مظلومية أهل السنة في إيران (2) المظلومية السياسية
الأربعاء 26 أبريل 2017

 

 ماجد العباسي – كاتب من عرب فارس

 

خاص بالراصد

مظلومية أهل السنة دستوريًا:

حرمانهم من المشاركة في صياغة دستور البلاد في بداية حكم نظام الخميني: بعد انتصار الثورة على الشاه، والتي شارك فيها أهل السنة، كان جزاؤهم استثناءهم من المشاركة في كتابة الدستور الإيراني الجديد، والذي أسبغ الدستورية على نهج الطائفية الشيعية وتهميش السنة، وقامت حكومة الملالي بفرضه بالحديد والنار.

وقد نصّ هذا الدستور على:

1- أن المذهب الشيعي الإثني عشري هو المذهب الرسمي لإيران.

2- رئيس الجمهورية يجب أن يكون من الشيعة.

3- ولاية الفقيه هي الحاكمة (وهي بدعة جديدة في الفقه الشيعي ولم تكن من قبل، وهي سبب المصائب في إيران باعتراف الشعب الإيراني نفسه).

أعلن أهل السنة رفضهم للبنود الطائفية في هذا الدستور المختلّ لكيلا تعود إيران إلى زمن الصراعات المذهبية والقومية، ولرفع المظالم عن كل طوائف وفئات الشعب الإيراني دون استثناء، فاعترض الأستاذ مفتي زاده وعدد من علماء أهل السنة على المادة الخامسة عشرة بعد المائة، التي توجب أن يكون رئيس الجمهورية شيعي المذهب، والتي تعني تقسيم المواطنين الإيرانيين المسلمين إلى فئتين: مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية، وبات يحق للأول -بحكم مذهبه- أن يكون حاكمًا على الثاني، ولا يحق للثاني -بسبب مذهبه- أن يكون حاكمًا وإن كان إيرانيًا مسلمًا.

إلا أن اعتراض علماء السنة على طائفية الدستور قوبل بالرفض من قبل الخميني، الذي أصرّ على تنصيص المادة 115 وعدة مواد طائفية أخری رافضًا نصيحة بعض مستشاريه الذين نصحوا بتعديلها، وهي المادة التي تسببت فيما بعد بحرمان السنة من تولي كافة المناصب العليا في البلاد.

وحيث أن ولاية الفقيه تعني الحاكمية المطلقة لحدّ التدخل في أركان الشريعة! أي أنه يحق للولي الفقيه أن يحرّم الحلال ويحلّل الحرام عند المصلحة، ويعتبر كل مخالف له كافرًا، وأن يصادر أموال الناس وقتما يشاء، وهذا عين ما ادعاه فرعون، بل أشد.

ولمّا كان أهل السنة وبعضُ مفكري الشيعة وعلمائهم يرفضون هذه الخرافات، ولا يؤمنون بها، فإنهم أعلنوا رفضهم واعتراضهم عليها، فالشيخ عبد العزيز ملا زاده الزعيم الشجاع لأهل السنة صاح في مجلس الشورى ضد إقرار هذه البنود، أما الأستاذ أحمد مفتي زاده فقد انتقد الدستور في جمع كبير من الجامعيين والمسؤولين، وأسمعهم رفض أهل السنة للدستور للطائفي في إيران، وكذلك بعض علماء الشيعة أمثال الطالقاني، الذي صدع بالحق قائلًا: (إن هذا الدستور ليس دستورًا إسلاميًا، إنما هو دستور النفاق)، ولكن هذه الصيحات المحقّة خنقت من قبل الطائفيين المتعصبين، فعندما أرادوا إجراء الاستفتاء على هذا الدستور في إيران حُرم علماء أهل السنة وبعض الشيعة كالطالقاني والمهندس بازركان من المشاركة في الاستفتاء، ومنذ ذلك اليوم رفع الطائفيون شعار "الموت لمناهضي ولاية الفقيه" في وجه أهل السنة -لأن مناهضي ولاية الفقيه من الشيعة كانوا قلة قليلة- وفعلوا بهم الأفاعيل ولا يزالون.

ولم يقتصر موقف أهل السنة على رفض الدستور الطائفي، بل قاموا بتأسيس مجلس الشورى المركزي لأهل السنة عرف اختصار بـ (شمس)، وقد أسسه الشيخ أحمد مفتي زادة والشيخ عبد العزيز البلوشي، واجتمع أول مجلس سنوي لشورى السنة في طهران، وعقد الثاني في بيت الأستاذ مفتي زادة بمدينة كرمانشاه الكردية، حيث كانت دولة الملالى ضعيفة آنذاك ومشغولة بحرب أعدائها المنشقين والمعارضين، لكن دولة الخميني دبرت للأستاذ مفتي زادة بعض التهم الباطلة وأُودع في السجن ظلمًا مع كثير من الأعضاء البارزين في "شمس" من كردستان وبلوشستان ومناطق أخرى.

الحرمان من المناصب السياسية والإدارية:

إن حرمان أهل السنة من المناصب السياسية والإدارية هو القاعدة الأساسية التي تقوم عليها سياسة ملالي طهران، حيث حرموهم حتى من المناصب العليا في الدوائر الحكومية في أقاليمهم ومحافظاتهم ككردستان وبلوشستان وغيرهما، فلا يكاد يوجد أي مسؤول سني رفيع المستوى في الإدارات الحكومية (ما عدا الكهرباء والمياه وما شابه ذلك) بل هو ممنوع بتاتاً، وهذا المنع قائم عملياً برغم عدم وجود قانون فعلي، حتى في الوزارات التي لا تمثل أي أهمية بالنسبة للحكومة، أما الإدارات أو الوزارات المهمة كالداخلية والخارجية والمخابرات وحرس الثورة والتعليم والتجارة والدفاع فإن أهل السنة لا يحلمون حتى بالعمل فيها كموظفين عاديين فضلًا عن شغل المناصب العليا فيها، إذ لم يصل إلى رتبة الوزير أحد من أبناء السنة بعد الثورة، وكذلك لم يشغل منصب السفير ولا المحافظ سني قط بعد الثورة.

عدم التمثيل المناسب في البرلمان والمجالس الحكومية:

إذا أمعنّا النظر إلى وضع المجالس والبرلمان في إيران فإننا نرَ أن البرلمان الإيراني يقوم بحرمان أهل السنة من حقوقهم بالمساواة والعدل، إذ لكل 200 ألف شيعي تقريباً نائب واحد، بينما لكل مليون ونصف سني أو أكثر نائب فقط!!

ومع ذلك فإن عضوية البرلمان لا تتحقق إلا لأفراد قليلين من السنة ترضى عنهم الحكومة الشيعية وليس هم خيار أهل السنة، فمن المعلوم أن البرلمان يتشكل من حوالي 290 مقعدًا، وإذا كان أهل السنة على أقل تقدير لا يقلون عن 25% من تعداد السكان في إيران فإنهم يستحقون 72 مقعدًا على الأقل في البرلمان، ولكنهم حرموا من هذا الحق، حيث لا يوجد لهم إلا بضعة عشر نائبًا، وليس لهم أي وزن في البرلمان، بل ويستغل الشيعة وجودهم لأهدافهم السياسية بما يتنافى مع مصالح أهل السنة الحقيقية ويعرّض حقوقهم لمزيد من الخطر والضياع، وكذلك فإن الشخص المنتخب في البرلمان والذي يطالب بحقوق أهل السنة المساكين لا يمكن أن يستمر أكثر من دورة واحدة في الانتخاب ثم يتابع بعد ذلك بالقضاء عليه وتعذيبه وإهانته كما فعلوا مع الشيخ نذر محمد البلوشي الذي ألقي القبض عليه وعذب في سجون الحكومة الإيرانية، أو يحرم من الترشح مرة أخرى كالدكتور جلالي زاده الكردي، والكثير من المراقبين يرون أن استشهاد المندوب الشجاع مسعود هاشم زهي مكيدة مدبرة.

أما مجالس البلديات -بعد تنفيذها لأول مرة في عهد خاتمي- فوجئوا بنجاح الأغلبية الكاسحة من مرشحي أهل السنة في المناطق السنية، فلجأوا للضغط على الناجحين للتنازل طواعية أو يسقط بالتزوير كما حدث في بندر عباس.

أما باقي المجالس كمجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام فلم يعيّن فيهما سني واحد، وأما مجلس الخبراء فقد يعين فيه سني موال للحكومة الإيرانية ولا شعبية له في أغلب الأحيان لدى أهل السنة وهو كذلك ليس له أدنى تأثير في القرارات الصادرة في المجلس.

حرمان أهل السنة من حقوقهم الدستورية من السلطات الحكومية:

أهل السنة يعانون من جريمة حرمانهم من حقوقهم الدستورية مثل حريّتهم في أداء واحترام شعائرهم الدينية، وحقهم في إدارة التعليم الخاص بهم، وتشكيل المؤسسات والهيئات المختلفة، والفارق بين أهل السنة والطوائف والأقليات الأخرى في إيران أن حقوقهم لا تتجاوز الحبر على الورق، بينما حقوق اليهود والنصارى والزرادشت تجد كل عناية وتقدير من حكومة الملالي!!

الاحترام وحرية أداء المراسم والشعائر الخاصة: حيث نصت المادة (12) من الدستور على أن: "الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الاثني عشري، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير، وأما المذاهب الإسلامية الأخرى والتي تضم المذهب الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي والزيدي فإنها تتمتع باحترام كامل، وأتباع هذه المذاهب أحرار في أداء مراسمهم المذهبية حسب فقههم، ولهذه المذاهب الاعتبار الرسمي في مسائل التعليم والتربية الدينية والأحوال الشخصية، وما يتعلق بها من دعاوى من المحاكم، وفي كل منطقة يتمتع أتباع أحد هذه المذاهب بالأكثرية، وعليه فإن الأحكام المحلية لتلك المنطقة -في حدود صلاحيات مجالس الشورى المحلية- تكون وفق ذلك المذهب، هذا مع الحفاظ على حقوق أتباع المذاهب الأخرى".

حرية استخدام اللغات الخاصة: حيث نصت المادة (15) على أن: "اللغة والكتابة الرسمية والمشتركة؛ هي الفارسية لشعب إيران، فيجب أن تكون الوثائق والمراسلات والنصوص الرسمية والكتب الدراسية بهذه اللغة والكتابة، ولكن يجوز استعمال اللغات المحلية والقومية الأخرى في مجال الصحافة ووسائل الإعلام العامة، وتدريس آدابها في المدارس إلى جانب اللغة الفارسية".

كما نصت المادة (16) على ما يلي: "بما أن لغة القران والعلوم والمعارف الإسلامية العربية، وأن الأدب الفارسي ممتزج معها بشكل كامل، لذا يجب تدريس هذه اللغة بعد المرحلة الابتدائية حتى نهاية المرحلة الثانوية في جميع الصفوف والاختصاصات الدراسية".

حرية تشكيل التنظيمات والهيئات المختلفة: حيث تنص المادة (26) على أن: "الأحزاب والجمعيات والهيئات السياسية والاتحادات المهنية والهيئات الإسلامية والأقليات الدينية المعترف بها تتمتع بالحرية بشرط ألا تناقض أسس الاستقلال والحرية والوحدة الوطنية والقيَم الإسلامية، كما أنه لا يمكن منع شخص من الاشتراك فيها أو إجباره على الاشتراك في أحدها".

كيفية ترشيح رئيس الجمهورية: تنص المادة (115) على أن: "يُنتخب رئيس الجمهورية من بين الرجال المتدينين السياسيين الذين تتوفر فيهم الشروط التالية:

1- أن يكون إيراني الأصل ويحمل الجنسية الإيرانية.

2- قديرًا في مجالس الإدارة والتدبير.

3- حسن السيرة.

4- تتوفر فيه الأمانة والتقوى.  

5- مؤمنًا ومعتقدًا بمبادئ جمهورية إيران الإسلامية والمذهب الرسمي للبلاد".

لكن الواقع هو أن أهل السنة محرومون من كل هذه الحقوق الدستورية، فلا وجود لحرية أداء شعائرهم الدينية، فمساجدهم تهدم وتغلق، وأما حقهم في إدارة التعليم الخاص بهم لا واقع له مع منع مدارسهم وتجريم من يقوم بذلك، وهم ممنوعون من تشكيل مؤسساتهم وهيئاتهم المختلفة بشكل مستقل وحر، والفارق بين أهل السنة والطوائف والأقليات الأخرى في إيران أن حقوقهم لا تتجاوز الحبر على الورق، بينما حقوق اليهود والنصارى والزرادشت تجد عناية أكثر من حكومة الملالي!!

وبالقراءة الدقيقة للنصوص الدستورية التي تركز على ترسيخ التشيع في الدستور وإيران، نجد أنها تقيم حالة من الصدام والصراع مع قسم كبير من الشعب (يمثله أهل السنة) وخاصة أنها سوف توجه التصرفات الحكومية وتعطيها غطاء من المحاسبة نظرًا لأن المذهب الجعفري يُسقط كل المذاهب الإسلامية الأخرى ولا يقيم لها وزنًا، وتركيز هذه الصبغة الطائفية في الدستور الإيراني يتكرر في مواد أخرى متعلقة مثلًا بمجلس الشورى أو الجيش وقسَم الرئيس، وهذا القلق في الدستور تجاه الهوية الطائفية من خلال تكرار النص على المذهب الشيعي هو في الحقيقة خوف من المستقبل الذي لا يكون فيه الملالي على رأس النظام الإيراني. 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق