا كلامه هذا لظلال القرآن!

[63] - متاهة الحاكمية، ص 175، 177.

[64] - الإسلام السياسي، محمد مورو، ص 187.

[65] - النبي المسلح، ص 32.

[66] - الإسلام السياسي في مصر، ص 143.

[67] - الحركات الإسلامية في الوطن العربي، ص 799.

[68] - من النكسة إلى المشنقة، شهادة طلال الأنصاري، تحرير د. عبدالله سرور، ص 101.

[69] - التنظيم والتنظير، عبد المنعم منيب، ص 23.

[70] - من النكسة إلى المشنقة، ص 95.

[71] - موسوعة العنف، شهادة حسن الهلاوي، ص 304.

[72] - تجربتي مع الإخوان، ص 182.

[73] - موسوعة العنف ، ص 164.

[74] - موسوعة العنف، شهادة طلال الأنصاري، ص 172.

[75] - يؤيد هذا الرأي د. محمد مورو، الإسلام السياسي، ص 189.

[76] - مقابل تأكيد الأنصارى لتبعيتهم للإخوان بسذاجة، يأتى النفي المبالغ به لحد رمي الأنصاري بالإفتراء من عبد المنعم أبو الفتوح في شهادته على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر، ص 66.

[77] - موسوعة العنف، ص 112.

[78] - الإسلام السياسي، محمد مورو، ص 186، التنظيم والتنظير، ص 48.

[79] - من النكسة إلى المشنقة شهادة طلال الأنصاري، ص 113.

[80] - الإسلام السياسي، ص 187.

[81] - من النكسة إلى المشنقة، ص 103، الإسلام السياسي، ص 190، الإسلام السياسي في مصر، ص 146.

[82] - من النكسة إلى المشنقة.

[83] - موسوعة العنف، شهادة طلال الأنصاري، ص 174.

[84] - الإسلام السياسي في مصر، ص 140.

[85] - من النكسة إلى المشنقة، ص 98.

[86] - المصدر السابق، ص 113، الإسلام السياسي، ص 191.

[87] - من النكسة إلى المشنقة، ص 113، الإسلام السياسي في مصر، ص 145.

[88] - من النكسة إلى المشنقة، ص 113.

[89] - موسوعة العنف، ص 175.

[90] - المصدر السابق، ص 305.

[91] - المصدر السابق، ص 47.

[92] - المصدر السابق، ص 83 ، 95.

[93] - المصدر السابق، ص 54.

[94] - من النكسة إلى المشنقة، ص 99.

[95] - ينقل صلاح الإمام أنه جاءه شريط من محاكمة سرية فيه قوله للمحكمة إن النيابة ضغطت عليه لتوريط حسين الشافعي باتهامه أنه زعيم التنظيم، مقال له بعنوان "حسين الشافعي قصة مع السادات" على شبكة الإنترنت. 

[96] - مقابلة مع أحمد الرجال على موقع مبتدأ، وقد أصدر الرجال كتاب بعنوان "هاتف الخلافة" ولم أطلع عليه.

[97] - يقول الهلاوي في شهادته بموسوعة العنف ص 304: إن سرية قسّم التنظيم إلى عسكريين يقومون بالانقلاب، ومدنيين لا علاقة لهم بالانقلاب، لكن الوقائع تخالف ذلك! أيضا يقول الهلاوي إنه حين سمع إطلاق النار انسحب بمجموعته لأنهم يؤمنون بثورة بيضاء بلا دماء.

[98] - موسوعة العنف، ص 89.

[99] - المصدر السابق، ص 502.

[100] - من النكسة إلى المشنقة، ص 115.

[101] - موسوعة العنف، ص 150، 172.

[102] - حسام أبو حامد، مقاله: توجيه الدين ضد الدولة والمجتمع.. بين سيد قطب وصالح سِرّية، العربي الجديد، 23/4/2015.

[103] - موسوعة العنف، ص 55.

[104] - مقابلة مع أحمد الرجال في موقع مبتدأ.

[105] - أحمد الرجال، مقال على موقع محيط بعنوان: هاتف الخلافة: شهادتي على أحداث الفنية العسكرية، 19/4/2015.

[106] - موسوعة العنف، ص 307.

[107] - تحدثنا عنها في الحلقة الأولى.

[108] - الإسلام السياسي، ص 195.

[109] - مقابلة مع اليوم السابع، 16/3/2014.

[110] - موسوعة العنف، ص 329.

[111] - الإسلام السياسي، ص 195.

[112] - الحركة الإسلامية من المواجهة إلى المراجعة، ص 31، موسوعة العنف، ص 324.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق