الاستفتاء الشعبي ومسألة الانقسام
الأربعاء 26 أبريل 2017

 إسماعيل ياشا – أخبار تركيا 24/4/2017

 

تحدث كثير من الكتاب والمحللين عن انقسام الشعب التركي وخطورة تداعياته، في تعليقاتهم على نتائج الاستفتاء الشعبي الذي أجري في تركيا في السادس عشر من الشهر الجاري، لأن نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية جاءت متقاربة، حيث لم تتجاوز نسبة الأصوات المؤيدة للتعديلات الدستورية 51.41 بالمائة فيما بلغت نسبة الأصوات الرافضة لها 48.59 بالمائة، وفقا للنتائج الرسمية التي أعلنتها اللجنة العليا للانتخابات.

تقارب التنائج في الانتخابات أو الاستفتاء الشعبي يحدث كثيرا في الأنظمة الديمقراطية، وسبق أن شاهد العالم أمثلته في دول مختلفة. ولعل أقرب مثال له الاستفتاء الشعبي الذي أجري في بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي أو البقاء فيه، وكذلك انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة.

في بريطانيا، صوت 51.89 بالمائة من الناخبين لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي، في مقابل تصويت 48.11 بالمائة منهم لصالح بقاء بريطانيا في الاتحاد. وأعلن الجميع، بمن فيهم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والمسؤولون الأوروبيون، احترامهم لقرار الشعب البريطاني. ومهما كانت النتيجة صادمة لما يقارب نصف الشعب البريطاني الذي صوت لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي فإن بريطانيا تواصل طريقها نحو الخروج من الاتحاد بناء على تلك النتائج.

وأما في الولايات المتحدة، فكانت الأصوات الشعبية التي حصل عليها مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية أقل من الأصوات الشعبية التي حصلت عليها مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون. وكان الفارق بينهما حوالي 3 ملايين، إلا أن المرشح الجمهوري هو الذي انتخب رئيسا، لأنه حصل على 306 من الأصوات الانتخابية، في مقابل حصول منافسته على 232 صوتا انتخابيا. وبناء على النظام الانتخابي الأمريكي أصبح ترامب رئيسا للولايات المتحدة، على الرغم من أن عدد الناخبين الذين صوتوا له كان أقل من عدد الناخبين المصوتين لصالح كيلينتون.

الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما حصل في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 2008 على 52.9 بالمائة من الأصوات الشعبية، في مقابل حصول منافسه الجمهوري جون ماكين على 45.7 بالمائة منها. وأما في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 2012 فحصل على 51.1 بالمائة من الأصوات الشعبية، فيما حصل منافسه الجمهوري ميت رومني على 47.2 بالمائة منها. ومع ذلك احترم الجميع قواعد اللعبة الديمقراطية وتلك النتائج، ولم يتحدث أحد عن خطورة انقسام الشعب الأمريكي وتداعياته.

وفي فرنسا، حصل مرشح الحزب الاشتراكي فرنسوا هولاند في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية التي أجريت في 2012 على 51.64 من أصوات الناخبين، فيما حصل فيها منافسه الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي على 48.36 بالمائة من الأصوات. وبناء على هذه النتائج، أصبح هولاند رئيسا للجمهورية الفرنسية. وعلى الرغم من تراجع شعبيته إلى حوالي 30 بالمائة حكم هولاند فرنسا لمدة أربع سنوات حتى تنتهي ولايته. ومن المضحك أن الرئيس الفرنسي، على الرغم من فوزه في الانتخابات الرئاسية بفارق ضئيل، قال في تعليقه على نتائج الاستفتاء الشعبي الذي أجري الأحد قبل الماضي في تركيا، إن النتائج تشير إلى انقسام الشعب التركي حول التعديلات الدستورية ودعا الطرفين إلى الحوار.

يمكن أن نأتي بأمثلة أخرى جاءت فيها النتائج في الاستفتاء الشعبي أو الانتخابات متقاربة، لأنها ظاهرة طبيعية في الأنظمة الديمقراطية. ولا نرى نتائج تفوق فيها نسبة الفائز 90 بالمائة إلا في الأنظمة الشمولية الدكتاتورية، كما أن صورة التوحد والإجماع في تلك الأنظمة القمعية ليست حقيقية. بل يكون المجتمع منقسما بشكل عميق حول قضايا مختلفة، إلا أن عدم وجود حرية التعبير لا يسمح لهذا الانقسام بالظهور.

الأحزاب السياسية في الأنظمة البرلمانية تتنافس في الانتخابات النيابية، وتتوزع مقاعد البرلمان بين عدد من الأحزاب. وقد يصل عدد الأحزاب الممثلة في البرلمان إلى خمسة أو ستة أحزاب. وإن كان تقارب النتائج في الاستفتاء الشعبي أو الانتخابات الرئاسية انقساما فمن المفترض أن يتم وصف توزيع الأصوات ومقاعد البرلمان بين أكثر من حزبين بــ"تشتت الشعب". ولا يمكن القول بأن التشتت أفضل من الانقسام.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق