هل تراجع خطر التطرف والغلو وداعش؟ حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (4) الأدب النسائي الإسلامي .. تحديات وآفاق الخميني في فرنسا ثورات الخوارج (10) الخوارج في بداية عهد عبيد الله بن زياد قالوا - العدد مائة وسبعون - ذو القعدة 1438 هـ العنف في التراث الديني الشيعي.. وحيِّ (المسورة) الإسلاميون العرب في الرؤية الإيرانية .. الثابت والمتغير إيران واستغلال الأزمات.. ولا عزاء للشعارات المشهد العراقي: مرحلة ما بعد داعش إمبراطورية إيران الإعلامية تأزم العلاقات الإيرانية التركية | الدوافع والآفاق تضامن القاعدة وإيران.. واقع ينفيه الطرفان تقية خسارة الأقصى من "التطبيع" "الشبراوي": الائتلافات الصوفية الجديدة تخدم السلفيين والمتشددين الحرب الدائرة بين الأقطاب والمريدين في البيت الصوفي سوق «الشأن الإيراني» طابور إيران الخامس «آيات الله» الصغار في مصر علاقة إيران بقيادات الإرهاب في ليبيا .. ومخطط طهران لنشر الفوضى في شمال أفريقيا فريغ القدس والأقصى لماذا اهتم نور الدين وصلاح الدين بإنشاء المدارس السُّنية؟ ماذا بقي من ثورتنا؟ مدينة الذهب الأسود على موعد مع المجهول معارك خطيرة منسية في حرب التغيير الديموغرافي هل سيستفيد "الروهينغيا" من تدويل قضيتهم ؟! هل يتحقق سلام مع إسرائيل ؟
 
التجربة السياسية الشيعية الحديثة .. من المعارضة إلى السلطة -3- التجربة الشيعية الخليجية
الأربعاء 26 أبريل 2017

 

 أ‌.       بوزيدي يحيى– باحث وكاتب جزائري

 

خاص بالراصد

تختلف أوضاع شيعة الخليج العربي من دولة إلى أخرى؛ نظرا لتباين الأنظمة السياسية فيها، والتي رغم أنها تتسم بكونها ملكية إلا أنه يوجد قدر من التمايز بينها، خاصة فيما يتعلق بالمؤسسة التشريعية والظاهرة الحزبية التي تبرز بقوة في الحالتين البحرينية والكويتية، أما السعودية فرغم عدم وجود أحزاب شيعية إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور حراك شيعي وممثلين لهم بأشكال متعددة.

وعند رصد التجربة الشيعية الخليجية مجتمعة فإن المحطة التي تؤرخ لها بشكل أكبر تبدأ مع الثورة الإيرانية في 1979، التي أحدثت حالة من التثوير للمجتمعات الشيعية، ونظرا للأهمية الجيوسياسية للخليج العربي فإن الأحداث السياسية التي عرفتها المنطقة تزاوج فيها المحلي بالإقليمي بالدولي، لذلك اقترنت التغيرات في طبيعة الحراك الشيعي بأحداث مهمة على غرار حروب الخليج الثلاث والانتفاضات الشعبية العربية في 2011.

المرحلة الأولى: ما قبل 1979

سادت الأفكار اليسارية والقومية المجتمع الشيعي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عندما كانت  دول الخليج في مواجهة مع اليساريين والقوميين، وتحديدا التيار الناصري، نظرا للدور الذي لعبه جمال عبد الناصر بشكل خاص، والقوميون بشكل عام، في الترويج لفكرة الوحدة العربية، وتركّز الصراع حول ثنائية "الجمهوريات والملكيّات"، فقد كانت الدعاية الماركسية أقل استقطابا لشيعة السعودية من التيار القومي الناصري الذي راج سوقه في الوسط الشيعي المثقف([1])، فلم تلق أفكار عبد الناصر القومية شعبية في المملكة إلا في البيئة الشيعية، ولم يُبنَ تنظيم ناصري إلا بأيد شيعية وفي وسط شيعي بدرجة أساسية.

وحين زار عبد الناصر مدينة الدمام في 1956، تقاطرت الجماهير بعشرات الألوف لتحيّته، وللتنديد بالحكم السعودي نفسه، ولم يكن مدهشا للحكومة أن تكون قاعدة الظهران العسكرية منطلقا لمحاولة انقلاب فاشل ضد نظام الحكم في 1969، كما أن حزب العمل الاشتراكي والحزب الشيوعي السعودي –الذي خلف جبهة التحرير الوطني- كان معظم كوادرهما وقيادتهما من الشيعة. بل إن الشيعة شاركوا في وقت مبكر في تأسيس جبهة وطنية حاول الأمير طلال بن عبد العزيز في بداية الستينيات أن يتخذها وسيلة ضاغطة لإصلاح النظام([2]).

وفي الكويت؛ منذ الثلاثينيات من القرن العشرين وحتى انبثاق الثورة في إيران لم يشكل الشيعة جزءا من المعارضة السياسية، خلافا للشيعة في البحرين والسعودية، الذين كانوا جزءا أساسيا من المعارضة السياسية لنظام الحكم. كما لم يجد التيار القومي امتدادا له هناك نظرا لانحدار بعض الشيعة من أصول إيرانية وموقف القوميين المعارض لهم، وتنديده بالهجرة الإيرانية في الكويت التي استهدفت –من وجهة نظره- تغيير التركيبة الديمغرافية للخليج العربي بشكل عام، لذلك انحاز الشيعة إلى جانب السلطة([3]).

المرحلة الثانية: من 1979 إلى 1991          

اندفع الشيعة عقب 1979 وراء الأطروحة الإيرانية وسعوا إلى تنفيذها بحذافيرها، حيث تحولت المفاهيم التي جاء بها الخميني إلى مسلّمات لا يجادل فيها أحد([4])، فقد شعر المواطنون الشيعة في منطقة الخليج عموما بعمقهم الروحي المتأتي من انتصار ثورة إسلامية بأركان مذهبية([5]) خلقت مدّا ثوريا في أوساط الجماعات المذهبية المماثلة والقريبة، وهي تبقى وراء بروز إعادة إحياء قوة الإسلام السياسي الشيعي في دول الخليج العربي([6]).

وبذلك قامت الأقليات الشيعية بتنظيم صفوفها في تنظيمات سياسية طائفية متخذة من النموذج الأصولي الثوري في إيران مثالا لها لمعارضة الحكم الأسروي([7])، فنسخت الجماعات الشيعية من التجربة الإيرانية الأفكار والاستراتيجيات، ومعايير الصداقة والعداوة، وحتى الهموم والمواقف اليومية، وأحيانا المصطلحات، من ذلك موقف الجماعات الشيعية مثلا من النظام الدولي ومؤسساته، وكذا العلاقة مع دول العالم([8]).

ولم يقف نظام الجمهورية الإسلامية مكتوف الأيدي أو يكتفِ بتشجيع تلك الحركات فقط، بل عمل على فتح فروع لها ودعمها بمختلف الوسائل والتنسيق بينها لمدّ نفوذه في المنطقة ومحاولة تأسيس أنظمة شبيهة بنظامه وخاضعة لسلطته تمهيدا لظهور المهدي المنتظر؛ حيث وجّه الخميني عدة دعوات للشيعة في المنطقة الشرقية من السعودية، يدعوهم فيها إلى الثورة وإعلان الحكومة الإسلامية، لأن الحكم الوراثي، كما صرّح بذلك "يتعارض مع الإسلام"([9]).

وحصلت الأحزاب الدينية –في المناطق الشيعية- على الكثير من الدعم المادي والبشري من قبل الجمهورية لم يحصل عليه أي تنظيم سياسي آخر، وفي مقدمة هذه التنظيمات الدينية "منظمة الثورة الإسلامية في الجزيرة العربية" التي تعتبر التنظيم السياسي الأساس للشيعة([10]).

وتشكلت في البحرين بين عامي 1979-1980 تنظيمات إسلامية شيعية، مثل حركة الشيخ محمد علي العكري والشيخ علي العصفور، كما تأسست "حركة الشهداء الإسلامية" بقيادة جمال الدين العصفور، و"حركة الوحدة الإسلامية" بقيادة عبد العظيم المهتدي البحراني، و"حركة التحرير الوطني الإسلامي في البحرين" و"الجماعة الإسلامية" و"حركة الشباب المسلم البحريني"([11]).

كما برز في الأوساط الشيعية الكويتية تيار إسلامي ثوري متأثر بالثورة الإيرانية، واستطاع أن يؤثّر في توجهات الحركة الإسلامية في الكويت، فقد شهد البلد في الثمانينيات موجات من أعمال العنف السياسي، والمطالبة بالإطاحة بنظام الحكم في الكويت وإقامة جمهورية إسلامية على النمط الإيراني، وجرت محاولة فاشلة لاغتيال أمير الكويت سنة 1985، فضلا عن القيام بتفجيرات في السنة التالية، ونسبت هذه الأعمال لتنظيمات شيعية عديدة غير أن الاتهامات اتجهت نحو حزب الله الكويتي([12]).

وأهم ملامح هذه المرحلة تمثلت في تصدّر علماء الدين زعامة التنظيمات الجديدة، فبينما كان التصور العام للنخبة الدينية يميل إلى أن التمرد لا يقود سوى لتعميق التصدّعات الاجتماعية والمزيد من المشاكل، فضلا عن كونه غير مبرر أو مشروع من الناحية الدينية، أما بعد انتصار الثورة فقد تحوّل كل رجل دين إلى مشروع زعيم سياسي([13])، فأصبح الكلام في السياسة والتفكير في السياسة انشغالا يوميا لكل شيعي في المنطقة، وتحول المجتمع الشيعي من الميل إلى الانفعال والسلبية إلى مجتمع فاعل وطالب للمشاركة، وبدأ يفهم السياسة والسلطة كعالم متغير، يمكن أن تتولد فيه فرص جديرة بالاهتمام، بعدما بقي قرونا طويلة متحجرا على ثنائية الإمامة والغصب القديمة.

واهتم الحركيون الشيعة بإعادة تفسير التراث الديني على نحو يخدم أغراض الصراع السياسي ويسهم في تعبئة الجمهور([14]). ففي المنطقة الشرقية من السعودية توجه العديد من علماء الدين والشباب الشيعة للاطلاع على تجربة الثورة عن كثب، من خلال التحاقهم بالمدارس والمعاهد والحوزات الدينية في قُم وطهران، كما نظّمت الوفود لزيارة إيران وتقديم التهنئة للخميني وغيره من القيادات السياسية والدينية الإيرانية بمناسبة انتصار الثورة([15]).

وفي البحرين كان لبعض علماء الدين، مثل هادي المدرسي، وجمال العصفور، وعباس الشاعر، وشبر علي الكوراني، وعبد العظيم المهتدي، ومحمد علي محفوظ، دور أساسي في توحيد التنظيمات الشيعية المؤيدة للثورة في إيران، في تنظيم واسع أطلق عليه "الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين"([16]).

وفي الكويت تأسس حزب الله - الكويت بعد قيام الثورة في إيران، على يد مجموعة من الشباب الشيعي الكويتي، الذين ينتمون إلى التيار الشيعي الثوري المتأثر بالثورة الإيرانية، وهؤلاء تلقوا تعليمهم في الحوزة العلمية في قم([17]).

وعلى مستوى المواقف العابرة للحدود فقد كانت الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988) الحدث الأبرز حينها، وتماهت فيها المواقف الشيعية الخليجية مع الموقف الإيراني، فنظرا للعلاقة الوثيقة بين الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين وإيران، فقد اعتبرت الجبهة أن معركة إيران مع العراق هي معركتها، لذلك أرسلت مجموعات من المتطوعين من أعضائها للقتال إلى جانب القوات الإيرانية. كما تطابق موقف "منظمة الثورة الإسلامية لتحرير الجزيرة العربية" في السعودية مع الموقف الإيراني الرسمي من الحرب بوصفها "حربا بين الإسلام والكفر" على حد تعبيرها.

لذلك نددت المنظمة بالمساعدات التي قدمتها الحكومة السعودية للعراق. وفي الكويت أثار الموقف الرسمي للحكومة من الحرب العراقية – الإيرانية سخط التنظيمات الشيعية، التي كانت تنظر إلى تلك الحرب على أنها "حرب بين الباطل والحق، وحرب بين الكفر والإيمان".

وتوجهت تلك التنظيمات بمشاعرها نحو إيران بوصفها المدافعة عن حقوقها الاجتماعية والعقائدية. وقد استغل النظام الإيراني هذا التعاطف والتأييد من لدن الشيعة، ليس في الكويت فحسب، بل في عموم الأقطار الخليجية، لتكوين قاعدة شعبية في الخليج مؤيدة لسياسته الخارجية في المنطقة([18])، وبذلك ساهمت الحرب العراقية الإيرانية في تعميق الانقسام الطائفي في الجزيرة والخليج العربي، وبدأ الشعور الطائفي يبرز بشكل واضح([19]).

المرحلة الثالثة: من 1991 إلى 2011

شهد العقد الأخير من القرن العشرين حدثين مهمين تركا آثارهما على شيعة الخليج، تمثل أولهما في وفاة الخميني وصعود هاشمي رفسنجاني إلى سدة الرئاسة وانتهاجه سياسة براغماتية، والثاني في حرب الخليج الثانية نتيجة الاحتلال العراقي للكويت. ففي هذه المرحلة اتجه الإيرانيون نحو التركيز على الداخل مما دفع بالعديد من قادة المجموعات الشيعية إلى مراجعة متبنياتهم السياسية السابقة، وظهرت أولى صور التحول في مغادرة كثير منهم الأراضي الإيرانية إلى أوروبا بحثا عن فرص أكبر للتأثير في بلدانهم([20]).

وترتب على ذلك تراجع الخطاب الثوري المطالِب بإسقاط الأنظمة وإقامة أخرى شيعية بديلة عنها؛ وانتهج الشيعة في مختلف دول الخليج  خطابا سياسيا إصلاحيا ينطلق من الآليات السلمية في المطالبة بحقوقهم بتقديم المبادرات أو المشاركة في البرلمانات، وتكرّس ذلك أكثر في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.

فمنذ 2001 أصبحت مفاهيم "الوحدة الوطنية" و"الهوية الوطنية" و"الولاء للوطن" بين أكثر المفاهيم شيوعا في نقاشات الشيعة السعوديين([21]). وترجم ذلك في الواجهات السياسية التي ظهرت سواء كأحزاب سياسية في الدول التي تعتمد البرلمان والانتخابات مثل البحرين والكويت أو زعماء ممثلين له حتى وإن كانت لا تؤطرهم مؤسسات سياسية حزبية كما هو الحال مع حسن الصفار وتوفيق السيف وغيرهم في المملكة العربية السعودية، حيث حصل تحول في الثقافة السياسية للمجتمع الشيعي السعودي، فانتقل من حالة الانكفاء واعتزال السياسة قبل 1979 إلى التمرد والفعالية الشديدة بين (1979-1990) ثم الميل إلى البراغماتية بعد 1990 وأخيرا البراغماتية السياسية بعد 2003([22]).

وفي حرب الخليج الثانية أيّدت التنظيمات الشيعية حكوماتها الوطنية المعارضة للعراق، خاصة شيعة الكويت الذين قاوموا الاحتلال العراقي، الأمر الذي دفع لاحقا الحكومة للعفو عن أعضاء من حزب الله الكويتي، لكن هذا الموقف لا يمكن التأسيس عليه للحديث عن تحول في موقف النخب الشيعية وانعطافة في نظرتها السياسية، لأن الطرف الثاني في الحرب ليس شيعيا كما كان في حرب الخليج الأولى، وكما كان موقف النخب الشيعية العراقية، ممثلة في حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية المؤيدين لإيران والمعارضين لبلده فإن موقف النخب الشيعية في دول الخليج الأخرى لم يكن ليختلف كثيرا عمّا قامت به التنظيمات الشيعية العراقية.

يتأكد هذا التحليل من تتبّع السلوك السياسي للشيعة في هذه المرحلة إلى غاية 2011، ففي الحالة الكويتية التي تعتبر الأكثر تطورا في الممارسة السياسية البرلمانية لم تتجاوز الأطر الطائفية في النشاط السياسي، حيث انبثق "الائتلاف الإسلامي الوطني" كإطار سياسي يضم في صفوفه القوى السياسية والاجتماعية والدينية الشيعية على اختلاف توجهاتها السياسية([23]). وقد كان بعيدا عن القوى الإسلامية السنية وقريبا إلى "تجمع المنبر الديمقراطي الكويتي" ذي التوجه العلماني، خاصة أن المنبر يضم في عضويته عناصر من الشيعة غير المتدينين، الذين يحتلون مراكز قيادية في هيئته التنفيذية. وساهم "الائتلاف" في دعم مرشحي "المنبر" في الدوائر الانتخابية التي لا يوجد بها مرشحون للائتلاف أو مرشحون مدعومون منه بشكل رسمي([24]).

وفي البحرين، برزت في المجال الشيعي بعد إقرار ميثاق العمل الوطني([25]) الكثير من الجمعيات أو الأحزاب السياسية (الوفاق، وعْد، المنبر التقدمي، العمل الإسلامي، التجمع القومي، التجمع الوطني، الإخاء) وأهمها جمعية الوفاق الإسلامية الشيعية، التي تمثل الأغلبية في البرلمان البحريني (يشغل نوّابها 18 مقعدًا في البرلمان، وقد استقالوا خلال أزمة 2011) تليها جمعية العمل الإسلامي ([26]).  ونتج عن هذا اصطفاف طائفي بين السنة والشيعة يتجلى بشكل واضح في الحياة السياسية، فكما في الكويت التي نظامها قريب جدا من النظام البحريني فإن الكتل البرلمانية في البحرين تعبّر عن انتماءات هوياتية ممثلة في الطائفة بشكل عام، وهذا الانتماء هو المحدد الرئيسي لنشاط الكتل والموجه لبوصلة عملها، وعنصر الهوية في أضيق مستوياته هو من يوصل المترشحين إلى المقعد البرلماني، وهذا أحد مجالات الصراع في المجتمع([27]).

ووجد المهتمون بالتحول الديمقراطي في قوة العامل الطائفي الديني في الحركة التي تنشد التغيير في البحرين أمرا يعيق التحول الديمقراطي في البلد، وطالبوا بضرورة أن تعيد الحركة طرح نفسها في مرحلة ما بعد الميثاق الوطني على أساس وطني سياسي واضح ومتوازن يضمن فعاليتها الداخلية ويقلل من معارضتها الخارجية بسبب الطائفية([28])، غير أن الواقع السياسي أثبت عكس ذلك، إذ لم تستطع القوى الشيعية تجاوز إطارها الطائفي مما أدى إلى تخندقات سياسية على أسس دينية، وحال دون الانتقال إلى مرحلة سياسية أفضل. كما تعد مشكلة القبلية من أبرز التحديات التي يثار حولها نقاش كثير بين النخب الخليجية للانتقال إلى الدولة([29]) مع العلم أن هذه المشكلة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمشكلة القبلية نظرا لكون كل قبيلة يسودها نفس المعتقد أو الانتماء الديني.

المرحلة الرابعة: ما بعد 2011

 أولا: شيعة الخليج والانتفاضات العربية

لم تمر الانتفاضات العربية دون أن تترك آثارها على شيعة الخليج، ومما ميز هذه المرحلة عودة الخطاب الثوري من جديد، فبعد عقود من الإصلاح السياسي، التي برغم كل ما يشوبها من عثرات إلاّ أن الثابت فيها كان محاولة الإصلاح وفق الوسائل السلمية. غير أنه لما لاحت في أفق 2011 إمكانية تغيير الأنظمة نهائيا لم يتوانَ الشيعة عن استغلال هذه الفرصة والتراجع عن كل الخطوات التي قطعت باتجاه الإصلاح.

وكانت البحرين أهم بؤر الحراك الشيعي، وعلى عكس الحركات الاحتجاجية التي تحولت إلى ثورات شعبية في تونس ومصر، والتي تميزت بأنها "لا حركات اجتماعية"([30]) فإن الاحتجاجات التي شهدتها البحرين هي حركات اجتماعية منظمة، حيث كان بارزا قيادتها من طرف المعارضة الشيعية ورفعها نفس المطالب السابقة بما في ذلك إسقاط النظام، حيث تحولت المطالب الإصلاحية إلى صراع على الشرعية بين النظام والمعارضة؛ حضر في أدنى مستوى على الأقل في العقل الباطن للمعارضة، الوسطية ممثلة في "الوفاق"، والمتطرفة ممثلة في حركة "شباب 14 فبراير"، والتي ترى وفق شهادة عددٍ مهم ممّن لهم صلة بها، أن شرعية النظام غير موجودة، حيث فقد شرعيته بسقوط الشهداء منذ 14 فبراير 2011([31]).

وبدورها، عرفت المملكة العربية السعودية هي الأخرى محاولات لمحاكاة الحركات الاحتجاجية فيها من خلال الدعوات للتظاهر في البلد، غير أن تلك الدعوات لم يُستجب لها لأسباب عديدة ومختلفة ليس هذا موضعها، ولكن المنطقة الشرقية التي تقطنها أغلبية شيعية شهدت الكثير من المظاهرات، خاصة في بلدة العوامية، كان من أبر رموزها رجل الديني الشيعي نمر النمر، وعلى غرار القوى الشيعية الأخرى كان الخطاب الشيعي في المنطقة الشيعية مؤيدا ومتضامنا مع نظيره في البحرين.

سلوك شيعة الخليج، خاصة في البحرين والسعودية في 2011 لم يختلف كثيرا عن سلوكهم سنة 1979، والذي اتسم بطابعه العنفي، وبعد 1991 أقر الشيعة بارتكاب أخطاء في المرحلة السابقة، حيث تقر النخب الشيعية بوجود تطرف في الوسط الشيعي وتدعو إلى ضرورة الوقوف ضد كل مظاهر التقسيم الطائفي والمذهبي، لأن التقسيم لا يضرّ فقط الطرف الموجهة ضده، بل وحدة الوطن والمواطنين، ويزيد من فرص الاحتراب الداخلي([32]).

ولكن بعد 20 سنة من العمل السياسي المطالِب بالحرية والمساواة تحت غطاء المواطنة تغير فجأة كأنه لم يحصل أي تطور ومراجعات، مما يدلل على أن ما حصل حينها لم ينبع من قناعات مبدئية قطعت فكريا وعمليا مع التطرف والعمل العنيف والمسلح، ولم يعدُ أن يكون تكيّفا مع الظروف الدولية التي فرضت عليهم. فإذا كانت كل هذه الفترة لم يترسخ فيها المبدأ الأساسي في الممارسة الديمقراطية وهو الاحتكام للوسائل السلمية في العمل السياسي فإن شعارات الحرية والمواطنة لا تعدو بذلك إلا أن تكون خطابا للمساومة على تحقيق أقصى قدر من المكاسب تعزز النفوذ وامتلاك وسائل القوة المالية واختراق السلطة السياسية ثم توظيف كل ذلك للانقضاض على الدولة إذا طرأ أي تحول في البيئة الخارجية أو الداخلية يسهّل ذلك.

وما يقطع بتكتيكية الخطاب الإصلاحي واستمرار النزوع الطائفي لشيعة الخليج عدم صدور أي تعليقات منهم ترفض التدخل في شؤونهم الداخلية واعتبار ما يحصل مع بلدانهم شأنا داخليا، فرغم كل التدخلات الأجنبية، خاصة الإيرانية منها، لم يتجرأ قادة الشيعة على توجيه انتقادات للمرشد الأعلى الإيراني وغيره من القادة الدينيين والسياسيين الطائفيين في المنطقة، على غرار زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر الذي انتقد إرسال قوات درع الجزيرة إلى البحرين، معتبرا إياه قمعا لإرادة الشعب البحريني، فيما وَصفت عصائب أهل الحق ما يجري في البحرين بأنه محاولة لطمس التوجهات الشعبية بقوة السلاح([33])، وأوصى محمود شاهرودي (الهاشمي) وهو مسؤول الجهاز القضائي الإيراني وأحد رموز الدولة الإيرانية، وبنفس الوقت المرجع الفقيه المعتمد والحصري لحزب الدعوة وزعيمه آنذاك نوري المالكي خلال زيارته لطهران بضرورة اهتمام الحكومة العراقية بدعم الحركات الشعبية في المنطقة وتشجيعها([34]).

ثانيا: تحديات العمل السياسي الشيعي في الخليج

إن عودة الخطاب الثوري والسعي إلى إسقاط الأنظمة يعيدان طرح إشكاليات علاقة شيعة الخليج بدولهم، وفي هذا المجال يبرز تحديان أساسيان مرتبطان ببعضهما البعض، وهما تحدي المرجعية الدينية، والموقف من إيران.

التحدي الأول: المرجعية الدينية

يحيّد شيعة الخليج مؤسستهم الدينية من النقاش الجاري حول الولاء للوطن، ويحصرون النقاش في إطاره السياسي الضيق المبني على العلاقة بينهم وبين الحكومة؛ من منطلق أن معارضة الحكومة موقف طبيعي لا يعني بالضرورة الولاء للخارج؛ لأنه بذلك يصبح كل معارض متهما في وطنيّته([35]). ويطرح بعض رموزهم الليبرالية كحل لتجاوز الطائفية في المنطقة، ويأتي هذا الاقتراح بعد قراءة تُفسر ما يحصل بأنه سياسي وليس دينيا، أو أن الدين مجرد وسيلة لتحقيق أغراض سياسية.

بالتأكيد على أن أصل المشكلة سياسي وبالتالي البحث عن حلول سياسية لها([36]). ويحاججون بأن الشيعة طوّروا مفهوما للشرعية السياسية أدى –وظيفيا- إلى تفريغ فكرة الزعامة من المحتوى السياسي وحصرها في بعدها الروحي. فالقائد الشرعي -حسب الرؤية الجديدة- هو الإمام أو الزعيم الديني الذي ينحصر دوره في توفير التعليمات ورعاية الأتباع في هذا الإطار([37]).

لا يستند هذا الطرح على أرضية فكرية متينة وذلك لاعتبارين أساسيين:

1- هامشية البعد السياسي:

يشير في هذا الإطار الدكتور وليد عبد الحي من خلال دراسته لـ 284 أقلية في دول وأقاليم مختلفة خلال الفترة من 1945-2003، إلى أن أهم العوامل في تحريك النزعة الانفصالية هو العامل الجغرافي (أي وجود الأقلية على حدود الدولة وتكون مجمعة في نفس المكان وليست مشتتة في أماكن عدة). والعامل الثاني من حيث الأهمية هو السمة التي تميز الأقلية (دين، مذهب، لغة، لون، عرق)، فإذا كانت أقليات دينية تكون النزعة أقوى. والعامل الثالث من حيث التأثير هو العامل الاقتصادي (وجود موارد هامة في منطقة الأقلية).

أما العامل الأخير فهو العامل السياسي (والغريب أن الدراسات تركّز عليه كثيرا) والذي يعني سلوك الأغلبية تجاه الأقلية([38]). ويتجلى هذا التباين في الحالة الكويتية فرغم الانفتاح السياسي الكبير وتحالفهم مع السلطة لعقود إلا أن ذلك لم يمنع من بروز تيار ثوري موالٍ لإيران، وعدم تجاوز الخلفية الطائفية في الممارسة البرلمانية؛ وبذلك فإن محاولة القوى الشيعية الخليجية التركيز على المظالم الاجتماعية والاقتصادية كمنطلق لتبرير سلوكهم السياسي وتحييد البعد الديني بوصفه علاقة روحية لا تتجاوز هذا الإطار، لا ترتكز على أرضية موضوعية صلبة.

2- محورية العامل الديني:

يبقى العامل الديني موجِّها أساسيا لسلوك المجتمعات بشكل عام، والشيعة ليسوا استثناء من ذلك، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار طبيعة نشأة هذا المعتقد وتطوره، فكل القفزات والتحولات التي حصلت في بنية التشيع كان يقف وراءها علماء شيعة، بل على العكس تماما لم يصبح التشيع بهذا التأثير في المجتمعات العربية إلا بعدما حوّله فقهاء الشيعة إلى منظومة عقائدية وأخرجوه من إطاره السياسي، وبالتالي فإن محاولة تجاوز هذه الحقائق لن تقدم حلولا جذرية لهذا المشكل.

تأسيسا على هذا فإن المعضلة الأساسية تكمن في المنظور الديني الشيعي السلبي للدولة، والذي يبقي العلاقة مضطربة بين الشيعي ودولته، إذ يرتكز الفقه السياسي الشيعي على نظريتين في تفسير العلاقة بالسلطة السياسة والدولة، هما الانتظار وولاية الفقيه، فالنظرية الأولى لها موقف حدّي من كل أشكال الحكم، حيث تعتبرها مغتصبة لسلطة الإمام الثاني عشر، وهذه النظرية لا زالت تُدرس في الحوزات؛ ففي الجانب المعمق من البحوث الفقهية الذي يدرس للمختصين في الشريعة (وهو ما يسمى بالفقه الاستدلالي) تبحث العلاقة مع الدولة ضمن باب خاص يسمى "عمل السلطان" أو "الولاية من قبل الجائر". ويقدم هذا الباب العلاقة مع الدولة باعتبارها حالة من حالات الاضطرار التي تحكمها التعليمات الخاصة بظروف الاضطرار، لا كعلاقة طبيعية أو ضرورية بين مواطن في بلد وبين حكومته([39]).

 أما نظرية ولاية الفقيه فقد جاءت لاستدراك الفراغ الذي ترتب عن الانتظار، ومنحت الفقيه حقّ تولي زمام السلطة حتى عودة الإمام الغائب، ويعتبر النظام الإيراني التجسيد العملي لهذه النظرية، وهو ما سنفصله لاحقا.

وقد عمد الشيعة الثوريون -على غرار حسن الصفار في السعودية- إلى نقل مرجعيتهم للسيستاني بدل خامنئي للنأي بأنفسهم عن الجدل حول ولاية الفقيه، غير أن هذا لا يعني تجاوز إشكالية المرجعية والولاء للوطن، حيث أثبت الواقع منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، أن السيستاني تصرف كزعيم روحي لشيعة العراق، وهو الموجّه لهم، ولعب دورا كبيرا في دفعهم لتجاوز خلافاتهم وتشكيل تحالف لدخول الانتخابات، وتوجيه الناخبين للتصويت لهم، كما أنه يقف وراء مليشيا الحشد الشعبي التي يقودها زعماء المليشيات الطائفية من منظمة بدر وجيش المهدي، فلا يمكن لرجل دين بهذه الممارسات أن يسلك سلوكا مغايرا مع أتباعه في الدول الأخرى.

ويمكن الإشارة لمثال واحد حول أثر البعد الديني واقعيا على السلوك السياسي لشيعة الخليج، وهو قضية نمر النمر، فما إن أُعلن عن إعدامه في 2 يناير 2016 حتى انطلقت الاحتجاجات في بعض مناطق محافظة القطيف الواقعة في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، لا سيما في بلدة العوامية مسقط رأس النمر، وفي عدد من الدول التي يشكل المكوّن الشيعي فيها ثقلا ديموغرافيا؛ وذلك كما في البحرين، وإيران، والعراق، ولبنان، وغيرها من الدول في شبه القارة الهندية كباكستان وأفغانستان([40]).

 

التحدي الثاني: الموقف من إيران:

تؤمن بعض القوى الشيعية بولاية الفقيه؛ والتي لا يمكن المجادلة سياسيا أو دينيا بعدم ولاء أصحابها للمرشد الأعلى الإيراني. والواقع السياسي يؤكد الدور الذي تلعبه إيران، التي جعلت من نفسها وصيّا على الشيعة بشكل العام، ومنهم شيعة الخليج، والأكثر من ذلك موافقة القوى الشيعية على الدور الإيراني، ويتجلى ذلك في المواقف الإيرانية من مختلف القضايا الشيعية.

 ورغم مرور قرابة الأربعة عقود على الثورة إلا أن العلاقة مع الشيعة لم تخرج عن الخط الذي رسمه الخميني؛ حيث واصل خلفه خامنئي السياسات نفسها، وأبرز الأمثلة على ذلك التصريحات التي أصدرها حول الأزمة البحرينية وقال فيها: "إن الشعب البحريني سينتصر، وسيحقّق طموحاته رغم المحاولات لتجاهله وخروجه من دائرة الإعلام"([41]).

كما رفضت إيران تدخل قوات درع الجزيرة، وتقدمت بشكوى للأمم المتحدة بشأن إرسال تلك القوات إلى البحرين، وقالت إنها لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي أمام الحملة على الاحتجاجات([42])، ورفضت الدعوة للاتحاد بين السعودية والبحرين، حيث وصف الناطق باسم الخارجية الإيرانية مشروع الوحدة بين البلدين بأنه يعني زوال البحرين ذات الأكثرية الشيعية ([43])، والرد عليها بمطالبة طهران -كما ورد في جريدة "كيهان" التي يشرف عليها المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي– بضمّ البحرين إلى إيران، معتبرة أن غالبية البحرانيين يريدون الالتحاق بإيران، ودعوة عضو البرلمان الإيراني حسين علي شهرياري إلى التصدي لفكرة الوحدة بين السعودية والبحرين، مشيرا إلى أن البحرين كانت المحافظة الرابعة عشرة في إيران حتى 1971 ولكن للأسف -كما قال- بسبب خيانة الشاه محمد رضا بهلوي انفصلت البحرين عن إيران ([44])، وهي تصريحات ليست بالجديدة، إذ تتكرر من حين لآخر، ومن مسؤول لآخر أيضا.

وحتى المظاهرات الشعبية ليست بعيدة عن توجهات الحكومة وتوجيهاتها كدعوة السلطات الإيرانية إلى تنظيم تظاهرات في جميع أنحاء البلاد احتجاجا على مشروع إقامة اتحاد بين السعودية والبحرين، واصفة نظامي البلدين بأنهما "تابعان" للولايات المتحدة، وأن الدعوة هي "خطة أميركية لضم البحرين إلى السعودية"([45]). والأهم أن تزامن المظاهرات الرافضة لمشروع قيام اتحاد بين البلدين، في البحرين وإيران([46]) يؤكد الشكوك بعلاقة المعارضة بطهران، إذ وعلى حد تعبير طارق الحميد أن الجمعيات المعارضة الشيعية في البحرين قامت بالدعوة للقيام بتلك المظاهرات، ومنها جمعية الوفاق، ومجرد الدعوة للقيام بتلك المظاهرات، وبعد الدعوة الإيرانية بيوم، يعني تلقائيا أن المعارضة الشيعية في البحرين طائفية، وتبعيتها لإيران([47]).

وعلى مستوى الدعم الإعلامي فهو أكبر بكثير مِن أن يُحصر، وتكفي الإشارة إلى طريقة تفاعل الإعلام الإيراني الرسمي مع أحداث البحرين في 2011، حيث جعلت قناة العالَم على سبيل المثال أخبار البحرين هي الرئيسة رغم أن ما كان يجري في مصر وليبيا أهم من ذلك بكثير عقب انسحاب قوات الأمن من دوار اللؤلؤة([48])، وكان أكبر أخطائه إقدامه على تحريف كلمة الرئيس المصري محمد مرسي باستبدال اسم سوريا بالبحرين في الترجمة الفورية التلفزيونية لخطابه في قمة عدم الانحياز، وقد استدعت المنامة القائم بالأعمال الإيراني لديها للاحتجاج، وطالبت الحكومة الإيرانية بالاعتذار. هذا إلى جانب الدعم الإعلامي من طرف وسائل الإعلام للتنظيمات الشيعية العربية التي لا تحيد عن هذا الخط([49]).

أما عن الدعم العسكري فقد اتهمت البحرين طهران بدعم الخلايا النائمة في البلاد وتحدثت عن علاقتها بإيران، إذ أعربت الحكومة البحرينية أكثر من مرة عن امتعاضها وشجبها وإدانتها للتدخل الإيراني في شؤونها الداخلية. وقال وائل بوعلاي رئيس النيابة الكلية في مؤتمر صحفي: "ثبت يقينا من الحكم الصادر علاقة بعض المتهمين سعيهم وتخابرهم مع منظمة خارجية وهي حزب الله الذي يعمل لمصلحة إيران، كما أكد مراقبون أن استهداف السفارة البريطانية هو تكملة لسيناريو استهداف السفارة البريطانية بإيران من خلال الخلايا النائمة في منطقة الخليج العربي([50]).

كما اتهمت الرياضُ طهران ضمنيا بخلق حالة من الفوضى في شرق البلاد. وربطت مصادر سعودية بين الصدامات التي حدثت وبين تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد والتي نشرت في صحيفة الديار اللبنانية حول أنه يستطيع إثارة القلاقل بجوار آبار النفط وإغلاق المضائق وأنه يمتلك أدواته لتنفيذ ذلك([51]). واتهمتها أيضا بمحاولة تفجير جسر الملك فهد الذي يربط السعودية بالبحرين، إذ تبيّن أن ما بات يعرف إعلامياً بخلية إيران النائمة أو خلية حزب الله البحريني تلقت سابقاً تدريبات عسكرية في سوريا، وكان من المخطط أن تتلقى تدريباً مكثفاً في إيران([52]).

كل الدلائل المشار إليها أعلاه حول الدور الإيراني في تحريك شيعة الخليج وتوظيفهم لتحقيق مصالحها، لم يقابله كما سبق الإشارة إلى أي رد فعل يثبت وطنية شيعة الخليج، مما يؤكد أن العلاقات التي يصفونها بالروحية يستحيل أن تبقى كذلك دون أن تكون لها امتدادات سياسية، خاصة وأن الطرف الآخر ليس محصورا داخل أسوار قم أو النجف، وإنما يساهم في صنع السياسات الشيعية في المنطقة كلها، وهذا ليس وليد اليوم، ففي كل الحقب التاريخية كان لمراجع الشيعة دور في الأحداث السياسية، وبالتالي فإن محاولة شيعة الخليج نفي هذا الدور حاليا تكذبه الحقائق والوقائع.

 

الخلاصة:

وفق الأطروحة الشيعية تبقى الوطنية مرهونة بتحقيق الرفاه الاجتماعي وتقلّد المناصب السياسة الكبرى، وما دام الأمر دون ذلك فإن كل ما يقومون به مشروع؛ بما في ذلك العمل الثوري. ورغم تعريف أنفسهم كأقلية دينية، إلا أنهم يرفضون إقحام الدين في أي نقاش، بوصف العلاقة روحية بحتة. ومن هذا المنطلق تصبح الليبرالية أو العروبة النموذج الأنسب لحل الإشكالات المثارة في دول الخليج.

هذا التوصيف للمشكلات هو هروب منها بدل السعي الجدّي لحلّها، فجلّ المواقف السياسية تجد ما يبرّرها من نصوص شرعية، ولذلك فإن وجود خلفية فقهية لأي موقف سياسي يدفع لمناقشة الأصل؛ وهو ذلك الموقف الفقهي، وليس تجاوزه واعتباره خارج إطار النقاش، والتركيز على تمظهراته الاجتماعية والسياسية، كما أن الاتهامات بالولاء للخارج لم تنطلق من فراغ وإنما من حقائق وأحداث يقرّون بها بأنفسهم، ومن المعلوم أن المعارضة في مختلف الدول تتعدد مشاربها الأيديولوجية، وهي متنوعة، ومنها من يطرح مشروع أمميا وآخر محليا على غرار الأحزاب الشيوعية والقومية، وبالنسبة للمعارضة التي تنطلق من خلفية دينية فلا يمكن نفي البعد الديني كموجّه لمواقفها، سواء كانت أممية أم محلية، فلا يمكن على سبيل المثال نفي تصور الخلافة الإسلامية للحركات الإسلامية السنية، وبذلك فإن محاولة نفي الخلفية العقدية عن الحركات السياسية الشيعية لا أساس موضوعيا له.

وعلى عكس ما يحصل في المجال السني حيث نبذ التطرف محسوم فيه، إلا أنه في المجال الشيعي لم تصدر مواقف تنتقد العنف الذي يمارسه الشيعة في دول أخرى، في حين يعتبرون التعاطف معهم في حالات الاضطهاد علاقة دينية طبيعية، هذه الازدواجية في جوهرها سلوك طائفي يقطع بتأكيد المنطلقات الدينية كمحرك أساسي للشيعة بشكل عام، وشيعة الخليج بشكل خاص، وبينما يحقّ لهم ذلك فإنهم يَتهمون التعاطف والدعم والتأييد السني لغيرهم بالطائفية.

 



([1]) حمزة الحسن، الشيعة في المملكة العربية السعودية: العهد السعودي 1913-1991، الجزء الثاني، بيروت: دار الساقي، ط 1، 2010، ص 424.

([2]) المرجع نفسه، ص 425.

([3]) فلاح عبد الله المديرس، الحركة الشيعية في الكويت، الكويت: دار قرطاس للنشر، ط 1، 1999، ص 19.

([4]) توفيق السيف، أن تكون شيعيا في السعودية: إشكالات المواطنة والهوية في مجتمع تقليدي، ط 1، 2013، ص 69.

([5]) غسان الشهابي، البحرين: الوتر المشدود ما بين ضفتي الخليج، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 18/02/2016، ص 05.

([6]) باقر سلمان النجار، الحركات الدينية في الخليج العربي، بيروت: دار الساقي، ط 1، 2007، ص 60.

([7]) فلاح المديرس، المرجع السابق، ص 05.

([8]) توفيق السيف، المرجع السابق ص 73.

([9]) هاشم عبد الرزاق الطائي، التيار الإسلامي في الخليج العربي: دراسة تاريخية، بيروت: الانتشار العربي، ص 177.

([10]) حزة الحسن، المرجع السابق، ص 425.

([11]) هاشم الطائي، المرجع السابق، ص 171.

([12]) المرجع نفسه، ص 184.

([13]) توفيق السيف، المرجع السابق، ص 69.

([14]) المرجع نفسه، ص 70 -71.

([15]) هاشم الطائي، المرجع السابق، ص 177.

([16]) المرجع نفسه، ص 172.

([17]) فلاح المديرس، المرجع السابق، ص 31.

([18]) هاشم عبد الرزاق صالح الطائي، المرجع السابق، ص 253-254.

([19]) فلاح عبد الله المديرس، المرجع السابق، ص 05.

([20]) توفيق السيف، المرجع السابق، ص 75.

([21]) المرجع نفسه، ص 52.

([22]) المرجع نفسه، ص 58.

([23]) فلاح المديرس، المرجع السابق، ص 40.

([24]) المرجع نفسه، ص 42-43.

([25]) صدر في 15 فبراير 2001، وتضمّن مبادئ عامة للإصلاح السياسي والتحوّل الديمقراطي، وحدّد نظام الحكم بـ "وراثي دستوري"، وأن الشعب مصدر السلطات الثلاث، وحصلت هذه المبادئ على تأييد 98.4% بنسبة مشاركة وصلت إلى 90.3% من البحرينيين. وكان الإعلان عن إجراء انتخابات برلمانية في أكتوبر 2002 من أهم ثمرات هذا الميثاق، ولكن وُجهت انتقادات للدستور الصادر بموجبه، أهمها أنه جاء مخالفا للمبادئ التي تضمنها بمنحه صلاحيات مطلقة للملك. لتفاصيل أكثر ينظر: وحدة تحليل السياسات، الحالة البحرينية، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 02/04/2011، على الرابط:

http://www.dohainstitute.org/release/c1a13234-4e6c-46b5-9383-37d1f0b14dd9

([26]) شحاتة محمد ناصر، سياسة النظم الحاكمة في البحرين والكويت والسعودية في التعامل مع المطالب الشيعية (2003-2008): دراسة مقارنة، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، 2011، ص 201.

([27]) أحمد صدام الشابي وآخرون، مجلس التعاون لدول الخليج العربية قضايا الراهن وأسئلة المستقبل، سلسلة كتب المستقبل العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، 2008، ص 48.

([28]) أسامة عبد الرحمان وآخرون، الخليج العربي والديمقراطية نحو رؤية مستقبلية لتعزيز مساعي الديمقراطية، الطبعة الثانية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005، ص 88.

([29]) لتفاصيل أكثر ينظر: محمد جواد رضا، صراع الدولة والقبيلة في الخليج العربي أزمات التنمية وتنمية الأزمات، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط 3، 2006.

([30]) هي عبارة عن نشاطات جماعية يقوم بها فاعلون غير جمعيين. لتفاصيل أكثر ينظر: رضوى عمار، نموذج اللا حركات الاجتماعية في تحليل سياسات الشارع، مجلة السياسة الدولية، على الرابط: http://cutt.us/5wllf

 

([31]) إيمان رجب، دلالات استمرار العنف وعدم الاستقرار في البحرين، مجلة السياسة الدولية، 18 -4-2012، على الرابط: http://cutt.us/xtf6n

 

([32]) محمد محفوظ، العرب ودولة الإنسان، القطيف: أطياف للنشر والتوزيع، ص 224.

([33]) الصدر يستنكر دخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين، موقع قناة الكوثر، 16 /03/ 2011، على الرابط:

http://www.alkawthartv.ir/index.php?option=com_content&view=article&id=11579&Itemid=115

([34]) داود البصري، حرب استنزاف إيرانية ضد البحرين، جريدة السياسة الكويتية، 28/04/2012، على الرابط: http://www.alseyassah.com/AtricleView/tabid/59/smid/438/ArticleID/188637/reftab/92/Default.aspx

([35]) توفيق السيف، المرجع السابق، ص 85.

([36]) بدر الإبراهيم، النزاعات الطائفية في منطقة الخليج، الدوحة: منتدى العلاقات الدولية، مؤتمر شباب الخليج الأول، ص 12.

([37]) توفيق السيف، المرجع السابق، ص 60.

([38]) صفحة الدكتور وليد عبد الحي على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك.

([39]) توفيق السيف، المرجع السابق، ص 68.

([40]) غسان الشهابي، المرجع السابق، ص 02.

([41]) أصابع إيران وحزب الله تحرّكان الاحتجاجات في البحرين، ميدل إيست أونلاين، 4/9/2012 على الرابط:

http://www.middle-east-online.com/?id=138448

([42]) البحرين: قوات درع الجزيرة باقية الى أن يزول الخطر الإيراني، جريدة المدينة، 18/04/2011، على الرابط:

http://www.al-madina.com/node/299458

([43]) إيران مشروع الوحدة زوال للبحرين، الجزيرة نت، 18/5/2012، على الرابط:

http://www.aljazeera.net/news/pages/0de44e92-5f96-4c43-8dea-89ff97d60ca1

([44]) الصراع الخليجي الإيراني والغياب الأمريكي، مجلة البيان، 25/06/1433ه، على الرابط:

http://albayan.co.uk/article.aspx?id=2029

([45]) الاتحاد الخليجي خطر على مشروع الفتنة الإيراني، ميدل إيست أونلاين، 16/05/2012، على الرابط:

http://middle-east-online.com/?id=131302

([46]) شيعة البحرين يرفضون الاتحاد مع السعودية، ميدل إيست أونلاين، 18/05/2012، على الرابط:

http://www.middle-east-online.com/?id=131449

([47]) طارق الحميد، بل قصدهم لبّيك يا إيران!، جريدة الشرق الأوسط، 19/05/2012م، العدد 12226، على الرابط:

http://www.aawsat.com/leader.asp?section=3&article=677963&issueno=12226

([48]) بوزيدي يحيى، خاص بالعالم من المنامة، ميدل إيست أونلاين، 27/02/2011، على الرابط:

http://www.middle-east-online.com/?id=105793

([49]) البحرين تطالب باعتذار إيراني لإقحامها في خطاب مرسي، العربية نت، 02 /09/2012م، على الرابط:

http://www.alarabiya.net/articles/2012/09/02/235617.html

([50]) محمد العرب، عبوة ناسفة "محلية الصنع" تستهدف السفارة البريطانية بالبحرين، العربية نت، 04 /12/ 2011م، على الرابط:

http://www.alarabiya.net/articles/2011/12/04/180797.html

([51]) إيران تصنع الفتنة في السعودية للتخفيف على سوريا وحزب الله، ميدل إيست أونلاين، 24/10/2011، على الرابط:

http://www.middle-east-online.com/?id=118447

([52]) محمد العرب، خفايا خلية إيرانية حاولت تفجير جسر الملك فهد، العربية نت، 25 /01/2012م، على الرابط:

http://www.alarabiya.net/articles/2012/01/25/190546.html

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق