خديعة الممانعة الإيرانية حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (8) مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط وتحديات المجال السني: قراءة في تقرير مؤسسة راند سياسة إيران تجاه دول الجوار ثورات الخوارج (14) أمرٌ ما لَهُ غير المهلّب! قالوا - العدد مائة وأربعة وسبعون - ربيع الأول - 1439 هـ الأردن وإيران: أين المشكلة لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ أين نسخة صحيح البخاري؟ مظلومية أهل السنة في إيران (6) اعتداء نظام الملالي على المساجد والمدارس الدينية التدين والإلحاد في استطلاعات الرأي التنمية.. سلاح لمحاصرة «داعش أفريقيا» العودة إلى ما بعد اغتيال الحريري وماقبل حرب 2006: سلاح حزب الله القرارات السعودية تربك النظام الإيراني بعد المعونات الإيرانية هل تنحاز الفصائل الفلسطينية إلى محور إيران في أي حرب مقبلة ؟؟؟ بوتين!! من أين لك هذه الجرأة؟ بين لبنان والسعودية... إنه اليمن يا عزيزي تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي حسابات متداخلة: أزمات متعددة في مواجهة أحمدي نجاد كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟ التداعيات الأمنية للعقوبات الأمريكية على حزب الله من يكتب تاريخ البحرين؟! هل رهنت تركيا دورها في العراق بالنفوذ الإيراني؟ يحيى الحوثي... محاضراً! محمد المنتصر الإزيرق.. نفخ الروح في التصوف السوداني خرافة المظلومية الشيعية في العراق (1) زمن الدولة العثمانية
 
التصوف السوداني وزيارات أئمة الحرمين.. صلاح البدير في سِنّار نموذجاً
الأربعاء 26 أبريل 2017

 

 د. محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

خاص بالراصد

مقدمة:

لم يكن اختيار مدينة سِنَّار السودانية عاصمةً للثقافة الإسلاميةِ لعام 2017م عن المنطقة العربية من بابِ المصادفةِ، فقد مثَّل قيام مملكة سنَّار الإسلامية (1504م-1821م) على أنقاض مملكة سُوبا المسيحية في السودان آنذاك؛ علامةً مضيئةً في رفعِ رايةِ الإسلامِ والحفاظِ على الموروثِ الإسلامي بعد سقوطِ دولةِ الأندلسِ عام 1492م، ونقطة تحوّل وفاصلة حضارية مهمة بدلالاتها الفكرية والثقافية في اتجاه تكوين المجتمع السوداني الجديد، فقد كان قيام هذه الدولة الإسلامية بعد سقوط الأندلس مباشرة، رسالة واضحة أن إفريقيا تفتح ذراعيها للإسلام، بينما تطارده أوروبا بمحاكم التفتيش، واستمرت سِنار ترفعُ هذه الرايةَ لأكثرَ من ثلاثمائةِ عام.

ومن ثم أصبحت سنار بموقعِها الجغرافيِّ في صدرِ السودانِ وبتركيبتِها السكانيةِ التي استوعبت جُلَّ الأعراقِ السودانيةِ عنواناً للبلادِ ومركزاً مهماً للإشعاعِ الثقافيِّ والإسلاميِّ في أفريقيا، كما جسَّدت التّمازجَ العرقي والثقافي في ظلِ روح التسامح الإسلامي، بل وصارت دلالة هذا الاسم تنسحب على كل أنحاء السودان، فأشارت المصادر التاريخية إلى الأوقاف السِنارية في المدينة المنورة، ورواق السنَّارية في الأزهر، والقافلة السنَّارية في طريق القوافل التجارية، وكل تلك الإشارات تدل على عموم السودان، بل عُرِفَ أهل سودان وادي النيل في الحجاز والعالم الإسلامي في عهد مملكة سنَّار بالسِنَّارية؛ أو السنانير، وقد اقترح في فجر استقلال السودان اسم سِنَّار للدلالة على السودان الوليد، إلا أن الرئيس إسماعيل الأزهري فضل اسم "السودان" الذي عُرِفت به البلاد منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

صارت مملكة سِنار أو السلطنة الزرقاء أكبر نطاق جغرافي متحد في وادي النيل الأوسط منذ مملكة مروي القديمة، وصارت العاصمة سِنَّار مدينة لا يستهان بها، لها علاقات مع معظم إفريقيا وأجزاء من بلاد آسيا مثل الجزيرة العربية والهند وبنغلاديش، وأصبحت قوة ضاربة لنشر الإسلام والعلم في البلاد، كما استفادت من التراث المعماري لدى سكان الشمال، الموغل في التاريخ إلى الحضارات القديمة في نبته ومروي، وعمِّرت الديار عماراً عظيماً حتى أصبحت وجهة مقصودة من كل الجهات، وصارت من كبرى مدن إفريقيا كما ذكر ذلك كثير من الرحالة الأوربيين، وغيرهم.

وجاء اختيار سِنَّار عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2017م، بمثابة إضافة حقيقية للرصيد التاريخي والثقافي للأمة السودانية، وامتداداً طبيعياً للدور الذي ظل يضطلع به السودان في الحفاظ على الثقافة الإسلامية على مدى التاريخ، وتُعد هذه الفعالية فرصة لإبراز الدور الحضاري لهذه المدينة والتعريف بها ومؤهلاتها، وضمن هذا الإطار جاءت زيارة الشيخ الدكتور صلاح بن محمد البدير، إمام وخطيب المسجد النبوي، وقاضي محكمة الاستئناف بالمملكة للمشاركة في افتتاح فعاليات سِنار عاصمة الثقافة الإسلامية ٢٠١٧م، وإلقاء خطبة الجمعة في مسجد مدينة سِنار العتيق، حيث حضر الشيخ افتتاح الفعالية بحضور النائب الأول لرئيس جمهورية السودان رئيس مجلس الوزراء، الفريق أول بكري حسن صالح، ود. عبد العزيز التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (أيسيسكو)، ود. عصام البشير، رئيس مجمع الفقه الإسلامي السوداني، وعدد من الوزراء، ووالي سنار الأستاذ الضو الماحي، وعدد من وفود الدول الإسلامية والعربية.

الفريق أول بكري حسن صالح شكَرَ تشريف إمام الحرم المدني ومدير المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم وكل ضيوف البلاد من شتى أنحاء العالم لهذه الفعالية، وقال إن السلطنة الزرقاء كانت أقدم دولة إسلامية في شرق إفريقيا، وأول دولة إسلامية كاملة النسق شكلت سودان اليوم، وأضاف أن سنار هى ذخيرة تاريخية فى الحكم والإدارة والتعدد الثقافي والوسطية، بينما أكد الدكتور التويجري أن اختيار العواصم الثقافية يخضع لمعايير دقيقة، مؤكدا أن سنار من الحواضر العريقة ذات الحضور الفاعل في السودان.

يناقش هذا المقال محتوى خطبة الجمعة المثيرة للجدل، التي ألقاها الشيخ البدير في مسجد سِنّار العتيق، والأثر الذي تركته خطبة البدير على مجتمع مدينة سِنّار وما جاورها، والسودان عامة، وبرنامج عاصمة الثقافة الإسلامية، كما يناقش المقال البيانات التي صدرت من جهات وقيادات الصوفية ضد خطبة البدير، وهل وجدت تعاطفا شعبيا أو حكوميا أم أنها مجرد فرفرة مذبوح؟ كما يتطرق لموقف الحكومة من خطبة الشيخ البدير وتغاضيها عن محتواها، وهل يمثل ذلك تراجعا حكوميا عن دعم التصوف؟ وهل هناك تراجع أم تقدم في حجم الوجود الصوفي في السودان؟

خطبة البدير في سِنّار:

خطبة إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ صلاح البدير في مسجد مدينة سنار العتيق كانت في نفس يوم انطلاق فعاليات سنار عاصمة للثقافة الإسلامية، حيث ألقى خطبتي الجمعة وصلّى بالجموع التي شهدت الفعالية، ورأى المواطنون أن مشاركة إمام الحرم المدني، وإمامته للمصلين في صلاة الجمعة بمسجد سنار العتيق هي أبرز ميزات هذه الفعالية، حيث شهدت مدينة سنار وساحات مسجدها العتيق حضورا غير مسبوق، حيث اصطف المصلون في كل المساحات بالداخل والخارج، وحول المسجد، وتراصّت الصفوف متجاوزة المكان المحيط بالمسجد لمسافات بعيدة، حيث توافد المواطنون من قرى ومدن سنار، بجانب مواطنين من ولايات الجزيرة والنيل الأزرق والنيل الأبيض والخرطوم، لصلاة الجمعة في منظر مهيب وغير مسبوق في تاريخ المنطقة، حيث اصطفت الجماهير الغفيرة من الشباب والشيوخ والنساء والأطفال، وكان الكل يتزاحم من أجل الحصول على موقع يستمع منه لخطبة إمام الحرم النبوي، فكانت هذه الخطبة حدثا سجله التاريخ في مدينة سنار العتيقة.

تركزت خطبة الشيخ البدير في الدعوة لاتّباع ما ورد بالقران الكريم والسنة النبوية الشريفة، حيث قال: أيها المسلمون: أحصن الجُنة لزومُ الكتاب والسنة على نهج سلف الأمة؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي" أخرجه الحاكم، وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "لن تضِلَّ ما أخذت بالأثر".

وتضمنت الخطبة نقدا لاذعا للتعلق بغير الله، حيث ذكر البدير أنه: "من البدع العظيمة والآفات الشنيعة تعلّق بعض المسلمين بالأضرحة والأموات، يستغيثون بهم ويدعونهم وينادونهم من دون الله، ويسألونهم كشف الكربات ودفع البليات.. ففي العالم الإسلامي قبور تُحج وتُقصد ويُذبح لها ويُسجد ويُعفر عندها الوجه والخد، ويُطلب منها العون والمد والغوث والنهد، أفعال تناقض دين نبينا وسيدنا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-.. فيا سبحان الله.. كيف أوجبوا لها الشركة في العبادة، وهي لا تملك نفعاً ولا ضراً ولا تجلب خيراً ولا تدفع شراً   (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير [فاطر: 13 – 14]، (قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً) [الإسراء: 56].

ودعا الشيخ البدير المصلين خلال خطبته إلى أن يكون الولاء لله وحده، داعيا إلى الجماعة ونبذ الفرقة، داعيا إلى وحدة الكلمة وجمع الصف والاعتصام بحبل الله، قائلا: كم من وطن اختلف أهله وافتتن ناسه لم يكسب سوى الشتات والفتنة، وأن يكون الناس خلف إمامهم، داعيا إلى مواصلة الأرحام، مؤكدا قوة الإسلام مهما تكالب الأعداء عليه، داعيا إلى تطبيق شرائع الله والتعايش بسلام وحسن المعاملة والتعافي والصفح لوجه الله تعالى وأن يقبل كل منا عذر الآخر، وأوصى بتقوى الله والابتعاد عن الغش والغيبة والنميمة، ودعا جماهير السودانيين للالتفاف حول قيادتهم، موضحا أن ذلك سيفوّت الفرص على المتربصين والأعداء، ويزيد في الأمن والرخاء، داعيا الله أن يحفظ السودان من كل سوء وسائرَ بلاد المسلمين.

وعقب صلاة الجمعة تحدث الداعية المعروف الدكتور عصام البشير، رئيس مجمع الفقه الإسلامي السوداني، ووزير الأوقاف الأسبق مؤكدا أن سنار تعتبر مثالاً لتحقيق التسامح والتصالح بين المكونات وصهرها في بوتقة واحدة، مبيناً أن سنار عاشت مبدأ التنوع في إطار الوحدة وقدمت نموذجاً للسلم الاجتماعي، محققة التعايش في أبهى صوره. ودعا إلى حقن الدماء واستلهام التجربة السنارية في التعايش، لافتا إلى أن الأمم التي لا تعرف ماضيها لن تستطيع معايشة حاضرها. وأشار د. البشير إلى دور سنار في تخريج الأئمة والفقهاء في أصول الشريعة، معرباً عن سعادته بحضور إمام الحرم المدني هذا الاجتماع المبارك.

أثر خطبة البدير على مجتمع سِنّار وما جاورها:

تركت خطبة الشيخ البدير أثرا بالغا على مجتمع مدينة سِنّار وما جاورها والسودان عامة، وكانت هذه الخطبة ومحتواها العلمي حدثا سجله التاريخ في مدينة سنار.

وكان التفاعل مع الخطبة ومحتواها هو السمة الغالبة لجموع المواطنين، حيث عبّروا عن تقديرهم لعلم الشيخ البدير ونصائحه القيمة التي استدل عليها من الكتاب والسنة، ولم يخالف المنهج النبوي الذي يخطب به في منبر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، وأكد كثير من المواطنين أنهم سيراجعون كثيرا من مواقفهم وفق ما جاء في خطبة إمام المسجد النبوي.

الجهة الوحيدة التي تململت من الخطبة هي بعض قيادات التصوف في المنطقة والسودان، وسبب غضب هؤلاء يعود إلى أن إمام الحرم المدني دعا إلى الحفاظ على جناب التوحيد بعيدا عن عبادة القبور ودعاء الموتى، وهو ما يتعارض مع أسس المنهج الصوفي القائم على الاعتقاد في الأموات، ونهج القوم الذين ستنقطع عنهم أبواب الرزق الذي انفتح عليهم من سدانة القباب والأضرحة والمقامات والبيانات وصناديق النذور التي استغلوا فيها البسطاء؛ فسلبوا أموالهم واستولوا على ممتلكاتهم. 

ردود فعل الصوفية على خطبة البدير:

اتسمت معظم ردود فعل زعامات الصوفية على زيارة الشيخ البدير وخطبته بالسلبية والحدّة والشدة والهجوم اللاذع؛ فتحْت عنوان: "سنار عاصمة الثقافة الإسلامية للعام 2017م، نور علم أم نار فتنة؟"، كتب محمد حسن الفاتح قريب الله شيخ الطريقة السمانية على موقع المجمع الصوفي العام على الإنترنت قائلا: إن من أهم وأوضح المعالم الإسلامية السنارية هو الأثر الصوفي، ووصف خطبة البدير بأنها إساءة للسودان والسودانيين، وأنه استغل أجواء الحرية التي قدمت له، ولم يراجع خطبته، فأحرج من قدموا له الدعوة وأكرموه باعتلاء المنبر، بل سفّه وسخِر من عقائد السودانيين وتاريخهم.

واعتبر قريب الله خطبة البدير بأنها عبّرت عن جهل الخطيب بمواضيع الساعة التي تعاني منها الأمة الإسلامية، كما عبرت –بزعمه- عن جهله بالسودان وتاريخ الإسلام فيه، وبمعاني البدعة والضلالة والتميمة، وأدلّة زيارة الصالحين ومسائل تتعلق بالحلف المحرم والمكروه والجائز، وقال: "نحن على استعداد لتنظيم دورات تربوية وتعليمية له ولأمثاله ليعرفوا دينهم وأساليب الدعوة له في مسايد ومساجد السودان المنتشرة، وبسند من علماء أتقياء حافظين متقنين للمتون والفنون".

ودعا قريب الله في مقاله المملكة العربية السعودية لإزاحة الشيخ البدير وأمثاله عن المنابر واختيار دعاة الإسلام الحقيقي الوسطي من كافة أنحاء العالم الإسلامي، ودعا جميع مكونات المجتمع السوداني لإعلان استنكارهم وشجبهم للإهانة البالغة التي تعرض لها الشعب السوداني من الشيخ البدير حيث تم الطعن في عقيدته وحضارته وتاريخه، وطالب المجمع الصوفي العام والمجلس الأعلى للتصوف ومشائخه لأن يعبروا عن احتجاجهم وعدم رضاهم عن هذه الإهانات التعريضية والصريحة لعقائدهم السمحة وتاريخهم الناصع المشرف بالأسلوب المعهود فيهم علما وأدبا وسلما، حتى لا تتكرر ظاهرة استباحة منابرنا ليعتليها من لا يستحق ولا يحترمنا.

وكتب أحد الصوفية مقالا قال فيه: (لا بد أن ننظر إلى الفكر الوهابي بأنه دخيل على بلادنا وليس جزءاً من مكوّنات مجتمعنا المعروفة للقاصي والداني، وقد استغلوا المنابر لتضييع الهوية السودانية والقضاء على مكونات ومرتكزات المجتمع، مستغلين في ذلك العمل الإنساني عبر المنظمات والجمعيات، وكذلك التحالف السياسي، وكما أغلقت مراكز الشيعة الثقافية لا بد من حملة شاملة نسميها حملة التحصين والوقاية ضد الشلل الفكري الوهابي). وقال إن المجمع الصوفي العام ينظر إلى الوهابية والشيعة على أنهما سواء في البغي والعدوان والتطرف – حسب زعمه-.

كما أصدر المجمع الصوفي العام بيانا نشره على موقعه في الفيس بوك ونشره في بعض الصحف السودانية، جاء فيه : (إن المجمع الصوفي العام ليستنكر بشدة ويرفض رفضاً باتاً ما جاء من (سخف) في خطبة (الوهابي السعودي المدعو صلاح البدير)، والتي ألقاها بمسجد سنار العتيق في افتتاح مشروع سنار عاصمة الثقافة الإسلامية 2017م ، ويدين المجمع ما تفوّه به الرجل من ألفاظ التبديع والتشريك والتضليل التي أطلقها على القوم، داعياً إياهم في صلف واستعلاء إلى عدم زيارة أضرحة الصالحين والتبرك بهم، ونهاهم عن لبس الحجاب واصفاً تلك المسائل بأنها من الشركيات.

ووصف البيان خطبة البدير بأنها تثير الفتنة وتشقّ عصا جماعة المسلمين في السودان، وأن خطابه ينمُّ عن جهل بهوية المجتمع السوداني المُوحّد أصالة، والمتصوف سلوكاً والمتسامح أخلاقاً، ووصف البيان سنار بأنها عاصمة التصوف، ومركز للكثير من البيوتات الصوفية العريقة ومعالمها أضرحة الصالحين. وألقى البيان باللوم على الجهة المنظمة لهذه الفعالية باستجلابها لهذا (الوهابي) ليوجه إساءاته لأهل الإسلام في السودان، وطالب البيان الشيخ البدير والجهة المنظمة للفعالية بالاعتذار فوراً للشعب السوداني الذي - بزعم البيان- يمثل الصوفيةُ غالبيته الغالبة التي أساء إليها البدير، ووجه البيان رسالته للحكومة بأن الإساءات قد تكاثرت على الصوفية والاستعداء بات واضحاً جلياً، محذرا من التمادي في هذا السلوك الذي يؤدي حتماً إلى الفتنة وإثارة النعرات ويؤلب النفوس، مما قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه – حسب نصّ البيان- .

وقد كُتبت عدد من الردود على بيان المجمع الصوفي، منها رد عمر حسن بعنوان: الرد المنصف على بيان المجمع الصوفي المجحف، الذي وصف بيان المجمع الصوفي بضعف الأسلوب، كما أنه جاء مليئا بالسباب والشتم وقبيح القول، والتهجم والمهاترة وتعظيم القباب والأضرحة والتهييج على ولاة الأمر، حتى نزل إلى حضيض المن والأذى بما سلف من إحسان دولة سنار إلى الحجاز في زمانها، ولم يشتمل بيان المجمع الصوفي على آية واحدة، ولا حديث ولا أثر عن صحابي ولا كلمة عن إمام، ولا قول لعالم في أي عصر من عصور الإسلام، بينما اشتملت خطبة الشيخ البدير على ثماني آيات من الذكر الحكيم، واثنين وعشرين حديثا نبويا، وخمسة آثار عن الصحابة رضي الله عنهم، وخمسة أقوال من أقوال الأئمة وعلماء الإسلام.

الحكومة والموقف من زيارة الشيخ البدير وخطبته:

من الواضح الرضا الحكومي عن زيارة الشيخ البدير، فالحكومة هي التي دعت الشيخ وكرّمته، واستقبله وزير الثقافة في مطار الخرطوم، وحضر النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء خطبته ولم يعترض على محتواها، سواء بشكل مباشر أو ببيان، كما لم يصدر من الحكومة أي موقف ضد الزيارة أو الخطبة، بل وجد الشيخ البدير الترحيب والتكريم في كل الجهات التي حلّ فيها داخل السودان.

كما استقبل الرئيس السوداني عمر البشير الشيخ البدير ومرافقيه في بيت الضيافة بالعاصمة الخرطوم، ورحّب بالشيخ البدير ومرافقيه في بلدهم وبين إخوانهم الذين يحبونهم ويحبون المملكة العربية السعودية بلاد الحرمين الشريفين، ويكنون لقيادتها كل تقدير واحترام، وأكد على أهمية وحدة الأمة العربية والإسلامية لمجابهة التحديات التي تواجهها، مؤكداً على الدور القيادي للمملكة.

وشكر الشيخ البدير الرئيس البشير على الاستقبال وكرم الضيافة في بلدهم الثاني ولأصحاب المعالي والفضيلة والشعب السوداني الذين استقبلوه والوفد المرافق معه خلال حضور فعاليات سنار عاصمة الثقافة الإسلامية 2017 وخطبه وكلماته في عدد من المساجد والملتقيات والجمعيات.

من جهة أخرى، زار الشيخ مجمع الفقه الإسلامي، الذي يتبع لرئاسة الجمهورية، حيث التقى برئيس المجمع د. عصام البشير وقيادات وأعضاء المجمع، واستمع لشرح عن دور المجمع ومهامه وما يقدمه من عمل عظيم في الأمور الشرعية عبر لجانه ومجالسه، وما يلقاه المجمع من دعم ومسانده من الرئيس السوداني، ممّا حقق نقلة نوعية في خدمة المجتمع والمصالح العامة، وفي ختام الزيارة تم تكريم إمام الحرم النبوي الشريف بدرع المجمع الفقهي.

ومما يكشف عن رضا المواطنين ورضا الحكومة عن زيارة الشيخ البدير تكريم وزير الثقافة السوداني الطيب حسن بدوي للشيخ البدير بإهدائه مصحفا مكتوبا بخط اليد، يعود تاريخه إلى 150 عاماً، إضافة إلى بعض الهدايا الأخرى.

 من الملاحظات التي توضح تدهور علاقة الحكومة بالصوفية ما قاله بعض قيادات الصوفية حول اختيار الحكومة للشيخ البدير وتساؤلهم: لماذا وقع الاختيار على هذا الرجل؟ وهل للعلاقة السياسية مع السعودية دور فى غضّ الطرف عن (الشذوذ الوهابى)، باعتبار أن (الرياض وآل سعود) هم رعاة هذه المجموعة التى تسعى بكل جهدها للنيل من المسلمين، والوقوف حربا عليهم ومناهضة لوحدتهم؟، وقال كذلك: ليْتهم إذ أتوا بشخص حجازي أحسنوا الاختيار، وفى بلاد الحرمين العديد من الصالحين ممن لا يؤمنون بالتطرف ولا يدعمونه، بل فيهم أقطاب من التصوف ورجالات التربية والسلوك قامات، لو جاء أحدهم لكان ذلك أمرا مفهوما، لكنها العلاقة مع السعودية ونفوذ تلامذة ابن تيمية هي التي تفسد علينا كل مشروع، نريده أن يسير بعيدا عن مسارات الفتنة والتطرف – حسب زعمه-.

الموقف الحكومي الوحيد المساند لتيار بعض قيادات التصوف ضد زيارة إمام الحرم النبوي هو موقف وزير الإرشاد والأوقاف عمار ميرغني حسين، وهو صوفي ينتمي للطريقة الختمية، ووصل إلى هذا المنصب عبر محاصصة سياسية عبر حزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، وهو حزب الطريقة الختمية، حيث أكد في تصريحات صحفية دور الصوفية والتصوف في نشر الإسلام فى ربوع السودان، مشيرا الى أهمية قيام ندوة  كبرى عن التصوف بمسجد سنار العتيق، وتكريم رموز التصوف، تحت رعاية الجمعيات والمنظمات التي تعمل في نشر التصوف، وهو يقصد هنا المجمع الصوفي العام ومجلس علماء التصوف والطرق الصوفية.

خاتمة:

من الواضح أن بيانات الصوفية ومواقفهم المتشنجة من زيارة البدير وأثرها الكبير على البلاد تشكل خطرا على المجتمع والسلم الاجتماعي، لأنها تغرس التهييج وغلو الشباب على كل من يخالفهم في فكرهم، حيث طالب مراقبون عقلاء التصوف أن يردوا هؤلاء إلى رشدهم، وإيقاف تصرفاتهم الطائشة، ولا سيما أن الإساءة إلى مشايخ فضلاء كمشايخ الحرم المكي والمدني، يسيء إلى السودان نفسه، الذي ظل يحتفي بالعلماء ويستضيفهم لتعليم الناس أمور دينهم، والتشاور معهم في أمر الدعوة الإسلامية في العالم، بما يحقق منهج الوسطية والاعتدال، والقضاء على مناهج التكفير والغلو والضلال.

كما يتضح أن الفئة من الصوفية التي تقف ضد زيارات أئمة الحرمين الشريفين هي فئة قليلة، حيث هناك عقلاء من المتصوفة لم تصدر عنهم أي إساءات أو إشارات سلبية لمن يخالفونهم من الجماعات والفرق الأخرى، وتعايشوا معهم في أمن وأمان لأزمان طويلة، كما أنهم يجلّون ويقدّرون أئمة الحرمين الشريفين، فهم محل حفاوتهم وتكريمهم، ومن ذلك الموقف المشرّف للشيخ الصوفي عبد الوهاب الكباشي خلال استقباله لإمام الحرم المكي الشيخ خالد الغامدي قبل شهور بقريته وتقبل كلامه، بجانب استضافته المتكررة للعلماء والدعاة السودانيين.

من المؤكد أن اتساع المد السني في السودان من خلال آلاف المساجد والمنابر قد ملأ بعض دعاة التصوّف خوفا من تضعضع نفوذهم القديم ومصالحهم المالية، وساهم في التراجع الكبير وسط السودانيين من الانتماء للتصوف، كما أن المعلومات التاريخية التي تبيّن كيف دخل الإسلام للسودان ومن الذي أدخله، تؤكد كذب زعم الصوفية بأنهم هم من أدخل الإسلام للسودان، حيث لا يجادل أحد في أن الإسلام دخل السودان منذ عهد الصحابة الكرام – رضي الله عنهم، حيث وصل الصحابي عبد الله بن سعد بن أبي السرح، رضي الله عنه، إلى دنقلا في شمال السودان عام 31 هـ، كما اشتهر وجود أحد السودانيين من أئمة التابعين، وهو يزيد بن أبي حبيب الدنقلاوي رحمه الله.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق